أنهت الحرب السورية عامها العاشر، وفقد السوريون خلال هذه الفترة بالتدريج الأمل في انتهاء هذه الحرب، وفي تحقيق التغيير السياسي الذي بدأت الثورة من أجله، خاصة مع تعقّد الوضع المحلي والإقليمي والدولي، وتحوّل سورية إلى ساحة لما يُشبه الحرب العالمية الثالثة، وتنافس العديد من الدول على تحقيق مصالحها في هذه البقعة الجغرافية الحساسة، لكن دائمًا هناك ما يوحي بأن الحل السياسية ونهاية الحرب ستأتي حتمًا.

خلال عشر سنوات، تعرّض السوريون لهجمات حربية جوية وبرية منظّمة من قبل النظام الأسدي، بل واستخدم أكثر من 200 مرة السلاح الكيميائي، ولم يترك سلاحًا ثقيلًا إلا واستخدمه لقمع ثورة طالبت بتغييره، فدمّر نحو ثلث البنى التحتية السورية وقتل مئات الآلاف من السوريين، ورفض الحل السياسي وكل مبادرات الحل العربية والدولية والأممية، وفتح الأبواب أمام المرتزقة والجماعات الإرهاببية والدول للتدخل في سورية، وسلّم جزءًا مهمًا من قراره السياسي والعسكري لروسيا وإيران مقابل حمايتهما له.

كذلك استخدمت روسيا والولايات المتحدة سلاح الطيران بكثافة وعنف، فدمّرت الكثير من القرى والبلدات، وقتلت آلاف الأبرياء، واستُخدمت هذه الدول أسلحة محرّمة دوليًا كالقنابل الفوسفورية والعنقودية، واختبرت روسيا 316 نموذجًا من الأسلحة الحديثة، وأقام الروس أكثر من 10 قواعد عسكرية بحرية وبرية وجوية، وأقام الأميركيون أربعة قواعد على الأقل.

كذلك، وخلال عشر سنوات، دمّر تنظيم الدولة الإسلامية مئات القرى والبلدات، ونشر الرعب، وقدّم للدول الحجة لتدخلهم في سورية عسكريًا، وعاثت الميليشيات اللبنانية والعراقية الطائفية فسادًا وقتلًا في سورية، وتمرّد الأكراد وصاروا يُطالبون بالاستقلال أو ما يشبهه، واستدعوا ميليشيات كردية غير سورية لتساند مشروعهم، وحرقوا قرى وقتلوا أبرياء بهدف التغيير الديموغرافي ضد سوريين عرب، وغيرها الكثير من الكوارث التي حوّلت سورية خلال ثماني سنوات إلى ما يُشبه الدولة الفاشلة.

سعى الجميع خلال عشر سنوات إلى قطف ثمار تدخله في سورية، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، وانتهك خلال سعيه القوانين الدولية والاتفاقيات التي تضعهم تحت المحاسبة الدولية، ولم تجر محاسبة أحد عن أية جريمة خلال ثماني سنوات، حتى النظام السوري الذي استخدم السلاح الكيميائي وخرق كل الخطوط الحمر لم يتأثر، لأنه استند الى دعم قوي في مجلس الأمن من قبل روسيا والصين، وشعر بالاطمئنان من سلبية وضبابية السياسة الأميركية تجاه القضية السورية.

كل هذا جرى وسط ضعف في المعارضة السورية وخفوت في صوتها، وأمراضها وأنانيتها، وقلّة قدرتها على التأثير، وتشرذم وانقسام وتنوع أيديولوجياتها، وانفضاض حلفائها عنها، وخسارة جناحها العسكري بسبب القوة العسكرية الروسية.

لم يدفع كل هذا السوريين المعارضين للنظام إلى الاستسلام، على الرغم من قسوته وضخامته، وعلى الرغم من خذلان دول أصدقاء المعارضة، وتجاهل تضحيات السوريين من أجل التغيير السياسي والحرية، وشلل المنظمات الدولية والعربية المعنية بمثل هكذا كوارث، وأكّدوا بإصرارهم أن الثورة مستمرة ولا يوجد خطوط عودة عن مطلب تغيير النظام والانتقال إلى دولة ديمقراطية تعددية.

لا يستند هؤلاء بالضرورة إلى أحلام، فهم عارفون أن قدراتهم وقوتهم تكاد تكون غير مرئية، لكنّهم يعتمدون على أن النظام السوري ارتكب من الجرائم والكوارث ما يكفي لتكون عملية إعادة تأهيله صعبة للغاية، إن لم تكن مستحيلة، فالمجتمع الدولي كلّه يرفض أن يعترف بانتصار النظام وروسيا وإيران، ويرفض أن يتوقف عن التدخل في سورية سياسيًا وعسكريًا، ويرفض الحديث عن إعادة الإعمار قبل الانتقال السياسي، ويشدد من العقوبات على النظام السوري وأشخاصه، ويرفض عودة النظام إلى الجامعة العربية وإلى المحافل الدولية قبل أن يُنجز ما هو مطلوب منه سياسيًا، وعلى رأسها دستور جديد وانتخابات جديدة وتغييرات جذرية في النظام السياسي.

