المحتويات

مقدمة

أولًا: الصراع المفتوح ومزيد من التعقيد والتشابك

ثانيًا: الغوطة الشرقية- حرب إبادة على الطريقة الروسية

ثالثًا: القرار 2401 والتعطيل الروسي لمجلس الأمن الدولي

رابعًا: عفرين ساحة صراع مستجدة

خامسًا: خاتمة

مقدمة

بات واضحًا أن الفشل الذريع الذي لحق بمؤتمر (الحوار الوطني) في (سوتشي)، الذي عقد في 30 كانون ثاني/ يناير 2018، بصورة لم يكن يتوقعها الروس، ألقى بظلاله الداكنة على مجمل لوحة الصراع في سورية، ليس ببعده السياسي فحسب، بل أيضًا ببعده العسكري الذي آل إلى تسخين مريع في أكثر من جبهة للقتال، من أرياف إدلب إلى عفرين إلى الغوطة الشرقية التي يُستعاد فيها قصف حلب وتدميرها، الذي جرى نهاية العام 2016، بشكل أكثر فظاعة وجنونًا؛ فهل يندرج هذا التصعيد الروسي في إطار الانتقام وتعميم القتل والدمار من قبل دولة “عظمى”؟

أولًا: الصراع المفتوح ومزيد من التعقيد والتشابك

لا شك في أن تاريخ العنف في تركيبة العقل السياسي الروسي، يمكن أن يشكل أحد المرتكزات لقراءة وفهم السلوك الروسي العدواني في سورية. لكنه، في ضوء تطورات الوضع السوري، وتحولات الصراع وتشابكاته في ميادين القتال، يدفع إلى ما هو أبعد من ذلك. فالصراع في سورية وعليها دخل مرحلة جديدة عنوانها الرئيس التحاصص على الأرض بين الدول المتدخِّلة، حيث تحاول كل دولة تثبيت حصتها التي تعتقد أنها قادرة على الاحتفاظ بها. هذا ما تفعله إيران في جنوبي سورية وفي جنوبها الشرقي لتثبيت وحراسة ممرها الأثير إلى المتوسط، وللتحرش بإسرائيل، كما جرى حين أرسلت طائرة من دون طيار في 16 شباط/ فبراير الماضي، وفتح باب مواجهة إيرانية- إسرائيلية على الأراضي السورية جرى تطويقها، لكن من دون إنهائها؛ الأمر ذاته فعلته تركيا عندما أطلقت معركة (غصن الزيتون) للسيطرة على عفرين وطرد القوى التابعة لحزب (الاتحاد الديمقراطي الكردي)، الذراع السورية لحزب (العمال الكردستاني التركي)، وإنهاء وجوده العسكري والسياسي غربي الفرات؛ في حين أن مأزق روسيا في سورية يزداد تعقيدًا، خاصة بعد أن تعرضت في قاعدة حميميم الجوية، حصنها السوري، لمحاولة كسر هيبتها عندما هاجمتها أعداد من طائرات (درون) مجهولة المصدر، وألحقت أضرارًا بعدد من طائراتها، ثم جاءت ضربة طائرات التحالف الدولي للقوات التي هاجمت معمل تصنيع الغاز (كونيكو) شمالي دير الزور، وحصدت أكثر من مئتين من مرتزقة شركة (فاغنر) الأمنية الروسية، وأثارت ضجة في روسيا عندما تعمدت القيادة الروسية نكران الموضوع قبل أن تُضطر إلى الاعتراف به.

