(*) الآراء الواردة في هذه المادة لا تمثل بالضرورة آراء المركز ولا مواقفه من القضايا المطروحة

يبقى الجهاز الأمني الركيزة الأساسية للسلطة السياسية، في نظام الدولة العربية المعاصرة. وأيًا كان شكل سورية بعد الحرب، فإن هذه التركيبة لن تتغير بين عشية وضحاها. أي ستظل الأجهزة العسكرية والأمنية السورية هي صانعة الملوك في أعقاب الحرب. وسيتعين على روسيا أن تتنافس مع إيران، وكذلك مع “محارب/ shogun” الطائفة الحاكمة، اللواء الركن ماهر الأسد، لتشكيل مستقبل القوات المسلحة العربية السورية، ومن ثمّ مستقبل البلاد.

القطبية العسكرية السورية

خلال العقد الماضي، بدا أن الجيش العربي السوري (SAA)، وهو آلة الحرب الطائفية التي صممها حافظ الأسد بعناية، ينقسم بشكل منتظم، إلى اتجاهين عسكريين رئيسين: الاتجاه الأول النفوذ الإيراني؛ ففي وقت يركز فيه المجتمع الاستراتيجي الغربي على التطرف السلفي الجهادي في سورية، نشأ هناك نوع آخر من الجهادية. فبفضل وساطة قوات فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، تصاعدت الجهادية الشيعية في بلاد الشام، وباتت تجذب مقاتلين من مشهد واسع: مقاتلي “حزب الله” اللبناني، والميليشيات العراقية، وكتائب “فاطميون” و “زينبيون” من أفغانستان وباكستان (العربية، 20 أيلول/ سبتمبر 2018)[1]. إن تأثير الجهادية الشيعية، إلى جانب النفوذ الإيراني، على الميليشيات السورية المحلية، حوّل شبكة نظام البعث شبه العسكرية، قوات الدفاع الوطني (NDF)، إلى جيش ظل، حيث تتفوق قوات الدفاع الوطني على قوات الجيش النظامية في القوى العاملة وفي متوسط الأجور[2].

والاتجاه الثاني المدرسة الروسية التي هيمنت على سورية طوال عقود، إبان الحرب الباردة وبعدها، وعلى صلاتها بالجيوش المصرية والعراقية والسورية، كان الجيش العربي السوري هو الأقرب إلى المدرسة السوفيتية والفنون الحربية[3]. ولكن بعض مؤشرات الرواية تُظهر أن هناك حدودًا لسيطرة الكرملين على الجيش السوري اليوم. حيث يعاني الجيش العربي التفتت والقصور في القدرات القتالية، وقد استثمر الروس -بواسطة قوات قليلة- في إدارة الوحدات السورية المفضلة [القريبة منهم]، وساعدهم ذلك في استيعاب المفاهيم المتقدمة للعمليات. في آب/ أغسطس 2017، على سبيل المثال، قام مظليون من قوات اللواء سهيل الحسن، كانت تعرف آنذاك باسم “قوات النمر”، وتعرف الآن بـ “الفرقة الخامسة والعشرين”، بعملية محمولة جوًا على بعد حوالي 120 كيلومترًا غرب دير الزور. تم التخطيط للهجوم من قبل المستشارين العسكريين الروس، وبدعم من طائرات حربية روسية من طراز Ka-52 (وكالة تاس، 14 آب/ أغسطس 2017). يمكن للمرء أن يلاحظ عددًا من العمليات التنفيذية المتقدمة، مثل الهجوم الجوي المحمول لقوات النمر، إلا أن روسيا فشلت في نقل هذه القدرات إلى القوات المسلحة السورية ككل. على سبيل المثال، على عكس القوات الصربية في التسعينيات، لم تتمكن وحدات الدفاع الجوي السورية من فهم مفاهيم التصويب والتحرك (أسلوب إطلاق المدفعية على الهدف والتحرك على الفور لتجنب نيران البطارية المضادة) وإدارة الرادار لتشغيل أنظمة Pantsir المتنقلة بفاعلية. أدى هذا الضعف إلى وقوع عدد كبير من الخسائر ضد هجمات الطائرات بدون طيار الإسرائيلية والتركية (المصدر نيوز، 30 كانون الثاني/ يناير؛ يني شفق، 4 آذار/ مارس).

