1-مقدمة:

بدأ السوريون منذ سنوات يستعملون عبارة “لمّ الشمل” كثيرًا، في أحاديثهم اليومية، ولم تعد هذه العبارة تقتصر على معناها العادي، بل أصبحت تلخّص -على قصرها- مأساة يعيش السوريون على وقعها، منذ أن راحت دبابات ووحدات الجيش السوري والأجهزة الأمنية السورية تواجه الشعب السوري بمنتهى الوحشية.

هكذا بدأت قوافل الهاربين من الموت تغادر سورية، ولما كان القمع يستهدف أولًا فئة المتظاهرين الشباب، أو من هم قادرون على التظاهر، فقد كان من الطبيعي أن تكون هذه الفئة أوّل الباحثين عن النجاة، وبدأت العائلات السورية تفقد أبناءها، أو فردًا ما منها، وخلال سنوات الثورة السورية، تمزّقت معظم العائلات السورية، وتبعثر أفرادها في مناطق متباعدة. ومن هنا، بدأت معاناة السوريين في استعادة عائلاتهم، ولمّ شملها من جديد.

ما لم ينتبه إليه السوريون أنّ تمزيق العائلة السورية الكبرى بدأ منذ اليوم الأول للثورة، وبدأت تركة حافظ الأسد في تفخيخ المجتمع السوري تطفو على السطح، وراح النسيج الاجتماعي السوري الهشّ أساسًا يتمزّق تحت وطأة عصبيات كامنة انفلتت من كوابحها، وما انفلت ضعيفًا في بدايته تمت تغذيته بالعنف والدم والضخ الإعلامي المخطط، فغدا قويًا، وفاعلًا، وأصبح اليوم عقبة حقيقية أمام لمّ شمل العائلة السورية الكبرى.

منذ البداية، كان واضحًا سعي النظام السوري لتفتيت السوريين، وتصنيفهم بما يناسبه، في كلّ منطقة من مناطق اشتعال التظاهرات، طائفيًا أو قوميًا، أو عشائريًا، أو مناطقيًا، وكان من الضروري فضح هذا السعي، وكشف مدى خطورته على مصير سورية ومستقبلها، لكن القسم الأعظم من المثقفين والسياسيين ترفّع عن التحدث في خطورة هذا النهج، معتقدًا أنه بهذا يتفوق أخلاقيًا، وأنه يتسامى عن قضايا صغيرة، ولم ينتبه إلى أنه، بتعاليه الزائف، أعطى النظام فرصة كبيرة في إنجاح خطته بتقسيم حاضنة الثورة، وبتقسيم المجتمع السوري.

اليوم، بعد ما يزيد على عشر سنوات، وبعد أن تمزّقت العائلة السورية الكبرى شرّ تمزّق، لا يجد السوريون من يهتمّ بإعادة لم شمل هذه العائلة، لا بل يزداد تكريس صدوع الفرقة، وتتعمق خطوط الفصل، على الرغم من أن السوريين جميعًا يتحدثون -بمناسبة وبلا مناسبة- عن خطورة الأمر، لكنهم يمارسون يوميًا ما يعززه ويقويه.

اليوم، أصبحت العائلة السورية عائلات، وأصبحت الهوية السورية الجامعة أضعف الهويات في تعريف السوريين لأنفسهم، وبرزت الهويات الطائفية، والقومية، والإثنية والمناطقية، ليس هذا فحسب، بل أصبح تفتت هذه العائلة يتم وفق مستجدات جديدة، فرزتها الحرب التي شنها النظام على الشعب السوري، فولّد تصنيف الداخل والخارج، والموالي والمعارض، ثم تمدّد أكثر لتصبح المعارضة معارضات، والموالاة موالات، ولتصبح الجغرافيا السورية سوريات، بعد كل هذا السواد الطاغي على المشهد السوري، هل يمكننا الحلم بلمّ شمل العائلة السورية؟