الرسائل السياسية التي تلقتها موسكو في الفترة الأخيرة لا تقل وضوحًا عن الرسائل العسكرية، وتوحي جميعها بتغيير القواعد التي حكمت الصراع قي سنواته السبع الماضية حيث تُرك النظام، وحلفاؤه أيضًا، يذهبون إلى أقصى مدى، في معمعة استنزاف قاتلة لكل الأطراف. وجاء الآن من يقول إنه لن يسمح للروس بالتفرد بالحل في سورية. عبرت عن هذا التوجه (الاستراتيجية الأميركية الجديدة في سورية) التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي من جامعة ستانفورد، وأُتبعت بـ “اللاورقة” التي سلمتها مجموعة الدول الخمس لدي مستورا عشية عقد مؤتمر (سوتشي)، وحملت رفضًا لأي مسار خارج جنيف؛ هذه الورقة، إضافة إلى رفض المعارضة التمثيلية حضور مؤتمر (سوتشي)، شكلت طلقة الخلاص لتطلعات القيادة الروسية بتسويق حل في سورية يكرسها صاحبة النفوذ الأقوى، فما هي فاعلة إزاء هذه التطورات وإلى أين يتجه الصراع؟ أسئلة قد لا تكفي حرب الغوطة ولا عفرين للإجابة عنها، لكنها تؤشر إلى أن تشابك الصراع في سورية وعليها مفتوح على مزيد من التصعيد حتى يقول منطق القوة في عالم اليوم كلمته في الشكل الذي سينتهي إليه، بعد أن يكون قد أخذ من دماء السوريين وعمرانهم ما أراده تجار الحروب المعاصرون في الدول المافيوية.

ثانيًا: الغوطة الشرقية- حرب إبادة على الطريقة الروسية

منذ الثامن عشر من شباط/ فبراير 2018 والطيران الروسي وطيران النظام يقصفان مدن وبلدات الغوطة الشرقية بأنواع الأسلحة جميعها، ومنها المحرم دوليًا، ومنها ما يجري تجريبه، في حملة تدمير شاملة، على هيئة تجربة تدمير أحياء حلب الشرقية نهاية العام 2016، لكن بوتيرة أعلى، حملة قتلت حتى الآن أكثر من ألف مدني وجرحت الآلاف ودمرت المراكز الصحية، كما استهدفت فرق الإنقاذ، في محاولة لقتل أكبر عدد من سكان الغوطة الذين يربو عدد من بقي منهم على أربعمئة ألف مواطن، وجعلت الحياة مستحلية، تمامًا كما وصف انطونيو غوتيرس، الأمين العام للأمم المتحدة، القصف الروسي بأنه “يحيل الغوطة إلى جحيم لا يمكن العيش فيه”.

يريد النظام السوري، ومعه روسيا وإيران، من محاولة تدمير الغوطة استعادتها، لكن من دون شعبها، وتعظيم انتصاراته المتحولة والمتوهمة، لأنه لا وجود لشيء ثابت أو مستقر، حتى الآن، في خرائط السيطرة والنفوذ. فالغوطة التي يُحاصرها منذ أربع سنوات بقصد إماتتها جوعًا وتركيعها، ما زالت تُشكّل مسلة تنخز خاصرته، لذلك يسعى للسيطرة عليها وتهجير شعبها غير عابئ، كعادته، بالكلفة البشرية لمغامراته المتكررة على هذا الطريق.

حشد النظام لإتمام وإنجاح حملته أعدادًا كبيرة من نخبة قواته في الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، واستدعى قوات أخرى من جبهات هدأت في شرقي سورية وريف إدلب الجنوبي، فهل ستنجح محاولة النظام هذه حتى لو كانت مكلفة له؟ أم أنه سيُمنى بفشل جديد على غرار ما واجهه في حي المنشية العام الماضي؟ ربما، فمن جهة تملك الغوطة إمكانات عسكرية ليست قليلة تمنع إجبارها بسهولة على الاستسلام تحت عناوين التسويات التي حققها النظام والروس في أكثر من موقع، ومن جهة ثانية، فإن رسائل الدول المتدخِّلة وحساباتها التكتيكية والاستراتيجية تتحكم في المعادلات العسكرية على الأرض؛ فالصراع، كما هو معروف، أبعد من أن يكون محليًا.

