عند النظر إلى الأزمة الخانقة التي تطبق على عامة الناس، في مناطق سيطر ة نظام الأسد في سورية، يتولد إحساس بالعجب الشديد من سكوت هؤلاء الناس على هذه الطغمة التي أوقعت البلاد في هذه الكارثة وما زالت تتشبث بكل وحشية بسلطتها، على الرغم من الأبعاد المهولة التي بلغتها هذه الكارثة التي ما تزال تتضخم بشكل سريع، ويتساءل المرء في حيرة كبيرة: لماذا لا يثور هؤلاء الناس على هذه الطغمة ويتخلصون منها، كما يفترض على أي شعب يعاني معاناتهم ويتعرض لما يتعرضون له من ضيق عيش وبطش وإذلال من مثل هذه السلطة، بل إنّ العجب والحيرة يبلغان أقصى درجاتهما، عندما يرى هذا الشخص أن العديد من هؤلاء المهانين المذلين المحرومين ما يزالون يُعربون عن ولائهم لهذه السلطة، على الرغم من كل الفظائع التي اقترفتها أو تسببت بها!

فما هي الأسباب التي تجعل الحال على ما هي عليه، وتُبقي الناس في منطقة سيطرة الطغمة الأسدية بين ساكت على هذه الطغمة أو موال لها؟!

ما لا شك فيه أن هناك أسبابًا عديدة تكمن وراء هذه الحالة، وهي في معظم الأحيان تمتد بجذورها إلى ما قبل اندلاع ثورة عام 2011، التي أضاف مصيرها المأساوي، بكل تأكيد، إضافات كبيرة إلى هذه الأسباب، فازدادت سوءًا بالنسبة إلى كثيرين، مع أنها بالمقابل فعلت العكس تمامًا بالنسبة إلى سواهم، وبيّنت لهم أن هذه الطغمة ليست عصية على الهزيمة، وأنها بحد ذاتها هُزمت بالفعل، لو لم تنقذها التدخلات والتواطؤات الخارجية.

ومن أهم هذه الأسباب:

1- الخوف:

الخوف هو عامل رئيس من عوامل تثبيت سلطة طغمة الأسد، هذا ما كانت عليه الحال قبل الثورة، وهذا هو الذي ما يزال سائدًا ومتواصلًا حتى الآن، فطغمة الأسد ما تزال تمارس بامتياز إرهاب الدولة، ولديها ماكينة قمعية ضخمة شرسة، وهي دومًا جاهزة للفتك بوحشية بكل من يعارضها أو يرفض الرضوخ لها، ولها تاريخ طويل وباع طويل في القمع والبطش وترويع كل من تسوّل له نفسه عصيانها أو التمرد عليها، ومن الطبيعي، تحت نير مثل هذه الطغمة المتوحشة الإرهابية، أن يسود الخوف ويتجذر، وأن يفضّل الناس السكوت على مواجهة هذه الطغمة والتعرض لبطشها الوحشي، ولا سيما أن معظمهم سمع عن كثرة ضحاياها أو رأى بعضهم، وعرف عن الأساليب الجهنمية التي تعامل بها هذه الطغمة كلّ معارضيها وخصومها.

2- الفساد:

الفساد هو سمة مميزة من سمات طغمة الأسد، ففضلًا عن كونها طغمة من المتوحشين، فهي بنفس الوقت والدرجة ثلّة من النهّابين، وقد نهبت البلاد والعباد على مدى عقود تحكّمها فيهم، ومع ذلك، فهي لا تكتفي قطعًا بما تنهبه من ثروات وخيرات البلاد، بل تعمد بمنهجية حثيثة على نشر ثقافة الفساد، وتمكين الفاسدين من كل مواقع السلطة والنفوذ والتأثير في البلاد، فطغمة فاسدة مثلها لا يمكنها قطعًا الاستمرار في حكم أناس يتحلّون بالأخلاق الحسنة، وهم بهذا الشكل يشكّلون خطرًا عليها، ولذا لا بد من إفسادهم لدرء خطرهم، فعندما يكون السلطان فاسدًا وأعوانه فاسدين ومحكوموه فاسدين، يصبح الخطر على السلطان أقل، لأن كل الفاسدين سيقفون معه لحماية مصالحهم الخبيثة، ضد كل من يحاول القيام ضده، فهذا القيام يهدد كل المصالح الفاسدة، وهذا ما رأيناه مثلًا بمنتهى الوضوح وضخامة الحجم في الثورة السورية، التي وقف ضدها كثير من الخبثاء والشبيحة والانتهازيين وأمثالهم، لأنها تهددهم بقدر ما تهدد الطغمة التي صنعتهم وأمّنت لهم الفرص والحماية.

