مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، من غير المرجح أن تتصدر الأزمة السورية المستمرة عناوين الصحف. وبصرف النظر عن جائحة (كورونا COVID-19)، وحرائق الغابات المشتعلة، واندلاع العنف من حين لآخر في إدلب، ستبقى سورية بعيدة عن الرادار في الولايات المتحدة بعض الوقت.

ومع ذلك، تشير الأخبار الجديدة الدراماتيكية إلى أن سورية يمكن أن تكون قضية بارزة على جدول أعمال الإدارة، حيث يتخذ الرئيس دونالد ترامب خطوة جادة، وإن كانت يائسة، لتأمين الرهائن الأميركيين الذين يعتقد المسؤولون الأميركيون أنهم محتجزون في دمشق.

للمرة الأولى منذ ما يقرب من عقد من الزمان، زار مسؤولون أميركيون كبار -في الآونة الأخيرة- المناطق التي تسيطر عليها الحكومة في سورية، لإجراء مفاوضات رفيعة المستوى بخصوص الرهائن، وهي خطوة لم يكن من الممكن تصورها في المراحل المبكرة من الصراع السوري المستمر منذ تسعة أعوام.

تسعى الولايات المتحدة لتأمين الصحافي أوستن تايس، المفقود في سورية منذ 2012، والمعالج السوري الأميركي مجد كمالماز، المفقود منذ 2017. وتعتقد الحكومة الأميركية أنهما محتجزان في سورية. من جانبها، لم تعترف السلطات السورية علنًا باحتجازهم، ولم تنف ذلك تمامًا. إن فورة النشاط الدبلوماسي لتأمين إطلاق سراحهم المحتمل تمثل تتويجًا لجهود منسقة طويلة الأجل، للتواصل مع دمشق بخصوص هذه المسألة.

ماذا حدث في دمشق؟

في تقرير خاص لها، ذكرت صحيفة (وول ستريت جورنال) أن كاش باتيل، نائب مساعد الرئيس والمدير الأعلى لمكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي، قد سافر إلى دمشق لإجراء محادثات سرية حول الرهائن الأميركيين.

لم يسلط التقرير سوى القليل من الضوء على الرحلة، ولم تُكشف تفاصيل الرحلة، أهي زيارة وحيدة التقى بها مسؤولون سوريون وفد الولايات المتحدة أم لا. بالمناسبة، ظهرت نسخة سورية من الأحداث في الصحافة المحلية، بعد ساعات فقط من نشر صحيفة وول ستريت جورنال مقالها، حيث قدمت تفاصيل أكثر عن الرحلة ومعلومات أساسية إضافية. كانت هذه رسالة واضحة من دمشق إلى واشنطن، في ما أصبح سريعًا لعبة شطرنج دبلوماسية عالية المخاطر.

صحيفة الوطن، وهي وسيلة إخبارية تربطها علاقات وثيقة بالدوائر الحاكمة في دمشق، نقلت عن مصدر سوري رفيع أن اجتماعًا عُقد في دمشق في آب/ أغسطس 2020. ويصف المقال الذي يحمل عنوان “واشنطن تغازل دمشق”، كيف أن روجر كارستين، المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص لشؤون الرهائن، وباتيل، وهو مسؤول كبير في البيت الأبيض، قاما بزيارة سورية في آب/ أغسطس الماضي، و “التقيا اللواء علي مملوك، رئيس مكتب الأمن القومي، في مكتبه في دمشق، وناقشا مجموعة واسعة من القضايا”.

وأشار المصدر إلى جدول أعمال الاجتماع بأنه “للنظر في ملفات عدة، من بينها ملف ما يسمى بالمختطفين الأميركيين والعقوبات الأميركية على سورية”. وأضاف المصدر أن هذه الزيارة التي قام بها مسؤولون أميركيون قد سبقتها ثلاث زيارات مماثلة إلى دمشق، خلال الأشهر والأعوام الماضية، من دون إعطاء تفاصيل محددة عن الإطار الزمني المحدد.