من جهة أخرى، زجّت إيران بميليشياتها إلى جانب قوات النظام في معركة الغوطة، فهي تحسبها منطقة نفوذ لها وفقًا لمخرجات (أستانا 6) التي جعلت المنطقة المحيطة بالسيدة زينب من حصتها، حتى لو كانت مصر ضامنة لخفض التصعيد فيها، كما أنها تقع على ممرها البري إلى البحر، وهي مغرية من أجل التغيير الديموغرافي الذي عملت عليه بغية تحصين نفوذها في العاصمة وجوارها، كما تشكل قاعدة خلفية لقواتها التي تتطلع إلى الاقتراب من حدود الجولان.

ليس جديدًا أن إيران كانت، وما زالت، تعمل على الحسم العسكري في سورية، وهي تتشارك والنظام الرؤية والموقف في هذا الخيار، ولم تدّعِ يومًا أنها مع الحل السياسي، حتى أنها رفضت جميع القرارات الأممية ذات الصلة، وآخرها القرار 2254 لعام 2015، وما ذهابها إلى (أستانا) وقبولها بدور الضامن لمناطق خفض التصعيد إلا من باب عدم القطع مع موسكو، علمًا بأنها لم تلتزم بهذا الخفض في أي منطقة من مناطقه الأربع، والأهم أنها تقاتل بالشيعة العرب والأفغان والباكستانيين، ولا تردعها الخسائر على هذا الصعيد، كما لن تردعها التنديدات الدولية وتحميلها المسؤولية عن الخسائر البشرية التي تطال قاطني الغوطة، وربما تُقدّر أن الولايات المتحدة اكتفت بشرقي الفرات وغير معنية ببقية المناطق السورية خارجها، وأن تركيا تتلهى في الجيب الكردي في عفرين، ولن تكون الغوطة ضمن أولوياتها. لذلك فإن إيران ماضية بخيار الحسم العسكري أيًا كانت كلفته.

تُعدّ معركة الغوطة بالنسبة إلى الروس معركة ردّ اعتبار واستعادةً لهيبة عانت اهتزازًا بعد الفشل السياسي الذي لحق بهم في (سوتشي)، ولإدراكهم أن مسار (أستانا) وصل إلى نهايته واستنفد أغراضه التكتيكية التي أرادوها، في جانب منه، كوسيلة لتخفيف العبء على النظام من خلال تقسيم مناطق التوتر الساخنة، وإتاحة المجال أمامه للمناورة بقواته ومهاجمة كل منطقة على حدة، وفي جانب آخر، إدارة توافقات بين الأطراف التي تتعامل معها موسكو حتى وإن كانت متناقضة في أهدافها ومصالحها، وقد آن لهذه السياسة الروسية أن تنتهي بعدما فشلت، لأن هذه الأطراف اهتمت بمصالحها ولم تُعر بالًا للتوجه الروسي الراغب بدور “قائد الأوكسترا” في المعزوفة السورية الدامية، لا بل حاول كل طرف (إسرائيل، إيران، وتركيا) ابتزاز الروس كل على طريقته.

روسيا، في سعيها لردّ الاعتبار، تريد معاقبة (المعارضة) التي خذلتها في (سوتشي)، ولا بأس لديها من اجتثاثها في أضعف معاقلها المتبقية في الغوطة الشرقية بتكرار سيناريو حلب، في سبيل أن يعيد بوتين إعلان النصر مرة أخرى بعد إعلانه السابق في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، خاصة أن تعقيدات الوضع في إدلب لا تتيح لها ترف المفاضلة بينها وبين الغوطة؛ مع ذلك تحاول روسيا أن تبعث برسالة إلى الأميركيين الذين أعلنوا شرقي الفرات منطقة محمية من قبلهم، وربما بالاستناد إلى اتفاق بوتين- ترامب، على هامش قمة (هانوي)، الذي مفاده “لكم شرق الفرات ولنا غربه”. وإذا كان التفكير الروسي على هذه الحال، فإن أقل ما يوصف به بأنه تفكير غير واقعي وغير عاقل.

برهن الأميركيون على قدرتهم على ردع كل من حاول تجاوز الفرات، تمامًا كما تلقفت الدرس الأطراف المعنية، وفي المقدمة منها روسيا التي باتت تشعر أكثر من أي وقت مضى أن انتصاراتها التي تغنت بها تتهاوى أو أنها باتت معلقة بالهواء في ظل الصدّ الأميركي عن فتح باب المساومة معها، لا في سورية ولا في غيرها. وقد طفا التوتر إلى السطح في العلاقة بين الطرفين.