3-الإحباط:

الإحباط يقترن عادة باليأس، ويتحول صاحبهما إلى شخص مستكين خاضع، تسيطر عليه فكرة اللاجدوى من أي فعل يفعله، فلا يفعل عندها شيئًا. واليوم، هناك فئة واسعة من عامة الشعب السوري، ممن يعانون أمرّ المعاناة من بقاء وسياسة الطغمة المسطيرة، لا يفكرون بأي سعي للتخلص من نيرها، لأن فكرة استحالة الخلاص منها قد ترسخت لديهم، ولا سيما بعد أن رأوا مآل الثورة، وكيف دعمت روسيا وإيران وسواهما طغمة الأسد بشكل محموم، فيما خذل الغرب والعرب الثورة السورية غير مبالين بالأثمان الباهظة التي دفعها وما يزال يدفعها السوريون، وما يزيد من هذا الإحباط أيضًا الحال المزرية لأداء المعارضة السورية، السياسية منها والعسكرية، التي ظهرت على درجة كبيرة من الانقسام والتشرذم والأنانية والصراع على جلد الدب قبل صيده، هذا فضلًا عن قوة دور المتشددين والمتطرفين الإسلاميين، على الساحتين السياسية والعسكرية، الذين طبعوا الثورة بطابعهم إلى حد كبير.

4- العجز:

هذه الحالة تشبه الحالة السابقة، ولكنها تختلف عنها بأن أصحابها لا يرون أن الطغمة الأسدية عصيّة على الإسقاط، بل يرون أنهم لا يمتلكون الوسائل اللازمة والكافية لإسقاطها، فلكي تسقط، لا بد من أن يكون لدى الشعب القدرة الكافية على تنظيم العمل الثوري، وهذا ما لا يمكن تحقيقه بدون وجود الوعي الثوري الكافي، وإضافة إلى ذلك لا بدّ من توفر الدعم الكافي لمثل هذا العمل، وكل ذلك تقريبًا غير متوفر، فقد تمكنت الطغمة الأسدية، عبر عقود سيطرتها، من إفراغ البلاد تنظيميًّا وثقافيًّا، وذلك عبر قمعها لكل أشكال التنظيم السياسي والمدني والاجتماعي، كما أنها احتكرت الإعلام، وأفسدت الثقافة بأكاذيبها الموجّهة، وبملاحقة المثقفين والتنكيل بهم، وبنشر ثقافة الفساد، إضافة إلى إفقار الناس وجعل لقمة عيشهم هي همّهم الأكبر، أما الدعم فقد بدا واضحًا -خلال الثورة التي حدثت بشكل شعبي عفوي يفتقر إلى التنظيم والرؤية السياسية الكافيين- أنه قد توجه للاستثمار في أجندات لا تخدم قطعًا مصلحة الشعب السوري المتمثلة بالتخلص من الدكتاتورية ثم بناء الدولة الحديثة بعد ذلك، وبدلًا من ذلك فقد ذهب الداعمون المزعومون إلى إنتاج ما يسمى بـ “الفوضى الخلاقة”، ودفعوا الثورة إلى الفوضى والعنف والتطرف!

5-الجهل:

تجهيل الناس هو سياسة رئيسة من السياسات المعهودة التي تتبعها الدكتاتوريات لتوطيد نفسها، فهي تدرك أن الجاهل يسهل خداعه والتحكم فيه، أما المعرفة فهي تمكّن الناس من إدراك حقيقة الدكتاتوريات وإبصار ما تقترفه من ظلم وفساد، ووعي السبل الثورية الصحيحة التي يجب اتباعها للخلاص من هذه الدكتاتوريات وظلمها وفسادها.

ولتجهيل الناس، تتبع الدكتاتوريات عادة أساليب متشابهة، فهي تقمع وتضطهد المفكرين والسياسيين والمثقفين وكل ناشري المعرفة، وتمنع الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية من العمل وتلاحقها، وتستحوذ على الإعلام، وتهيمن عليه، وتجعله وسيلة لترويج خطابها التضليلي وتشويه ذهنيات المواطنين وخداعهم، كما أنها تستغلّ الدين وتستخدم رجال دين مأجورين ليكرّسوا الغيبية والتعصب وطاعة السلطان، وإضافة إلى ذلك فهي تُفقر الناس بشكل متعمد وغير متعمد معًا، وهذا ما يجعلهم غير قادرين على الاهتمام بالمعرفة والثقافة أو غير راغبين فيهما، وهلم جرًّا…

وهذا كله وسواه فعلته الطغمة الأسدية في سورية بامتياز، وتمكّنت إلى درجة كبيرة من إفساد ثقافة الشعب ونشر ثقافة “اللاثقافة”، بكل ما فيها من عناصر وعوامل هدامة وخطيرة على الفرد والمجتمع والدولة.

