المحتويات

الشوفينية

في المركزية واللامركزية السياسية

المصادر

 

بداية وقبل الخوض في غمار النظام السياسي الذي نأمله أرغب في الإشارة إلى مفهوم الشمولية والدولة المركزية، ومن ثم سأنتقل إلى سرد تاريخي لوقائع استلام البعث للسلطة في سورية، ومن ثم سأنتهي إلى النظام السياسي المأمول لسورية المستقبل من وجهة نظري الشخصية.

 

 الشوفينية

هي الاعتقاد المغالي، والتعصب لشيء، والعنجهية في التعامل مع خلافه، وتعبر عن غياب رزانة العقل والاستحكام في التحزب لمجموعة ينتمي إليها الشخص والتفاني في التحيز لها؛ وخصوصًا عندما يقترن الاعتقاد أو التحزب بالحط من شأن جماعات نظيرة والتحامل عليها، وتفيد معنى التعصب الأعمى.

الكلمة بالإنكليزية (chauvinism) في مدلولها الأصلي معنى الوطنية المفرطة، الغيورة والعدائية، والإعجاب الحصري لدى الشخص بوطنه والحمية العمياء للمجد العسكري، والاعتقاد المتحمس بأن وطنه أفضل الأوطان وأمته فوق كل الأمم، وينسب اللفظ إلى جندي فرنسي أسطوري اسمه نيكولا شوفان، شديد الغيرة على فرنسا ومتفاني في القتال في جيش الجمهورية (جيش نابليون) في حروبه من دون التفات أو شك في حصافته، أو مساءلة لجدارة قضيته،[1] فقُصد بها الإشارة إلى التفاني الأعمى للجندي المتحمس والمتزمت بعنجهية برأيه بقضية.

بالتبعية أضحى للمصطلح في الوقت الحاضر دلالات تتضمن التحيز المفرط واللاعقلاني للجماعة التي ينتمي إليها الفرد، وبخاصة عندما يتضمن التحزب الحقد والكراهية تجاه الجماعات المنافسة. مثل الشوفينية الدينية، الشوفينية اللغوية، ويستخدم للإشارة إلى عنجهية الرجل) بالإنكليزية: male chauvinism)  التي تشير إلى الاعتقاد بأن الذكور يتفوقونَ على الإناث. كذلك الأمر بِالنسبة إلى الإناث الشوفينيات (بالإنكليزية:female chauvinism) اللاتي يعتقدن أن الإناث أعلى من الذكور.

 

في المركزية واللامركزية السياسية

  • المركزية السياسية: هي التنظيم السياسي الذي يوحد مختلف أقاليم الدولة ويكون لها وحدها السلطة السياسية كوحدة متكاملة، ولا يعترف بأي سلطة سياسية أخرى أو استقلال ذاتي للأقاليم التي يكون لها طابع تنظيمي إداري فحسب من مثل المحافظات والألوية والأقضية والبلديات …إلخ
  • اللامركزية السياسية: هي التنظيم السياسي الذي يقسم الدولة إلى أقاليم عدّة وتناط بها السلطة السياسية والاستقلال الذاتي لمختلف الأقاليم في الدولة مع الإبقاء على بعض المرافق المهمة من مثل الدفاع والخارجية والمالية في يد سلطة اتحادية منبثقة من هذه الأقاليم كما هو الحال في ألمانيا الاتحادية.

 

المركزية الإدارية

المركزية هي أسلوب إداري يؤدي إلى تجميع السلطات في يد عدد محدود من الأفراد في المنظمة. هذا معنى المركزية في المنظمة، أما معناها في مستوى الإدارة العامة هو (أسلوب من أساليب نشاط الدولة يؤدي إلى تجميع الأمور الإدارية في يد الوزير والعاملين معه مع عدم استقلال الوحدات الإدارية في مجال اتخاذ القرارات الإدارية منها بعيدًا من السلطة المركزية في الأقاليم ببعض النشاط الإداري بحسب توجيهات الحكومة المركزية.

بناءً على ذلك فإن الدولة ممثلة بجهازها الإداري في المركز وفروعه خارج المركز، تقوم بمباشرة نشاطها وتقديم خدماتها إلى المواطنين كافة من دون استثناء في بقاع الدولة كافة، عن طريق موظفيها الذين يعيّنون منها للقيام بأنواع النشاط المختلفة. وهم في ممارستهم لتلك الوظائف يخضعون لرقابة وتوجيه الجهة الأعلى في السلم الإداري. وينتج من ذلك خضوع الجهاز الأدنى للجهاز الأعلى. وبذلك يمكن القول بالمركزية الإدارية.