يميل الموقف الغربي عمومًا إلى إظهار التعاطف مع المأساة الإنسانية التي يتعرض لها سكان الغوطة، وقد أسهم الأوربيون إعلاميًا في فضح الوحشية الروسية، كما أنهم يحاولون إقناع الرئيس الروسي بالعدول عن خططه لتدمير الغوطة، لكنهم عاجزون عن القيام بأي دور رادع بعد أن حجّمتهم الولايات المتحدة وحصرت دورهم في هوامش ضيقة لا تتجاوز المناشدات أو الدعم الإنساني على قدر ما تتيحه قرارات النظام؛ لكن يلاحَظ هذه المرة تطور في المواقف الغربية من خلال النداءات المشتركة مع الولايات المتحدة التي يجري توجيهها إلى روسيا، فقد طالب ترامب وميركل الرئيس الروسي بالتوقف عن قصف الغوطة والتزام الهدنة، والشيء ذاته فعله ماكرون مع ترامب.

كان النشاط المدني للمهجّرين السوريين في دول اللجوء مميزًا، ولعب دورًا مهمًا، وعمّت تظاهرات السوريين أغلب عواصم ومدن العالم الغربي احتجاجًا على الهمجية الروسية التي تبدت في الحرب على الغوطة الشرقية؛ كما كانوا سندًا مهمًا، ليس فحسب على مستوى الدعم المعنوي بإشعالهم وسائط الفضاء الإلكتروني وفضحهم، بالكلمة والصوت والصورة، البربرية الروسية الجديدة، وإنما بتقديم الدعم المادي أيضًا، وهذا شدّ في أزر سكان الغوطة وحاصر حالة التيئيس التي ينشرها إعلام النظام وحلفاؤه، وعزّز من صمودهم.

قصفت الطائرات الروسية مدن وقرى الغوطة الشرقية بصورة عنيفة ومتواصلة، وأفرغت آلاف الأطنان من الذخائر والمتفجرات بمختلف أنواعها، كما استخدم النظام غاز الكلور، وكانت الغاية من هذه الشراسة تدمير مدن الغوطة وبنيتها التحتية وقتل السكان ودفع من لم يمت منهم للخروج والتهجير، وإجبار الفصائل على الاستسلام وإلقاء السلاح أو الهروب باتجاه مناطق أخرى يسهل اصطيادهم فيها. وبالتلازم مع هذا، بدأت قوات النظام، والميليشيات الحليفة، التي حشدها في الجبهات جميعها، محاولاتها المتواصلة لاقتحام الغوطة واحتلالها، الأمر الذي سيكون مكلفًا جدًا لها. وثمة سؤالان يطرحان نفسيهما في هذا السياق، أولهما هل سيسمح الغرب للروس بإنجاز ما حققوه في حلب عندما غضّ الطرف عما حصل هناك؟ المؤشرات وتصريحات المسؤولين الغربيين تقول عكس ذلك، غير أنه لم تظهر بوادر أي تحرك جدي في هذا الاتجاه حتى الآن. وثانيهما يتعلق بالغوطة ذاتها، وبموقف أهلها من التهديد الذي يواجهونه، وهنا يتوجه الكثير من المحللين، بغض النظر عن دوافعهم، بالنصيحة، المباشرة أو غير المباشرة، لسكان الغوطة بتوفير دمائهم وقبول المصير الذي وصلت إليه مناطق أخرى، ولو بعد حين. والجواب هنا يقرره سكان الغوطة أنفسهم، لأنهم هم من يتحملون عبء الغطرسة الروسية، ويدفعون من دمائهم، وهم الأقدر على تقدير الموقف، ويعرفون مقدار قدرتهم على الصمود في وجه هذه الهجمة. لكن الواجب الأخلاقي والإنساني يقتضي ممن يتعرضون لموضوع الحرب على الغوطة أن يصطفوا، على الأقل، إلى جانبهم في مواجهة الإجرام الذي يتعرضون له.