لم يكن تمزيق العائلة السورية الكبرى صعبًا، وربما يمكن الحديث مطولًا عن أسباب هشاشة ارتباط هذه العائلة، وردّه إلى تاريخ طويل من القمع والاحتلالات واختلاف المقدس وحضوره، وغياب الحياة السياسية والقانونية، وغياب الدولة ومعنى المواطنة و.. و… إلخ، لكن إذا كان من السهل بعد كل هذه الأسباب أن تتمزّق العائلة السورية، فهل يُمكن اليوم، على ضوء كل ما جرى، القول إنه بات من شبه المستحيل لم شمل هذه العائلة؟

2- في بعض أسباب الانقسام داخل المجتمع السوري

تمتلئ صفحات التاريخ بانقسام التجمعات البشرية، وتشكّلها من جديد وفق محددات جديدة، وتتعدد أسباب هذا الانقسام، وتتباين، تبعًا لظروف كل انقسام، ويكاد يكون البحث عن الاستقرار والأمان (بمختلف أوجهه)، المسبب الأول والوحيد، طوال مرحلة طويلة من تاريخ البشرية، قبل أن تتدخل عوامل أخرى لتنضم إليه، لكنّها لا تلغيه، كالأديان والايديولوجيا، أو نشوء عصبيات جديدة على أرضية ثقافية أو فكرية، لكن في جوهر كلّ انقسام أو تشكّل لمجتمع جديد، هناك قيمة عليا ما، تشكّل بؤرة التغير الجديد، سواء في الهدم أو في البناء، وعلى ضوء هذه القيمة العليا، كانت تتحدد صيغ الانقسام واتجاهاته، ولا أقصد بالقيمة هنا تصنيفًا أخلاقيًا، بل أقصد الاعتبار الأكثر حضورًا وأهمية داخل أي تجمع بشري في لحظته التاريخية، فقد يكون الاعتبار شخصًا، أو عبادة، أو عاملًا اقتصاديًا أو عاملًا بيئيًّا أو تدخلًا خارجيًّا.. أو غير ذلك.

وبينما يذهب بعض الباحثين إلى اعتبار العامل العاطفي هو القيمة العليا الأهمّ في المجتمعات التقليدية، أو ما يمكن أن نسميها ما قبل الحديثة، لأن نمط العلاقات الأقوى فيها يرتكز أساسًا على التقارب العاطفي، بينما يختلف في المجتمعات الحديثة التي أنتجت علاقات اجتماعية حديثة تغلب عليها، بشكل جلي، المرتكزات الفكرية والثقافية، التي يُعتقد أنها الأكثر تمثيلًا لها، والأكثر تحقيقًا لمصالح الأفراد المكوِّنين لهذا الاجتماع البشري.

يمكننا فهم العامل العاطفي على نحو متعدد الأوجه، وربما يمكن اعتباره مرادفًا للعصبية التي حددها ابن خلدون في دراسته للمجتمعات، لكن وفي سياق التطور الثقافي للبشرية كان من الطبيعي أن يحدث تطور مترافق ومتواز في الناحية النفسية للأفراد أيضًا، وهذا ما يحيل أيضًا إلى فهم ملتبس حول حدود ومعنى العامل العاطفي، ومتى يمكن اعتبار العامل العاطفي فكرًا، أو فهمًا مشتركًا لحاجة هذا التجمع أو ذاك.

يدفع التحوّل الثقافي/ النفسي في مجتمع ما، إلى إعادة بناء منظومة العلاقات الاجتماعية على أرضية تتناسب مع هذه التحولات، وهنا يمكن أن يؤدي التحوّل المتفاوت بين أفراد هذا المجتمع إلى تصادم بين منظومتين، منظومة تقليدية كانت سائدة، لا تزال قادرة على الاستجابة للبنية الثقافية/ النفسية لقسم من أفراد المجتمع، ومنظومة جديدة بدأت تتشكّل عبر ثقافة جديدة، وبدأت تفرض على حامليها انعكاسًا نفسيًا مختلفًا، هذا التصادم يتخذ أشكالًا متعددة، وبناءً على طبيعة هذا التصادم وصيغته، سوف تتحدد صيغة المرحلة القادمة من منظومة العلاقات التي ستسود، أو تحكم بطريقة ما، ومن أجل إنتاج صيغ تصادم أقل عنفًا وتدميرًا، وأكثر حماية للمجتمع ولاستقراره وتطوره، اجترح المفكرون والسياسيون والمثقفون أسس الدولة الحديثة، وصيغت نواظم تضبط علاقات قوى المجتمع المتبدلة والمتغيرة، لكن هذا الضبط الذي أسس لبناء دول مستقرة متطورة لم يجد مكانًا له في مجتمعات أخرى كثيرة، منها معظم دول عالمنا العربي، والتي لا تزال أسيرة حالتين أساسيتين:

الحالة الأولى تتجلّى باستعمال العنف كأداة وحيدة لسيطرة نمط ثقافي/ نفسي، على نمط أو أنماط أخرى موجودة في المجتمع، وبالتالي كان النمط المالك للقوة الأكبر هو الذي يسيطر، في حين تخضع الأنماط الأخرى مكرهة، وتسعى لامتلاك القوة أو تسعى لخلق معادلة جديدة، لا تصبح القوة هي العامل المحدد في المجتمع. أما االحالة الثانية، فتجلّت في محاولة فرض المقدّس، باعتباره فرضًا إلهيًا، لا يحق للبشر نقاشه أو استبداله.

كلتا الحالتين ارتكزتا في جوهرهما على العنف، وعلى فائض القوة المادية أو المعنوية، وبالتالي كان من الطبيعي أن ينفلت المجتمع عند انكسار معادلة القوة، وأن يكتسب الصراع الذي يعقب انكسار القوة طابعًا عنفيًا، قد لا ينتهي إلا باستسلام طرف لآخر، إذًا، فإن محاولة أي طرف للسيطرة، في كلتا الحالتين، إنّما تستبطن أساسًا امتلاك القوة، لإخضاع الطرف الآخر، أي العودة بالمجتمع إلى معادلته السابقة التي أوصلته للصراع، وهكذا تدور هذه المجتمعات في حلقة عنف متجددة.

ما يجمع أيضًا الحالتين المذكورتين سابقًا، هو سحق الفرد، وسحق الكفاءات، والجدارة لمصلحة اعتبار ما، كالجهة الأقوى عسكريًا مثلًا، أو كالنسب، أو الانتماء الاجتماعي الموروث، أو المقدس.. إلخ، بينما يُفترض أن يكون أول درس يمكن تعلمه من دورات العنف المتتالية في هذه المجتمعات، هو إعلاء قيمة الفرد واحترام حقوقه، والقبول بآراء الآخرين، وتنظيم علاقات المجتمع على أساس المصالح المشتركة لمختلف مكوناته.

ليس سحق الفرد وحقوقه داخل كل الأنماط السائدة في مجتمعاتنا هو مجرد مؤشر على وجود التنافض فيها فقط، وعلى اعتباره سببًا من أسباب انقساماتها اللاحقة، بل لعلّه من العوامل المهمّة التي تفسّر سيرورة هذه المجتمعات، وما قد يحصل فيها، فالتشظي الذي حدث في سورية، مثلًا -وهو وإن انكشف خلال سنوات الثورة، وكان سببه الأهم والرئيسي الممارسات التي مارسها النظام طوال عقود حكم عائلة الأسد، إلا أن مرتكزاته قديمة جدًا- إنّما كان يرتكز في أهمّ ركائزه على عدم قدرة الثقافة السائدة لدى عموم السوريين على رؤية الآخرين بوصفهم أشخاصًا مستقلين، ورؤيتهم دائمًا بوصفهم أعضاء في أنماط أخرى. وغالبًا ما تقيّم الأنماط الأخرى على أنها عدائية، سواء أكان اعتبار عدائها المفترض مستترًا أو ظاهرًا، وهذا ما يجعل الانقسامات السورية لا تحصل بسبب الاختلافات الموضوعية القائمة في المجتمع لأسباب كثيرة، بل تحصل بشكل أساسي بسبب اعتبار الآخر جزءًا من نمط معادٍ، وبالتالي هو غير آمن للأنماط الأخرى، وعلى كل نمط أن يخلق حيزه الآمن، لكن السؤال هنا: إلى متى يمكننا البقاء فقط داخل ما نفترضه حيّزنا الآمن؟ وهل هناك صيغ لتحقق هذا الحيز الآمن في حالة بقاء العائلة السورية واحدة، أم لا بد من تكريس الحيز الآمن جغرافيًا، بعبارة أخرى: “تقسيم سورية”، أو العودة إلى سيادة نمط ما بالقوة على الأنماط الأخرى؟

