المحتويات

1 ـ إعلان الفدرالية

2 ـ ردّات الفعل على “إعلان الرميلان”

3 ـ السيناريوهات المحتملة

4 ـ سؤال الفدرالية

5 ـ خاتمة

 

احتلّ موضوع “الفدرالية” في سورية، ولا يزال، حيّزًا مهمًا في حوارات السوريين وسجالاتهم، في الأشهر الثلاثة الأخيرة التي أعقبت إعلان أكراد سورية وحلفائهم الفدراليةَ، في منطقة “روج آفا” (غرب كردستان).
كيف كانت ردّات الفعل على هذا الإعلان؟ وما السيناريوهات المحتملة؟ وهل تشكل “الفدرالية” استجابة لحاجات الواقع السوري الراهن؟ وبالتالي، كيف يتلمّس السوريون طريق الخلاص؟

1 ـ إعلان الفدرالية

اجتمع في 17 آذار/ مارس الماضي 200 مندوب، يمثلون 31 حزبًا كرديًا وآشوريًا وسريانيًا، في مدينة الرميلان الخاضعة لسيطرة “وحدات حماية الشعب” الكردية، وعقدوا المؤتمر التأسيسي لـ “نظام الإدارة في روج آفا”، تحت شعار “سورية الاتحادية الديمقراطية ضمان للعيش المشترك وأخوة الشعوب”، وأتت هذه الخطوة بعد أكثر من عام على إعلان “حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي”، الذي يتزعمه صالح مسلم، “الإدارات الذاتية” في شمال سورية، والتي ضمّت ثلاثة أقاليم: (الجزيرة، وعين العرب/ كوباني، شرق نهر الفرات، وعفرين غربه).

اللافت للانتباه أن هذا المؤتمر، جاء في عقب التصريح الذي كان قد أدلى به نائب وزير الخارجية الروسية، سيرغي ريابكوف، في نهاية شهر شباط/ فبراير الماضي، والذي قال فيه: إن موسكو “تأمل أن يتوصّل المشاركون في المفاوضات السورية إلى فكرة إنشاء جمهورية فدرالية”، وأضاف: “لا بدّ من وضع معايير محدّدة للهيكلة السياسية في سورية في المستقبل، تعتمد على الحفاظ على وحدة أراضي البلاد، بما في ذلك إنشاء جمهورية فدرالية خلال المفاوضات”.

أوحت ردّات الفعل على هذا الاقتراح الروسي، في حينه، أنه قد يكون ممكنًا أو جديًا، كما قد يكون بالون اختبارٍ أيضًا، أو فكرة أُلقيت لجسّ النبض. ومن جهته، قال يوري فينين، كبير الباحثين في معهد العلاقات الدولية في موسكو: إن ما أشار إليه ريابكوف ما هو إلا “فكرة من بين الأفكار التي يجري تداولها”، وأن “هذه الفكرة، وإن كانت مجرّد تصريح إعلامي فحسب، إلا أنها الأقرب إلى الواقع السياسي والديموغرافي، الذي تشكّل في ظلّ الأزمة السورية المستمرة منذ سنوات”، مُنبهًا إلى أن مثل هذا الطرح -في الوقت الحالي- “يمكن أن يفتح الباب أمام اقتراحات أخرى، ستجري مناقشتها في المفاوضات المرتقبة في جنيف”.

ربط محلِّلون بين تصريح ريابكوف وإعلان الولايات المتحدة الأميركية -قبل مدة وجيزة- عن وجود “الخطة ب”، وتحذيرها السوريين والعالم من احتمال تقسيم البلاد إذا طال أمد النزاع. هذا، في الوقت الذي نقلت فيه شبكة “سي إن إن” الإخبارية الأميركية عن الأدميرال المتقاعد، جيمس ستافريديس، القائد السابق لقوات التحالف بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن الخطة الاحتياطية، أو “الخطة ب”، التي تحدث عنها وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، قد تتضمن عملًا بريًا تُستثنى روسيا منه.

تزامن هذا -أيضًا- مع الحديث الذي أخذت نبرته بالارتفاع، دوليًا ومحليًا، عن احتمال تقسيم سورية إلى أربعة أقاليم: إقليم “كردستان سورية” ومركزه الحسكة، و”إقليم الساحل” الذي تُلحق به حمص، و”إقليم جبل العرب”، وأخيرًا الإقليم الذي يشمل ما تبقى من البلاد، ويكون تحت النفوذ السنيّ، على أن تكون دمشق عاصمته.