ثالثًا: القرار 2401 والتعطيل الروسي لمجلس الأمن الدولي

في اليوم الرابع للهجمة الروسية على الغوطة الشرقية، تقدمت الكويت بصفتها الرئيسة الدورية لمجلس الأمن لهذا الشهر، بالمشاركة مع السويد، بمشروع قرار للمجلس يدعو إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثين يومًا في عموم سورية، تبدأ بعد 72 ساعة من تاريخ إقراره في المجلس والسماح بدخول المساعدات الإنسانية من دون عوائق لمستحقيها من سكان الغوطة.

بادر وزير الخارجية الروسية قبل أن يوضع المشروع باللون الأزرق إلى القول إن “طلب هدنة في الغوطة غير منطقي”، وراح مندوبه في المجلس يطلب التعديل بعد التعديل بغية إفراغه من مضمونه، علمًا بأن مشروع القرار ذو طابع إنساني بحت، ولا يتضمن أي آلية لمعاقبة من يخرق القرار. وبعد أن وافقت روسيا على النص بعد الأخذ بطلباتها، طلب مندوبها عقد جلسة طارئة للمجلس كي يعرض كل طرف وجهة نظره في الوضع السوري؛ ذلك أن روسيا لمست لهجة مختلفة لدى بقية الأعضاء، وأرادت على ما يبدو تبديد شحنة الغضب التي أظهرت روسيا دولة توتر الأوضاع بسياساتها، وتعطل المجتمع الدولي عن القيام بواجبه تجاه الأمن والسلم الدوليين. وفي هذه الجلسة كرر المندوب الروسي ادعاءات بلاده بمحاربة الإرهاب، وأن الأطراف المعارضة متعاونة مع القاعدة وترفض تسليم سلاحها، إلى آخر المعزوفة، وكأن ما أرادته روسيا هو كسب مزيد من الوقت لمزيد من القصف.

صرح مندوب الكويت في مؤتمر صحفي، بالاشتراك مع المندوب السويدي، قبل التصويت على القرار، بقوله إننا، أصحاب مشروع القرار، سنوافق على كل ما يطلبه الروس بغية توفير ما نستطيعه من دماء سكان الغوطة. إن كلام المندوب الكويتي هذا يعكس مقدار العجز الذي وصل إليه المجتمع الدولي.

مرّر المندوب الروسي مشروع القرار هذه المرة، لكن دولته لم تلتزمه بدعوى وجود بضع مئات من جبهة النصرة موجودين في الغوطة، وكانت موسكو قد عرقلت تنفيذ اتفاق خروجهم منذ شهرين، لأنها تريدهم ذريعة لحربها، لكن الصلف وصل بالرئيس الروسي إلى أن يتجاهل قرار المجلس الذي لم يطبق، ويعلن من جانبه هدنة يومية لخمس ساعات صباحية، وصفها جون كيري وزير الخارجية الأميركية السابق بأنها سخرية، بدعوى إتاحة المجال أمام من يريد الخروج من المدنيين بالمغادرة عبر الممر الذي أعلن عنه.

في أثناء المراجعة التي أجراها مجلس الأمن للقرار الذي لم ينفذ، كرر المندوب الروسي حججه بأن المدنيين لم يخرجوا، على الرغم من أن بلاده فتحت لهم ممرًا، وأن وقف إطلاق النار يجب أن يتم بالتفاوض بين السلطة والمعارضة وليس من خلال مجلس الأمن. وهذا يدلِّل على أن روسيا ستماطل في تنفيذ أي هدنة، وهي تراهن على إحراز حسم عسكري سريع، في حين أن الدول الأخرى في المجلس، دائمة العضوية منها على وجه التحديد، تكتفي بتكرار إداناتها للموقف الروسي، ولا يبدو أنها راغبة في وضع حدٍّ لهذا الصلف الروسي في مجلس الأمن، الأمر الذي يُفقدها، في مواجهة هول الفجيعة الواقعة، شرعيتها الأخلاقية والإنسانية، ويهدِّد النظام الدولي بكليته.

وعقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اجتماعًا في الأول من آذار/ مارس الجاري لبحث تطورات الأوضاع في الغوطة، وإدانة الانتهاك الحاصل للقانون الدولي الإنساني فيها، وقدمت بريطانيا لهذا الاجتماع مشروع قرار لدعم قرار مجلس الأمن المذكور، طالبت فيه روسيا بالتزام الهدنة، وبالضغط على النظام السوري لوقف هجومه، غير أن هذا أيضًا لم يغيّر قيد أنملة في الموقف الروسي المندفع.

رابعًا: عفرين ساحة صراع مستجدة

يبدو أن الأتراك، شأنهم شأن الإيرانيين، يريدون حصتهم من توزيعات (أستانا)، ولهذا شنت قواتهم في 20 كانون ثاني/ يناير الماضي حربًا ضروسًا على منطقة عفرين التي تسيطر عليها القوات التابعة لحزب (الاتحاد الديمقراطي الكردي)، الذي لم يُخفِ جهده من أجل الوجود والسيطرة غربي الفرات لربط عفرين بالمنطقتين الكرديتين الأخريين في القامشلي وعين العرب (كوباني). وتحاول تركيا للمرة الثانية، بعد حربها الأولى التي دعيت بـ (درع الفرات) وسيطرت فيها على المساحة ما بين جرابلس وإعزاز شمالًا والباب جنوبًا، قطع هذا التواصل الجغرافي، بضوء أخضر روسي وغياب ردع أميركي. وجرّت معها فصائل (درع الفرات) السورية لمقاتلة ميليشيات حزب (الاتحاد الديمقراطي الكردي) في منطقة كردية، وأثارت لغطًا كبيرًا بين السوريين حول شرعية دخول هذه الفصائل في هذه الحرب.

أحرزت القوات التركية وحلفاؤها، تقدمًا كبيرًا، لكن مدنيّي أرياف عفرين تأذّوا كثيرًا، واضطرت أعداد كبيرة منهم إلى النزوح؛ في الوقت الذي دخل فيه حزب (الاتحاد الديمقراطي الكردي) في مساومة مع النظام، لم تكن بعيدة عن نهجه البراغماتي المتحلل من أي نواظم سياسية أو أخلاقية، للدخول إلى عفرين ومواجهة الجيش التركي. لكن النظام لم يستجب لمطالب الحزب الكردي بأن يكون (الجيش العربي السوري) على حدود المنطقة، مع إبقاء السيطرة السياسية والإدارية فيها لقوات الحزب. وأخيرًا تمخضت هذه المساومة عن تسليم (قوات الحماية الشعبية) المناطق التي كانت تسيطر عليها في حلب الشرقية، عدا الشيخ مقصود، إلى النظام، في حين قام النظام بإدخال مئات من الميليشيات الشيعية الموجودة في نبّل والزهراء تحت مسمى (القوات الشعبية) بسلاح خفيف، على سبيل الوجود الرمزي. وقد قصف الطيران التركي أرتالهم وهي في طريقها إلى عفرين، في تحذير للنظام السوري من التدخل في الحرب. في المقابل، يبدو أن محاولة التوصل إلى تفاهم تركي- سوري بخصوص عفرين، وهي المحاولة التي جرت برعاية قاعدة (حميميم) واعترف بها الاتراك، لم تنجح.

قرار مجلس الأمن الدولي آنف الذكر أقرّ بالهدنة على الأراضي السورية كافة، إلا أن تركيا رفضت التزامه، وادّعت أن القرار يطالب بحماية المدنيين في الغوطة الشرقية، ويستثني التنظيمات الإرهابية ومنها (حزب الاتحاد الديمقراطي). يقول رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم “عملية غصن الزيتون هي ضد المنظمات الإرهابية الدموية، وليست ضد المدنيين وقرار مجلس الأمن يتمحور حول إيقاف المجزرة بحق المدنيين في الغوطة الشرقية، وليس بشأن العمليات ضد المنظمات الإرهابية”، ويعيب على من يخلطون بين (غصن الزيتون) وبين ما يحدث في الغوطة عندما يُطالبون تركيا بالتزام الهدنة. ومن الواضح أن تركيا شأنها شأن المتدخلين الآخرين تريد تأمين حصتها على الأرض، ولا تعير بالًا لقرارات مجلس الأمن الدولي، ما دامت قراراته تفتقر إلى آليات المتابعة وإجراءات العقاب نتيجة الابتزاز والتعطيل الذي يمارسه الفيتو الروسي، وما دام هناك من لم يلتزم القرارات الدولية.

