على مرِّ العقود، أنتجت بنية النظام الشمولي في سورية منظومة سجنية، أتقن العاملون فيها انتهاك الكرامة الإنسانية، وارتُكب فيها، وما زال، جرائم قتل وتعذيب ومعاملة لاإنسانية ومهينة، شهد عليها كثير من المعتقلين والمعتقلات، ووثقتها تقارير لجنة التحقيق الدولية والمنظمات الدولية والسورية لحقوق الإنسان، ومات آخرون نتيجة الاكتظاظ الشديد وعدم توفر الغذاء ومياه الشرب النظيفة، ولم تقدم للسجناء والسجينات رعاية صحية، أو لم تكن تلك الرعاية كافية، فمات كثيرون من جراء الأمراض والإصابات المعدية.

ولا تقتصر منهجية الاضطهاد والجرائم والانتهاكات للأجهزة الأمنية على الفترة الممتدة منذ بداية الثورة في آذار/ مارس 2011 حتى يومنا هذا، بل وثقت منظمة العفو الدولية في عام 1987، (35) أسلوبًا مختلفًا من أساليب التعذيب الممنهج، وتعدّ مجزرة سجن تدمر في تاريخ 27/6/1980 من أسوأ المجازر في تلك الحقبة، إذ يُقدر عدد من قتلتهم “سرايا الدفاع” وعناصر من (اللواء 138) فيها 1200 معتقل.

بعد الثورة، ومع ازدياد اعتقالات المعارضة والاعتقالات العشوائية ومن اشتُبه بأنهم لا يخضعون للنظام بالولاء والطاعة الكافيين، حُرِم المعتقلون/ات، لدى القوات الأمنية والمسلحة، من أي وسيلة من وسائل الاتصال بأسرهم، و”علمت بعض تلك الأسر بوفاة أقاربهم أو بأماكن وجودهم عن طريق زملائهم من السجناء الذين أُطلق سراحهم”، وجريمة الإخفاء القسري هذه، تُرتكب “في إطار هجوم شامل ومنهجي على السكان المدنيين”، وهي جريمة ضد الإنسانية، بحسب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

أنماط مروعة من الإعدامات بإجراءات موجزة والقتل، كان ضحيتها المحتجزون الذين اعتقد النظام أنهم متعاطفون مع المعارضة، وقد هرّب مصور الطب الشرعي الرسمي للشرطة العسكرية الملقب بـ “سيزر” صورًا كان قد صوّرها بنفسه لجثث معتقلين ماتوا في المعتقلات منذ 2011، وأرشف الآلاف مثلها، وهو، على ما يبدو، إجراء روتينيّ لأجهزة الأمن السوريّة في إعداد صور فوتوغرافية للآلاف الذين ماتوا في المعتقلات منذ 2011. ومن أصل أكثر من 55 ألف صورة هرّبها سيزر، استنتجت (هيومن رايتس ووتش) أن أكبر فئة من تلك الصور، ضمت 28707 صورة، تعود لأشخاص توفوا رهن الاعتقال في مراكز الاعتقال العديدة، وتخص ما لا يقل عن 6786 جثة، ولا تمثل إلا جزءًا من عدد من توفوا في مراكز الاعتقال في دمشق، واستطاع سيزر تصويرها من أيار/ مايو 2011 حتى تاريخ انشقاقه في آب/ أغسطس 2013، وللحصول على أدلة للتعذيب وسبب الوفاة، عرضت 72 صورة لـ 19 ضحية على فريق الأطباء الشرعيين في منظمة (أطباء من أجل حقوق الإنسان) “ووجدوا أدلة على صدمات جسدية شديدة، والخنق، والتجويع، وفي حالة واحدة طلق ناري على الرأس. وفي بعض الصور التي راجعتها (هيومن رايتس ووتش) و(أطباء من أجل حقوق الإنسان)، ظهرت جروح كبيرة مفتوحة في أجسام المعتقلين، أو جروح من جراء طلق ناري، أو دماء جافة خرجت من تجاويف الجسم. وكثير من الصور أظهرت أجسادًا هزيلة وآثار تعذيب”.

