المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: كيف واجه الاتحاد الأوروبي تداعيات الصراع في سورية؟

ثالثًا: دول المركز الأوروبي ومواقفها تجاه المسألة السورية

رابعًا: المواقف البريطانية: متأرجحة لكنها مطلوبة

خامسًا: هل سينعكس الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي سلبًا على المسألة السورية؟

سادسًا: فرنسا والمسألة السورية: مواقف ثابتة وتأثير محدود

 

أولًا: مقدمة

لا يساجل أحدٌ في أن المسألة السورية واحدةً من أعقد المسائل التي واجهت العالم، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ نظرًا إلى حجم المآسي التي تسبب بها نظام استبدادي من نوع خاص، توافر على حلفاء لا يقيمون وزنًا لأيّ من المعايير التي تعارف عليها العالم الحديث. غير أن الصدمة الكبرى التي أبرزتها الثورة السورية، تبدّت بالسقوط المريع لقيم الحرية، وحقوق الإنسان، التي أعطتها العولمة دفعًا كبيرًا في العقدين الأخيرين، والتراجع المذهل للمبادئ والقوانين الدولية أمام المصالح الدولية، وصراعات النفوذ، التي عطّلت مجلس الأمن الدولي عن القيام بواجبه المفترض، بالحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وحماية المدنيين في حالات الحرب. فكيف ارتسمت السياسات الأوروبية -تحديدًا- تجاه هذه المسألة؟ وما العوامل التي أثرت فيها، وحدّت من فاعليتها؟

 

ثانيًا: كيف واجه الاتحاد الأوروبي تداعيات الصراع في سورية؟

كان طبيعيًا أن يؤثر الصراع الدامي الدائر في سورية، وتداعياته، في الأوضاع الأوروبية؛ فسورية هي إحدى دول حوض المتوسط، الذي يزنّر أوروبا في شواطئها الجنوبية والجنوبية الشرقية، وترتبط -موضوعيًا- بعلاقات تاريخية واقتصادية وثقافية عميقة مع الفضاء الأوروبي، تأثّرًا وتأثيرًا، منذ آلاف السنين، كما أن لأوروبا عمومًا، ولبعض دولها، خاصة فرنسا وبريطانيا، مصالح كبيرة في سورية، بوصفها جزءًا من منطقة النفوذ الأنكلو- فرنسي، التي انتهت إليها نتائج الحرب العالمية الأولى، مع اقتسام تركة الرجل العثماني المريض.

بعد الحرب العالمية الثانية، وأفول نجم الإمبراطوريات القديمة، بقيت سورية منطقة نفوذ فرنسي عمومًا، وبريطاني كذلك، في حلب خاصة؛ نظرًا إلى قربها من العراق، مرتع النفوذ البريطاني، ولميل البرجوازية الحلبية الصاعدة، بعد الاستقلال، نحو العراق، بخلاف البرجوازية الدمشقية التي كانت تميل إلى مصر. وعلى الرغم من أن النفوذ الأوروبي بدأ بالانحسار التدريجي، بعد حرب السويس 1956، لمصلحة النفوذ الأميركي الذي أخذ ينغمس -بشكل أكبر- في الصراع العربي- الإسرائيلي، وقضايا المنطقة الأخرى، إلا أن النفوذ الأوروبي لم يعدم وسائل استمراريته، نظرًا إلى الخبرات العميقة بأحوال المنطقة، وبثقافتها التي يتوافر عليها الأوروبيون، الأمر الذي يفتقده الأميركيون؛ لذلك نلاحظ أن تدفقات الهجرة السورية، خارج دول الجوار السوري، التي اشتدت ربيع العام 2013، اتجهت -بمعظمها- إلى الدول الأوروبية (ألمانيا –السويد– هولندا- الدانمرك- وفرنسا) بشكل أساسي، وإيطاليا وإسبانيا بشكل أخفّ، في حين بقيت اليونان نقطة انطلاق المهاجرين لا أكثر؛ بحكم أوضاعها الاقتصادية الصعبة من جهة، ولموقفها السياسي الممالئ للنظام من جهة أخرى.

