المحتويات

مقدمة

أولًا: بعض استعصاءات المسألة الليبية

ثانيًا: خارطة توزّع الولاءات في ليبيا

ثالثًا: أهم مبادرات المسار السياسي

رابعًا: فرص نجاح المسار السياسي

خامسًا: معوّقات المسار السياسي

سادسًا: خاتمة

 

 

مقدمة

بعد عمليات حلف (الناتو) وإطاحة معمر القذافي عام 2011، كان الكل يريد أن يستفيد من هذه النهاية، من دون أن يلقي بالًا لحجم تركة الخراب التي تركها القذافي، إذ تعيش ليبيا على وقع أزمات عديدة، فهي أكثر بلدان العالم علاقة بالسلاح، حيث توجد ملايين القطع منه، ويفوق تعداد المليشيات الليبية 350 ألف عنصر (المليشيات الإسلامية المتشددة، المليشيات الإجرامية التي تتاجر بالسلاح والمخدرات والعملات وحتى البشر، المليشيات التي تذود عن حياض المناطق والبلدات).

لقد قام نظام القذافي لأكثر من أربعين سنة بتدمير كل معالم الدولة الحقيقية، مختبئًا وراء لجان شعبية نشرت الفوضى، كما نشر الجهل عبر “كتابه الأخضر”.

 

أولًا: بعض استعصاءات المسألة الليبية

ثمة استعصاءات عديدة تصعّب الاتفاق على تسوية سياسية حول نظام حكم يتيح إدارة ليبيا بصورة طبيعية، ومن أهمها:

1- الانفلات الأمني وتعدّد الجماعات المسلحة، فقد ورثت ليبيا من نظام القذافي فضاءً واسعًا من الفوضى وغياب القانون، اخترقته– بعد رحيله- جزر أمنية، كلٌّ منها يهتم بناحيته ويحتفظ بأولويات محلية. وقد ساهم هذا الحال بتدفق طالبي الهجرة إلى أوروبا من أنحاء العالم كافة، وبخاصة من أفريقيا، ونشوء عصابات إرسال المهاجرين إلى أوروبا.

2- الصراع على السلطة وغياب نخبة سياسية فاعلة، ما أفضى إلى صراعات عسكرية في مناطق ليبية عدة، خاصة بعد دخول مؤيدي النظام السابق على الخط، وقيامهم بهجمات نوعية في بعض المناطق، وحملات تحريضية، اعتمدوا فيها على ما سمّوها الخلايا النائمة. فضلًا عن محاولات قوى إقليمية تغذية الصراع وتأجيجه، بدعم مجموعات ليبية ضد أخرى.

وفي المقابل لم يتمكن الليبيون من إنتاج نخبة سياسية تستطيع أن تبني الدولة الليبية، بعد ما يزيد على أربعين عامًا على نظام معمّر القذافي الذي ترك ليبيا بدون مؤسسات دولة.

3- النزعات الجهوية الانفصالية، حيث عادت إلى الواجهة الأفكار الخاصة بإنشاء ثلاثة أقاليم فدرالية، في الشرق والغرب والجنوب، وهو ما ينبئ بتمزيق النسيج الاجتماعي الليبي بصورة تؤدي إلى تقوية النفوذ القبلي والجهوي، واستقلال الكتل الاجتماعية بالإقليم التي تعيش على أرضه. واللافت أن المعطى القبلي يتداخل في هذا الصراع، ويُعدّ جزءًا لا يتجزأ من الانقسام السياسي، إذ تنقسم القبائل الليبية بين مؤيد لبرلمان حكومة طبرق وجيشها بقيادة الجنرال خليفة حفتر، وبين مؤيد لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس بقيادة فايز السراج، وبين المؤتمر الوطني العام.