أما المسلخ البشريّ، أي سجن صيدنايا، فقد أفادت منظمة العفو الدولية، في تقريرها الصادر بتاريخ 7 شباط/ فبراير 2019، المعنون بـ “المسلخ البشري: عمليات الشنق الجماعية والإبادة الممنهجة في سجن صيدنايا بسوريا”، أن المحتجزين في سجن صيدنايا، “وغيرهم من المحتجزين في السجون السورية التي تديرها الحكومة السورية، يتعرضون لجريمة الإبادة، وهي جريمة يرد تعريفها في نظام روما الأساسيّ الخاص بالمحكمة الجنائيّة الدوليّة على النحو الآتي: تشمل (الإبادة) تعمّد فرض أحوال معيشية، من بينها الحرمان من الحصول على الطعام والدواء، بقصد إهلاك جزء من السكان”. وأشار التقرير أيضًا إلى أن الانتهاكات في سجن صيدنايا ترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، وتقدر المنظمة أنه تم إعدام ما بين 5 آلاف و13 ألف شخص خارج نطاق القضاء في هذا السجن، في الفترة الواقعة بين أيلول 2011 وكانون الأول 2015، ولا يتوفر أي سبب يشير إلى أن الإعدامات توقّفت بعد هذا التاريخ، وتجري فيه الإعدامات سرًّا، و”تصدر الأوامر بتنفيذ الإعدامات شنقًا من مسؤولين على أعلى المستويات في الحكومة”، ويُدان الضحايا ويُحكم عليهم بالإعدام، بعد “محاكمات” أمام محكمة الميدان العسكرية الكائنة في حي القابون بدمشق، و”تستغرق المحاكمة الواحدة ما بين دقيقة واحدة وثلاث دقائق كحدّ أقصى”، ثم تقوم سلطات السجن بجلب من حكم عليهم بالإعدام من زنزاناتهم ضمن ما يسمى بـ (الحفلة)، ويتم إعلامهم بأنهم سيرحلون إلى سجن مدني، ويتم ضربهم مدة ساعتين أو ثلاث ساعات، ثم يُنفذ فيهم حكم الإعدام شنقًا، وتتكرّر هذه الممارسة مرّة أو مرّتين أسبوعيًا، ويجري شنق ما بين 20 و50 شخصًا كلّ مرّة. وبعد الإعدام تنقل الجثث في شاحنة إلى مشفى تشرين لتسجيلها ودفنها في قبور جماعية، ضمن أرض تابعة للجيش في قرية (نجها) تحديدًا وفي بلدة قطنا الواقعة في الضواحي الغربية من دمشق.

حتى يومنا هذا، ما زال النظام في سورية يمنع الأسر من استعادة جثامين الضحايا؛ الأمر الذي يعني فعليًّا إخفاء الاعتداءات النظامية على المحتجزين، و”إخفاء أدلة السلوك الإجرامي لمؤسسات الدولة”.

وقد وثّقت لجنة التحقيق الدولية المستقلّة بشأن الجمهورية العربية السورية، في ورقة تحمل عنوان “فقدت كرامتي: العنف الجنسي والجنساني في الجمهورية العربية السورية”، “اغتصاب النساء والفتيات في 20 فرعًا من فروع المخابرات السياسية والعسكرية التابعة للحكومة، واغتصاب الرجال والأولاد في 15 فرعًا”. وأشارت الورقة إلى أن العنف الجنسي والجنساني هو “قضية مستديمة في سورية منذ الانتفاضة في عام 2011”. وتعرّضت كثير من النساء والطفلات، منذ لحظة القبض عليهنّ وخلال الاحتجاز، لأنواع مختلفة من العنف الجنسي، من ضمنها الاغتصاب والتعذيب الجنسي والاعتداء الجنسي والإذلال، وقد “وثقت اللجنة اغتصاب عدة بنات، أصغرهن في التاسعة من عمرها”.

تعدّ الأجهزة الأمنية في سورية جوهرة التاج للنظام وذراعه الحديدية لحكم البلاد، من حيث تغوّلها على المجتمع ومؤسسات الدولة، وتمتع العاملون فيها بحصانة قانونية تجعلهم بمنأى عن المساءلة والمحاسبة، ما جعل تسلّطها وفسادها وجرائمها مطلقة.

ستركّز هذه الورقة على سجن دمشق المركزيّ (سجن عدرا) والانتهاكات الموثقة التي حصلت فيه منذ عام 2011، استنادًا إلى ما نشرته بعض منظمات حقوق الإنسان، بالإضافة إلى شهادات معتقلات حُوّلن إليه، وُثِقت شهاداتهنّ في كتاب بعنوان “كي لا أكون على الهامش: الذاكرة الشفوية لناجيات سوريات من الاعتقال”، بالإضافة إلى لقاءين مع معتقلتين سابقتين في سجن عدرا.

يمكنكم قراءة البحث كاملًا بالضغط على علامة التحميل