6-التعصّب:

التعصب هو إحدى أخطر الأوراق التي تستخدمها الدكتاتوريات وتتلاعب بها، فتستغل التعصب لإثارة النزاعات بين أبناء الشعب وجعلهم يتنازعون، بدلًا من أن يتحدوا ضد الدكتاتورية، أو تستغله لحشد الأتباع والأنصار لها على أساس الهوية أو الانتماء المشترك، أو بسبب الخوف من أصحاب هويات وانتماءات أخرى.

وقد لعبت الطغمة الأسدية في سورية، بأخبث الأساليب، بهذه الورقة الجهنمية، فاستغلت الانتماء الطائفي لرأسها وكبار حاشيته إلى إحدى الأقليات الطائفية في سورية، لترسخ في أذهان الأقليات فكرة أنها تحميهم من خطر، وذلك لجعلهم يلتفون حولها ويقفون ضد الأغلبية التي يرهبونها في أي حراك وطني ضد الدكتاتورية، كما أنها عززت التطرف والرعب من الأغلبية لدى أبناء طائفة رأسها، لتضمن بفعلهما الولاء المطلق لها من قبل أبناء هذه الطائفة.

صحيح أنها لم تتمكن من جرّ كل أبناء الأقليات إلى حظيرة حمايتها المزعومة، وحتى من طائفة رأسها التي بقي كثيرون منها في مواقع الاعتدال أو حتى المعارضة، إلا أنها، في ظل تفشي حالة الجهل التي صنعتها بنفسها، تمكنت من جرّ أعداد كبيرة إلى مستنقعات التعصب والتطرف، فهي ببطشها وفسادها دفعت عددًا كبيرًا من أبناء الأغلبية إلى الثورة عليها، وعندما لم يجد هؤلاء الأساليب المناسبة للعمل الثوري، بسبب الإفقار السياسي الذي صنعته هذه الطغمة، تمكنت القوى الإسلامية المتشددة والمتطرفة من استقطاب أكثرهم، وهذا ما غدا عاملًا إضافيًّا مهمًّا لدفع أبناء الأقليات المرهوبين سلفًا من هذه الأكثرية، بسبب نمو التطرف عمومًا في المنطقة، وبسبب سياسات هذه الطغمة التي نمت ووسعت حالة الاستقطاب الطائفي بشكل مباشر أو غير مباشر، داخل سورية. ولذا نجد اليوم العديدين بين أبناء الأقليات ما يزالون محافظين على ولائهم لهذه الطغمة، إما جهلًا أو خوفًا أو تعصبًا أو بسبب المصلحة الفاسدة المشتركة.

7_الوطنجية:

التلاعب بالورقة الوطنية هو أيضًا أحد أكبر الأساليب التي تستغلها الطغمة الأسدية في سورية، لخداع عامة الناس وتضليلهم، وللتغطية على وحشيتها وفسادها، فهذه الطغمة المفلسة من كل المقومات التي يمكنها أن تمنح الشرعية الحقيقية للحكم لا يبقى لديها من وسيلة إلا اللجوء إلى مقومات زائفة، والوطنية هي أكثر هذه المقومات مناسبةً للاستغلال، ولذلك تسعى هذه الطغمة دائمًا لإخفاء حقيقتها البشعة، وراء شعارات تحرير الأرض السورية والعربية المغتصبة، والحفاظ على السيادة والثوابت والوطنية، ودعم المقاومة والممانعة والتصدي للصهيونية والإمبريالية، ومحاربة الإرهاب، وهلم جرًّا.

وحقيقة أمر هذه الطغمة أنها تؤذي الوطن الذي تهيمن عليه فعليًّا أكثر من كل أعدائه الخارجيين، بما تفسده فيه من الثقافة والأخلاق الوطنيتين، وتدمره فيه من الوحدة الوطنية، وتنهبه فيه من الخيرات والثروات الوطنية.

وبالطبع، لكي تنجح هذه اللعبة الخبيثة التي تتحول فيها الوطنية إلى وطنجية، فلا بد من تهيئة الظروف المناسبة، وهذا ما يتحقق عبر تجهيل الناس من ناحية، ونشر الأكاذيب من ناحية ثانية، وهذه أمور تتقنها هذه الطغمة بامتياز.

