الفهرس:

أولًا: منهج الدراسة وصفي- تحليلي واستشرافي

ثانيًا: هدف الدراسة

ثالثًا: ملخص تنفيذي

رابعًا: مقدمة

خامسًا: المحور الأول – عن الحياة السياسية في سورية ما بعد الاستقلال

1- في مرحلة ما قبل البعث

2- النهج السياسي لسلطة البعث وآثاره في حاضر سورية ومستقبلها

سادسًا: المحور الثاني – الثورة السورية ومحاولة طي صفحة حكم البعث

سابعًا: المحور الثالث – تحديات إعادة البناء السياسي وآفاقه

1- تحدي طبيعة الحل السياسي وتفاعل الدول الراعية له

2- تحدي الاستقرار وعودة الحياة المدنية

3- تحدي التغلب على الاستقطاب المجتمعي ومحاصرة الرغبة في الانتقام

4- النخب السورية وتحدي تحديث العقل السياسي السوري

5- تحدي بناء حياة ديمقراطية وانتخابات حرة ونزيهة

6- تحدي التغلب على الجريمة المنظمة والجريمة عمومًا

7- تحدي تأثير الدول الإقليمية في طبيعة النظام المقبل

ثامنًا: المحور الرابع – رؤية سياسية وإدارية لسورية المستقبل

1- الحياة السياسية المنتظرة في سورية المستقبل

2- خيارات شكل النظام السياسي

3- التنظيم الإداري للنظام السياسي الجديد

4- هيكلة السلطة في المرحلة الانتقالية ومهماتها

5- أدوار الدولة السورية في المستقبل

6- تنشيط الحياة العامة

7- كيف تكون الدولة محايدة

8- ضمان الحريات الفردية والعامة

9- سياسة خارجية فاعلة

تاسعًا: خاتمة

أولًا: منهج الدراسة وصفي- تحليلي واستشرافي

ثانيًا: هدف الدراسة

وضع تصور افتراضي بشأن كيفية إعادة بناء الحياة السياسية في سورية المستقبلية في ضوء التحديات القائمة في الواقع وآليات تذليلها.

ثالثًا: ملخص تنفيذي

– يمثل النشاط السياسي تكثيفًا لمجمل النشاط الإنساني من حيث المجالات التي يعمل عليها، وعليه تعد إعادة بناء الحياة السياسية في سورية المستقبلية ركيزة مهمة وضرورية، في سياق إعادة البناء الشامل بعد الدمار الذي ألحقته حرب النظام على الشعب السوري.

– ظهرت الأحزاب السياسية الحديثة في مطلع العقد الثاني من عهد الانتداب الفرنسي.

– إنّ المدة الزمنية القصيرة وضعف الاستقرار السياسي -لأسباب عدة منها الانقلابات العسكرية- لم تساعد النخبة الليبرالية من رجالات الاستقلال في ترسيخ التجربة الديمقراطية الوليدة.

– مع انقلاب آذار/ مارس 1963، استطاع عسكريو البعث، بعد حملة التصفيات المتتابعة لخصومهم وفي ما بينهم، أن يُحكموا قبضتهم على السلطة والمجتمع عبر أجهزة الضبط المتعددة، ومحاصرة النشاط السياسي بالقوانين الاستثنائية والملاحقات الأمنية والسجون؛ ما أدى إلى تصحر الحياة السياسية وانتشار ثقافة الخوف والعزوف السياسي. لكن عوامل الاحتقان الذي فجر الثورة السورية كانت تتراكم تحت رماد الاستبداد. وقد بيّنت التجربة المريرة مع نظام البعث أنّ الشعب لم يستكن لحكم البعث، ولم يمنحه الشرعية التي سعى إليها بالبطش والقهر، فكانت هناك على الدوام أحداث وأزمات وسجون وتصفيات.

– أدى تعقيد الصراع من حيث النتيجة -بحكم التدويل الذي دفع إليه النظام، إضافة إلى التدخل متعدد الأطراف- إلى خسارة النظام والمعارضة أدوارهما في تقرير مصير القضية السورية الذي باتت تتحكم فيه الدول المتدخلة.

– قدمت الثورة السورية -على الرغم مما شابها من انحرافات- تجربة رائعة وبنّاءة من خلال ما قام به ناشطوها من عمليات توثيق لجرائم النظام وبطولات ومعاناة الشعب السوري، ونقل هذه التجربة بالاستفادة من وسائل الاتصال والتقنيات الحديثة إلى شعوب العالم، عبر الأعمال الفنية والكتابات وغيرها، لشرح قضيتهم بوصفها ثورة شعب في مواجهة نظام مستبد، لا حربًا أهلية أو حركة مذهبية، على الرغم من محاولات النظام وبعض القوى الجهادية المتطرفة وسمَها بهذا الطابع من دون أن يفلحوا.

– حوّلت السلطة السورية الدولةَ، منذ انقلاب البعث في 8 آذار/ مارس 1963، من فضاء عام لكل المواطنين، إلى فضاء خاص لأهل الولاء للسلطة الأمنية. ومن هنا، تعد أسئلة السياسة الرئيسة بخصوص الدولة والمواطنة والحريات العامة والفردية من أهمّ مشكلات سورية المستقبل.