2 ـ ردّات الفعل على “إعلان الرميلان”

بعد صدور الإعلان مباشرة، صدر تصريح عن وزارة خارجية النظام في سورية، حذّر فيه “أيّ طرفٍ تسوّل له نفسه النيل من وحدة أرض الجمهورية العربية السورية وشعبها، تحت أي عنوانٍ كان، بمن في ذلك المجتمعون في مدينة الرميلان”، وأكّد أن “طرح موضوع الاتحاد، أو الفدرالية، سيشكل مساسًا بوحدة الأراضي السورية… ولا قيمة قانونية له”، وأوضح أنه “لن يكون للإعلان أيّ أثر قانوني، أو سياسي، أو اجتماعي، أو اقتصادي؛ طالما أنه لا يعبّر عن إرادة كامل الشعب السوري”.

كذلك صدر بيان عن “ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية” أكّد أن “لا مكان لأي مشاريع استباقيّة، تصادر إرادة الشعب السوري”، وحذّر “من أيّ محاولةٍ لتشكيل كيانات، أو مناطق، أو إدارات، تصادر إرادة الشعب السوري”، وشدّد على أن “تحديد شكل الدولة السورية، أكانت مركزية أم فدرالية، ليس من اختصاص فصيلٍ بمفرده”.

غير أن رئيس “المجلس الوطني الكردي في سورية”، إبراهيم برّو، قال لشبكة “روداو” الإعلامية، قبل أربعة أيامٍ من اجتماع الرميلان الذي صدر عنه الإعلان: إن “المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي مستورا، ووزراء خارجية أميركا وروسيا والدول الأوروبية، يؤكدون على ضرورة إقامة نظام فدرالي في سورية”، وأوضح “أن المجلس يؤمن بأن الفدرالية لا تعني تقسيم سورية… وإذا لم يتم تطبيق الفدرالية؛ فإن البلد سيُقسّم، وعندها سيتحسّر السوريون على الفدرالية”. علمًا بأن “المجلس الوطني الكردي” هو أحد المكونات المهمة في “ائتلاف قوى الثورة والمعارضة”. إلى هذا، دعت “رئاسة إقليم كردستان العراق” الأكراد في سورية من أجل تأييد نظام فدرالي لسورية و”كردستان سورية”.

سرعان ما خرجت تظاهرات في يوم الجمعة، التالي لإعلان الأكراد عن فدراليتهم، في العديد من المدن التي تسيطر عليها قوات المعارضة، وأتت متزامنة مع الذكرى الخامسة لاندلاع الثورة، وأعرب المشاركون فيها عن رفضهم الكامل للفدرالية ولتقسيم البلاد.

وعلى صعيد ردّات الفعل الدولية؛ قال المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأميركية، جون كيربي: “لا نؤيّد قيام مناطق حكم ذاتي، أو مناطق شبه مستقلة داخل سورية”، وأكّد أن ما يريده الأميركيون هو “سورية موحّدة بكاملها، فيها حكومة لا يقودها بشار الأسد، تستجيب لتطلعات الشعب السوري، سورية موحّدة غير طائفيّة… هذا هو الهدف”.

في الوقت ذاته، قال مارك تونر، المسؤول في الخارجية الأميركية، للصحفيين: “إن واشنطن لن تعترف بمنطقة موحدة، وتتمتع بحكم ذاتي، تعلنها المجموعات الكردية في سورية”، وأضاف: “هذا أمر ينبغي أن تتمّ مناقشته، والموافقة عليه، من جميع الأطراف المعنية في جنيف، ثم من الشعب السوري نفسه”.

أما على صعيد ردّات الفعل الإقليمية، فقد أعلن مسؤول تركي كبير أن بلاده “تعارض إقامة أي كيانات جديدة في سورية، وأنه لا يمكن اتّخاذ خطوات منفردة على أسس عرقية”، كما أعلن رئيس الحكومة التركية في ذلك الوقت، أحمد داود أوغلو، إثر زيارة قام بها إلى طهران في شهر آذار/ مارس الماضي، أن تركيا وإيران ضدّ تقسيم سورية. وكان الرئيس الإيراني، حسن روحاني، قد سبقه إلى القول: إن بلاده “تُدافع عن وحدة سورية، وسيادة الدولة على كامل أراضيها”، وأشار إلى وجود خلافٍ مع روسيا حول فدرلة سورية، خصوصًا بعد دعم روسيا مثل هذا الخيار، وفتح مكتبٍ تمثيلي لأكراد سورية في موسكو.