4- تنافس الدول، إذ دخلت المسألة الليبية فعليًا على خطوط التماس لاستراتيجيات الدول الإقليمية والأوروبية الخاصة بأفريقيا. وكما يبدو، ستظل ليبيا المجال الحيوي لصراع الدول الأوروبية الكبرى الأربع (إيطاليا، بريطانيا، ألمانيا، وفرنسا)، في حين يُراوح الموقف الأميركي من المسألة الليبية بين التردد واللامبالاة، ربما تطبيقًا لنظرية “الفوضى البناءة”. كما تتخوّف دول الجوار العربية (مصر وتونس والجزائر)، لا سيما على حدود تلك الدول، حيث يجد المتطرفون أرضية خصبة لنقل السلاح، وربما تصدير الدمار والعنف والفوضى إليها.

ويُخشى أن يؤدي هذا الاستقطاب الحادّ بين هذه الدول إلى تبديد الجهد المبذول من أجل التوصّل إلى صيغة توافق ليبي قابلة للتنفيذ.

 

ثانيًا: خارطة توزّع الولاءات في ليبيا

تتوزع القوى المتنافسة في ليبيا بين تنظيمات سياسية ومجموعات مسلحة عديدة، تتفاوت في توجهاتها السياسية وقدراتها العسكرية، وأهم هذه القوى:

 

1- المؤتمر الوطني العام ومكوّناته

يضم هذا التحالف طيفًا متنوعًا من القوى (الإخوان المسلمون/ حزب العدالة والبناء، تحالف القوى الوطنية، والمستقلون)، ويشمل كتائب إسلامية، ومدن جبل نفوسة، خصوصًا المناطق الأمازيغية منها، إضافة إلى بعض كتائب مدينة مصراتة، وتوجد بين هذه الكتائب كتيبة واحدة محسوبة على الإخوان.

2- القوى الجهادية المتطرفة

يتركز أكثرها في الشرق الليبي، وكذلك في منطقة الجبل الأخضر، وخصوصًا في مدينة درنة. وهي تكفِّر الدولة، ولا تؤمن بالديمقراطية، ولا بشرعية المؤتمر الوطني، كما أنها تكفِّر حفتر ومن معه. وأهم مكوّناتها: جماعة أنصار الشريعة (جرى اتهامها بالتورط في قتل السفير الأميركي في بنغازي عام 2012، فصنفتها الإدارة الأميركية منظمة إرهابية)، وميليشيات درنة (مليشيات جهادية متشددة توصف بالتكفيرية، تسيطر على مدينة درنة، وترتبط بتنظيم القاعدة).

3- الجنرال حفتر وحلفاؤه

تتشكل قوات حفتر بالأساس من عسكريين سابقين، وقد انضمت إليه مليشيات مختلفة. ويصف حفتر قواته بأنها “الجيش الليبي الوطني”، على الرغم من أنها في حقيقة الأمر ليست أكثر من ميلشيا خاصة، مثل غيرها من المليشيات على الساحة الليبية، وإن كانت أكثر انضباطًا، نظرًا لوجود قيادات عسكرية في صفوفها. ومن أبرز حلفاء حفتر: لواء الصواعق والقعقاع (يتكون من خليط من سكان المنطقة الغربية، ويغلب عليهم أفراد من قبيلة الزنتان، إضافة إلى عناصر من كتائب القذافي)، والفدراليون (يتزعمهم قائد جيش برقة إبراهيم الجضران، الذي يطالب بأن تكون برقة إقليمًا فدراليا)، وتحالف القوى الوطنية (أنشأه رئيس المكتب التنفيذي السابق للمجلس الانتقالي محمود جبريل)، وأنصار نظام القذافي. الأمر الذي يجعل قوته تحظى بميزات نسبية، أهمها أنها تضم قوات نظامية أكثر من غيرها، وأن لها شبكة حلفاء واسعة، وخصوصًا في المنطقة الغربية، فضلًا عن تسليحها الجيد والدعم الخارجي الذي تتلقاه من قوى إقليمية ودولية.

4- تحالفات فايز السراج

وتشمل (المجلس العسكري لطرابلس) الذي أعلن أنه سيتصدى لأية محاولة للعبث بأمن المدينة، إضافة إلى قوات درع ليبيا المنتشرة بين سرت ومصراتة التي أعلنت أنها ستؤمّن العاصمة طرابلس، وترفض أي انقلاب على السلطة الشرعية في البلاد.