– بعد التغيير، لا بدَّ من إعادة تنظيم الإدارة والحياة السياسية، بما يمكّن من توليد مجتمع مدني فاعل وأحزاب سياسية مؤثرة تنال قدرًا كافيًا من ثقة المجتمع، بهدف استعادة ثقة المواطن في الدولة، الأمر الذي يتطلب التوافق بين السوريين لإنشاء قواعد جديدة، وصولًا إلى عقد اجتماعي جديد.

– بما أنّ سورية تتميز بتعدد الهويات الثقافية لمكوناتها المجتمعية، وبما أنّ تجربة المركزية الشديدة التي مورست في المراحل السابقة غابت عنها العدالة في تنمية كافة المناطق، يبدو أنّ التنظيم الإداري الذي يمكن أن يحتضن هذا التعدد ويوظفه، بافتراضه غنًى للجمهورية السورية الثالثة، يتمثّل في اللامركزية الإدارية الموسعة على أساس جغرافي، لا على أسس قومية أو طائفية. وعن طريق هيكلة الإدارات المحلية وتزويدها بصلاحيات واسعة في مستوى المحافظات والمناطق والنواحي، تستطيع كافة شرائح المجتمع أن تضمن تمثيلها في مناطقها، بحيث تنتخب ممثليها وفق المصلحة العامة والكفاءة والفاعلية.

– يناط بالمرحلة الانتقالية، استنادًا إلى الإعلان الدستوري المتوافق عليه الذي يحدد مسارات عملية الانتقال السياسي، البدء بإعادة بناء الدولة لأداء الوظائف المنوطة بها بكفاءة، في المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

– مما لا شك فيه أنّ الحل السياسي المنتظر سوف يواجه مجموعة من التحديات التي لن يكون من السهل تجاوزها، تتعلق بطبيعة الحل السياسي ومدى تفاعل الدول المتوافقة معه، أو معارضة الدول التي قد تتضرر مصالحها في محاولة عرقلته، وأيضًا تحديات داخلية على أكثر من صعيد.

رابعًا: مقدمة

 بما أنّ النشاط السياسي يمثل تكثيفًا أعلى لمجمل النشاط الإنساني، من حيث المجالات التي يعمل عليها، وفي مقدمتها من نظام الحكم عندما يتاح ذلك، كما يجري في الدول الديمقراطية، فإنّ إعادة بناء الحياة السياسية في سورية المستقبل تعد ركيزة مهمة وضرورية في سياق عملية إعادة البناء الشامل، بعد الدمار الذي ألحقته بها حرب النظام وحلفائه على الشعب السوري الذي خرج طلبًا للحرية والكرامة، ومحاولته الخلاص من حالة الاستبداد التي كبلت حراكه وعوقت تطوره على مدى خمسة عقود. مرحلة طويلة ألقت بظلالها الكثيفة على مجمل حياة السوريين، ومن الطبيعي أنها ستحتاج إلى جهد كبير واستثنائي كي يتمكن هذا الشعب وقواه السياسية الناشطة من الولوج إلى حياة سياسية جديدة في دولة ديمقراطية، الأساس فيها المواطنة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، ونمو حركية التنظيم الاجتماعي وتنظيمات المجتمع المدني وتشجيع الإبداع والمبادرة الفردية، وكلما كان العمل على هذه الأهداف شاملًا وتراكميًا وملبيًا احتياجات الناس وتطلعاتهم بعد هذه المأساة الفظيعة، رُسخت الثقة في أن يتمكن السوريون من القبض على مستقبلهم، وأن تنفتح أمامهم الآفاق أسوة ببقية شعوب الأرض التي ناضلت طويلًا وتمكنت من بناء دول ديمقراطية، وتحصلت على عدالة معقولة.

 سيطرت على الحياة السياسية في سورية بعد الاستقلال تدريجيًا وبصورة متنامية ثلاثة تيارات رئيسة: الإسلامية والقومية واليسارية، بثلاث أيديولوجيات شمولية متضاربة فيما بينها، وكل منها عابر للوطنية، وهذه ما زالت واحدة من المشكلات العصية التي شتت الحقل السياسي وشوشت الرؤى السياسية، عندما ذهبت بها بعيدًا من الواقع العياني. وإذا كانت الحركة الإسلامية بفكرها بنت البيئة التي تعمل فيها، فإنّ مشكلتها الأساس تتمثل في أنّ عقلها وهدفها يتجهان صوب الماضي وليس المستقبل، إذ إن فكر التيارين اليساري والقومي كانا من إنتاج بيئات مغايرة، وإذا كان صحيحًا أنّ التجربة الإنسانية ملك لعموم البشرية لا يمكن احتكارها، فإنّ التيارين أعلاه ظلا عمومًا، أو إلى زمن قريب، يقرأان الواقع بعين البيئات الأصلية لفكرهما، وعجزا عن الفكاك الفكري والوجداني منها وقراءته بعين الواقع الذي عملا فيه، وعجزا عن تبييئه، أو ربما لم يرغبا في ذلك.