3 ـ السيناريوهات المحتملة

بعيدًا من التصريحات الدبلوماسية والإعلامية التي تصدر هنا، أو هناك، والتي تتوافر على قدرٍ من التضليل، فإنّ الممارسات المشتركة الأميركية- الروسية، تشير إلى أن العمل، في هذه المرحلة، قد يكون جاريًا، ليس على إعادة النظر بالدولة التي حدّدتها اتفاقية سايكس- بيكو، وإنما على إعادة صوغها، بقصد إضعافها تحت مسميّات مختلفة، الفدرالية، أو المحاصّة الطائفية لا فرق، مع السعي لتفريغ السلطة المركزية والسيادة الوطنية من مضمونيهما.

صار أمرًا متداولًا أن أميركا وروسيا تفكران في واحدٍ من السيناريوهات المطروحة؛ لحلّ المسألة السورية، بالفدرالية؛ ذلك أن الروس ينظرون إليها على أنها وسيلة، تحفظ سيطرة “نظام الأسد” على المناطق التي تسكنها الأغلبية “العلوية” على الأقلّ، والتي تضمّ قاعدة طرطوس البحرية الاستراتيجية بالنسبة إلى موسكو، وقاعدة حميميم الجوية التي أقامتها، بعد تدخلها في سورية، في 30 أيلول/ سبتمبر 2015. أما بالنسبة للأميركيين؛ فتبدو الفدرالية -من وجهة نظرهم- حلًا واقعيًا ممكنًا، لبلدٍ تشرذم -بالفعل- إلى مناطق عديدة، تسيطر عليها جماعات مسلّحة، ذات توجّهات متباينة.

غير أن هذا الأمر يدعونا إلى استحضار التجربة العراقية في هذا المضمار؛ ذلك أن الأطروحة الفدرالية في العراق، لا تزال حديثة العهد؛ فقد ظهرت في عقد التسعينيات من القرن المنصرم، بُعيد غزو دولة الكويت، وانتفاضة آذار/ مارس 1991، وخروج منطقة شمال العراق (كردستان العراق)، ذات الأغلبية الكردية، من قبضة السلطة المركزية في بغداد، بدعمٍ من قوات التحالف الدولية، وفي 4 تشرين الأول/ أكتوبر 1992، اتخذ البرلمان الكردستاني قرارًا بتبنّي النظام الفدرالي للعراق؛ الأمر الذي أثار، في حينه، جدلًا واسعًا حول الآثار المستقبلية، المترتبة على العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العراق، وفي دول الجوار.

منذ تلك الفترة، أيّ تسعينيات القرن المنصرم، كان موضوع الفدرالية يُطرح، بين الحين والآخر، من جانب القوى الكردية، ولا سيّما الحزبين الكبيرين: الديمقراطي الكردي، والاتحاد الكردستاني، في المؤتمرات والتحالفات التي كانت تنظّمها وتجريها المعارضة خارج العراق، وبعد سقوط نظام صدام حسين، عام 2003، وفي ظلّ الاحتلال، تبنى قانون إدارة الدولة العراقية الموقّت مبدأ الفدرالية، وتُطرح –اليوم- تساؤلات عمّا إذا كانت هناك مساعٍ في سورية؛ لاستنساخ التجربة العراقية، أو الاسترشاد بها.

إذا كان ثمّة شيء من هذا القبيل، يجري العمل عليه في الدوائر والمرجعيات الدولية المقرّرة؛ فعلى الأغلب سوف يكون مصيره الفشل، لا بل سيكون، في سياق الواقع السوري الراهن، ومع الحقائق التي ارتسمت على الأرض، نوعًا من العبث بمصير الكيان، وخطوة في اتجاه تمزيق البلاد، وتحويلها إلى (كانتونات) هشّة، تحمل في داخلها بذور شقاقٍ ستفضي إلى سفك الدماء، و حروب مفتوحة.

يعود ذلك إلى الاختلاف الكبير بين الحالتين: العراقية والسورية؛ فسورية، بخلاف العراق، لا تسمح طبيعتها الجغرافية، وتداخل مكوّناتها، بالقسمة وفق هذا التصور الذي يُراد الاسترشاد به، أو استنساخه؛ إذ لا يستطيع أيّ مكوّنٍ الانفصال عن غيره، خاصة أن الأقليات العرقية والدينية والمذهبية في سورية، ليس لها جغرافيا محدّدة، وليس لها أغلبية بشريّة إلا في أماكن محدودة، غير مؤهلةٍ لأن تكون أقاليم فدرالية قائمة بذاتها. وعلى سبيل المثال، تتوفر المناطق، التي أعلن أكراد سورية فدراليتهم فيها، على أغلبية عددية عربية وليست كردية، ففي محافظة الحسكة، والتي تُعدُّ أكبر جزءٍ من هذه الفدرالية المزعومة، يوجد 1717 قرية، عدد القرى العربية منها 1161 وعدد الكردية 453، بينما البقية فأشورية وعربية مختلطة، أي أن القرى الكردية لا تُشكّل أكثر من 26في المئة من إجمالي قرى تلك المنطقة، وهذا الأمر ينطبق -تقريبًا- على عدد السكان.