 

مزايا المركزية الإدارية

  • لها صورة رسمية متحدة
  • تسمح للشركة -المنظمة- مؤسسات الدولة …. إلخ بتوسيع قاعدة البيانات الحاسوبية.
  • سهولة التنسيق وتوحيد السياسات والممارسات بين الإدارات المختلفة.
  • التشغيل الاقتصادي الأمثل للموارد المتاحة.
  • تكوين فريق متعاون من متخذي القرارات في مستوى الإدارة العليا.
  • عدم الازدواجية في القرارات.
  • سهولة الرقابة وإجراءاتها القومية الكبرى بكفاية عالية.

 

نظام البعث في سورية مثالًا على الشوفينية والمركزية السياسية

سرد تاريخي لوقائع استلام البعث لزمام السلطة في سورية

  • في شهر شباط/ فبراير عام 1958 قامت الجمهورية العربية المتحدة بين سورية ومصر، إذ تنازل الرئيس شكري القوتلي عن منصب الرئاسة لمصلحة الرئيس جمال عبد الناصر الذي تولى الرئاسة باستفتاء شعبي بعد أن اشترط على الأحزاب السياسية في سورية حل نفسها بما فيها حزب البعث العربي الاشتراكي.
  • كانت سياسة جمال عبد الناصر تجاه سورية إقصائية ما خيب آمال الجميع بمن فيهم البعثيين.
  • نُقلت مجموعة كبيرة من الضباط السوريين للعمل في مصر كان من بينهم المقدم محمد عمران والرائد صلاح جديد والنقيب عبد الكريم الجندي والرائد أحمد المير والنقيب حافظ الأسد.
  • شكل الضباط الخمسة المشار إليهم أعلاه تنظيما سريا داخل الجيش أطلق عليه اللجنة العسكرية.
  • في 28 أيلول/ سبتمبر عام 1961 أقدم مجموعة من الضباط الدمشقيين بقيادة النحلاوي بالانقلاب على الوحدة وإعلان الانفصال إذ تولى الدكتور ناظم القدسي رئاسة الجمهورية.
  • في 8 شباط/ فبراير 1963 استلم البعثيون الحكم في العراق بعد انقلابهم على عبد الكريم قاسم.
  • في 8 آذار/ مارس 1963 استلم البعثيون الحكم في سورية بعد انقلابهم على ناظم القدسي وسُرِّح 1500 ضابط دمشقي بحجة انفصالهم عن مصر.
  • في 18 تموز/ يوليو 1963 حاولت الكتلة الناصرية في الجيش السوري الانقلاب على اللجنة العسكرية إلا أن الانقلاب فشل.
  • تقلد لؤي الأتاسي رئاسة الجمهورية إلا أنه ما لبث أن استقال.
  • في تموز/ يوليو 1963 اختير أمين الحافظ لرئاسة سورية وأعلنت حالة الطوارئ.
  • في 7 نيسان/ أبريل 1964 حصل أول صدام بين البعثيين والإسلاميين في مدينة حماة عندما دمر النظام مسجد السلطان الذي كان يتحصن فيه مجموعة من أنصار الشيخ مروان حديد.
  • في عام 1966 بدأت الأجواء تتلبد داخل البعث بعد أن استدعى أمين الحافظ المقدم محمد عمران الذي كان يشغل منصب سفير سورية في إسبانيا وعينه وزيرًا للدفاع.
  • في 22 شباط/ فبراير 1966 انقلب صلاح جديد على أمين الحافظ واعتقله مع محمد عمران، وأودعهما سجن المزة العسكري، وتمكن ميشيل عفلق الهرب، وفي إثر ذلك عُيين حافظ الأسد وزيرًا للدفاع ونور الدين الاتاسي رئيسًا للجمهورية.
  • في شهر حزيران/ يونيو من عام 1967 اندلعت الحرب مع إسرائيل التي احتلت الجولان عندما كان حافظ الأسد وزيرًا للدفاع، وحُمِّل أحمد المير مسؤولية الهزيمة، وعُزل لاحقًا من أي دور سياسي أو عسكري.
  • في 2 آذار/ مارس 1969 وجد عبد الكريم الجندي منتحرا وبجانبه رسالة يحذر فيها من حافظ الأسد.
  • في 15 أيلول/ سبتمبر 1970 وقعت حوادث أيلول/ سبتمبر الأسود بين الأردنيين والفدائيين الفلسطينيين، إذ قرر صلاح جديد مساعدة الفدائيين وكلف حافظ الأسد بالتدخل المباشر إلا أن قواتهما باءت بهزيمة كبيرة، وحُمِّل حافظ الأسد مسؤولية الهزيمة
  • في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1970 دعا صلاح جديد القيادة القطرية لحزب البعث إلى عقد مؤتمر استثنائي لتجريد حافظ الأسد من صلاحياته ومهماته إلا أن هذا الأخير وبمساعدة مصطفى طلاس حاصر مقر المؤتمر، واعتقل الحضور جميعهم بمن فيهم صلاح جديد ونور الدين الأتاسي، وأودعهم سجن المزة في ما سيعرف لاحقًا بالحركة التصحيحية، وعُيين أحمد الحسن الخطيب رئيسًا لسورية مدة ستة أشهر ليتولى حافظ الأسد في 22 آذار/ مارس 1971 الحكم بموجب استفتاء شعبي.
  • في 4 آذار/ مارس 1978 اغتيل محمد عمران في لبنان، ليُقضى على آخر عضو من أعضاء اللجنة العسكرية.
  • في 13 آذار/ مارس 1973 دعا حافظ الأسد المواطنين إلى الاستفتاء على الدستور الذي منحه سلطات مطلقة.
  • في 16 حزيران/ يونيو 1979 وقعت حادثة مدرسة المدفعية في حلب التي راح ضحيتها عشرات الضباط، وتبنتها لاحقًا الطليعة المقاتلة بزعامة الشيخ مروان حديد وعدنان عقلة، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع بين البعث والإسلاميين.
  • في 26 حزيران/ يونيو 1980 نجا الأسد من محاولة اغتيال، إذ توجه في إثرها رفعت الأسد إلى سجن تدمر، وقتل مئات من المسجونين الإسلاميين.
  • في عام 1982 اندلعت حوادث مدينة حماة التي انتهت بتدمير القسم الأكبر منها وقتل عشرات الآلاف من سكانها.
  • في عام 1984 نفي رفعت الأسد إلى خارج سورية بعد أن استشعر حافظ الأسد خطره وبعد الحوادث المتمثلة في حصار سرايا الدفاع لمدينة دمشق.
  • في 10 حزيران/ يونيو 2000 توفي حافظ الأسد.
  • في 1 تموز/ يوليو سنة 2000 ورث بشار الأسد الحكم عن والده بعد أن عُدّل الدستور.
  • في 15 آذار/ مارس سنة 2011 اندلعت الثورة السورية.