على الصعيد السياسي، عجز الاتحاد الأوروبي عن القيام بالدور المتوقع منه؛ بحكم ثقله الاقتصادي على الأقل، وهذا الأمر لا يعود إلى القرار الأميركي بتحجيم دور الاتحاد في الملفّ السوري فحسب، بل يعود -أيضًا- إلى طبيعة اتخاذ القرار في مؤسسات الاتحاد المعنيّة، ذلك أن الفاعلية الأوروبية -عمومًا- تعود إلى فاعلية دوله، وإلى تباينات المواقف بين دولة وأخرى؛ فعلى سبيل المثال، وقفت جميع دول أوروبا الشرقية، التي انضمت إلى الاتحاد بعد انفراط عقد حلف وارسو، وانهيار الاتحاد السوفياتي، موقفًا معاديًا من اللاجئين السوريين، بصفتها دول عبور، لا يتناسب وقيم الاتحاد الأوروبي وقوانينه ذات الشأن، كما أنها أفشلت خطط الاتحاد، بخصوص حصص اقتسام أعباء اللاجئين؛ بدعوى ضعف اقتصاداتها، لكن في العمق، يعود الأمر إلى مواقفها السياسية المؤيدة للنظام، وغير المتحمسة – إن لم نقل المعادية – لثورة الحرية والكرامة في سورية؛ الأمر الذي شكل تهديدًا جديًا لاتفاقية “شنغن” وحرية تنقل الأفراد.

لقد اقتصر إسهام الاتحاد الأوربي -عمليًا- على تقديم المساعدات في الجانب الإغاثي أو الخدمي، عبر هيئات الأمم المتحدة المختصة، أو منظمات المجتمع المدني السورية التي تعمل -بشكل أساسي- انطلاقًا من دول الجوار ومخيمات اللجوء فيها. أما في الجانب السياسي، فقد سهّل الاتحاد عقد المؤتمرات والمفاوضات المتعلقة بالشأن السوري، وبفاعليات المعارضة السورية، لكن لا مندوحة، أمام الاتحاد ودوله، من مواجهة جديّة لمشكلتين عويصتين: تتعلق أولاهما بالحدث السوري، لجهة اضطرار البشر إلى النجاةَ بأطفالهم وأرواحهم، والبحث عن ملاذٍ آمن، بعيدًا من جحيم الموت الذي أشعله عنف النظام وحلفاؤه، خاصة مع فشل المجتمع الدولي في وقف هذا العنف، وهي مشكلة إنسانية بامتياز، وتتعلق الثانية بالإرهاب المعولم الذي بات يضرب في أوروبا، وفي جميع أصقاع الأرض، ويجري تحميله، لأسباب سياسية، وبكثيرٍ من المبالغة، لما يجري في سورية فحسب. صحيح أن الاتحاد يستطيع التعامل مع مشكلة اللاجئين بالحدّ منها، لكنه لن يستطيع إيقافها؛ لأنها كانت إحدى مفرزات الحروب عبر التاريخ، وستظل كذلك أيضًا.

 

ثالثًا: دول المركز الأوروبي ومواقفها تجاه المسألة السورية

لعبت الدول الثلاث الأهمّ في الاتحاد الأوروبي (ألمانيا- فرنسا- وبريطانيا) أدوارًا مهمة في الحالة السورية؛ فهي بحسب ما أتاحت لها تحولات الصراع، وأدوار المتدخلين، حافظت على مواقف مؤيدة لثورة الشعب السوري، مع شيءٍ من التباينات والنوسان؛ ففي حين كان متوقعًا أن تتعاضد المواقف الفرنسية والألمانية بشكل أكبر في الملف السوري؛ نظرًا إلى علاقاتهما الصلبة داخل الاتحاد، كان التقارب الفرنسي البريطاني هو الأكثر توافقًا وانسجامًا بهذا الخصوص؛ وهذا يثير كثيرًا من التساؤلات، خاصة أن ألمانيا صاحبة أكبر اقتصاد أوروبي، وذات الثقل السكاني، وقاطرة الاتحاد، لم تُبدِ رغبة في أداء أدوارٍ سياسية تتناسب وإمكاناتها.

وفي محاولة البحث عن أجوبة، أو تفسيرات لهذا الإحجام، قد نعثر عليها في الاقتصاد؛ ذلك أن ألمانيا تهتم بالأسواق المفتوحة والاستثمارات الاستراتيجية أكثر من اهتمامها بالمكاسب السياسية، التي يمكن أن تكون ذات مردود آنيّ فحسب. فهي صاحبة أكبر استثمارات في روسيا وإيران، الدولتين المتدخلتين -بعمق- إلى جانب النظام، وهي شريك اقتصادي مهم لدول الخليج وتركيا التي تقف إلى جانب المعارضة؛ لكن، بالمقابل، تحمّلت ألمانيا العبء الأكبر -أوروبيًا- من تبعات اللجوء، واستوعبت -لوحدها- أكثر من نصف اللاجئين السوريين الذين وصلوا الأراضي الأوربية، وأمّنت لهم شروطًا إنسانيةً مقبولةً، لم توفرها دول عربية جارة لسورية.