 

ثالثًا: أهم مبادرات المسار السياسي

يبدو أن المصالحة الليبية تتغير مع تطورات الميدان، ومع تراجع تأثير القوى الإقليمية والدولية أو صعودها في مجريات الأحداث. فقد بدأ الحديث عن المفاوضات مبكرًا بعد بداية “عملية الكرامة” بقيادة الجنرال خليفة حفتر في أيار/ مايو 2014، إذ بدأت أولى جولات الحوار في أيلول/ سبتمبر من العام ذاته، كما التقى المتحاورون الليبيون في جنيف في كانون الثاني/ يناير 2015. واستمرت المفاوضات في ظل وجود صراع دامٍ متصاعد، من جنيف إلى تونس إلى الصخيرات المغربية، حيث وقّعت أطراف الحوار على اتفاق الصخيرات في 17 كانون الأول/ ديسمبر عام 2015. فبعد أن استهلكت الأزمة جهد مبعوثَين دوليَّين، عاد الموقِّعون في الصخيرات إلى مرحلة انتقالية جديدة من سنتين (ينص الاتفاق على توحيد السلطتين المتنازعتين في حكومة وحدة وطنية، تعمل إلى جانب مجلس رئاسي، وتقود مرحلة انتقالية تمتد لعامين، وتنتهي بانتخابات تشريعية).

ونشأت بعده ظاهرة “الحرب الثانية” حول مضمون الاتفاق السياسي، وصار هناك أتباع لاتفاق الصخيرات ومعارضون له، وحاولت أطراف أن تعطل (المجلس الرئاسي) المنبثق عنه بقيادة فايز السراج، والاستمرار في الصراع المسلح الذي دار حول الهلال النفطي، وانتهى إلى وضع مختلف في الجنوب بسيطرة قوات الجنرال حفتر على قاعدة عسكرية مهمة في المنطقة. واستطاعت، في الوقت نفسه، قوات “البنيان المرصوص” التي توصف بأنها تابعة للمجلس الرئاسي، السيطرة على مدينة سرت.

كما لم تتمكن لقاءات أيار/ مايو الماضي في أبوظبي بين حفتر والسراج، ولا اللقاءات التي حصلت بين الرجلين والمسؤولين المصريين، قبل اجتماعات الإمارات وبعدها، من إيجاد حلول لهذه النقاط العالقة، بينما كانت القوات العسكرية لكل من حفتر والسراج تحرز تقدمًا عسكريًا، الأولى في الشرق والجنوب، على حساب الفصائل المسلحة المعارضة لها، والثانية في العاصمة طرابلس ضد قوات ما كان يعرف بـ (حكومة الإنقاذ الوطني)، وهو ما تسبب بانقسام في صفوف الفصائل المسلحة لمدينة مصراتة، القوة الضاربة في الغرب الليبي.

وبعد أن أعلن حفتر عن “تحرير” بنغازي في الخامس من تموز/ يوليو الماضي، وبدأ بالظهور كأنه جزء من المشهد السياسي، قام رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج بالإعلان عن خريطة طريق في 16 تموز/ يوليو، ومضمونها إعلان انتخابات رئاسية وبرلمانية في آذار/ مارس من العام 2018، وكذلك توجّه لجنة الحوار التي شكلها البرلمان الليبي في الشرق، والمجلس الأعلى للدولة في الغرب في لاهاي، قبل ثلاثة أيام من إعلان السراج عن خريطته، إلى تعديل اتفاق الصخيرات، وكذلك مستقبل المجلس الرئاسي، والمادة الثامنة من الاتفاق السياسي المتعلقة بالمناصب السيادية في الدولة.