إلى جانب هذا الضعف، تعمل تشكيلات الميليشيات التي أسسها حزب الله اللبناني وقوات القدس الإيرانية، ككيان شبه مستقل (المونيتور، 22 نيسان/ أبريل). لمعالجة مشكلة القوات شبه العسكرية، اقترح بعض الخبراء الروس إعادة إحياء سلاح الجيش العربي السوري، وتحويلها إلى “قيادة إقليمية” أشبه بتلك المناطق العسكرية التي في روسيا، حيث يصبح كل المقاتلين خاضعين لإشراف مركزي (مجلس الشؤون الدولية الروسية، 13 آذار / مارس 2018). حتى الآن، لم تحقق موسكو هذا التغيير الطموح.

وأخيرًا، لا يزال غياب “حزام أمني سوري” حول قاعدة حميميم، هو أكثر الأدلة الواضحة التي تؤكد فشل القوات الروسية في السيطرة على كامل جهاز الدفاع السوري؛ حيث إن القاعدة محاطة بمنطقة منعزلة، مدعومة بنقاط تفتيش روسية. وزعمت بعض التقارير أن بعض الميليشيات الموالية للنظام كانت تحاول شن هجمات علمية خاطئة على الوحدات الروسية (المونيتور، 22 نيسان/ أبريل).

روسيا مقابل ماهر الأسد: لقاء مع الفرقة المدرعة السورية الرابعة

ما تزال سلطة ماهر الأسد داخل الجيش العربي السوري تشكل انتكاسة أخرى تعطل خطط الكرملين لإصلاح القطاع الأمني. ماهر هو الأخ الأصغر لبشار، يقود الفرقة المدرعة الرابعة و(الحرس الجمهوري) *، وهي وحدة خاصة عناصرها في الغالب ينحدرون من الطائفة العلوية التي تنحدر منها عائلة الأسد. وفقًا للتقييمات الروسية، يملك ماهر نفوذًا كبيرًا، باعتباره الشخص الوحيد في نظام حكم البعث الذي يستطيع فرض آرائه على بشار. في عام 2016، ظهرت تكهنات تدعي أن اللواء ماهر الأسد كان يستعد لانقلاب مدعوم من طهران في دمشق، حيث تصوره التقارير الروسية على أنه “واحد من القنوات الرئيسية للمصالح الإيرانية في القيادة السورية” (مجلس الشؤون الدولية الروسية، 12 شباط/ فبراير 2018).

في وقت كتابة هذا التقرير، ظهرت مواجهات بين ماهر الأسد والروس، بشكل ملموس حول “نقاط التفتيش” المثمرة. وفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان، أمرت روسيا جميع الجماعات المسلحة التابعة للفرقة المدرعة الرابعة، بالانسحاب من نقاط التفتيش في جميع أنحاء سورية. لكن ماهر الأسد لم يمتثل لهذه المطالب، وأمر رجاله بالاحتفاظ بنقاط التفتيش كالمعتاد (المرصد السوري لحقوق الإنسان، 13 حزيران/ يونيو).

تشرف الفرقة المدرعة الرابعة وماهر الأسد، وقد نالتهما العقوبات بموجب قانون حماية المدنيين قيصر سورية الأخير، على جزء كبير من اقتصاد الحرب السوري، من خلال شبكات التهريب والميليشيات ونقاط التفتيش وأمن القوافل، إضافة إلى تجارة النفايات، من خلال رجال أعمال مشبوهين، مثل محمد حمشو (وزارة الخارجية الأميركية 17 حزيران/ يونيو). يسيطر المكتب الأمني للفرقة الرابعة المدرعة، برئاسة الجنرال غسان بلال، على الدوائر السياسية والتجارية وشبه العسكرية التابعة للفرقة. وعلى الرغم من أن الوحدة لديها مقر حماية في العاصمة دمشق، فقد أنشأ مكتب الأمن فروعًا له في سورية كلها مكاتب تشرف على مينائي طرطوس واللاذقية، وكذلك في المراكز السكانية الرئيسية مثل حلب، ومصياف، وحمص. غسان بلال صديق مقرب من ماهر الأسد، منذ أيامهما في الأكاديمية العسكرية معًا في أواخر الثمانينيات، وقد أشرف على تدريبهما نجل حافظ الأسد الأكبر، باسل الأسد، الذي كان يُنظر إليه كوريث، لكنه مات في حادث مروري في عام 1994. حاول الروس عزل اللواء غسان بلال، في 2019، غير أنهم وجدوا مقاومة من ماهر (الدسوقي، 24 كانون الثاني/ يناير).