هذه اللعبة، في وقت من الأوقات، كانت تنطلي على كثير من عامة الناس، الذين كانوا يصدّقون ما تدّعيه هذه الطغمة من وطنية، لكن بعد حدوث الثورة وما آلت إليه الأمور لاحقًا، لم يبقَ اليوم سوى قلة قليلة تصدق هذه الأكاذيب، بالرغم من أن هذه الطغمة صارت تكثف خطابها التضليلي الكاذب أكثر من قبل، ولكن حقيقتها التي عرّتها الثورة إلى أبعد الحدود، لم يعد من الممكن قطعًا إخفاؤها بأي غطاء.

وبالطبع، فمن يكذب في قضية كبرى، كالوطنية، لا يتوانى قطعًا عن الكذب في سواها من القضايا الكبيرة أو الصغيرة، وهكذا جنّدت هذه الطغمة كلّ قواها لتشويه حقيقة الثورة، وإظهارها بصورة “المؤامرة الكونية” التي تستهدف سورية، بسبب مواقفها الوطنية.

واليوم، نجد هذه الطغمة توغل بشكل متواصل في مستنقع أكاذيبها، ولا يكاد يمرّ يومٌ إلا ويطالعنا ممثلوها، بكل صفاقة، بأكاذيب شتى للتهرّب من مسؤوليات واستحقاقات الأزمة المعيشية الخانقة الراهنة التي يعانيها السوريون إلى أبعد الحدود.

8-عبادة الفرد:

هذه أيضًا إحدى أكبر الأساليب التي تركز عليها الطغمة الأسدية، التي تسعى دومًا، بأقصى طاقتها، لتصوير رأسها بصورة البطل التاريخي والعالمي الذي لا مثيل له، وقد شاهدنا جميعًا في الأيام الأولى عند اندلاع الثورة كيف أنّ أحد أبواق مجلس الشعب قال -بكل حماقة ووقاحة- لرئيسه وسيّده بشار: إن سورية قليلة عليه، وأنه يستحق أن يحكم العالم!

 واليوم، تمتلئ الجدران بفيض من العبارات التي تعظم زعيم هذه الطغمة، بالرغم من أن زعامته الحقيقية داخل هذه الطغمة مشكوكٌ فيها إلى حد جد كبير، ومن هذه العبارات المثيرة للاشمئزاز: “بحكمة قائدنا ننتصر ونبني وطننا”، لأنك الحق أنت الأحق”، “صبرت فانتصرت”، “هنيئًا لنا بك”، “مبروك يا رافع راسنا”، “لن تركع أمة يقودها الأسود”، “سوريا الأسد المنتصرة ترحب بكم”، وهلم جرًّا…

هذا التعظيم الجهنمي صنعه ورسخه الأسد سابقًا، وورثه الابن لاحقًا، والغاية منه ترسيخ فكرة أن البلد ستضيع بدون وجود سيدها الأسدي، وهذا ما عبّرت عنه إحدى إعلاميات القصر، بعد مهزلة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بقولها “إن الشعب السوري لا فضل له في نسبة التصويت العالية جدًّا لسيده الرئيس، وكل ما فعله الشعب هو رد الجميل والدَّين الكبيرين لهذا السيد الذي أنقذ البلاد ونصرها على المؤامرة الكونية”!

ولسنا بالطبع بحاجة إلى الكلام عن الكيفية التي تجري بها الانتخابات، وتحقق فيها النسب الفلكية، فهي مهزلة مفضوحة منذ زمن بعيد.

9_غريزة القطيع:

هذه الحالة هي حالة انسياق غير واعٍ، يندفع فيها كثير من عامة الناس بتأثير الرأي السائد حولهم، والطغمة الأسدية تدرك أنها، بسيطرتها على الرأي العام وإخضاعه لخطابها الوطنجي التضليلي المنافق والمعظّم لرأسها، ستصنع حالة سائدة من الرضوخ لهذا الخطاب الذي سيتحول إلى شكل من أشكال الثقافة المنتشرة، التي يتقبلها ويقبلها كثيرون بشكل عفوي غير واع، لأنها منتشرة، وبالطبع، إن هذه الحالة لا تنفصل عن حالة التجهيل السائدة التي تغدو البيئة المناسبة لنمو مثل هذه الظاهرة، وفي المحصلة، تُنتج هذه الحالة فئة من الموالين الذين يوالون لأنّ غيرهم يوالي، من دون أن يعوا أسباب أو غايات موالاتهم، وهكذا تضمن الطغمة المتحكمة أن تبقى هذه الفئة تحت سيطرتها، وألا تشق عصا الطاعة عليها.

