تم في دمشق، الأسبوع الماضي، التوقيع على اتفاقية مهمّة جدًا، بين إيران وسورية، إذ تنص الاتفاقية على تعميق وتعزيز التعاون العسكري القائم أصلًا بين الطرفين. غير أن التوصل إلى تفاهم بشأن إنشاء نظام دفاع جوي إيراني في سورية قد يُلهب سعير تطورات بالغة الأهمية في الأسابيع المقبلة.

فمن المعلوم أن أنظمة الدفاع الجوي الروسية نشطة وفاعلة في الساحة السورية، حتى إن روسيا كانت قد أهدت سورية نظام S-300 الصاروخي، بعد أن أسقطت إسرائيل طائرة روسية متخذة إحدى الطائرات المدنية درعًا لها.

لنعد إلى تلك الاتفاقية…

هل تضمنت الاتفاقية مواد لم تنعكس على الرأي العام؟ وكم من الجزء الذي نعرفه هو قابل للتطبيق؟ وكم من الوقت سيستغرق لكي يرى النور؟ وما هي ردات الأفعال التي ستُظهرها دول كروسيا وتركيا وإسرائيل؟ الأمر ما يزال غامضًا ومجهولًا. لكن الشيء الوحيد المؤكد هو أن الاتفاقية ستُجبر روسيا، ودولَ الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، على اتخاذ خطوات ملموسة، من حيث التوقيت.

لماذا عقدت سورية وإيران مثل هذه الصفقة؟

المسألة الإسرائيلية

إن إسرائيل كثيرًا ما شنت هجمات على سورية، بذريعة ضرب مواقع إيران وقوات “حزب الله” فيها. وبينت روسيا، منذ اليوم الأول لتدخلها في المسألة السورية، أنها لن تتدخل في الصراع السوري-الإسرائيلي. ومع ذلك، فقد تعمقت العلاقات الدبلوماسية بين روسيا وإسرائيل، واتسع نطاقها في السنوات القليلة الماضية. وعلى الرغم من أن عدم استخدام أنظمة الدفاع الجوي الروسية المنشورة في سورية، ضد الهجمات الإسرائيلية، كان مصدر انزعاج دائم في سورية، فإنها لم تفصح عن هذا الانزعاج بصوت عالٍ، نظرًا للأهمية الحيوية للعلاقات السورية-الروسية. وعلى حين أن روسيا تمتنع عن استخدام منظومة S-400 الموجودة في قاعدة حميميم/ اللاذقية، ضد إسرائيل، هناك كثير من المزاعم حول منعها استخدام منظومة S-300 التي قدّمتها لسورية أيضًا.

ليس من الخطأ القول إن روسيا ممتعضة من الوجود الإيراني في سورية، غير أنها فضلت التعبير عن ذلك بما يشبه إرسال الرسائل إليها عبر إسرائيل، بدلًا من اتخاذ مواقف مباشرة منها. وبالمقابل، تكون سورية وإيران، بالاتفاق الأخير، قد وجهتا رسالة لافتة إلى الانتباه تجاه الصمت الروسي عن إسرائيل.

وارتباطًا بالمسألة الإسرائيلية أيضًا، يبدو أن الموقف الذي ستتخذه روسيا، من نشر منظومة الدفاع الجوي الإيرانية في سورية، ما زال مبهمًا وغامضًا. فمنظومة الدفاع الجوي الإيراني لم تصل إلى سورية بعدُ، والحقيقة أن وصولها قد يستغرق وقتًا طويلًا، بسبب العمليات السياسية الوثيقة بها. ومع ذلك، في حال وقوع هجوم إسرائيلي، فإن امتلاك البلدين لنظام دفاع جوي في الأرض السورية يمكن أن يمهد لتلويث الأجواء واضطرابها.

العقوبات وقيصر

كانت حزمة عقوبات قيصر الأميركية، التي وُضعت في 17 حزيران/ يونيو موضع التنفيذ، خطوة باتجاه خنق سورية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فهذه العقوبات هي في الحقيقة محاولة من الولايات المتحدة لكسب بعض المزايا، ولتحقيق التفوق على روسيا وإيران في الصراع على المنطقة، وخاصة في سورية والعراق، وبما أن نطاق تطبيقها هو سورية، فستكون هي الأشد تضررًا منها. وقد أبدت العديد من الدول، ومنها روسيا، ردة فعلها على هذه العقوبات، لكن الدولة الوحيدة التي يمكنها أن تقدم في الوقت الراهن دعمًا ملموسًا، لسورية التي حُكم عليها بالمجاعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بعد هذه الحرب المدمرة، هي إيران.