 

الفدرالية والدولة الوطنية

كشفت السجالات الصاخبة حول الفدرالية السورية جملة من المفارقات البنيوية لا في الخطاب السياسيّ فحسب، بل في الوعي السياسيّ والنموذج المعرفيّ الذي ينتجه، نعني نموذج التفكير والإدراك والتمثل والعمل، وهو نموذجٌ لا تنفصل فيه المعرفة عن الأخلاق. وسبق السجالَ حول الفدرالية سجالٌ في وصف الدولة المنشودة أو تسميتها وسِمَتها: هل هي “الجمهورية العربية السورية” أم “الجمهورية السورية”. وفي الحالين كان السجال، وما يزال، محكومًا بثنائية أو ثنوية “الأكثرية” و”الأقليات”، معرّفتين بالعرق واللغة مرّةً وبالدين والمذهب مرّةً أخرى، ومقنَّعتين بادعاء التسامح والتحرر والتعايش والإخاء ونشدان “الديمقراطية”. وإذ يميل الكرد خاصّةً إلى الفدرالية والجمهورية السورية فقد وُصفوا بالانفصاليين المتآمرين على وحدة سورية أرضًا وشعبًا وبالشوكة في خاصرة الوطن، كدولة إسرائيل. ومن ثمّ فإن الفدرالية ذاتها “رجسٌ من عمل الشيطان”.
في ظاهر الخطابات، ثمة إجماعٌ أو شبه إجماعٍ في أوساط الإنتلجنتسيا السورية على “الديمقراطية”، وعلى “دولةٍ مدنيةٍ تعدّدية”، على ما في هذا الشعار من تلبيسٍ فكريٍّ ومكرٍ سياسيٍّ وجهل. فإذا فهمنا الديمقراطية، (من ديموس، أي الشعب)، على أنها حقيقة أيّ نظامٍ من أنظمة الحكم، على نحو ما بَسَطها كارل ماركس، يفترض أن يكون الشعب هو المرجع والحَكَم، وأن تخلص المناقشة، لا السجال، إلى إيكال المسألتين المذكورتين، الفدرالية وسِمة الدولة، إلى الشعب وإلى صندوق الاقتراع، في مناخٍ تنافسيٍّ تتمكن فيه القوى جميعها التعبير عن آرائها وتفضيلاتها بحرّية.