 

رابعًا: المواقف البريطانية: متأرجحة لكنها مطلوبة

تُعدّ بريطانيا لاعبًا مهمًا على المسرح الدولي، ولا نكاد نعثر على مشكلة في العالم إلا وبريطانيا حاضرة فيها؛ بحكم إمكاناتها وخبراتها الهائلة في مجال السياسات الدولية. لكن قرار بريطانيا الاستراتيجي والثابت، منذ الحرب العالمية الثانية، بالاصطفاف خلف السياسة الأميركية، يجعل المراهنة على مواقف بريطانية مميزة وواضحة أمرًا صعبًا، وهذا حالها تجاه المسألة السورية؛ فقد بقيت مواقفها تعاني تأرجحًا تتحكم فيه التوجهات الأميركية، وقد برز هذا -بوضوح شديد- عندما طلب  ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني، في تموز/ يوليو 2013، من مجلس العموم البريطاني التصويت لموضوع مشاركة بريطانيا في عمل عسكري في سورية، في إثر استخدام النظام السلاحَ الكيماوي في غوطة دمشق، ثم تبيّن -لاحقًا- أن التصويت البريطاني بـ “لا” كان مخرجًا للرئيس الأميركي، وخطوطه الحمراء التي لم تكن جدية، بعد أن قبل  -بسهولة- العرض الروسي، واكتفى بتجريد النظام من سلاحه الكيماوي، وأهمل حقوق الضحايا المدنيين، وتجاهل المسؤولية الأخلاقية التي ترتبها  مكانة أميركا، وإلزامات معاهدة حظر السلاح الكيماوي.

 

خامسًا: هل سينعكس الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي سلبًا على المسألة السورية؟

صوَت البريطانيون، يوم الثالث والعشرين من حزيران/ يونيو الجاري، لمصلحة خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي بنسبة 51.9 في المئة من المصوّتين، بعد اثنين وأربعين عامًا من العضوية، كانت فيها بريطانيا مسلّة مزعجة في خاصرة الاتحاد، لا تكفّ عن الشكوى، وعن طلب تعديل العديد من القوانين المعمول بها.

أحدثت نتيجة التصويت صدمةً في الأوساط الأوروبية، الرسمية والشعبية، وفي أوساط البريطانيين على حد سواء، وسرعان ما التأمت الدول الخمس المؤسسة للاتحاد في اجتماع قمةٍ، أكدت فيه تصميمها القوي للحفاظ على وحدة أوروبا، وعدم الخضوع لابتزاز اليمين البريطاني المحافظ، وطالبت بتفعيل المادة 50 من اتفاقية برشلونة التي تحدد آليات ومترتبات الخروج، للدول التي تقرر الانسحاب، كما طالبت بريطانيا بسرعة الدخول في مفاوضات مع الاتحاد حول هذا الأمر. وقد صرح دونالد توسك، رئيس المفوضية الأوربية، بقوله: “إن أعضاءه الـ 27 مصممون على وحدة أوروبا، وجاهزون للتصدي للخطوة البريطانية”، و”إن أوروبا ستحافظ على وحدتها، ولا يمكن لها أن تبقى رهينة الخلافات داخل حزب المحافظين”.

لا شك في أن الأوروبيين لا يرغبون بخروج بريطانيا، أو غيرها، حتى لا تسري عدوى الانسحابات، وينفرط عقد الاتحاد، بعد أن أمضوا نصف قرن، بذلوا خلاله جهدًا مضنيًا، وتحمّلوا الأعباء المالية الباهظة من أجل ترسيخه، وليس أدلّ على ذلك من تصريحات المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، عشية التئام القمة الأوروبية؛ لمناقشة الخطوة البريطانية، التي أكدت فيها عدم موافقتها على الاستعجال بتفعيل المادة 50، وطلبت إعطاء البريطانيين فرصةَ إعادة النظر في توجهاتهم.