وأخيرًا جاءت مبادرة الرئيس الفرنسي، ماكرون، في 24 تموز/ يوليو، في لقاء بين الجنرال خليفة حفتر ورئيس مجلس الدولة فايز السراج للاتفاق على 10 مبادئ من أهمها: حل الأزمة الليبية لا يمكن أن يكون إلا سياسيًا، وعبر مصالحة وطنية تجمع بين الليبيين كافة، بمن فيهم الجهات الفاعلة المؤسساتية والأمنية والعسكرية في الدولة، بالإضافة إلى عودة النازحين والمهجرين، ورغبة الطرفين للسعي إلى بناء دولة مدنية ديموقراطية، تضمن فصل السلطات والتداول السلمي للسلطة، واحترام حقوق الإنسان، وتؤكد وحدة المؤسسات الليبية، والعمل على تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية في ربيع العام القادم. كما جاءت المبادرة لدعم مهمة الممثل الخاص الجديد للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، غسان سلامة، الذي شارك في المحادثات من أجل الإسهام في بلورة حل سياسي.

وأبدى الرئيس ماكرون اعتقاده بأن السراج وحفتر “يمكن أن يصبحا رمزين للمصالحة في ليبيا”، مشددًا على أنهما معًا “سيحققان السلام الدائم ويبنيان الدولة الليبية”.

وبعد لقاء باريس، شهدت روما والقاهرة وتونس والجزائر لقاءات مختلفة، حاولت كل واحدة منها رفد المهمة الأممية، حيث أعلنت القاهرة عن وجود توافق بين وفدين ليبيين من برقة ومصراتة على أربعة ثوابت: تعزيز المصالحة الوطنية، ومكافحة جميع أشكال التطرف والإرهاب، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة، وتهيئة مناخ مناسب للتهدئة عبر وسائل الإعلام لوقف حملات التأجيج والفتنة.

كما أن روسيا تبحث عن زيادة دورها في الوساطة بين الأطراف الليبية، إلا أنها لا تخفي رهانها على حفتر الذي زارها ثلاث مرات، كان آخرها في 12 آب/ أغسطس الجاري. وقد أعادت الزيارة إلى الواجهة قضية بحث موسكو عن زيادة دورها في ليبيا واستعادة مكانتها التي خسرتها بعد سقوط العقيد معمّر القذافي في عام 2011. ونقلت صحيفة “كوميرسانت” الروسية عن رئيس مجموعة الاتصال الروسية حول ليبيا، ليف دينغوف، قوله: “سنقوم بكل ما في وسعنا للمساهمة في المصالحة والتعاون الفعال بين الأطراف المتناحرة، بما فيها خليفة حفتر وفائز السراج “.

ووفق إعلان السفارة الأميركية في ليبيا عن أن حفتر التقى السفير الأميركي فيها، بيتر بودي، في العاصمة الأردنية عمّان يوم 9 آب/ أغسطس، وأكد الإعلان أن “المحادثات الأخيرة التي جرت بين الأطراف الليبية لتحقيق المصالحة الوطنية في بلدها مشجعة، وسيظل المجتمع الدولي يؤدي دورًا مهمًا في دعم ذلك الجهد”.

ولعل ما ذكره السيد غسان سلامة يترجم حقيقة واقعة حين قال: “اتفاق الصخيرات مرجعية، ولكنه ليس مرجعية قرآنية، وفكرة الانتخابات لا يمكن أن تكون ضد فكرة الاحتكام للشعب… لكنها تصر على أن يكون هذا الاحتكام بشروط وظروف تعبّر عن إرادة الليبيين، ورسالتي إلى الليبيين إذا شئتم إبقاء الأمور على ما هي عليه فلستم بحاجة لي…”. وأوضح أنه لا يستطيع القيام بشيء إذا كان الليبيون أنفسهم لا يريدون أن يكونوا جزءًا منه، قائلًا إنه “إلى جانبهم وفي خدمتهم ولكنه ليس بديلًا عنهم”.

