دراسة مقارنة بين المغرب وتونس ومصر

المحتويات:

ملخص

مقدمة

أهمية البحث وأهدافه

مشكلة البحث

فرضية البحث

المفهومات المستخدمة والمقاربة المنهجية

أولًا: إشكالية تعريف الأقلية في القانون الدولي

ثانيًا: الأقليات قبل الربيع العربي (إنكار دستوري وتهميش سياسي)

1- المغرب: تعريب الهوية الأمازيغية

2- مصر: التمييز على أساس الدين

3- تونس: التجانس الذي يحجب التنوع

ثالثًا: حقوق الأقليات في الدساتير الجديدة

1- الاعتراف بهوية الأقليات ووجودها

2- مبدأ المساواة وعدم التمييز

3- الحريات الدينية

رابعًا: حقوق الأقليات (الاعتراف الناقص)

1- الحماية الدستورية الغائبة

2- تفعيل النصوص الدستورية (التحدي الأكبر)

المراجع

ملخص

تتطرق هذه الورقة إلى موضوع الاعتراف الدستوري بحقوق الأقليات في الدول العربية التي باشرت عمليات الانتقال الديمقراطي، وذلك من خلال دراسة مقارنة بين النصوص الدستورية الجديدة في المغرب، تونس ومصر. وتندرج هذه الدراسة في إطار إدارة المسألة الدستورية في هذه البلدان، وأيضًا في إطار معالجة موضوع الحماية القانونية والدستورية المخصصة للأقليات، وبخاصة أن أغلب دول الربيع العربي تصر على إنكار التنوع العرقي والديني واللغوي.

وتحاول الدراسة الإجابة عن تساؤل يتعلق بمدى نجاح الدساتير الجديدة في هذه الدول في تعزيز الحقوق الفردية والجماعية لأقلياتها وحمايتها، ومدى قدرتها على التأسيس لمشاركة سياسية حقيقية للأفراد المنتمين إلى أقليات بما ينعكس إيجابًا على إنجاح عملية الانتقال الديمقراطي.

وتصل الورقة إلى خلاصة مفادها ضعف الحصيلة الدستورية في موضوع الترسيخ الدستوري لحقوق الأقليات وبخاصة في كل من تونس التي تحتضن أقليات دينية وعرقية مختلفة ومصر التي تشكل الأقلية القبطية نحو عُشر سكانها. أما بخصوص الحالة المغربية فان المعالجة الدستورية لهذا الموضوع تبدو مشجعة نسبيًا بالاعتراف أول مرة باللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، على الرغم من أن هذا الاعتراف لم يترجم بعد على أرض الواقع.

مقدمة

تعد الأقليات من الموضوعات التي تتصدر قائمة البحوث والدراسات المتعلقة بالجماعات الإثنية وبالقضايا وثيقة الارتباط لتشعبها وحساسيتها وأهميتها، درجة أن هناك من يفترض أن دراسة الأقليات تلي في أهميتها دراسة الحروب[1]. وتندرج دراسة الأقليات أيضًا في إطار الدراسات التي تهدف إلى تعزيز فرص السلم والأمن في العالم، فعلى مدار 5.000 سنة اندلع نحو 14.000 حرب كان كثير منها مرتبطًا بالصراعات الإثنية والعرقية[2].

وإذا كانت الصراعات الإثنية بين جماعتي الأقلية والأغلبية تعد ظاهرة دولية لم تستثنِ حتى الدول المتقدمة، فإنه من المؤكد أنها تظهر أكثر في المجتمعات التقليدية نظرًا إلى بساطة تركيب بنياتها وضعف انصهارها الذاتي[3]. وهو ما ينطبق بوضوح على البلدان العربية التي تحتل فيها العشيرة والقبيلة مكانًا بارزًا في معظم مجالات الحياة.

