(*) الآراء الواردة في هذه المادة لا تمثل بالضرورة آراء المركز ولا مواقفه من القضايا المطروحة

كوبلنز: محاولة للعدالة في المنفى

بدخول سورية العام التاسع من حربها المدمرة، مع نشر الحقيقة المؤرقة المتمثلة في أن استبداد الأسد يمكن أن يبقى ويستمر في الوقت الحالي؛ تتلاشى الآمال في إجراء تحقيق شامل في سلسلة الفظائع التي أدارتها الدولة. وإن الدور البارز الذي لعبته الدولة السورية، في إدارة سلسلة العنف التي وصفتها الأمم المتحدة بـ “التدمير المتعمد لأجزاء من عمران الدولة”، لا يزال كحال الفيل في الغرفة، يقوّض أي محاولة جادة لتحقيق مصالحة وطنية [[1]].

ونتيجة فشل مطالبة دول أوروبية بارزة في إنشاء محكمة جنائية دولية لمرتكبي الجرائم في سورية، بسبب عدم وجود اتفاق في مجلس الأمن؛ اتخذت بعض الدول الأوروبية مسارات جديدة لمواجهة الطلب المتنامي للسوريين في الشتات من أجل العدالة. حيث تمكنت المحاكم الوطنية في أوروبا -بموجب الآلية الدولية المحايدة والمستقلة التي اعتمدتها الأمم المتحدة- من التحقيق في الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في سورية منذ عام 2011، كما تمكنت من إصدار مذكرات توقيف ضد الشخصيات الرئيسة التي مارست العنف، وفقًا لمبدأ الولاية القضائية العالمية [[2]،[3]].

تبدو حقيقة أن أكبر قضية قضائية حتى الآن تجري على الأراضي الألمانية (البلد الذي يمكن أن ينظر إلى الوراء على إرث تجربتين شموليتين “توتاليتاريتين” من الهيمنة) وكأنها نتيجة ثانوية لتفكير البلاد التاريخي [[4]]. إن مقاربة الولاية القضائية الدولية، ضد عملاء العنف الممول من الدولة، تعبّر عن التجربة الذاتية بالاستبداد، ويمكن أن تعبّر أيضًا عن الهوية الوطنية في مواجهة الدولة الاستبدادية المتنامية عالميًا [[5]،[6]].

بينما تقدّم محاكمةُ اثنين من العملاء السابقين في إدارة الفرع (251) سيئ السمعة بجهاز الأمن الداخلي السوري، في كوبلنز، وهما أنصار أصلان [والصواب: أنور رسلان] وإياد أ [[7]،[8]]، لضحايا التعذيب في نظام الأسد، فرصةً لتحقق العدالة، أعلن المدعي العام الألماني بيتر فرانك، في تموز/ يوليو 2020 [[9]،[10]،[11]]، مذكرة توقيف أخرى ضد مجرم حرب سوري آخر، كان يعمل طبيبًا جراحًا في عيادة إعادة التأهيل في بلدة هسيان التابعة لولاية باد فيلدونجن، وهو الطبيب علاء موسى، المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق عناصر من المعارضة السورية، كانوا معتقلين في فرع المخابرات العسكرية لدى النظام (261)، في مشفى حمص العسكري [[12]،[13]].

“كان الطبيب يحرّق الأعضاء التناسلية للمتظاهر بالنار والكحول. وبعد القيام بتلك الجرائم هرب إلى ألمانيا.. الأطباء أكثر إجرامًا من الشبيحة”. من الفيلم الوثائقي “البحث عن جلادي الأسد”.

تغريدة لـ محمود موسى (https://t.co/mgOZJabhg8?amp=1).

باستخدام معرفته التشريحية في مهنته، قدّم الطبيب موسى خدماته لتنفيذ البنية التحتية المنظمة للعنف في الدولة السورية، وذلك بإلحاق إصابات دقيقة من الناحية التشريحية لإطالة أمد الألم الجسدي، أو بالتشويه المتعمد للأعضاء التناسلية البشرية، وعلى ذلك؛ فإن حالة موسى هي صورة مصغرة واضحة وبسيطة لحالة التوليف السريالي بين قسَم أبقراط، والعداء المطلق لسياسة الإبادة المنهجية [[14]،[15]].

بينما يقدّم أنور البني، المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان، والناشطة وفاء مصطفى، صوتًا تمثيليًا لكثير من السوريين المتضررين في ألمانيا، يتلقى المحققون المسؤولون المزيد من الشهادات من جمهور غفير، من الضحايا السوريين في جميع أنحاء أوروبا [[16]،[17]،[18]،[19]]. وإن اعتقال الطبيب “موسى” يوفّر لضحايا وأقارب المعتقلين السياسيين فرصةً لتقديم مزيد من الاعتراف بمعاناتهم، وكذلك يحرم شبكاتِ أتباع النظام السابق في ألمانيا من شعورهم بالإفلات من العقاب [[20]،[21]،[22]،[23]].

من منظور ألماني، لا شكّ في أن مشاركة المهنيين الطبيين، في سلسلة سياسة الإبادة التي تفرضها الدولة، تبعثُ ذكرياتٍ مظلمة. وإنْ كانت المقارنة المباشرة مع القتل الصناعي للمحرقة غيرَ ضرورية، فإن تهرّب الأطباء الجناة، من مسؤولية إسهامهم في القتل، يدعو إلى استعادة المنظور التاريخي لإساءة استخدام الطبّ لتدعيم الإبادة الجماعية [[24]].

يمكنكم قراءة البحث كاملًا بالضغط على علامة التحميل