باختصار: لا يمكن لقوى اجتماعية تتموضع بشكل متعاكس أن يؤدّي تصادمها إلا إلى تحطم هذه القوى وحواملها، ومن ينتصر في هذا التصادم سيخرج بقليل القوة الذي تبقى له، وعلى أشلاء القوة الأخرى، وهذا ما حدث في سورية، فما قام به النظام السوري ومن دعمه وخطط له، كان في جوهره تجسيدًا حقيقيًا لمعادلة القوى الفيزيائية المتعاكسة في جملة فيزيائية واحدة وعلى حامل واحد، الأمر الذي أوصلنا اليوم إلى قوى اجتماعية محطمة، أو فيها بقية رمق بأحسن حالاتها، وإلى انهيار الجملة الفيزيائية بكاملها، أي انهيار سورية.

لا يزال هناك إصرار غريب، من جهات سورية متعددة، على استمرار الصراع بنفس التعاكس الذي افترضناه قبل قليل، هذا الصراع الذي أصبحت نتائجه واضحة وملموسة لن يؤدي إلا إلى زيادة ضعف البنية السورية بشكل عام، وإلى زيادة هيمنة الآخرين (أقصد الأطراف الخارجية)، على هذه البنية بكامل أوجهها، ومن ثم يؤدي إلى ارتهان سورية، ومصيرها، ومستقبلها للأطراف المهيمنة.

3 – هل أسهمت “المعارضة” السورية في تفتيت النسيج الاجتماعي السوري؟

لا بدّ قبل الخوض في مساهمة “المعارضة” في تفتيت النسيج الاجتماعي السوري من توضيح نقطتين: الأولى أن العامل الأساسي الذي أوصل سورية إلى واقعها الراهن هو سياسات النظام، وخصوصًا بعد انقلاب 1970، أما الثانية فهي أن إطلاق صفة “المعارضة” بشكل عام، على كل من ثاروا ضد النظام، ليس دقيقًا، فلم يكن لهذه الثورة تمثيلاتها الحزبية، أو قياداتها السياسية الحقيقية، لكي يستعمل التوصيف بوجه أكثر دقة، ولم يكن لها برنامجها السياسي، ولا خطتها الإعلامية، و.. و.. لكننا مضطرون إلى اعتماد هذه التسمية المتداولة، للإشارة إلى القسم من السوريين الذين أطلقوا الثورة، وناصروها، واعتبروا أنفسهم جزءًا منها.

لم يكن النظام السوري هو المساهم الوحيد -وإن كان المساهم الأكبر بما لا يقاس- في زيادة تفتت النسيج الاجتماعي السوري، بل ساهمت “المعارضة” السورية بنصيب مهم في هذا التفتيت، وهنا أيضًا لا بد من الإشارة إلى أن هذا النسيج ما كان ليتفتت بمثل هذه السهولة، لولا مقدمات كثيرة تاريخية، وثقافية، واجتماعية وسياسية الخ، وكان من الضروري أن تتنبّه نخب المعارضة لهذه الهشاشة، وأن تعمل على منع تفاقمها، ومنع استفادة النظام منها، كونها أداته بالغة الأهمية في إجهاض الثورة السورية، وفي انتصاره عليها واستمراره.

كثيرًا ما يتم الاستشهاد بشعارات أطلقت في مسار الثورة، أو ببعض المواقف، في محاولة لنفي تهمة مساهمة المعارضة في تفتيت المجتمع، لكن وبالمنهجية نفسها، وبحرفية أعلى، وبمهنية مدروسة، يقوم إعلام النظام بتقديم نفسه على أنه يجسّد الوحدة الوطنية، وأنه المدافع عنها، وأنا هنا لا أقارن ما فعلته المعارضة بما فعله النظام، فالفرق كبير جدًا في الأدوات، وفي المنهجية، وفي الغايات، وفي التأثير فعلًا على الأرض، لكنني أقارب المنهجية المعتمدة لدى المعارضة، ومدى تأثير خطابها، وبعض مماراساتها على موضوعة تفتيت المجتمع.