4 ـ سؤال الفدرالية

بعيدًا من ردّات فعل ومواقف كثيرٍ من السوريين، الذين رأوا فيما يجري خطوة في اتجاه تمزيق البلاد، وتحويلها إلى (كانتونات) هشّة، تقوم -في مجملها- على فكرة تقسيم البلاد إلى دويلات مذهبية وعرقية، تحمل في دواخلها بذور شقاقٍ تؤدي إلى حروب مفتوحة؛ فإن السؤال المشروع هو: هل يمكن أن تكون الفدرالية مخرجًا من الحالة الراهنة، التي آلت إليها أوضاع سورية، وأوضاع السوريين؟

لا بدّ من التنويه -أولًا- إلى أن “الفدرالية”، من حيث المبدأ، هي أحد الأشكال المضافة إلى “فكرة الدولة”، أو “مفهوم الدولة”، وقد جاءت تلبية للحاجات التي اقتضاها تطور المجتمعات البشرية، في تاريخها الحديث والمعاصر، وبهذا المعنى، هي معطى حداثي بامتياز، بغضّ النظر عن تلك التجارب الشبيهة التي عرفتها البشرية، في تاريخها القديم والوسيط. وكما تنشأ باتحاد مجموعةٍ من الدول أو الولايات؛ فإنها تنشأ -أيضًا- من خلال تفكك دولٍ بعينها.

وبما أن الفدرالية وليدة الدولة الوطنية القوية، دولة الديمقراطية والمواطنة؛ فهي مصدر لقوة هذه الدولة أيضًا، ثم إن علاقة جدلية[تكافلية] وطيدة تربط بين الفدرالية من جهة، والديمقراطية والمواطنة والهُوية من جهة أخرى.

وبعيدًا من بعض التجارب الرديئة، التي ارتكست إليها، هنا أو هناك، فقد هدفت، في المفهوم الذي قامت عليه، إلى تأسيس نظام دستوري قوي، ترتكز عليه التعددية الديمقراطية؛ كونها تعمل على تعزيز الديمقراطية النيابية، عبر توفير مواطنة مزدوجة في مركز جمهوري واحد، وتساهم في تجسيد مبدأ العدالة القضائية في مواجهة العسف الذي قد تبديه الدولة؛ لأنها تضعف قدرتها على انتهاك الحقوق، عداك عن أن الإجراءات القانونية اللازمة لصنع القرار، في الأنظمة الفدرالية، تحدّ من سرعة الحكومة في التصرف.

وبالعودة إلى السؤال المطروح أعلاه، هل يمكن للفدرالية أن تكون مخرجًا من الحالة الراهنة التي آلت إليها أوضاع سورية وأوضاع السوريين؟ نشير بإيجاز إلى:

1 ـ لم يحز السوريون، منذ جلاء المستعمر الفرنسي عن سورية، في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، وحتى الآن، على “دولة وطنية” بالمعنى الحديث لهذا المفهوم؛ والدولة التي قامت بعد الجلاء، وكانت تتوافر على الحدّ الأدنى من الأدوات الكفيلة بإدارة شؤون البلاد، ورثناها عن المستعمر الفرنسي، وهي من إنجازه.

2 ـ لم يُتح لهذه الدولة أن تنمو وتزدهر في سياق طبيعي، مع تداعيات نكبة فلسطين، وقيام دولة إسرائيل في عام 1948، ثم مع تداعيات الانقلابات العسكرية المتتالية التي شهدتها البلاد، منذ عام 1949، وحتى عام 1954. لا، بل أخذت تشهد مسارًا من التراجع في ظلّ تلك الانقلابات.

3 ـ بعد القضاء على حكم الشيشكلي عام 1954، شهدت سورية مرحلة ديمقراطية قصيرة، استمرّت حتى عام 1958، وشهد السوريون -في تلك المرحلة- تشكّل جنين دولة وطنية ديمقراطية، ثم ما لبث أن انقطع هذا السياق بقيام دولة الوحدة عام 1958.