في الجهة الأخرى، أي في بريطانيا، لم تكن الصدمة أقل وطأةً، خاصةً في أوساط الشباب ورجال المال وفي حزب العمال، أي: بين أنصار الانفتاح على العالم ومقتضيات العولمة، في مواجهة أنصار التقوقع والانغلاق. ومثلما ستكون هناك آثار سلبية على الاتحاد، ستكون هناك آثار أكثر سلبيةً -أيضًا- على بريطانيا، حيث بدأت ترتفع -من جديد- أصوات الانفصال عنها في اسكوتلانده وإيرلندا الشمالية، كما بدأت في مدينة لندن، التي صوتت بكثافة لمصلحة البقاء في الاتحاد، تواقيع العرائض المليونية التي تطالب بإعادة الاستفتاء.

في جميع الأحوال، خرجت بريطانيا من الاتحاد أم بقيت فيه – ويبدو أن حظوظ بقائها ليست قليلة؛ لأن الاستفتاء غير ملزم، لا للحكومة ولا لمجلس العموم، ولأن القانون يسمح بإعادة الاستفتاء مادامت شروطه متوافرة؛ فلا مناص أمام الاتحاد -في هذه المناسبة- من إعادة النظر في ثغراته ونقاط ضعفه، وفي رأسها البيروقراطية كما هو معروف، ويبدو أن هناك إرادة واضحة عند الأوروبيين لترسيخ مؤسساته وتصليب بنيانه.

غير أن الأكثر إثارة للاهتمام في هذا الحدث، يتمثل في ذلك المؤشر الخطِر على صعود اليمين المتطرف والعنصري في أكثر من بلد أوروبي، وعلى تداعياته السلبية المحتملة على المستقبل؛ فقد سارع زعيما اليمين المتطرف، في كلّ من هولندا وفرنسا، إلى تأييد الخطوة البريطانية، والمطالبة باستفتاءات مماثلة في بلديهما.

وما يهمّنا أكثر أيضًا، هو تأثير الحدث -برمّته- على المسألة السورية، فيما لو سارت الأمور على نحو يفضي إلى خروج بريطانيا من الاتحاد، وخاصة أثره السلبي على قضية اللجوء، مع تصاعد الأصوات المعادية لوجود اللاجئين، ومع العمل على تشديد قوانين الهجرة والحدّ منها. أما لجهة دور بريطانيا في الصراع السوري، فمن غير المحتمل تراجعه، إلا في حال اضطراب استقرارها السياسي، وطغيان مشاكلها الداخلية على ما سواها.

 

سادسًا: فرنسا والمسألة السورية: مواقف ثابتة وتأثير محدود

عانت العلاقات الفرنسية- السورية توترًا مكبوتًا، أقلّه منذ العام 2005، على خلفية الدور السوري في لبنان، باستثناء فترة ساركوزي عام 2008، عندما راهن على فتح ثغرة في هذه العلاقات، لكنه فشل. وعندما انطلقت الثورة السورية لم تخفِ فرنسا انحيازها لمصلحة المعارضة السورية؛ فقد كانت من مؤسسي مجموعة أصدقاء الشعب السوري عام 2011، وتحمّست لعمل عسكري ضد النظام السوري عندما استخدم السلاح الكيماوي، أجهضه الرئيس الأميركي، وكانت حاضرةً على الدوام في الملفّ السوري، وساعيةً لدورٍ فاعلٍ، خاصةً أن لها مصالح واسعة في سورية. لكن المواقف الفرنسية عانت -دائمًا- من الكبح الذي مارسته أميركا على حلفاء المعارضة السورية، وأخضعتهم لاستراتجيتها في هذه المسألة. إلا أن التباين الفرنسي- الأميركي، في هذا الخصوص، طفا على السطح بعد التوافق الروسي- الأميركي على ماهية الحلّ السياسي في سورية الذي لم تُعرف تفاصيله حتى الآن، فقد عُقد مؤتمرا فيينا نهاية العام 2015، ثم جولتا مفاوضات من جنيف 3، من دون أن تفضي جميعها إلى نتيجة ملموسة.