كان خطاب المعارضة منذ البداية حول اتهام من لم ينخرطوا بالثورة خاطئًا، فهو صنّف من بقي صامتًا أو من كان مترددًا، أو حتى من انتقد مجريات الثورة محقًا، بأنه في صفّ النظام، وهذا غير صحيح، وأسّس لاحقًا لتصنيف استفاد منه النظام جدًا، هو تصنيف الموالاة والمعارضة، ولم يكن لهذا التصنيف السياسي في ظاهره، والذي اعتمدته المعارضة في خطابها، أي أرضية سياسية حقيقية، وليس له أي تعبيرات سياسية موجودة، وكان هذا التصنيف في جوهره يستبطن تصنيفًا طائفيًا أو مناطقيًا (كما حدث عندما تأخّرت جماهير حلب بالالتحاق بالثورة)، وبالتالي فإن الذهاب منذ البداية إلى زج السوريين داخل اصطفافات قسرية، لم يكن فعل النظام فقط، بل ساهمت به المعارضة أيضًا.

لم يكتفِ خطاب المعارضة باتهام من ذكروا سابقًا بأنهم موالاة، بل ذهب أكثر من ذلك، عندما اعتبرهم شركاء النظام في جريمته ضد الشعب السوري، أي شركاء في سفك الدم السوري، وفي عمليات التهجير والإبادة و.. و.. الخ، ولم يكن للأصوات التي حاولت إحالة الجرائم المرتكبة بحق السوريين إلى حقل القضاء والقانون أي تأثير في إنتاج خطاب مسؤول وغير منفعل، خطاب يحمّل الجريمة على مرتكبها، وليس على تصنيف سياسي، أو مناطقي أو طائفي.

كلّما كان النظام وأجهزته الأمنية والميليشيا الداعمة له، من داخل سورية وخارجها، يوغلون في وحشيتهم، كان خطاب المعارضة يصبح أكثر انفعالًا، وعلى الرغم من أن مستوى العنف المفرط، وحجم الدم المسفوك يوميًا، يفسر ارتفاع نبرة الخطاب وانفعاله لدى المعارضة، فإن النتائج التي ترتبت على هذا الخطاب كانت زيادة حدة الانقسام داخل المجتمع، وترسيخه، وهذا ما أسّس لاحقًا لخطابٍ ظلَّ يحمل الدلالات ذاتها وله النتائج نفسها، بالرغم من أن حدة العنف تراجعت، وكان من المفترض أن تبدأ المعارضة بتقييم خطابها ورؤيتها للسوريين الآخرين، إلا أن هذا لم يحدث، وظل التخوين والاتهام حاضرًا لدى السوريين على اختلاف تصنيفاتهم.

المفارقة التي لا بدّ من الإضاءة عليها هنا، لفهم أسباب تكريس الانقسام داخل المجتمع السوري، رغم توفر كثير من العوامل التي يمكن أن تدفع الى عكسه، هي أن الخطاب الذي أنتجه النظام كان يُدار بمستويين، مستوى رسمي مدروس، يحاول الاختفاء خلف مفردات سياسية وإعلامية غير حقيقية، لكنها تمنحه وجهًا آخر، وجه ظل النظام متقنّعًا به رغم زيفه، وأقصد الوجه المؤسساتي الذي يمتلك محدداته الوطنية والسياسية، ومستوى شعبي منفعل ومحرض على الكراهية والتقسيم، كان يمرره عبر أدوات غير رسمية، بينما كان خطاب “المعارضة” هو في عمومه الأغلب خطابًا شعبويًا، منفعلًا، يهتم ويتعامل مع المستوى الشعبي في الضفة الأخرى، وربما يمكن القول إن لهذه المفارقة مبرراتها، لكون المعارضة لا تملك قيادة رسمية، وليس لها خطابها وسياستها الإعلامية، وهذا صحيح، لكنّ هذا، وإن كان يُفسِّر ما حدث، لا يمنحه الحق، أو لا ينفي عنه مسؤوليته في ما حصل.