خامسًا: خاتمة

ثمة مؤشرات كثيرة على أن الصراع على المنطقة بات يتكثف في سورية، الأمر الذي ينذر بتصعيد هذا الصراع بين الأطراف المتدخلة. لقد باتت الرسائل المتبادلة بين الأطراف معنونة بالقتل والنيران، وتحولت إلى مدخل لمواجهات خطرة سواء جاءت مباشرة أو عبر الوكلاء، خاصة أن العلاقات الأميركية- الروسية تسير نحو مزيد من التوتر. كما يلاحظ أن هذه الأطراف باتت تمارس سياسة حافة الهاوية على نحو كثيف، مع ما تحمله هذه السياسة من مخاطر تقديم الخيارات العسكرية على الخيارات الدبلوماسية التي وسمت السنوات السابقة؛ فإيران تستجرّ (إسرائيل) إلى شبه مواجهة؛ وتركيا تدخل منطقة عفرين، وتهدد بفعل الشيء ذاته في منبج على غير رضا الأميركيين، إن لم يكن نكاية أو ابتزازًا، أو ربما صار برضاهم بعد زيارة وزير الخارجية الأميركي الأخيرة التي يمكن أن يكون قد طمأن الأتراك خلالها، واتفق معهم على حل وسط لا يضر أيًا منهم، ويضع حدًا للأطماع الكردية.

الروس، بدورهم، يستفزون الأميركيين في محميّتهم، ويتكبدون أكبر خسارة بشرية منذ تدخلهم في سورية. وماذا يعني أن يعلن فلاديمير بوتين في هذا التوقيت عن تطوير ترسانته النووية والصاروخية التي لا تستطيع الدفاعات الأرضية للخصوم اعتراضها؟ ليأتيه الرد الأميركي على لسان الناطقة باسم وزارة الدفاع الأميركية بأن “لدى الولايات المتحدة القدرة على رد أي عدوان روسي وحماية أراضي الولايات المتحدة، وأن المشكلة ليست في الأسلحة الروسية التي أعلن عنها، وهو يشكل خرقًا لاتفاقية سالت2، بل المشكلة في أن تصدر هذه التصريحات غير المسؤولة عن لاعب دولي” ، هذا النزق الروسي يدلل على عمق القلق الذي يلف مواقف الأطراف جميعها بعد أن أعلنت الولايات المتحدة استراتيجيتها الجديدة في سورية، وعلى تيقن هذه الأطراف من عمق المأزق الذي وجدت نفسها فيه، وخشيتها من الانزلاق أكثر في المستنقع السوري، من دون أن يكون في قدرتها التراجع بلا مقابل لم يُعرض عليها من أصله، وكلها استثمرت كثيرًا في هذا الملف.

إن حملة تدمير الغوطة بواسطة الطيران الروسي، والاجتياح التركي لعفرين، يؤكد كلاهما قلق هذه الأطراف أكثر مما يفسره، ذلك أن الصراع ما زال مفتوحًا على مصراعيه، وليس هناك من ثبات لخرائط النفوذ والسيطرة، وكل الانتصارات التي أُعلن عنها ما زالت معلقة في الهواء؛ لذلك، فإن صمود المدنيين، في سائر الأرجاء السورية، على أرضهم وفي بيوتهم، هو اليوم العامل المركزي القادر على خرق الصراع الدائر بين الدول المتدخِّلة بعيدًا عن إرادة السوريين، وعن أهدافهم التي خرجوا من أجلها.