أما على صعيد الممارسة الفكرية والاجتماعية والسياسية، فلا يبدو الأمر كذلك، بدليل بلوغ السجال حول المسألتين الرئيستين مبلغ الحرب، وما تتسم به من همجيةٍ وانحطاطٍ أخلاقيٍّ، تجلى في تنابز من يرون أنهم ممثلون حصريون للعرب المسلمين السنّة ومن يرون أنهم ممثلون حصريون للكرد أو غيرهم من “الأقليات”. تذكِّر هذه الحرب الأيديولوجية (الكلامية)، بما تنطوي عليه من عنصرية، بسوابقها التاريخية، ولا سيما تلك التي وُصفت بالنزعة “الشعوبية” التي انخرط فيها كتابٌ وشعراء ومتكلمون مرموقون. فمن أكثر المفارقات البنيوية التي أشرنا إليها أن يكون الفرد أو الحزب ديمقراطيًا وعنصريًا في الوقت نفسه، علاوةً على أن يقول الشيءَ ونقيضَه في الوقت نفسه، وهذا من أبرز خصائص المنطق السجاليّ. الذين يعلنون اعترافهم بالتعددية وقبولهم بها يرفضون ترجمتها سياسيًا ودستوريًا وقانونيًا، تحت شعارات الوحدة الوطنية والتعايش والإخاء. فحسبُ التعددية أن تكون شعارًا يخفي ميولًا عنصرية. لا تحيل الشعارات على المطالب والتوقعات دومًا، ولا تحيل على اليوتوبيا دومًا، بل يغلب أن تكون لها وظيفةٌ دعائيةٌ أولًا وتقنيعيةٌ أو تضليليةٌ ثانيًا، علاوةً على وظيفتها المعرفية في تعزيز الدوغمائية، كشعارات الوحدة العربية وتحرير فلسطين ومناهضة الإمبريالية والصهيونية التي أسّست مقبولية الاستبداد والتسلط والنهب والفساد، أو التغاضي عنها، في سبيل القضايا المركزية والأهداف الكبرى.
في حمأة السجال وتوفز المتساجلين غاب مفهوم الدولة الوطنية، ومفهوم المواطنة، اللذان لا رصيد لهما أساسًا في معرفتنا وثقافتنا وقيمنا، وغاب عن النبهاء من هؤلاء أن الدولة الفدرالية دولةٌ وطنية، أكثر ديمقراطيةً من الدولة الوطنية المركزية التي تحمل جرثومة التسلط والعدوان والاستعمار وجرثومة الإمبريالية، وتنطوي دومًا على آليات استغلالٍ وتمييزٍ وإقصاءٍ وتهميش، من دونها لا تكون مركزية، إضافة إلى طابعها الذكوريّ.