وعمومًا، إن الفرقة المدرعة الرابعة هي أكثر من مجرد وحدة مناورة. وبناءً على الخصائص السياسية العسكرية لنظام البعث، هي مظهر منظم لهيمنة ماهر الأسد في جميع أنحاء البلاد، من خلال القوة العسكرية. إن خطط موسكو لبناء نظام عقائدي مركزي ومنتظم للقتال من أجل الجيش العربي السوري وتنظيم قوة مسلحة “طبيعية”، من دون روابط عضوية مع أباطرة الأعمال وشركات السوق السوداء، ستكون بمنزلة كبح مكانة ماهر المتميزة في السلطة، وهو أمرٌ لن يقبله.

ماذا بعد؟

لا يمكن لروسيا ضمان مصالحها الاستراتيجية في سورية إلا من خلال ضمان احتكار دمشق للسلطة، بالمعنى الويبيري[4]. في الوقت نفسه، يتمحور شكل الدولة المفضل لإيران حول “لبننة” جهاز الأمن السوري. في هذا الصدد، يعمل فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني على ألا تُدمج قوات “الدفاع الوطني” رسميًا ضمن الجيش العربي السوري؛ لأن إضفاء الطابع المؤسسي على التجزئة الموجودة بالفعل سيؤدي إلى انقسام عسكري دائم (انظر مراقب الإرهاب، 24 آذار/ مارس 2017). باختصار، إما موسكو وإما طهران هي التي ستربح بالكنز السوري بعد الحرب.

وعلى الرغم من أن ماهر الأسد، بالتأكيد، غير متحيز أيديولوجيًا إلى الدكتاتورية الإيرانية اللاهوتية، فإن بإمكانه إيجاد مساحة أكبر لنفسه في طهران بـ “لبننة” سورية، بدلًا من جهود موسكو لبناء قدرات الدولة لتجديد عميلها في الحرب الباردة.

من الآن فصاعدًا، يمكن للمرء أن يتوقع حدوث مسارين رئيسيين وسيناريو (كرت الحظ/ جوكر) يتبعهما. أولًا، خلال فترة إعادة الإعمار، يمكن للغرب وإسرائيل وتركيا والكتلة السعودية والإماراتية أن تقف إلى جانب روسيا، ضد الهيمنة الإيرانية؛ لأن الأخيرة ستجلب كارثة محتملة إلى الشرق الأوسط، على حين أن الأولى قد تكون أهون الشرّين. بدلًا من ذلك، يمكن أن يسود النموذج الإيراني وسط الفوضى الجارفة بالفعل، وفراغ السلطة في البلد الذي مزقته الحرب. في مثل هذا السيناريو، ستؤسس الجهادية الشيعية نظامها السياسي العدواني تدريجيًا. وأخيرًا، في حالة سيناريو (كرت الحظ/ جوكر)، يمكن أن نشهد عودة الشجار بين الإخوة، على نحو يشبه محاولة انقلاب رفعت الأسد ضد شقيقه حافظ في عام 1984. سيناريو (كرت الحظ) سيعتمد على جواب هذا السؤال: إلى أي مدى سيشعر ماهر بأنه محاصر من الروس أو من بشار نفسه، وإلى أي مدى سيتحمله الروس؟

العنوان الأصلي للمادةCould Russia Lose the Syrian Arab Army to Iran or General Maher al-Assad?
الكاتبجان قصاب أوغلو/ Can Kasapoglu
المصدرمؤسسة جيمس تاون، مجلة رصد الإرهاب المجلد 18 العدد 13 26 حزيران/ يونيو 2020
الرابطhttps://bit.ly/3jRK4Ov
المترجموحدة الترجمة- محمد شمدين

[1] The Shiite Jihad in Syria and Its Regional Effects: https://bit.ly/3jPMmO1

*الكاتب دمج بين الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري [المترجم]

[2] See Syria’s Transactional State: How the Conflict Changed the Syrian State’s Exercise of Power https://bit.ly/2P9GocR

[3] See Eisenstadt, Michael & Pollack, Kenneth. (2001). Armies of Snow and Armies of Sand: The Impact of Soviet Military Doctrine on Arab militaries 1. The Middle East Journal.

[4] نسبة إلى ماكس ويبر، هو “العلم الذي يحاول الفهم التفسيري للعمل الاجتماعي من أجل الوصول إلى تفسير سببي لمسارها وآثارها.” [المترجم]