 

رابعًا: فرص نجاح المسار السياسي

ثمة عوامل عدة تجعل التفاؤل مشروعًا. فهناك أولًا، شعور جميع الفرقاء بأن الأفق أصبح ضيقًا للغاية ولم يعد يسمح بالمناورة. وثانيًا، رفض شعبي متزايد لاستمرار الانقسام والثمن الباهظ الذي دفعه الشعب الليبي. وثالثًا، تمكّن الهيئة التأسيسية من صياغة مشروع الدستور، وهو ما يمكن اعتباره من التطورات السياسية المهمة التي طال انتظارها. ورابعًا، هناك ضغط من الجوار الإقليمي لحسم الخلافات والتصدي للخطر الإرهابي والهجرة غير الشرعية. وخامسًا، وهو الأهم، يتعلق بالإرادة الدولية لإنهاء الفوضى وتشكيل حكومة تحظى بالشرعية الدولية.

وقد بدأت مؤشرات تؤكد التحوّل نحو الاستفادة من مسار الحرب بوصفها استمرارًا للصراع على السلطة، في واجهات سياسية أخرى. وتعني النهاية هنا، في هذا السياق، تناقص عدد القتلى بالمعدل السنوي الذي ارتفع بشكل ملحوظ في العام 2015، وتضاؤل ظاهرة النزوح والهجرة، فضلًا عن بداية التهيؤ النفسي لمسارات سياسية، والحديث عن الانتخابات.

المؤشر الآخر هو إنتاج النفط الليبي، وهو الذي انخفض بمعدلات متفاوتة، ارتبطت كلها بالصراع المسلح في الهلال النفطي، والصراع بشكل عام. لكننا نجد الآن أن إنتاج النفط الليبي قد عاد إلى مستويات سابقة، فقد وصل إلى أكثر من مليون برميل يوميًا.

وبعد تعيين غسان سلامة لإدارة التفاوض بين الأطراف الليبية، بعد ظهور استحالة الحسم العسكري لهذا الفصيل أو ذاك، هناك مؤشرات تؤيد هذا الاحتمال، لعل أبرزها خروج تصريحات للسراج، تدعو إلى التحضير للحسم السياسي من خلال الاقتراع، وبروز إمكانية رضوخ الجنرال خليفة حفتر لهذا الحسم، من خلال طرح السراج إمكانية ترشّح حفتر للرئاسة، وذلك في حالة قبوله بشروط اللعبة التفاوضية، قصد إنهاء فصول المعضلة نهائيًا.

ينطلق غسان سلامة، في هذه الأجواء، لأداء مهمته الأممية، مستعينًا بتوفّر مظلات دولية وإقليمية وإرادة تسوية محلية، بعد أن وضع “القبيلة” الليبية أمام رهانات دخول معترك التسويات السياسية، مع تراتبية تجعل من الولاء لليبيا، دولة وجيشًا، الولاء الأكبر، وهو ما سيعيد ليبيا إلى مصافّ الدول. ولعلّ لقاء باريس يكون المدخل الذي سيعمل على تدحرج كرة الثلج المتضمنة لمسار تفاوضي يُنهي حالة عدم الاستقرار في ليبيا.

 

خامسًا: معوّقات المسار السياسي

يبدو أن البدلة المدنية الأنيقة التي دخل بها الجنرال حفتر قصر الإليزيه لن تحوّله إلى سياسي، فكل ما تعلّمه أن العبرة تظل بالنهاية في شيء واحد هو القوة. ولعله بات مقتنعًا بأن الرياح الإقليمية والدولية صارت تميل بقوة لمصلحته، وأنه لم يعد ممكنًا لأي قوة غربية ترغب في الحفاظ على مصالحها في ليبيا أن تتخطاه أو تتجاهله، فيما تعدّه من خطط ومشاريع للمنطقتين العربية والأفريقية للأعوام المقبلة. ولا شكّ بأن مثله الأعلى في ذلك زميله المصري الجنرال عبد الفتاح السيسي الذي وصل إلى أعلى هرم السلطة في مصر متذرعًا بأنه قام بعملية إنقاذ وطني لا غير.