تشير هذه السجالات ومفارقاتها إلى وعيٍ سياسيٍّ يفصل المسألة الوطنية (القومية) عن المسألة العلمانية – الديمقراطية، وقد أشرنا إلى ذلك قبل “الربيع العربيّ”، ثم مع بداية الثورة السورية. ومردّ هذا الفصل القطعيّ بين المسألة الوطنية والمسألة العلمانية – الديمقراطية هو كيفية تأويل “الدولة القومية ( الدولة الوطنية) التي بلورتها الحداثة أواخر القرن الثامن عشر في الفكر السياسيّ العربيّ بعامةً ولدى النخبة السورية بخاصّة، وتفريغها من محتواها العلمانيّ – الديمقراطيّ، واختزالها في “الدولة العربية” الواحدة، دولةً مركزيةً للعرب الأقحاح من المحيط إلى الخليج. ويتصل بذلك أوثق اتصالٍ فصل مفهوم الأمة عن مفهوم المجتمع المدنيّ، ومن ثم فصل مفهوم السلطة عن مفهوم الشعب، وهو ما أدّى في نهاية المطاف إلى بعث الاستبداد والتسلط من جوف التاريخ وتحديثهما في صيغة “دولة البعث” و”سورية الأسد” و”الشعب العربيّ السوريّ”، حتى بات الكردي والآثوريّ والأرمنيّ والشركسيّ والتركمانيّ…. عربًا سوريين في البطاقات الشخصية وجوازات السفر قسرًا وإرغامًا. وكان النظام التعليميّ أداةً ناجعةً لتعريبٍ فظٍّ لغير العرب من السوريين، إلى جانب “المنظمات الشعبية” أو منظمات الواجهة الرديفة للحزب القائد.

تجب العودة هنا إلى مفهوم الأمة في فكر ساطع الحصري وزكي الأرسوزي وميشيل عفلق، ومدرسة حافظ الأسد، ومدرسة صدام حسين، ومدرسة معمر القذافي، التي عدّها المثقفون القوميون العرب مرجعياتٍ فكريةً وسياسية، بعد “تصفية الناصرية”، لكشف النقاب عن حقيقة أن فكرة الأمة العنصرية (الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة) أساس فكرة الدولة المركزية العنصرية، “دولة البعث” وأساس النظام التسلطيّ، وأن فكرة الأمة العنصرية إثنيًا (الأمة العربية) معادلٌ علمانيٌّ لفكرة الأمة العنصرية مذهبيًا (الأمة الإسلامية)، بحسب المتكلم، سنّيًا كان أم شيعيًا أم غير ذلك من الفرق الناجية. العقيدة هي العقيدة، سواء كانت عقيدة حسن البنا أم سيد قطب وغيرهما أم عقيدة زكي الأرسوزي وميشيل عفلق وغيرهما، ولا سيما في ظلّ الأيديولوجيا التي تقول: “العروبة مادة الإسلام، والإسلام روحها، فلا تنهض الأمة إلا بجناحيها: العروبة والإسلام”.

ولما كانت فكرة “الأمة” أساسًا سوسيولوجيًا وأيديولوجيًا وأخلاقيًا لفكرة “الدولة القومية”، فمن البدهيّ أن تولِّد فكرةُ الأمة الإسلامية المتجانسة مذهبيًا فكرةَ “الدولة الإسلامية” المتجانسة مذهبيًا، وتنبذ، من ثمّ، غير المسلمين وغير السنّة أو الشيعة (بحسب المتكلم/ــة) من دائرة الأمة ودائرة الدولة، وتعدّهم إما من أهل الذمة، وإما مشركين وكفارًا وزنادقة. ومن البدهيّ أيضًا أن تولِّد فكرةُ الأمة العربية النقية عرقيًا فكرةَ الدولة القومية العربية النقية عرقيًا، وتنبذ، من ثمّ، غير العرب من دائرة الأمة ودائرة الدولة، وتعدّهم إما من الموالي، وإما أعشابًا ضارةً يجب اسئصالها.

