في ظلّ التعددية الثقافية للعالَم، وفهم الشعوب لحقوقها بطريقةٍ أكثر وعيًا، مقارنة بالماضي؛ أصبح من الصعب على أيّ مركزية ثقافية دولية أن تفرض شروطها ورؤيتها على الثقافات الأخرى، لأن حدوث ذلك سيهدد بانتكاس المسيرة الإنسانية، وعملية التحديث التي أنجزها المجتمع المعاصر والقيم المصاحبة لذلك، وينذر بالعودة من جديدٍ إلى صراع الأصوليات؛ فحفظ الثقافات قديمها وحديثها ضرورة لا بدّ منها لتمتين أواصر العلاقات بين الشعوب، بغض النظر عن أحجامها وتصنيفاتها.

والثقافة بحد ذاتها مفهوم معقد جدًا، يمكن تبني التعريف الأنثروبولوجي الذي يرى الثقافة بأنها “ما يفعله الناس، أفرادًا ومجموعات، بالإضافة إلى ما ينتجونه نتيجة لما يفعلونه”. وبصورة أخرى، يمكن وصف الثقافة بأنها المجموعات الفريدة من القيم والمعتقدات والمواقف والتوقعات، إضافة إلى اللغات والرموز والعادات والسلوكات ومنتجاتها، فهي تتضمن جانبين معنوي ومادي.

 تمتاز كل ثقافة بقيمها، وعلى أساس المتشابهات من تلك القيم، أمكن تجميعها في فئات ثقافية كبرى، بلغت عشرة. ترتبط كلٌّ منها بجملة من العوامل التي تشمل الجغرافيا واللغة والدين والتاريخ.

ومع تنوع الثقافات العالمية وتشابكها في العصر الحديث، وازدياد حاجة البشر إلى التعامل مع بعضهم، أولى الباحثون اهتمامهم لدراسة الثقافات المختلفة، ورصد الاختلافات والتشابهات فيما بينها، وعمل المسوح الواسعة لدى شعوب كثيرة، وأفضى ذلك إلى تميزها بحسب قيمها الأكثر وضوحًا؛ فكان علم الذكاء الثقافي[1] .

وفي الوقت ذاته، تنمو ثقافة عالمية/ كونية، تتسع وتمتد على مساحات أوسع فأوسع، مع ضرورة الانتباه إلى عدم السماح لها بالحلول مكان أي ثقافة محلية، مهما كان حجمها على الخريطة الثقافية، لأن العقل البشري يزداد اقتناعًا بأنه لا يمكن الاستغناء عن أي ثقافة، بالقدر الذي يدفع البشرية إلى عدم الاستغناء عن أي نوع حيوي؛ فالتنوع هو الأصل في الطبيعة والمجتمع.

ويخبرنا الباحثون في الذكاء الثقافي أن نجاح المرء، في التعامل مع أبناء ثقافة أخرى، يستدعي أن يكون متمكنًا من “الكفاءة الثقافية”، وهي تعني القدرة على رؤية العلاقات بين الثقافات، واستخدامها لتحسين العلاقة والتعامل مع أبناء تلك الثقافات.

وكي يمتلك المرء هذه الكفاءة بين الثقافات، عليه أن يتمكن من قدرات متشابكة مثل: معرفة المجموعات الاجتماعية الأخرى وثقافاتها، امتلاك مهارات التفسير والربط بين ثقافته والثقافات الأخرى، وكذلك مهارات الاكتشاف والتفاعل، فضلًا عن المواقف اللازمة، كالفضول والانفتاح والوعي الثقافي النقدي، بغية التمكن من تقييم وجهات النظر والممارسات على أساس معايير واضحة. عندئذٍ يسمح توافر تلك الكفاءة للمرء بأن يكون متحدثًا أو وسيطًا بين الثقافات (بيرام وزاراتي، 1996، بيرام، 1997).[2]

إحدى النتائج الرئيسية التي تم الوصول إليها هي أن الأذكياء ثقافيًا لديهم فهم جيد للأنماط الشاملة الموجودة في مختلف الثقافات حول العالم. ومن ثمّ؛ يكون لديهم فهمٌ شاملٌ لأوجه التشابه والاختلاف الثقافي بين الشعوب المختلفة، ييسر لهم النجاح في بناء العلاقات الإيجابية معهم.