إضافة لما سبق، نشأ عند السوريين ما يمكن تسميته بـ “تبادل الشماتة”، فكل طرف يشمت بمصائب الطرف الآخر، وكل طرف يطالب بإبادة الطرف الآخر، وهناك أمثلة كثيرة على خطاب الشماتة المتبادلة، فهناك من شمت بالموت الذي كانت تتسبب به طائرات الاحتلال الروسي لمدنيين وأطفال سوريين، وهناك من كان “يزغرد” لصوت الطائرات الروسية التي تنطلق من مطار حميميم السوري لتقتل سوريين، وهناك من طالب بحرق مناطق من سورية بمن فيها، وزراعتها “بطاطا”، على حدّ تعبير أصوات مؤيدة للنظام، مبررًا مطلبه هذا بأن أهل هذه المناطق هم ضد الوطن، على اعتبار أن الوطن بالنسبة إليهم هو النظام، وفي المقلب الآخر، فقد تعالت أصوات كثيرة من سوريين معارضين شامتة بمأساة سوريين، تسببت الحرائق الواسعة التي ضربت مناطق من سورية بخسارتهم لمصدر رزقهم، وهناك من شمت بجوعهم، وبمعاناتهم اليومية، وبغياب الحد الأدنى من مقومات حياتهم، كالخبز والوقود والكهرباء، مبررين شماتتهم بأنهم هؤلاء يستحقون ما حدث لهم، باعتبارهم موالين للنظام.

4- هل يمكن للسوريين تقبّل الآخر المختلف؟

إذًا، كانت السمة العامة للسوريين، بغض النظر عن مواقفهم مما حدث، هي عدم القبول بالآخر المختلف، ليس هذا وحسب، بل تخوين هذا المختلف وتكفيره، سرًّا أو علنًا، وربما أكثر من هذا، ولا يُغيّر هنا كثيرًا ما يستند إليه عدم القبول هذا من مبررات، وما يُغلّف به من شعارات، أو ما هي الحمولات الأخلاقية التي ألقيت على المواقف المتناقضة، ليصبح مجرد النقاش فيها كفرًا، فما بين حقيقة التشظي المخيف الذي يعيشه السوريون، وبين حقيقة حتمية تلاقي السوريين، إذا ما أرادوا استعادة وطنهم، يقف السؤال مثل معضلة يستحيل حلّها: هل يمكن تلاقي السوريون؟ وكيف؟

لعلّه أهمّ سؤال ملحّ اليوم على السوريين، وهو سؤال يحتاج، إذا أردنا الإجابة عنه بالإيجاب، إلى سنوات طويلة من الاشتغال على مرتكزاته، لكنه قبل خلق مرتكزاته، يحتاج أولًا إلى وقف هذا التمزّق المستمر، والمتفاقم لما تبقى من مقومات هذا التلاقي، واستعادة القدرة على رؤية الآخر المختلف عنهم باعتباره مثلهم، لكنه ليس نفسهم، وليس عدوّهم، والاعتراف بحق هذا الآخر كاملًا غير منقوص، لأن خلق المساحة المشتركة للسوريين التي تؤسّس لتلاقٍ فعّال قابل للحياة، والتطوّر، لن يتم بالشعارات مجددًا، ولا بالعصبيات، ولا بالأخلاقيات، إنما يتم أولًا وأساسًا باحترام مصالح الآخرين وحقوقهم.

ربما يكون التلاقي مع الأشخاص المتشابهين أمرًا بالغ السهولة، وهو السائد في علاقات المجتمع السوري، لكن ما هو فائق الضرورة اليوم هو أن يجرؤ السوريون على كسر دائرة التشابه، وكسر دوائر التنميطات المتداولة، والانطلاق إلى الدائرة الأكبر التي يمكن من خلالها رؤية حق الآخر المختلف وفهمه.

هي مسؤولية المثقفين والسياسيين أولًا، والذين عجزوا حتى اللحظة عن خلق التعبير السياسي أو الثقافي، الذي يقدم نموذجًا لطبيعة العلاقات والرؤى التي يحتاج إليها السوريون، لكسر دوائرهم الضيقة والمغلقة.