يقول جورج طرابيشي في إحدى هرطقاته: كانت ثورة الحداثة قد ابتكرت مبدأ العلمانية وطبقته وطوّرته حلًا لمشكلة الأقليات الدينية والطائفية. ولكن هذا الحلّ، على عبقريته، كشف قصوره في مواجهة مشكلة الأقليات القومية. وهكذا وجدنا أوروبا تقدّم، في القرن التاسع عشر، مشهدًا غريبًا ومتناقضًا لدولٍ متسامحةٍ على الصعيد الدينيّ ومتعصبةٍ على الصعيد القوميّ. ثم جاءت التجارب التوتاليتارية في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، في النصف الأول من القرن العشرين، لتكشف مدى طغيان النزعة القومية وقابليتها للتحول إلى شوفينيةٍ عدوانية، إذا لم تستند إلى ركيزةٍ من الثقافة الديمقراطية إضافةً إلى العلمانية. وقد تأدّى سقوط التجارب الفاشية في هذه البلدان إلى توسيع مفهوم الديمقراطية.
في الحالة العربية عامةً، والسورية خاصّةً، ما تزال العلمانية موضوع أخذٍ وردّ على الصعيد الثقافيّ، بل الأيديولوجيّ. وتوصم بمناهضة الدين عمومًا و”الإسلام” خصوصًا. ويرى فيها بعضهم أدلوجةً أقلويةً تخفي عداوةً مستحكمةً للإسلام السنّيّ، ويعارضونها بديمقراطية صندوق الاقتراع وحقّ الأكثرية في الحكم. وما ذلك إلا لأن الطائفية المذهبية متجذرةٌ في الثقافة والاجتماع والسياسة والأخلاق، وليس من دليلٍ أكثر سطوعًا على ذلك من الحرب الطائفية الدائرة منذ خمس سنوات. فإذا كانت مسألة التعدد المذهبيّ لم تحلّ علمانيًا بعد، ولا يبدو حلها مطروحًا في الأفق المنظور، فما بالكم بمسألة التعدد الإثنيّ وحقّ الجماعات الإثنية في تقرير مصيرها بنفسها؟!

لقد أشرنا مرارًا إلى أن اللامركزية خيارٌ ديمقراطيّ، والفدرالية أيضًا، ولكننا خصّصنا اللامركزية لنذهب إلى أبعد من الحقل السياسيّ، أي إلى نقد المركزية الإثنية – المذهبية والمركزية الذكورية على ما بينهما من تضامنٍ تاريخيّ. وفي ضوء السجال الصاخب الذي أشرنا إليه لا بدّ من عدّ الفدرالية مطلبًا أساسًا للقوى الديمقراطية، عربيةً كانت أم كرديةً أم غير ذلك، مطلبًا للقوى الديمقراطية لا للقوى المذهبية والإثنية، وذلك لإنصاف الجماعات الإثنية والمذهبية المهمّشة والمحرومة، ولا يمكن لأيّ نظامٍ غير علمانيٍّ – ديمقراطيٍّ أن ينصفها، بوصفها من مقوّمات المجتمع الأهليّ الحامل جنين المجتمع المدنيّ، لا بوصفها “مكوّناتٍ سياسية”، وقد شاع هذا المصطلح الرديء بين السوريين عن العراقيين، ما يوحي بإمكان عرقنة سورية. لا تقوم الفدرالية على أساسٍ عرقيٍّ – لغويٍّ أو مذهبيّ، ولكنها لا تحول دون قيام إقليم حكمٍ ذاتيٍّ للكرد السوريين، والكرد وحدهم أصحاب الحقّ الحصريّ في تحديد علاقتهم بالوطن السوريّ وبالدولة السورية. مبدأ العقد الاجتماعيّ، السياسيّ والأخلاقيّ، هو حرية الاختيار، والمواطنة، من ثمّ، اختيارٌ حرّ، ولا تكون بالقسر والإكراه.

كان يمكن، وما يزال ممكنًا إلى حدٍّ ما، أن يتوافق السوريون (رجالًا ونساءً) على عقدٍ اجتماعيٍّ يترجَم إلى دستورٍ حديثٍ علمانيٍّ – ديمقراطيّ، يعرِّف سورية بأنها جمهوريةٌ سوريةٌ فدرالية، سيدةٌ ومستقلة، نظامها السياسيّ ديمقراطيٌّ برلمانيّ، يتساوى مواطناتها ومواطنوها في الحريات الأساسية الخاصّة والعامة والحقوق المدنية والسياسية، وتتساوى فيها القوميات والأديان والمذاهب جميعها في القيمة والكرامة. ولكن الأوضاع الراهنة قد لا تفضي إلى مثل هذا العقد إلا على طريق آلامٍ طويلة.

الدولة الوطنية علمانيةٌ – ديمقراطيةٌ أو لا تكون دولةً وطنية. والفدرالية شكلٌ ديمقراطيٌّ من أشكال الدولة الوطينة. لا نريد للفدرالية العلمانية – الديمقراطية أن تكون مخرجًا من أزمة فحسب، بل نريدها تأسيسًا لمجتمعٍ ديمقراطيٍّ وحياةٍ إنسانيةٍ لائقةٍ قوامها الحرية والمساواة والعدالة.

 

المصادر

جاد الكريم الجباعي

برامج وثائقية

دراسات