10_ الإفقار:

الفقر يحرم الإنسان من القدرة على تنمية نفسه، ثقافيًّا ومعرفيًّا، فالفقير لا تكون لديه عادةً القدرة على الانخراط في النشاطات المعرفية والثقافية والمشاركة فيها، لأن هذا الأمر يحتاج إلى موارد قد لا تتوفر لديه، وإن لم تكن مكلفة، كما أن الفقر كثيرًا ما يستنزف معظم وقت وجهد صاحبه الذي يضطر عادة إلى العمل في أكثر من عمل لتأمين ضرورات حياته.

وفي الوقت نفسه، الفقير الذي يشعر دومًا بأن قدرته على تأمين ضرورات الحياة مهددة دومًا، يعيش عادة في أجواء من القلق والتوتر والهمّ والغبن، وهذا ما يقتل أو يُحبط لديه الرغبة في المعرفة والثقافة والاطلاع، ويجعله ينكفئ في أضيق حدود الحياة المتمثلة بالسعي المضني لتأمين الحد الأدنى من حاجات الحياة الرئيسة.

وهكذا، يغدو الفقر سببًا رئيسًا وكبيرًا من أسباب تدنّي مستوى الثقافة، وهو فضلًا عن ذلك يمكن أن يؤدي أيضًا إلى تدني مستوى الأخلاق، وسلوك السبل غير الشريفة لتأمين ضرورات الحياة، وهذا ما نجده لدى كثير من الموالين، وعند الشبيحة الذين يوالون ويشبّحون، وهم يعون ما يفعلون، مقابل الحصول على بعض الفتات!

وبشكل عام، فقد أدت سياسات النهب وإفساد الاقتصاد التي انتهجتها الطغمة الأسدية إلى إفقار شرائح واسعة من المجتمع، قبل حدوث الثورة، وهذا ما انعكس بدوره بشكل سلبي على وضع الثقافة والمعرفة، وهذا ما تعتقد الطغمة المتحكمة أنه يخدمها، عبر درء خطر المعرفة عليها، كما أنها تعتقد أيضًا أن الفقير الراكض وراء لقمة عيشه طوال وقته لن يجد الوقت والجهد لينخرط في أي عمل سياسي أو ثوري ضدها؛ إذ لا وقت لديه ولا جهد. وهذا الوضع تضاعفت حدّته أضعافًا بعد سنوات النزاع الكارثية.

وهكذا، يمكننا أن نفهم لماذا ما تزال الموالاة والخضوع مستمرين لدى كثيرين في المناطق التي تخضع لسيطرة الطغمة الأسدية، ولماذا يعتقد العديدون فيها أن هذه الطغمة لا يمكن أن تسقط، وأنّ أي عمل ضدّها هو قطعًا غير مجد، أو أن البديل سيكون أسوأ، إما بسبب تفشي الفساد أو بسبب تفشي التطرف، ولماذا يسعى سواهم دومًا لإيجاد الذرائع والمبرارات لهذه الطغمة، التي يعتبرون بشكل عجائبي أنها ما تزال وطنية، بالرغم من كل بطشها وفسادها وفشلها، ومن كل ما جرّته على البلاد من دمار، فيلقون معظم اللوم عادة على المؤامرة الخارجية، أو جهل وفساد عامة الناس وهلم جرًّا…

وبالتأكيد، لن تبدو هذه الصورة مشجعة إلى حد كبير، وعلى الرغم من كل ذلك، ثمة إيجابيات كبيرة حدثت بعد الثورة، حيث كشفت كثيرًا من الحقائق التي كان يجهلها كثيرون، وأيقظت فيهم الوعي لرؤية وفهم حقيقة الدكتاتورية البشعة، التي عرتها هذه الثورة، وكشفت كل عوراتها الكثيرة الكبيرة، وكشفت معها مدى هشاشتها وقابليتها للسقوط، بالرغم من توحشها كله.

 وأيًّا كانت الحال، فمن الضروري جدًّا اليوم فهم الواقع على حقيقته، ومعرفة كل فيه من نقاط الضعف والقوة، والاستفادة من التجربة الذاتية السابقة، بكل ما فيها من حسن وسيئ، إضافة إلى تجارب الآخرين، فالثورة لم تنتهِ بعد، ولا يبدو أن نهايتها قريبة، والدكتاتورية ما زالت تعربد وتعيث في البلاد، منتشية بالجولة الأولى من المعركة التي تم إكسابها إياها بين التدخلات والتواطؤات الخارجية الخبيثة المغرضة، ومهمّة بناء الدولة الحديثة ما تزال واجبًا على كل السوريين.