تمكن مركز الذكاء الثقافي[3] Cultural Intelligence Center, LLC من تصنيف القيم الثقافية حول العالم في عشر مجموعات قيمية، لا يجوز استخدامها للتقييم (إعطاء حكم قيمة لأي ثقافة) بل تستخدم للوصف لا أكثر، ففي ميدان القيم، لا يوجد ما هو حسنٌ أو ما هو أقلّ حسنًا، فضلًا عن عدم قدرة المجموعات القيمية العشرة ادعاء تمثيلها الشامل والدقيق لآلاف الثقافات الموجودة في جميع أنحاء العالم، فهي ليست أكثر من نقاط انطلاق تفيد أولئك الذين يعايشون شعوبًا أخرى، أو يسافرون على نطاق واسع.

في كل مجموعة قيمية ثنائية متناقضة، ليس لديها أي قيمة تقييمية، كما أسلفنا القول: حسن أو سيئ، بل هي ثنائية وصفية تقع على طرفي خط متصل تقع بينها درجات عديدة من القيم.

سوف أكتفي هنا بعرض أزواج القيم العشرة، وموقع العرب منها، في مقابل القيم التي تطبع الشعوب الألمانية الأوروبية التي تشمل ألمانيا، النمسا، بلجيكا، هولندا.. على سبيل المثال. فضلًا عن عرض نتائج فحص قيم كاتب هذه الورقة بمساعدة (LLC – CQC)، للتدليل على أن تجانس المجموعة الثقافية ليس مطلقًا بل نسبي.

المجموعة الأولى: الجماعية مقابل الفردية

يتسم العرب بالنزعة الجماعية Collectivism التي تؤكد مراعاة العلاقات الشخصية، ومصالح الجماعة أكثر من الانتباه إلى الأهداف الفردية، وإلى أهمية منح الوقت للتشاور مع الآخرين، والعمل على بناء توافق في الآراء، وأهمية العلاقات طويلة الأمد. في مقابل سيادة النزعة الفردية Individualism لدى الشعوب التي تنتمي إلى الثقافة الجرمانية، حيث يجري التركيز على الأهداف والحقوق الفردية، ويسمح ذلك بالاستقلالية وإدراك أهمية اتخاذ القرار السريع.

قيم الكاتب: تقع وسطًا بين الفردية والجماعية، فقد اتضح له أن يراعي العلاقات ومصالح الجماعة المرجعية، ويحرص على توافق الآراء، وبالمقابل يميل إلى قيمة الفردية في المواقف التي تحتاج إلى المنافسة على المستوى الشخصي.

المجموعة الثانية: التراتبية مقابل المساواة

تسود في الثقافة العربية قيم إعطاء أهمية للتراتبية Hight Power Distance أي الاعتقاد بأن السلطة للأقوى، وأن القرارات من حق صاحب المركز الأعلى، فالتسلسل الإداري مهم، ومهم اتباع تسلسل القيادة بعناية، ولا تشكيك أو تحدي للسلطة علنًا. فيما يتبنى الجرمان الأوروبي قيمة المساواة: LOW POWER DISTANCE والتشاركية عند صنع القرار والتخلي عن الشكليات، مع الميل إلى ابتكار طرق لطرح الأسئلة أو تحدي السلطة لمشاركتها في القرارات. ويتبنى الكاتب قيمة المساواة، فهو لا يحبّذ أن تكون فوقه سلطة، بل يميل إلى التشاركية، ويتمرد على رأس الهرم.

المجموعة الثالثة: التوكل مقابل التخطيط

يتبنى العرب مكانًا وسطًا بين قيمتي التوكل AVOIDANCE LOW UNCERTAINTY والتخطيط LOW UNCERTAINTY AVOIDANCE، في مقابل سيادة قيمة الاعتقاد بالتخطيط لدى الشعوب الألمانية: تجنب عدم اليقين المرتفع HIGH UNCERTAINTY AVOIDANCE التركيز على التخطيط والموثوقية، عدم الارتياح للمواقف غير المنظمة أو غير المتوقعة، وامتلاك خطة بديلة في حالة الطوارئ دائمًا.

وجد الكاتب نفسه منسجمًا مع قيمة تقع بين التوكل والتخطيط، وأقرب إلى التخطيط منه إلى التوكل، فهو يبدي المرونة والقدرة على التكيف، وهذه قيمة التواكل، وفي الوقت ذاته يهتم بالتخطيط ووضع الأهداف والتفكير بالوسائل والأدوات التي يحتاج إليها لبلوغ الأهداف.

المجموعة الرابعة: التعاون مقابل المنافسة

يتوسّط العرب بين نزعتي التعاون والمنافسة، واتضح للكاتب أنه منسجم مع ثقافته العربية، لكونه يراوح ما بين التعاون والمنافسة، ينافس في بعض الأهداف، ويركز على التفوق والفوز فيها، فيما يبدي رغبة في التعاون مع الآخرين، عندما تكون المهمات ذات أهداف عامة تخص المجموعات التي يوليها اهتمامه.