يرى كثيرون أن صلاحية النظام السوري ومهمته أوشكت على الانتهاء، فإذا كان دور مطلوب في فترة الحرب والقتال، فإن هذا الدور لن يكون مناسبًا في فترة السلم والبناء، فحلفاؤه الأساسيون روسيا وإيران يدخلون اليوم في نفق الصراع والمنافسة والأزمات، وسينعكس ذلك على مصير الأسد، فمصالح تلك الدول أكبر منه ومن نظامه، ومن الممكن التخلي عنه إن حصلوا على الجزء المهم من “الكعكة” التي يريدون.

مازال الجميع يبحث عن مصالحه في سورية، ويُصفّي حساباته على الأرض السورية، لكن لأن سورية تُجاور إسرائيل، فإن الولايات المتحدة وروسيا متفقتان استراتيجيًا على ما يحصل في سورية، وعلى إدارة الصراع لا حلّه، ومتفقتان على أن الميزات الاستراتيجية والسياسية والجيوسياسية لسورية يجب أن تُستثمر لصالح إسرائيل، بينما يبقى التناقض كبيرًا وواسعًا بينهما في الملفات الدولية الأخرى.

يعتقد موالو وأنصار النظام السوري أنه انتصر في المعركة، ويروج إعلام النظام وحلفائه بأن النصر أُنجز، لكنّ الواقع يُشير إلى غير ذلك، فالجميع اليوم لا يستطيع أن يبقى ثابتًأ في مكانه، والجميع لا يستطيع التقدم إلى الأمام، بسبب توازنات دولية دقيقة تحكم كل الملف السوري اليوم، ولا يستطيع أحد أن يجد حلًا لدولة مُدمّرة دون أن يبدأ بأسس سياسية جديدة واضحة متحضرة.

تلعب العقوبات الأميركية، مثل قانون قيصر وغيره، ضد كل من يتعاون مع نظام الأسد في إعادة الإعمار قبل حدوث تغيير سياسي، دورًا قويًا في منع تأهيل الأسد من جديد، وتُساهم في تحطيم معنويات أنصاره وحاشيته، وحتى حلفائه روسيا وإيران، الذين بدورهم يُعانون من عقوبات أميركية قاسية طالت كل الشركات ورجال الأعمال والمقربين من السلطات، والتي وصلت مثلًا إلى حد التدقيق في دخل الرئيس الروسي.

وفق مراقبة مسارات الأزمة السورية، من المرجّح أن جميع الأطراف المنخرطة في الصراع السوري “ترقص” على أنغام ضابط الإيقاع الأميركي، المزاجي المتقلب الغامض في قراره السياسي والعسكري، بينما تضع الولايات المتحدة نصب عينيها إخراج إيران من سورية، وضمان أمن إسرائيل، وضمان مصالحها الأمنية القومية، ويبقى التذبذب والتواكل الأميركي على الآخرين في هذه المسألة واضحًا، وقد أدى هذا إلى اضطراب في ردات الفعل، وجعل البعض يقول إن روسيا سلطة تنفيذية لما تريده أميركا لا أكثر.

المراحل التي مرت بها الثورة/ الحرب السورية، والتي كانت أشد وطأة وأكثر وبالًا على السوريين من أي مرحلة تاريخية سابقة، كانت سيئة على المعارضة السورية، شارك في زيادة ردائتها معارضون من بعض أصحاب المصالح الضيقة من عسكريين وسياسيين، متسلحين بغطاء الوطنية حينًا وغطاء أيديولوجيات دينية حينًا آخر، وقد كان لهم دور في عدم وجود جسم متماسك لقيادة الثورة عسكريًا وسياسيًا، وهذا بدوره أدى إلى عدم وجود مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة للثورة السورية، التي يبدوا أن مرحلتها الأولى تُشارف على الاتتهاء، لتبدأ مرحلة جديدة تعتمد على ما يريده الخارج، والدول الإقليمية والولايات المتحدة وروسيا وأوربا، على أمل أن تكون مصالح الخارج المتناقضة وسيلة لتحقيق انتقال سياسي ولو جزئي، لأن سورية لم تعد تحتمل سنة أخرى بد العاشرة، وسط إصرار ملايين السوريين على تحقيق الانتقال السياسي.