إن أهمّ أسباب الدعم الإيران لسورية، في إطار العقوبات المفروضة، هي بالطبع مسألة العدو المشترك والمصير المشترك. ولكن على سورية، لكي تتمكن من استجماع قواها ولملمة جراحاتها في مرحلة ما بعد الحرب، أن تعيد بناء علاقاتها مع دول المنطقة من جديد. غير أن دول المنطقة، كالسعودية ومصر، تريد لدمشق أن تعود إلى السياسة الإقليمية، مقابل قطع علاقاتها مع إيران أو خفض مستواها.

وقد أضحت عقوبات قيصر إحدى أدوات هذه المساومات أيضًا. وباختصار: إن ملخص هذه المساومات التي شاركت روسيا فيها جزئيًا، أو تجاهلتها، هو التالي: “لتخرج إيران من سورية، ونحن سنتعامل مع قيصر”. وكما أن العلاقات بين إيران وسورية لم تبدأ فقط منذ عام 2011، فهي ليست مقتصرة على الحرب في سورية. فالخطوط الحمراء في السياسة الخارجية السورية، وخاصة خط المقاومة المناهض لإسرائيل، هي التي توحد بين سورية وإيران في محور تعاون استراتيجي. ولذلك لندع قطع هذه العلاقات جانبًا، لأن تخفيفها من المحال.

إن إيران، من وجهة نظر الأجنحة غير المرتاحة لها، تعزز -عبر سورية- ميزة الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط ​​من جهة، وتتغلغل تدريجيًا في أعماق المنطقة من جهة أخرى. لذلك، إذا ما انسحبت إيران من سورية؛ فقد يصبح نفوذها في العراق عرضة للخطر.

وعلى الرغم من أن موقع إيران هذا يزعج العديد من الدول، ومنها روسيا، فإنه قد يكون قصبة الهواء الوحيدة التي تتنفس من خلالها سورية، في الوقت الحالي. حيث إن السبيل الوحيد لاختراق الأزمة الاقتصادية التي ازدادت عمقًا مع عقوبات قيصر، وتوفير الاحتياجات اللازمة لإعادة الإعمار والبناء في فترة ما بعد الحرب، هي إيران عبر العراق.

وإن للاتفاقية بعدًا آخر. فقد عززت إيران نفوذها في المنطقة بوضوح، عبر خط الممانعة، ومن خلال السياسات التي اتبعتها في مرحلة الثورات العربية. لكن نشر منظومة للدفاع الجوي في سورية يعني نقل النفوذ الحالي إلى مستويات عليا يصعب فيها كسره. وليس من الصعب التكهن بأن دول المنطقة ستكون مضطربة وقلقة بقدر إسرائيل، من هذا الوضع.

في الواقع إن الاتفاقية تعني تركيا عن كثب أيضًا، فمن المعلوم أن تركيا تستخدم الدفاعات الجوية في سورية، بإذن من روسيا فقط. فالتوافق الذي تحقق بين روسيا وتركيا في المسألة السورية لم يتحقق مع إيران، حيث إن إيران غير راضية إطلاقًا عن الحملات التي تنفذها تركيا في الأراضي السورية، وبالأخص في إدلب، وتعرب عن هذا الانزعاج في كل فرصة.

وبالمحصلة: فقد بدأت جملة من الأسئلة والسيناريوهات، وأثارت الجدل والنقاش، قبل أن يجف المداد الذي كُتبت به الاتفاقية العسكرية المبرمة بين سورية وإيران! لأن إنشاء منظومة دفاع جوي إيرانية في سورية قد يساهم في استعار كثير من التطورات السلبية.

اسم المادة الأصليSuriye hava sahası İran’a mı emanet
الكاتبهدية ليفينت
المصدر وتاريخ النشرصحيفة أفرنسال التركية 11.07.2020
رابط المادةhttps://bit.ly/30k05nq
المترجمقسم الترجمة- علي كمخ
عدد الكلمات696- 935