ففي التعاون COOPERATIVE، يكون هناك تركيز على التعاون والرعاية والأسرة، وعلى أسس العلاقة قبل المهمة، وعلى خلق تواصل لبناء علاقة، حيث يركز الفرد على العمل ضمن فريق، ويقدم الرعاية للآخرين قبل نفسه، يهتم بالعائلة، ومن الشعوب التي تمثل هذه القيم شعوب شمال أوروبا.

فيما تستدعي المنافسة: COOPERATIVE التركيز على المهمة أولًا، والتواصل للإبلاغ عن المعلومات، والتركيز على الانتصارات الذاتية، والإصرار على الفوز، والجزم في الرأي والقرارات. ويمثل هذه القيمة شعوب الجرمان الأوروبي.

المجموعة الخامسة: النتائج الفورية مقابل النتائج البعيدة

يتبنى العرب قيم النتائج الفورية SHORT TERM، وهذا يعني أن تعطى الأولوية لتحديد المكاسب السريعة، والتركيز على الآثار الحالية. فيما يركز شعوب البلدان الكونفوشية على الأهداف البعيدة: LONG TERM، باعتماد التخطيط طويل المدى (النجاح لاحقًا) والاستثمار في المستقبل، والتشديد على الآثار طويلة المدى. يتبنى الكاتب قيم الأهداف البعيدة على غرار الكونفوشية، وهو في كثير من الأحيان، لا يولي الاهتمام للنتائج القريبة، ينظر إلى الأهداف البعيدة ذات الديمومة والثبات، أكثر من النتائج القريبة. فيما يقع الجرمان بين القيمتين: التركيز على النتائج القريبة والبعيدة.

المجموعة السادسة: الاهتمام بالسياق مقابل الاهتمام بالصراحة والمباشرة

يتبنى العرب قيمة الانتباه إلى السياق: HIGH CONTEXT /INDIRECT، فهم يتبعون تكتيك التواصل غير المباشر: التعرف إلى أهمية الصمت والتفكير، الانتباه جيدًا إلى ما لا يقال، يستخدمون الكلمات بمعانيها غير المباشرة، مراعاة مشاعر الآخرين عند الكلام معهم حتى لا يشعروا بالإهانة. وينسجم الكاتب مع قيمة السياق، إذ ينتبه إلى الظروف والبيئة المحيطة وردات الفعل، يراعي مشاعر الآخرين، ويجيد لغة التواصل معهم. مقابل ذلك، يتبنى الألماني قيمة التواصل المباشر LOW CONTEXT /DIRECT: كن مباشرًا وصريحًا، ركز على إيصال رسالتك بوضوح، استخدم الكلمات بمعناها المباشر والحقيقي، لا تهتم بمشاعر الآخرين عند الحديث معهم.

المجموعة السابعة: الكون مقابل الفعل

يتبنّى العرب قيم الكون: BEING والتركيز على جودة الحياة، حيث يجب التحقق من هوية الشخص، وليس من الأداء فقط: قم بإدارة العلاقة. فيما يتبنى الجرمان الأوروبي الفعل: DOING التركيز على الانشغال وتحقيق الأهداف، وعلى الإنجازات والفرص الجديدة، وإدارة العملية: أهمّ شيء هو تحقيق الأهداف المهنية والشخصية. ويتبنى الكاتب قيم الفعل، فالإنجاز بالنسبة إليه أهمّ من إيلاء الاهتمام بنوعية الحياة الشخصية.

المجموعة الثامنة: المحلية مقابل العالمية

يتبنّى العرب قيمة المحلية: PARTICULARISM، فهم يركزون على التفاصيل، وعلى المعايير الفريدة المبنية على العلاقات المحلية، يظهرون المرونة عندما يكون ذلك ممكنًا، ويستثمرون في العلاقات وإظهار دور السياق في كيفية اتخاذ القرار. فيما يتبنى الجرمان قيمة العالمية: UNIVERSALISM، إذ يلتزمون بالقواعد والمعايير على طول الخط، ولا ينحازون إلى العلاقات الأهلية، يقدمون الالتزامات كتابة، ويبذلون قصارى جهودهم للالتزام بها، وعندما تكون هناك حاجة للتغييرات، يقدمون كثيرًا من الأسباب المنطقية والتحذير المتقدم قدر الإمكان. ويتبنّى الكاتب قيمًا متعادلة بين العالمية والمحلية، مثل شعوب أوروبا اللاتينية، ويميل إلى الالتزام بالمعايير العالمية في معظم أعماله، ولكنه لا يتخلى عن التركيز على التفاصيل وإبداء المرونة والاهتمام بالسياق ونتائج القرارات التي يتخذها على المحيط القريب.