ويبدو أن حفتر يبحث عن أثمان للمساعدة في وقف الهجرة غير النظامية، إذ أعلن أن تكلفة الجهد الأوروبي الضروري للمساعدة في وقف تدفق اللاجئين على الحدود الجنوبية لليبيا، تُقدّر بـ “20 مليار دولار على امتداد 20 أو 25 عامًا”. وقال لصحيفة (كورييري دولا سيرا)، في 12 آب/ أغسطس، إن مشكلة المهاجرين “لا تُحلّ على شواطئنا.. يتعيّن علينا العمل معًا لوقف موجات تدفق اللاجئين على امتداد 4 آلاف كيلومتر من الحدود الصحراوية الليبية في الجنوب”، وأضاف: “جنودي على أهبّة الاستعداد. أسيطر على أكثر من ثلاثة أرباع البلاد. لديَّ العناصر، لكن تنقصني الإمكانات”.

وفي الواقع، يُضعف حفتر التلاقي على حلول سياسية من وجهين: الأول، أن السياسات العسكرية هي خارج نطاق التفاهمات السياسية. وهذا ما يتّسق مع الوجه الثاني، حيث إن فكرة توازي الأجهزة لا تعني فقط رفض العمل تحت إمرة فايز السراج، ولكن لأجل إبعاد المشروع العسكري عن المساومات السياسية، أو أن يكون ضمن إطار التسويات، خصوصًا ما يتعلق بسياسات دمج المسلحين أو نزع سلاحهم.

لا شك في أن “إعلان باريس” خطوة إيجابية، مثله مثل عديد من المبادرات التي سبقته والتي كانت تصطدم دومًا بعقبة التنفيذ. وكانت صعوبة، إن لم تكن استحالة التنفيذ، تنبع دائمًا من تعدد الأطراف الفاعلة الليبية التي تتنافر مواقفها ومصالحها. وكثيرًا ما غذّت التدخلات الخارجية، الإقليمية والدولية، من تباعد تلك المواقف وساهمت في تشدّد بعض الأطراف الداخلية ورفضها تقديم أي تنازلات. وهو الأمر الذي جعل بعضها يُفضّل الحل العسكري على ما عداه من تسويات سياسية، تتطلب بالضرورة التوصل إلى حلول وسط.

ويتمثل المعوّق الثاني في التغلّب على ضعف، وربما انعدام، الثقة بين الأطراف الرئيسية. فالجنرال حفتر هاجم مرارًا في وسائل الإعلام بعض أعضاء المجلس الرئاسي، متهمًا إياهم بالمتطرفين المرتبطين بتنظيم “القاعدة” الإرهابي، أو بصلتهم بتنظيم “داعش”. ولا تُخفي الميليشيات، خاصة الإسلامية منها، تشكّكها في نوايا حفتر وهي تناصبه العداء. ولا يبدو أن السراج لديه القدرة على السيطرة على تلك الميليشيات، فحكومة الوفاق الوطني التي يترأسها لا تسيطر فعليًا إلا على أجزاء من غرب البلاد ومن طرابلس، بينما مازال العديد من المناطق ومن أحياء العاصمة يقع تحت سيطرة ميليشيات “مصراتة” وما يُسمى بـ “حكومة الإنقاذ الوطني” غير المعترف بها دوليًا، والتي تهيمن عليها القوى والميليشيات الإسلامية. كما أن إقليم فزّان في الجنوب الغربي يقع بدرجة كبيرة خارج سيطرة طرفي إعلان باريس. ويُثير هذا الوضع شكوكًا حول القدرة على تنظيم انتخابات عامة، تشريعية ورئاسية، في الربيع المقبل، إذا لم يحدث تقدم واضح نحو اتفاق الأطراف الرئيسية على تسوية سياسية مُرضية. وهو ما يعنى عمليًا ضرورة إدخال بعض التعديلات على اتفاق الصخيرات.