سارعت فرنسا للدعوة إلى اجتماع في باريس يوم 9أيار/ مايو 2016، ضمّ إليها تركيا والسعودية والإمارات وقطر، ودُعي إليه رياض حجاب، رئيس هيئة التفاوض، كانت الغاية منه توحيد المواقف بين الدول الأربع. ثم دعت، بعد ذلك، إلى اجتماع لمجموعة الـ 17 في 17 أيار/ مايو 2016، أرادت، من ورائه، هي وشركاؤها، التعبير عن رفض استبعادهم، إضافة إلى ممارسة ضغط على روسيا، وتحميلها مسؤولية خرق القرارات الدولية التي اتخذها مجلس الأمن، لكن ما حصل هو أن الوزيرين، كيري ولافروف، استبقا الاجتماع ببيان مشترك حول وقف الأعمال القتالية في سورية، وأرادا منه تحقيق هدفين متكاملين، غايتهما إبقاء رعايتهما للمفاوضات، وقطع الطريق أمام المطالب التي تخرج عن تفاهماتهما. وهكذا فشلت فرنسا وحلفاؤها في تحقيق ما سعوا له من هذه التحركات.

من غير المحتمل أن تسلّم فرنسا، أو بريطانيا، بمحاولات استبعادهما من الملفّ السوري بهذه السهولة؛ لذلك، يوحي الجهد الفرنسي بسعيه الحثيث إلى تشكيل تحالف غير معلن مع تركيا ودول الخليج، للحدّ من الهيمنة الأميركية، ومحاولات تفردها، مع روسيا، بإدارة الملف السوري، كما يُلاحظ توافق مواقفها، في الفترة الأخيرة، مع مواقف بريطانيا بشكل أعمق مما كانت عليه في السابق، وليس إعلانهما عن وجود وحدات عسكرية لهما على الأراضي السورية (بريطانيّة في الجنوب، وفرنسيّة في الشمال) سوى ترجمة عملية لهذه التوجهات.

إن أهم ما يميز صراعات الهيمنة والنفوذ عن صراعات السيطرة- وهذا ما آل إليه واقع الحال في سورية- أنها ليست ذات معطيات نهائية، وليس من الضروري، في هذه الحال، أن يجد كل ما يُخطط له، ويُعمل عليه، طريقه إلى التطبيق؛ فهذا النوع من الصراع عادةً ما يكتنفه التعقيد، وتتداخل فيه أنواع شتى من الصراعات الأساسية أو الجانبية، وحتى تلك غير المتوقعة أحيانًا، ويلعب العامل المحلي وموقعه في المعادلات دورًا أساسيًا في تحديد نتائجه النهائية التي قد تستغرق زمنًا طويلًا كي تترسّخ؛ فقد عايش الجميع الغزو الأميركي للعراق، مع كل ما كلّف أميركا من أعباء مادية وبشرية، لكن، في الحصيلة النهائية، آل النفوذ الأكبر لمصلحة إيران، وكذلك هو الحال في ليبيا التي لم تستقرّ على مشهد نهائي بعد.

تشكل أوروبا، اتحادًا ودولًا أساسية فيه، ضرورة حيويّة للمعارضة السورية وحلفائها الإقليميين، ومن المهم -لهم- العمل على تشجيعها، خصوصًا ألمانيا، على مزيدٍ من الانخراط في المسألة السورية، ليس لقربها الجغرافي، وإمكاناتها الهائلة فحسب، أو لأنها وجهة مرغوبة للاجئين السوريين، على أهمية هذا الأمر، بل لأنه يتيح للمعارضة ولداعميها إمكانات أفضل للفاعلية، وهوامش أكثر للمناورة بين المواقف المتضاربة للأطراف المتدخِّلة، بما يحسّن من شروطها، ذلك أن الحل المنتظر، بعيدًا كان أم قريبًا، بات حلًا دوليًا بحكم التعقيد الذي اكتنفه وعديد الدول المتدخلة فيه، سلمَت الأطراف المحلية بذلك أم تجاهلته.

بالمقابل، ليس من مصلحة أوروبا أن تدير ظهرها لما يحدث في سورية والمنطقة، ومن غير المتوقع أن تفعل ذلك؛ فعلاقتها بالمنطقة تحكمها الجغرافيا والتاريخ والمصالح، وباتت محكومة أكثر بقضايا الهجرة وتبعاتها، وبالإرهاب الذي وصل إلى شوارعها، الإرهاب الذي يستمدّ، من دون أدنى شكّ، قوّته واستمراريته من حال غياب الاستقرار والديمقراطية والعدل التي تعانيها المنطقة منذ عقود، وبعضه من صنع سياساتها.