المجموعة التاسعة: الصراحة والعاطفة مقابل الحياد العاطفي واللا تعبير

يتبنى العرب قيمة التعبير العاطفي AFFECTIVE /EXPRESSIVE، والتركيز على التواصل التعبيري، وتقاسم المشاعر: انفتح على الناس لإظهار الدفء والثقة، كن أكثر تعبيرًا مما تفضله عادة.

الكاتب منسجم مع ثقافة العرب، فهو يتبادل العواطف والمشاعر مع الآخر، يمتاز بالقدرة على التعاطف مع الآخر.

في المقابل، يتبنى الجرمان الأوروبيون قيمة الحياد العاطفي: NEUTRAL /NON-EXPRESSIVE، بالتركيز على التواصل غير العاطفي، وإخفاء المشاعر: تحكّم في تعبيرك العاطفي ولغة جسدك، والتزم بهذه النقطة في الاجتماعات والتفاعلات.

المجموعة العاشرة: المتعدد/ غير الخطي مقابل الخطي

يتبنى العربي قيمة المتعدد/ غير الخطي POLYCHRONIC /NON-LINEAR، وهذا يعني التركيز على تعدد المهام بآن واحد (عدة بطيخات بيد واحدة) ابحث عن طرق للتحلّي بالمرونة في المواعيد النهائية الأقل أهمية، اشرح تأثير العلاقات، إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي.

وفي المقابل، يميل الجرمان إلى النزعة الخطية MONOCHRONIC /LINEAR، حيث يكون التركيز على أمر واحد في كلّ مرة؛ مع الالتزام بالمواعيد والعمل والحياة الشخصية: عندما يتعذّر الوفاء بالموعد النهائي، اقترح بديلًا والتزم به.

يتبنى الكاتب قيمة وسطًا بين الخطية والمتعددة، فهو أقرب للكونفوشية وشعوب جنوب آسيا، يلتزم بإنجاز مهمة بعينها، ويركز فيها جلّ طاقته، وعندما يتعثر في إنجازها، يشركها بمهمة أخرى أو أكثر من دون الانشغال عن المهمات جميعًا.

خلاصة

ما تقدم مهم لتوضيح القيم، سواء كانت قيم أفراد أو جماعات، فالذين يتلقون تدريبًا وفق منهج توضيح القيم يكونون مدعوين لاستخدام تفكيرهم العقلاني، ووعيهم العاطفي لتفحّص قيمهم الشخصية والاجتماعية، ومدعوون لاكتساب مهارات حل نزاعات القيم، والتصرف على ضوء ما استوضحوه عن أنفسهم من مواقف واختيارات قيمية، لأنّ الهدف من نهج توضيح القيم -كإستراتيجية تربوية- هو تعليم المتعلمين كيف يتخذون قرارات رشيدة حيال التعامل مع الثقافات الأخرى.

 كثيرًا ما تكون قيمنا غائبة عنا، ونحن نتصرف إزاء أي قضية مطروحة. إن معرفتنا لقيمنا تعني معرفتنا لأنفسنا، فالقيم ذات أهمية كبيرة، لأنها معايير أو قواعد هادية لمواقفنا وتصرفاتنا، إنها أحكام معينة تمثّل الأهداف النهائية لنيّاتنا.


[1] يعبّر الذكاء الثقافي عن قدرة الفرد على جعل نفسه مفهومًا أمام الآخرين، عن طريق إيجاد تعامل مثمر في الحالات التي تمتاز بالاختلاف الثقافي. انظر

CQ Accelerator | Leadership programmes | Common Purpose

Livermore, David: :2013 , Cultural Intelligence Center, LLC East Lansing, Michigan. Published by Cultural Intelligence Center

The curriculum: Manuala wagner and Fabiana Carditte. Teaching Interculture Citizenship Across 2019 by the American Council on the Teaching of Foreign Languages

[2]( Livermore, David: :2013 , Cultural Intelligence Center, LLC East Lansing, Michigan. Published by Cultural Intelligence Center.

[3] تعد شركة (Cultural Intelligence Center، LLC – CQC) شركة خاصة مسجلة في ولاية ميشيغان بالولايات المتحدة الأمريكية وتقوم بإجراء البحوث وتوفر التدريب والتقييمات والاستشارات ومنتجات التعلم الإلكتروني المتعلقة بالذكاء الثقافي (CQ). العنوان الرئيسي هو: www.culturalq.com.