وعلى الرغم من المساهمة الكبيرة للأقليات في بناء اقتصاد الدول العربية وصناعة تاريخها، كما هو حال نوبيي مصر وأقباطها وأقليتها الشيعية التي يرجع إليها الفضل في بناء مدينة القاهرة وجامع الأزهر، كثيرًا ما يجري اضطهادها أو تهميشها بمنهجية من دون سبب موضوعي، بل فقط لكونها أقليات، حتى من دون أن تشكل أدنى خطر على وحدة الدولة أو نظامها السياسي القائم. في هذا الإطار، يمكن القول إنه غالبا ما تنكر الدول العربية وجود أقليات على أرضها، وتتملص بذلك من التزاماتها الدستورية والقانونية تجاه هذه الجماعات، درجة رفضها القاطع استخدام مصطلح (الأقليات) لوصف الجماعات الإثنية الموجودة على ترابها، وعدّ ذلك من المحظورات التي لا تجوز مناقشتها.

ويمكن القول إن انتهاك الأنظمة السياسية لحقوق أقلياتها وسوء إدارتها للتنوع الإثني ساهما بشكل أو بآخر في بروز ثورات الربيع العربي وتأجيجها. وقد كانت المجموعات الإثنية حاضرة بدرجات متفاوتة في المسيرات والتظاهرات، وساهمت بذلك في سقوط الأنظمة الأوتوقراطية أو إجبارها على القيام بإصلاحات سياسية ودستورية، كما هو الحال بالنسبة إلى حركة 20 فبراير في المغرب التي كان حضور الأمازيغ فيها مؤثرًا[4]، وهو ما تجلى بوضوح في المطالب التي عرفتها الحركة وكان من بينها الاعتراف الدستوري باللغة الأمازيغية، وهو ما تحقق بالفعل في دستور 2011.

في هذا السياق، تروم هذه الورقة معرفة مدى استفادة الأقليات من موجة الإصلاحات الدستورية[5] التي أطلقها الربيع العربي، وبخاصة في ظل استحالة تأسيس دولة الحق والقانون من دون احترام حقوق الأشخاص المنتمين إلى الأقليات[6]. وفي الحقيقة، فإن قضية الأقليات كانت حاضرة في المناقشات التي سبقت إعداد الدساتير الجديدة، فكان أول اختبار صعب واجهه كتّاب الدساتير انفجار قضية الهوية بوصفها أثرًا مباشرًا لسقوط الأنظمة السلطوية[7]، وهو ما فتح باب النقاش في شأن محددات الانتماء الوطني، ومسألة الدولة المدنية، ومنزلة الشريعة الإسلامية في صناعة القانون.[8]

وقد جرى اختيار دول المغرب (دستور 2011)، ومصر (دستور 2014)[9]، وتونس (دستور 2014)، بوصفها نماذج لتقويم مدى احترام الدساتير الجديدة لحقوق الأقليات وتعزيزها كما هو متعارف عليه في القانون الدولي. فكل هذه الدول تضم أغلبية مسلمة سنية، وكلها تضم أغلبية عربية، وتقع كلها في منطقة شمال أفريقيا. وإذا كان اختيار المغرب ومصر مسوغًا بوجود مجموعات إثنية مهمة (الأمازيغ والأقباط)، فإن اختيار تونس التي تضم مجموعات عرقية ودينية غير بارزة بقدر الدولتين الأخريين، يسوّغه الفضول والتطلع إلى معرفة مدى موازاة الترسيخ الدستوري لحقوق الأقليات التونسية للنجاحات التي حققتها الثورة أو ما يعرف بالاستثناء التونسي، وبخاصة أن الدستور التونسي الجديد هو الوحيد الذي أعدّته جمعية تأسيسية منتخبة.

أهمية البحث وأهدافه

تعد حقوق الأقليات من مجالات حقوق الإنسان الأكثر أهمية، فهي من الموضوعات التي تكتسي طبيعة إنسانية كبيرة إضافة إلى طبيعتها القانونية والسياسية، وتندرج ضمن الدراسات التي تهدف إلى ضمان الاستقرار السياسي وتأسيس ديمقراطية حقيقية وشاملة في الوطن العربي. فعلى الرغم من أن مصطلح (الأقليات) يحجب أحيانًا البعد الحقيقي للموضوع، إذ يتبادر إلى ذهن كثيرين حالَ سماعه أن مسألة الأقليات ثانوية ولا تتعلق إلا بمصير جزء صغير من سكان الدولة، يؤكد الواقع أن هذه المشكلة تخص كل الجماعات المكونة للدولة. وهو ما ينطبق بوضوح على البلدان العربية، مع أنها تتميز بمستويات عالية من التجانس الديني واللغوي والثقافي، لكن قضايا الأقليات لم تطرح في أي حقبة من حقب التاريخ العربي بالحدة والخطر اللذين تطرح بهما اليوم.