4 ـ مع فشل الوحدة عام 1961، لم ينجح السوريون، إبّان حكم الانفصال، في استعادة هوية دولتهم السابقة (الوطنية والديمقراطية)، ثم ما لبثت أن سقطت الدولة ذاتها، أو جرى إسقاطها عام 1963، إثر الانقلاب العسكري الذي استولى عليه حزب البعث، وانفرد -بشكل شبه مُطلق- بالمجالين: السياسي والسلطوي، ثم أخذت الدولة بالتلاشي -تدريجيًا- في مواجهة تغوّل السلطة، وما زال السوريون يعيشون هذه المرحلة حتى الآن.

5 ـ كان من أبرز تجليات السياسات التي سادت سورية طوال العقود الخمسة الماضية، ذلك التراجع المريع للهُوية الوطنية الجامعة، وهو تراجع محمولٌ على إرساء سياسات تمييزية، وإثارة عصبيات، وإحياء هويات فرعية ما قبل الوطنية، أو ما يطلق عليها أمين معلوف “الهويات القاتلة”، تجسّد بصورة فاقعة في واقعنا السوري، وساد الانتماء الأعمى هذه العصبيات؛ فتشظّت الهُوية الوطنية السورية إلى هُويات عديدة: عربية وكردية وسنية وعلوية ودرزية ومسيحية، ولقد كشف “نظام آل الأسد” حقيقته البشعة، خلال السنوات الخمس الأخيرة، وتبيّن أنه ليس نظامًا طائفيًا وعشائريًا وفاشيًا فحسب، وإنما نظام زبائني أيضًا؛ فبعد أن قتل مئات الألوف، وهجّر الملايين من أبناء سورية، بات يعتمد -في بقائه- على حماية إيرانية- روسية- أميركية- إسرائيلية. أما “وحدويته” الشعاراتية؛ فتقلّصت إلى تحصين “سورية المفيدة”، والمساومة مع قوى انفصالية كردية على كيانٍ، يتمدّد يومًا بعد يوم، برعاية دولية مشبوهة، تحمل على الاعتقاد بأن الكلام عن “خريطة تقسيم” جديدة، ما عاد كلامًا في الهواء.

5 ـ خاتمة

في ظلّ صراع الهُويات القائم اليوم، وكذلك الحرب التي عصفت بسورية، أصبح السوريون في حاجة ملحّةٍ إلى عقدٍ اجتماعي جديد، ينقلهم إلى الحالة الوطنية الأرحب. وبطبيعة الحال، ليس المدخل إلى ذلك مشروع “الفدرالية الكردية” في شمال سورية وشرقها، ومشروع “سورية المفيدة” في غربها.

مثل هذه المشاريع، لن تؤول، في ظلّ الأوضاع الراهنة، إلى قيام دولة فدرالية في سورية، بل سوف تنتهي – غالبًا – إلى العصف بالكيان الوطني القائم، وربما بكيانات أخرى، أقلّ حصانة من سورية، مثل: لبنان، والأردن، وما تبقى من فلسطين؛ ذلك أن معضلة الحلّ الفدرالي، في ظلّ هذه الأوضاع، تكمن في أنه سيقوم على الأساس الذي ترسمه القوة النارية للمتحاربين على الأرض؛ حيث كان لخرائط القتال المتغيرة على مدى أكثر من خمسة أعوام، وخرائط المجازر والتغيير الديموغرافي، الدور الأساس في رسم الحدود، وفقًا للهُويات الطائفية والإثنية.

أما بخصوص القضية الكردية؛ فليس من شكّ في أن المظلومية الكردية هي مظلومية سورية، وإن لم يستطع السوريون حلّها في إطار الكيان الوطني السوري، وفي سياق إحياء دولة وطنية؛ فلن يستطيعوا حلّها في إطار الإقليم الكردي المقترح؛ لهذا تبدو الحاجة مُلحّة الآن، أكثر من أي وقت مضى، إلى تنظيم وإطلاق حوار وطني واسع، يقوم به سوريون أحرار، يمتدّ ليشمل البلد بأكمله، ويفضي إلى عقد اجتماعي جديد. وإنه لأمر بديهي أن استعادة الدولة أولًا، وإرساء الدولة الوطنية الحديثة، والمجتمع الديمقراطي التعددي ثانيًا، يشكلان حجر الزاوية في العقد الاجتماعي المأمول.. وليتحدث -بعد ذلك- من يشاء عن شكل الدولة الذي يشاء.