ويتفق معظم الأطراف على ذلك، ومن بينهم مبعوث الأمم المتحدة الذي أعلن أن اتفاق الصخيرات مرجعية ولكنه “ليس مرجعية قرآنية”. وهو ما يعنى ضرورة تعديله، بحيث يأخذ في اعتباره التطورات التي حدثت على أرض الواقع منذ توقيعه، خاصة تقدم قوات الجيش بقيادة حفتر، التي نجحت في 5 تموز/ يوليو الماضي في استعادة السيطرة على كامل مدينة بنغازي في شرقي البلاد، بعد ثلاث سنوات من المعارك مع الميليشيات المتطرفة. كما أنها مدّت نفوذها إلى بعض مناطق الغرب والجنوب، بما فيها عاصمة الجنوب “سبها”، بعد سيطرتها على قاعدة الجفرة العسكرية المهمة في وسط البلاد في حزيران/ يونيو الماضي.

كما أن أحد معوّقات المسار السياسي يتمثل في تجاهل وعدم إشراك الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالنزاع الليبي. وقد استاءت إيطاليا بشدّة، على سبيل المثال، من التحرك المنفرد لباريس، فهي معنية قبل غيرها من دول أوروبا بإحدى النتائج السلبية المباشرة لاستمرار النزاع الليبي والمتمثلة في تدفّق عشرات آلاف اللاجئين غير الشرعيين.

وإذا كان الوجود العسكري الفرنسي الكبير في أفريقيا قد أتاحه توافق دولي، حين استطاعت فرنسا القيام بعمليات تدخل عسكري مباشر في كل من مالي وأفريقيا الوسطى بتفويض مباشر من مجلس الأمن، فإن هذا التوافق بدأ في التآكل، خصوصًا في ظل التحفظات الأميركية الأخيرة على إعطاء فرنسا تفويضًا مطلقًا للتدخل العسكري في أفريقيا، إذ طلبت واشنطن أن يكون التفويض لكل حالة على حدة.

كما أن ردّ حفتر العنيف ضد إيطاليا خلط الأوراق الليبية والإقليمية والدولية مجددًا، باعتباره التدخّل الإيطالي، على تواضعه، “انتهاكًا للسيادة الليبية”، وهو يرفع درجة التوتر مع طرف دولي يعتبر لاعبًا مهمًّا في الساحة الليبية، ويُضعف عملية مكافحة الهجرة بتأويلها كتدخل عسكري وسياسي، كما أنه ينزع، مجددًا، أي اعتراف بصلاحيات فايز السراج الذي يُفترض أنه صار شريكًا للجنرال في عملية التسوية السياسية.

كما أن الصيغة التي قدّمها الرئيس ماكرون على أن السراج يمتلك شرعية سياسية وحفتر شرعية عسكرية أمر صعب التصوّر، إلا إذا كان المقصود منه تسليم السراج سلطات شكلية، على أن تكون مفاتيح السلطة الفعلية بيد حفتر، وبالتالي، فهي تأكيد للمقاربة الفرنسية القائمة على دعم حفتر سياسيًا وعسكريًا، لأنه الوحيد، في نظرها، القادر على محاربة الجماعات الإرهابية في ليبيا. وبهذا، تسير فرنسا على خطى فاعلين إقليميين يعملون على مراجعة الشرعية في ليبيا، بوضع حفتر والسراج في المصاف نفسه، كما فعلت الإمارات ومصر في استقبالهما الرجلين، لكن ليس دعمًا للسراج وإنما لحفتر. مثل هذه المقاربة قد تُدخل أي تسويةٍ سياسية في ليبيا في حلقة مفرغة، لأن أي تغيير في موازين القوى على الأرض سيراجع العملية السياسية مجدّدًا، ما يعني تخبّط البلاد في حرب شرعيات لا نهاية لها، خصوصًا أن الأطراف المتناحرة تؤمن بصفرية الصراع.

من ثم، يمكن القول إن المسار الثنائي، بالاعتماد على فاعلَين ليبَّيين، على الرغم مما يمثلانه، هو اختزال للمشهد الليبي المعقد، وتجاهل لصراع الشرعيات في ليبيا، فهناك تيارات ترفض السراج وأخرى ترفض حفتر، فيما ترفضهما تيارات أخرى معًا. كما أن اعتماد الثنائية هذه، عبر السراج وحفتر، هو استمرار لمعضلة الشرعية ذاتها: الصراع بين شرعيات متناحرة محليًا من جهة، والصراع بين الشرعيتين المحلية والدولية.