الأميركيون والسوريون عالقون في مفاوضات سرية لبعض الوقت الآن. والأهم من ذلك أن مكان الاجتماعات -في دمشق وليس مكانًا أكثر حيادية- يترك الكثير مما يجب التفكير فيه. إذا أخذنا كلام السوريين على هذا النحو، فسيكون هذا هو الاجتماع الرابع من نوعه، في تناقض صارخ مع رواية واشنطن.

والغريب أن سفر المسؤولين الأميركيين إلى سورية التي يسيطر عليها النظام محظور فعليًا. حتى إن الأكاديميين ومراكز الأبحاث والمدافعين عن السياسة غالبًا ما تعرضوا للإدانة والشتائم بسبب زيارة دمشق، والتي عادة ما تُتهم بتعزيز جهود الدعاية لبشار الأسد. ومع ذلك، في هذه المناسبة، كان الجانب الأميركي هو الذي كشف عن الرحلة، وهو أمر ما كنا نسمع به في الآونة الأخيرة. لكن ترامب يائس من تحقيق فوز محلي، ويمكن أن يؤدي حل مشكلة الرهائن إلى تحقيق فوز له.

هل يمكن أن يكون هذا تمهيدًا لصفقة محتملة بين ترامب والأسد، أم أن المفاوضات توقفت؟ بعد أن أصبحت الزيارة الآن معروفة للجميع، هناك أسئلة أكثر من الإجابات. في نهاية المطاف، ستستفيد دمشق أكثر من الولايات المتحدة من المفاوضات في الوقت الحاضر، ولدى السوريين متسع من الوقت، بينما لا تملك إدارة ترامب ذلك. من المعروف أن السوريين مفاوضون صعبون، والعلاقات بين الجانبين متوترة منذ مدة طويلة، لأسباب عديدة منها العقوبات الأميركية الواسعة النطاق على النظام.

اللعب أكثر في يد دمشق، حيث أسس الأسد إستراتيجيته السياسية بالكامل في التعامل مع الغرب على فرضية أن حكومته هي الممثل السيادي الوحيد للبلاد. إن زيارة الولايات المتحدة الرسمية إلى دمشق للقاء علي مملوك، مسؤول المخابرات السورية، تعزز هذه الفكرة فقط. يبقى أن نرى نتائج هذه الاجتماعات هل ستؤدي إلى صفقة ملموسة، إنها الآن على المحك. بالنسبة إلى السوريين. تمثل هذه الاجتماعات فرصة ذهبية لأن يُعاملوا على قدم المساواة وأن يُمنحوا كل المجاملات اللازمة.

آرون لوند، المتخصص في الشؤون السورية الذي يعمل مع وكالة أبحاث الدفاع السويدية، قال لمعهد الشرق الأوسط (MEI): “إن إفراج الحكومة السورية عن سجناء أميركيين يعتمد، من بين أمور أخرى، على صدقية أن دمشق تحتجز سجناء أميركيين”. وأشار لوند إلى أن الرواية السورية الرسمية عن تايس ظلت كما هي، منذ أعوام: “كنت من بين من حضروا مقابلة جماعية مع الأسد في دمشق في عام 2016، حيث سُئل هذا السؤال، وقد نفى مرارًا وتكرارًا أي معرفة بخصوص المسألة هذه. لكنه كان سيقول ذلك بالطبع، ومن المستحيل بالنسبة لي أن أعرف ما هو الصحيح أو الخطأ. يبدو أن حكومة الولايات المتحدة تعتقد بالتأكيد أن القضية تستحق المتابعة”.

وبحسب مصدر في دمشق مطلع على الزيارات الأميركية، فإن “الولايات المتحدة كانت جادة في محاولة خلق حوار حول هذا الموضوع. لقد زار المسؤولون الأميركيون دمشق، وتناقشوا في مسارات عدة بين دمشق وواشنطن، وكان الأميركيون دائمًا يتراجعون عن وعودهم أو ينخرطون في أنشطة تؤدي إلى نتائج عكسية على العملية [عقوبات قيصر]. كان الرأي السوري هو نفسه دائمًا: أي شيء مطروح على الطاولة ويمكن مناقشته، إذا أظهرت الولايات المتحدة التزامًا بسحب قواتها من البلاد”.

