مقدمة:

ينطلق مركز حرمون للدراسات المعاصرة، في “برنامج الحوار حول القضايا الوطنية السورية” الذي يطلقه الآن، من واقع أن سورية وشعبها قد تعرّضا، في السنوات العشر الأخيرة، لأزمة عنيفة تجاوزت حدّ الكارثة، وما تزال مستمرة، ويصعب التكهن بتطوراتها المقبلة ضمن ظروف غياب التوافق الوطني والدولي على حلّ سياسي يضع حدًا لها.

كان عنف النظام المفرط في مواجهة المطالب الشعبية، وتدخّل كلّ من إيران وموسكو عسكريًا، إضافة إلى تدخلات دول وميليشيات أجنبية ومحلية، وتقاعس المجتمع الدولي عن فرض حلّ عادل ينهي هذا الصراع، كلّها كانت عوامل أدت إلى أن تصبح سورية مقسمةً واقعيًا إلى أربع مناطق نفوذ، تسيطر عليها أربع قوى متصارعة، وأربع حكومات، تفتقد جميعها الشرعية الممنوحة من الشعب السوري، وقد بات الشعب السوري موزعًا بين هذه المناطق الأربعة، أو في دول اللجوء، سواء في دول الجوار أو في دول بعيدة. وباتت الأطراف الدولية المتدخلة والفاعلة في الملفّ السوري تجتمع وتقرّر مصير سورية وشعبها، في غياب تام لصوت الشعب السوري ومن يمثله.

هذا الوضع انعكس في استمرار تشرذم الشعب السوري وتشتته بين تيارات وتوجّهات مختلفة لم تتبلور في أطر منظمة، وقد كانت هذه الشرذمة أحد أسباب فشل الثورة السورية في تحقيق مبتغاها، وسببًا في هذا الكم الهائل من الدمار المادي والمجتمعي، وهذا التشرذم هو استمرار لأوضاع تكرّست قبل آذار 2011، وقد عمل عليها نظام البعث – الأسد منذ 1963، لتذرير الشعب السوري وشرذمته وإفقاده أي هيكل تنظيمي يؤطر قواه، سياسيًا ومجتمعيًا ونقابيًا وفكريًا، وليجعل من كلّ فرد سوري كيانًا مستقلًا قائمًا بذاته، ضمانًا لاستمرار النخبة الحاكمة في القبض الدائم على السلطة.

ينطلق مركز حرمون للدراسات المعاصرة، في مبادرته الحوارية هذه، من وجود حاجة ماسة إلى بلورة توافقات بين السوريين، بمختلف توجهات نخبهم وقواهم وتياراتهم الرئيسة، توافقات حول أبرز القضايا الوطنية والمصيرية المشتركة، وبلورة إجماع سوري وازن، وذلك لخدمة وتسهيل المهمات الجسيمة التي تنتظرهم؛ كي يتمكنوا من المشاركة الوازنة في تقرير مصيرهم الآن، وفي المستقبل، عند وضع الأسس لعقدهم الاجتماعي الجديد، الذي سيترجم في دستور ديمقراطي جديد لإعادة بناء سورية، سياسيًا ومجتمعيًا واقتصاديًا وثقافيًا.

وعلى الرغم من التعقيدات الجمّة التي تدفع البعض إلى الإحباط، يدرك المركز أنّ ثمة إرادةً تتبلور لدى قطاعات واسعة من السوريين، وأن هناك إدراكًا لأهميّة التحرك الآن، للعمل من أجل تجميع قوى السوريين باتجاهاتهم المختلفة، كي يكون لهم صوتٌ فاعل في تقرير مصيرهم. ومن الأمور المشجعة الآن ملاحظة أن هناك محاولات كثيرة، سواء عبر تشكّل مجموعات حوار عبر تطبيق (واتساب) أو برنامج (زووم) أو غيرها، أو عقد ندوات ومؤتمرات وصياغة وثائق، أو تشكيل أحزاب، ولا شك في أن ذلك يعكس توفر الرغبة والإرادة والاستعداد للعمل، غير أن السمة العامة ما تزال حتى الآن استمرار الشرذمة وعدم قيام مبادرة ذات وزن، تخلق التأثير وتصنع الفرق.