حتى انقلاب البعث كان الحراك السياسي السوري حراكًا نشطًا، على الرغم من اشتغاله في بيئة غير مستقرة سياسيًا لأسباب عدة، ويدير خلافاته سلميًا ضمن الحالة الديمقراطية والبرلمانية التي ورثها من دولة الانتداب، ما خلا مرحلة الوحدة التي حظرت الحراك السياسي المنظم والحزبي، لكن تجربة البعث في السلطة التي ما زالت مستمرة، عملت ببطشها الأمني وقوانينها الاستثنائية ونشر ثقافة الخوف والتحاجز المجتمعي على تجفيف الحقل السياسي. ومع ذلك فقد قدمت الأحزاب السياسية السورية -المعارضة منها على وجه الخصوص، وعلى تنوعها- تجربة كفاحية عالية، وقدمت تضحيات أسطورية، لكن بحكم الواقع الاستبدادي الذي فرضه نظام البعث، كانت النتائج التي تحصلت عليها لا تتناسب مطلقًا مع التضحيات المقدمة. من غير المنطقي بالطبع تحميل نظام الاستبداد المسؤولية الكاملة عن ضحالة الحصاد السياسي، فهناك عيوب بنيوية في نظرية تلك الأحزاب وتنظيمها وممارستها، جعلت الخلاف بينها وبين النظام، بصفته حزبًا حاكمًا، يتكثف في البعد الأخلاقي إلى حد كبير، فالطرفان كلاهما يتوسلان المشروعية من القضايا ذاتها، ويتشابهان في الخطاب السياسي والأهداف المعلنة، ولديهما الهيكلية التنظيمية ذاتها المستمدة من بنية الحزب اللينيني بالنسبة إلى الأحزاب اليسارية والقومية القائمة على المركزية الديمقراطية والديمقراطية الشعبية، وانعدمت في داخلها الديمقراطية، وغابت المؤتمرات والانتخابات وتبديل القيادات، كما أنّ التيارات الثلاثة توصف أنها من أحزاب الجماهير التي تسعى إلى التوسع الأفقي والتحشيد بوصفه أداة للتغيير، لأنّ أغلب أحزابها أحزاب انقلابية هدفها السلطة في الدرجة الأولى.

 كانت الثورة السورية التي انطلقت في سياق ثورات الربيع العربي والموجة الثالثة من محاولات تطبيق الديمقراطية في العالم، ثورة كاشفة، عرت خطاب النظام المتناقض مع كل أهدافه المعلنة، وأثبتت أن جل ما يهمه ويعمل عليه هو ضمان استمراره على حساب دم السوريين ومستقبلهم، وبالقدر ذاته بينت ضعف الأحزاب المعارضة وضآلة جسمها التنظيمي وتشتتها وعجزها عن العمل وفق مشتركات، كي تتمكن من وضع جهودها في خدمة الثورة؛ الأمر الذي اضطرها للسير خلف الثورة. صحيح أنّ الاستبداد استنزفها على مدى عقود، وصحيح أيضًا أنّ هذه الثورة كانت ثورة عفوية وغير نمطية لم يطلقها حزب أو تحالف سياسي، وبطبيعة الحال لم تدّع أي جهة هذا الشرف، إلا أنّ هذا كله لا يشكل مبررًا لتغطية العجز البنيوي الذي تعانيه، الذي ستكون له تداعيات على مستقبل هذه الأحزاب حين يتوقف الصراع، وسوف يفسح الطريق أمام ظهور أحزاب جديدة ببرامج وخطابات سياسية مختلفة، وبنى تنظيمية مختلفة تتلاءم مع حاجات العمل السياسي في مناخ ديمقراطي، إضافة إلى قدرتها على استقطاب الشباب والنساء ودفعهم إلى الانخراط في الشأن العام.

 قد لا يكون من الإنصاف تحميل المعارضة السورية إخفاق تمثيلاتها السياسية التي تشكلت في الخارج كامل المسؤولية عن الفشل في إدارة الصراع السياسي مع النظام، ذلك أنّ الصراع تدوّل من بدايته بفعل النظام، وتدخلت الدول في عمل المعارضة وخططها بما يخدم أجندات تلك الدول، فضلًا عن طول زمن الصراع الذي تجاوز الزمن الذي استغرقته حربان عالميتان، وقبل كل هذا كم المشكلات والأمراض التي رافقت بعض من شاركوا في هذه التمثيلات مثل الشخصنة أو الحزبية والمناطقية أو حتى الانتهازية. حاول النظام منذ الأيام الأولى استيعاب القوى المعارضة على تنوعها بغية ضبط الشارع أو التشويش على حراكه، وعقد لهذه الغاية مؤتمرين للحوار، الأول في فندق (سميراميس) والثاني في نادي (صحارى) برئاسة فاروق الشرع، لكن النتائج كانت متواضعة، اللهم سوى أنه تمكن من تحييد أو لجم اندفاع بعض القوى التي رفعت شعار المعارضة من الداخل.

يمكنكم قراءة البحث كاملًا بالضغط على علامة التحميل