ومع ذلك، فإن الاختلاف اليوم هو أن الولايات المتحدة قد تكون على استعداد بالفعل للتنازل عن هذه النقطة الرئيسة. يتابع لوند: “ترامب في البيت الأبيض، وهو يريد بالفعل سحب القوات من سورية. لقد قال ذلك مرارًا وتكرارًا. ما يعوقه عن الانسحاب ليس الأسد، بل إدارته وبعض حلفاء واشنطن الإقليميين والأوروبيين هم الذين يدفعون للولايات المتحدة للبقاء ومواصلة الضغط من أجل تفكيك نظام الأسد وتحالفاته الإقليمية. في هذا السياق الغريب للغاية، إذا كان من الممكن استخدام قضية الرهائن لفتح قنوات مع ترامب، وإيصال الرسائل والتطمينات، فقد تتحول إلى شيء ذي أهمية أكبر. على الأقل، أعتقد أن هذا ما يأمله الناس في دمشق”.

موجة من النشاط الدبلوماسي الأميركي

أشار ترامب مرارًا وتكرارًا إلى نفسه على أنه “أعظم مفاوض حول الرهائن عرفه هذا البلد على الإطلاق”، وقام بعدد من المحاولات لإقناع السوريين بالتفاوض، بدءًا من كتابة رسالة شخصية إلى الرئيس السوري إلى إرسال المسؤولين. مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي، أكد أن “الرئيس ترامب كتب إلى بشار الأسد في آذار/ مارس 2020 يقترح إجراء حوار مباشر”.

في كتاب جون بولتون الأخير، أشار مستشار الأمن القومي السابق (بولتون) إلى وجود رغبة مستمرة لدى ترامب في الاتصال بالأسد، بخصوص الرهائن الأميركيين. ومع ذلك، رفض السوريون المبادرات، وكما قال بولتون، “لحسن الحظ، أنقذت سورية ترامب من نفسه، رافضين حتى التحدث إلى بومبيو بخصوصهم”.

في 23 حزيران/ يونيو، أكد وليد المعلم، وزير الخارجية السوري، مزاعم بولتون خلال مؤتمر صحفي. وتراجع السوريون في وقت لاحق، ونفوا المزاعم في بيان رسمي من وزارة الخارجية والمغتربين في اليوم نفسه، قائلين: “في سياق المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الخارجية والمغتربين اليوم، سئُل عمّا قاله جون بولتون بخصوص محاولات الولايات المتحدة للتفاوض مع دمشق. وبعد التدقيق في ما تم تداوله في وسائل الإعلام الغربية حول ما ورد في كتاب بولتون والرواية الأميركية بهذا الخصوص، تؤكد وزارة الخارجية أن هذه الرواية المتداولة غير صحيحة”.

بالنظر إلى أن الإطار الزمني كان قريبًا من رحلة المسؤولين الأميركيين، يبدو أن العقل السياسي للمعلم قد أفلت منه مؤقتًا أو أن السوريين كانوا يرسلون رسائل مختلطة عن عمد. تقترح روان الرجوله، المحللة المقيمة في واشنطن، أن هذه الزيارات تعطينا فهمًا أعمق لحالة العلاقات بين الجانبين. و”يمكننا الحصول على فهم عام للعلاقة بين دمشق وواشنطن العاصمة. لقد عرضت الولايات المتحدة لعبتها بالفعل، ويبدو أن أوستن تايس (وآخرون) هم على الأرجح الثمن الذي يريدونه”. وأضافت الرجوله: “من المهم أن نأخذ في الحسبان أن هناك ترتيبات أمنية بين واشنطن ودمشق، كانت دائمًا بمنزلة خط اتصال مستمر حتى في ذروة الأزمات بين البلدين”.

يمكن النظر إلى مثل هذه الترتيبات على أنها حوارات استخباراتية بسيطة أو رسائل عبر وسطاء مثل روسيا أو لبنان. هذه أيضًا ليست المرة الأولى التي يحاول فيها المسؤولون الأميركيون التفاوض مع دمشق بشأن تايس. فصحيفة نيويورك تايمز في عام 2017، ذكرت أن بومبيو، رئيس وكالة المخابرات المركزية آنذاك، أجرى محادثات مع علي مملوك، رئيس المخابرات السورية بشأن القضية. لذلك، في حين أن هناك سابقة للحوار بين البلدين بشكل ما، فإن الزيارات شبه الرسمية الأخيرة تمثل تغييرًا ملحوظًا في موقف واشنطن تجاه سورية.  