ضمن هذا التحليل، ينطلق مركز حرمون للدراسات المعاصرة، كمركز دراسات وإطلاق مبادرات، في إعلان مبادرته هذه للحوار السوري بين الكوادر السورية، من أكاديميين وباحثين وسياسيين وناشطين، يمثلون مختلف التيارات والتوجهات، من أجل بلورة توافق على أسس وطنية، لرسم أسس الدولة السورية القادمة التي يريدها السوريون ويعملون من أجلها.

إن القيمة الفعلية لأي وثيقةٍ -مهما كانت جيدة المحتوى والصياغة والسبك- تأتي ممن يتبناها، وتأتي من التوافق عليها، وبالتالي فإن اتساع نطاق تبنّي الوثيقة هو ما يعطيها القيمة والقوة. ولذلك يهدف هذا الحوار إلى إشراك أوسع شريحة ممكنة من الكوادر والخبرات السورية، وسيُبنى هذا الحوار على جهود سابقة لمجموعات وشخصيات عملت على موضوعات مشابهة.

ستُعطى الأولوية في الحوار للموضوعات الرئيسة التي تشكل أسسَ إعادة بناء الدولة السورية بجوانبها الرئيسة، والتي لا تحظى بتوافق ضمني حولها، بما يستدعي أن يكون المتحاورون يمثلون التيارات الرئيسة الغالبة في سورية، وهي التيار الديمقراطي الاجتماعي، والتيار الديمقراطي الليبرالي، وتيار الإسلام السياسي الديمقراطي، والتيار القومي.

تنظيم الحوار:

  • – سيتم تنظيم جلسات الحوار وفق برنامج الموضوعات ذات الأولوية، وستُمنح الأولوية للقضايا الخلافية، وسيمتد البرنامج -مبدئيًا- ستة أشهر.
  • – يخصص كلّ شهر للحوار حول موضوع واحد، يُناقش على مدى جلستي حوار من قبل نحو 15 – 20 خبيرًا سوريًا مختصًا.
  • – سينتج عن الحوار نصّ مكثف يعكس التوافق، كما يعكس وجهات النظر المتباينة، في حال عدم التوافق على النص.
  • – سيتم نشر النصوص تباعًا على موقع المركز، لمتابعة الحوار المفتوح حوله.
  • – سيتم التنسيق مع مجموعات أخرى ناشطة، لمناقشة الموضوعات ضمن مجموعاتهم، وإبلاغنا بنتائح الحوار.
  • – ستُجمع النصوص المتوافق عليها تباعًا في وثيقة واحدة، بعد أن يكون قد شارك في صياغتها مئات الكوادر والخبرات السورية، كما شارك في مناقشتها مئات أخرى، وتكون بمنزلة مقترح لمسوّدة ميثاق وطني سوري، يتضمن أسس تنظيم سورية الجديدة، التي ستنعكس في الدستور الجديد وفي القوانين الرئيسة المنظمة لسورية ومجتمعها في المستقبل. وستتم مناقشة الوثيقة الإجمالية ككل، مرة أخرى.
  • – تشكل مبادرة الحوار هذه الجزء الأول من مبادرتين متكاملتين، حيث تهدف المبادرة الثانية إلى العمل على صياغة تصوّر لحلّ سياسي، يقوم على الانتقال السياسي وفق قرارات الأمم المتحدة، ويكون بمنزلة برنامج تنفيذي لقرار مجلس الأمن 2254 والقرار 2118 وإعلان جنيف، ويشارك في صياغته عشرات الخبرات السورية، ويناقش على شكل واسع، وتشكل المبادرتان معًا مساهمة استشارية من مركز حرمون.
  • – سيقتصر دور مركز حرمون للدراسات المعاصرة على الدور الاستشاري البحثي، ليكون دورًا مساعدًا ومحفّزًا لمبادرة تنظيمية وازنة، تؤطر جزءًا كبيرًا من قوى المجتمع السوري في عمل مؤسساتي منظم طال انتظاره، لإسماع صوت الشعب السوري للقوى التي باتت متحكمة في وضع سورية وشعبها، وفرض إرادته في صنع مستقبل سورية ومستقبله.

مركز حرمون للدراسات المعاصرة

حزيران 2021