في هذا الإطار يهدف البحث إلى دراسة مدى اهتمام دساتير الدول العربية -التي باشرت عمليات انتقال- بحقوق أقلياتها، ويسعى إلى إبراز أهمية الاعتراف القانوني والمؤسساتي بالحقوق المدنية والسياسية لأفراد هذه الفئات، بوصفه خطوة ضرورية في طريق حل الصراعات الداخلية والتأسيس لاستقرار داخلي حقيقي ودائم ينعكس إيجابًا على نجاح العملية الديمقراطية.

مشكلة البحث

يمكن صوغ المشكلة الرئيسية للدراسة في التساؤل الآتي: هل نجحت دساتير الدول العربية موضوع الدراسة في تعزيز الحقوق المدنية والسياسية والثقافية لأقلياتها وحمايتها بما ينعكس إيجابًا على إنجاح عملية الانتقال الديمقراطي؟ ولتفكيك هذه المشكلة فإنه من المهم الإجابة عن الأسئلة الفرعية الآتية: هل تؤسس الدساتير الجديدة في هذه الدول لمشاركة سياسية حقيقية للأفراد المنتمين إلى أقليات؟ هل يمكن الإقرار بتجاهل دساتير هذه الدول الحقوق الجماعية لأقلياتها؟ هل تؤسس دساتير دول المغرب ومصر وتونس -ذات الأغلبية المسلمة- لممارسات تمييزية بحق أقلياتها؟ هل لبّت هذه الدساتير المطلب الرئيسي للأقليات المتمثل في الاعتراف بهم مكونًا أساسيًا من مكونات هوية الدولة وكيانها؟ ثم إلى أي حد نجحت هذه الدول في تفعيل نصوصها الدستورية المرتبطة بالأقليات بما يضمن ترجمتها على أرض الواقع؟

فرضية البحث

تنطلق الدراسة من فرضية ضعف الحصيلة الدستورية في موضوع الترسيخ الدستوري لحقوق الأقليات وبخاصة في كل من تونس (التي تحتضن أقليات دينية وعرقية مختلفة) ومصر (التي تشكل الأقلية القبطية نحو 10% من سكانها). أما بخصوص الحالة المغربية فإن الدراسة تفترض أن المعالجة الدستورية لهذا الموضوع تبدو مشجعة نسبيًا، من خلال الاعتراف أول مرة باللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية.

المفهومات المستخدمة والمقاربة المنهجية

لا بد من الإشارة في البداية إلى أن البحث يهتم أساسًا بالأقليات المهمشة أو المضطهدة، وهو ما يجعل الأقليات المؤثرة سياسيًا أو المهيمنة اقتصاديًا التي تحظى بكامل حقوقها بعيدة من جوهر البحث، مثل الأقليات الموريسكية في المغرب[10]. ومن المهم أيضًا التأكيد أن أنواع الأقليات المعنية بهذه الدراسة هي الأقليات الدينية والعرقية واللغوية الواردة في المادة 27 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، التي تعد من أبرز المصادر القانونية في موضوع ضمان حماية الأقليات.

ولقد فرضت طبيعة موضوع البحث توظيف مجموعة من المناهج على غرار المنهج الوصفي التحليلي الذي سيكون استخدامه مفيدًا في وصف مجموعة من النصوص الدستورية المرتبطة بالحقوق الفردية والجماعية للأقليات وتحليلها، وهي تتعلق أساسًا بالدستور المغربي لسنة 2011 والدستورين التونسي والمصري الصادرين في 2014. وسيكون من الضروري استخدام المنهج المقارن، إذ سيوظف في تحديد أوجه التشابه والاختلاف، في مجال الحماية القانونية للأقليات، بين دساتير الدول العربية موضوع الدراسة قبل ثورات الربيع العربي وبعدها.

يمكنكم قراءة البحث كاملًا بالضغط على علامة التحميل