ربما تمت الزيارة التي قام بها مسؤولون أميركيون إلى دمشق في آب/ أغسطس بوساطة اللواء عباس إبراهيم، مدير أمن الدولة في لبنان، الذي زار واشنطن حديثًا للقاء مسؤولين رسميين. وهو الذي سبق له أن أمّن الإفراج عن سائحين أميركي وكندي كانا محتجزين في سورية.

لروسيا كذلك مصلحة راسخة في قيام الرئيس الأسد بإصلاح العلاقات والانخراط في حوار مع الولايات المتحدة، التي حدّت من الخيارات الاقتصادية لروسيا في سورية، من خلال عقوبات قيصر. وعلى الرغم من أن المدى الحقيقي لدور موسكو في المفاوضات الأميركية السورية لا يزال غير واضحًا، فإن التحرك بشأن محادثات الرهائن سيكون علامة مرحب بها وقد يساعد في تخفيف بعض الضغط الذي تواجهه روسيا في سورية.

رسائل أميركية تجاه سورية

كانت العلاقات بين البلدين مسممة طوال القسم الأكبر من عقد كامل، وحتى مع المناقشات حول مصير الرهائن، فإن العداء بينهما، على الأقل سياسيًا، لا يزال مشحونًا للغاية.

على سبيل المثال، في أعقاب قانون قيصر الأميركي لحماية المدنيين، الذي فرض عقوبات شديدة على سورية وحكومتها، أصدرت دمشق ردًا عدوانيًا على احتجاجات “حياة السود مهمة”، مؤكدة أن “الإدارة الأميركية التي تطارد مواطنيها في مختلف الشوارع من ولاياتها، وتقتل الناس بدم بارد، وتمارس أبشع أشكال التمييز العنصري هي أقل من أن يحق لها التشدق بحقوق الإنسان”.

وإضافة إلى ذلك، أكد ترامب أخيرًا أنه فكر حتى في اغتيال الأسد وقت الهجوم بالأسلحة الكيمياوية المزعومة على دوما، قائلًا: “كنت أفضّل اغتياله. رتبتُ كل شيء. لكن ماتيس لا يريد ذلك”.

ومع ذلك، مع تلاشي تأثير عقوبات “صيف قيصر” قليلًا ، يبدو أن الولايات المتحدة تتخذ نبرة مختلفة بشكل مفاجئ. في تغريدة غامضة بعد موجة من حرائق الغابات في المنطقة الساحلية السورية، غرد الحساب الرسمي لسفارة الولايات المتحدة في دمشق على (تويتر) -وهو عادة ما يكون أحد أكثر حسابات وسائل التواصل الاجتماعي عدائية للأسد- برسالة متعاطفة أشارت إلى “الحكومة” السورية بدلًا من كلمة “النظام”، قائلة إن “الولايات المتحدة تتعاطف مع المجتمعات المتضررة من الحرائق في سورية … أفكارنا مع المتضررين”.

في نهاية المطاف، من الصعب قياس كيفية سير الأحداث، بينما تواصل الولايات المتحدة سعيها للتوصل إلى صفقة مع سورية لتأمين إطلاق سراح الرهائن. لكن إذا اجتمع مسؤولون أميركيون مع المخابرات السورية في دمشق عام 2020، فهل يكون عام 2021 عامَ التغيير السياسي في العلاقات؟! بهذه الزيارات، بدأ ترامب عملية محفوفة بالمخاطر من دون ضمانات للنجاح.

اسم المقالة الأصليWill Trump’s Syria hostage diplomacy work?
الكاتب*داني مكي، Danny Makki
مكان النشر وتاريخهمعهد الشرق الأوسط، Middle East Institute(MEI)
رابط المقالhttps://bit.ly/37zz3xu
عدد الكلمات1728
ترجمةقسم الترجمة/ أحمد عيشة

* صحفي يغطي الصراع السوري. حاصل على ماجستير في سياسات الشرق الأوسط من جامعة SOAS ومتخصص في العلاقات السورية مع روسيا وإيران.