لن تكون النيات الصادقة، أو حقائق الميدان وحدها، المتحكمة في نجاح مساعي الرئيس الفرنسي ماكرون، أو إخفاقها، بل ستكون القوى الإقليمية محدّدة بدورها فيما ستؤول إليه الأمور: الجزائر وإيطاليا ودول أخرى، من دون نسيان بقايا “الشرعيات القديمة” (حفيد الملك السنوسي، وسيف الدين القذافي) وتحالفاتها الغريبة أحيانًا.

الأمر الثابت أن ليبيا، بحكم طبيعة أزمتها وموقعها، أصبحت مسرح أجندات دولية متضاربة، ففي الوقت الذي تحدث فيه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن أن بلاده تعتزم إنشاء مراكز لدراسة طلبات اللجوء إلى أوروبا في ليبيا، سارعت إيطاليا إلى التحرك الميداني بتجهيز قوة بحرية تنتشر أمام السواحل الليبية، وكأن روما تريد أن تقول لباريس إن زمام الوضع هناك يجب أن يكون بيد إيطاليا. وهذه المسألة معروفة، فالصراع بين البلدين على ليبيا يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وما زال مستمرًا كما هو واقع الحال. وفي هذه المرحلة، يريد الإيطاليون أن يظل حسم ملفّ الهجرة بأيديهم، ليكون ذلك مقدمة لكسب النفوذ على الدولة الليبية والاستئثار بمشاريع الاستثمار المستقبلية، دون أن يكون للفرنسيين وغيرهم نصيب قد يُخلّ بنظام حصص المستعمرين القدامى في المستعمرات السابقة ومنها ليبيا.

كما يُعدّ الموقف الأميركي أيضًا مهمًا، ومن شأن ضوء أخضر من واشنطن أن يسرّع مخرجات اتفاق باريس نحو الدفع قُدمًا لإنهاء الأزمة الليبية.

 

سادسًا: خاتمة

إنّ اهتزاز الثقة في المناخ السياسي سوف يترتب عليه أن تواجه ليبيا عامين من الجدل حول الوصول إلى نقطة الاستقرار، فالمرحلة الانتقالية الجديدة تحمل في طيّاتها اختلالات المراحل السابقة، وتعاني من غموض المستقبل. فعلى الرغم من الحشد الدولي وراء الاتفاق، فإنّ هشاشة مؤسسات الدولة، وسيولة (مجلس النواب) و (مجلس الدولة)، تواجه انقسامات اجتماعية وعسكرية، تتطلب توافر مناخ للمصالحة الوطنية والمعالجة السريعة لملفّ الأمن ودمج المسلحين.

أما مدى النجاح الذي يمكن أن يتحقق، فمرهون بالمثابرة التي سيُبديها الداعمون لخريطة الحل النهائي، مع الاعتراف مسبقًا أن المهمة لن تكون سهلة وقد تقتضي إجراءات قاسية منها التدخل العسكري الغربي.

ولعل المعضلة العامة في السياسة الليبية تتمثل في سياسات ضبط الصراعات المسلحة ومعالجة تشتت الكيانات السياسية وتنافرها، لتكوين كتلة حرجة، يمكن الارتكاز عليها لتنفيذ أي حل سياسي.

ويبدو أن اللحظة هذه ليست مناسبة لحلول جذرية للمشكلات الليبية، ولا حتى للحظة بناء الدولة الليبية، بل هي لحظة اتخاذ قرار صعب بتقديم تنازلات تُمكِّن الناس من التعايش منعًا للتدمير الذاتي، وتمهيدًا، ربما، لبناء الثقة بين الأطراف المتنافسة. وتكون التسوية أفضل، كلما أرسيت على أسس أكثر متانة من العجز عن الانتصار في حرب أهلية، وفي حالة القوى المتصارعة في ليبيا، أساسها المتين وحدة ليبيا، وجعل أهداف ثورة 17 شباط/ فبراير 2011 مصدرًا للشرعية.