ترجمة: أحمد عيشة

جدّد الغزو الروسي لأوكرانيا، في شباط/ فبراير 2022، تركيزَ الخبراء الدوليين على التدخّل العسكري السابق لموسكو في سورية، الذي بدأ عام 2015 وبات يُعرَف بأنه كان “ساحة اختبار” للأسلحة والتكتيكات التي تستخدمها موسكو الآن ضدّ المدن الأوكرانية. من المؤكد أن العمل العسكري المباشر، من النوع الذي شوهد في ساحة المعركة الأوكرانية -حملات القصف، والهجمات على المناطق الحضرية، ومراقبة الطائرات بدون طيار، والاسناد المدفعي- قد لعب أيضًا دورًا رئيسًا في وقف تمدّد المتمردين في سورية، ومن ثَمّ دحَر مكاسبهم. لكن القوات الروسية التي تدعم نظام بشار الأسد المحاصر أدركت أهميّة بذل الجهود لبناء الدولة: بشكل أساسي، إعادة بناء قوات الأمن السورية المحطمة، وجعلها وحدات قتالية أكثر تماسكًا وفاعلية.

ومع ذلك، فإن إعادة بناء الجيش العربي السوري بأكمله، الذي كان يتألف من أكثر من (220) ألف جندي قبل الحرب، أو تسريح المئات من الميليشيات الموالية لدمشق التي تشكلت منذ عام 2011، ستكون مهمة مستحيلة، في حين لا يزال المتمردون و(داعش) يهددون كثيرًا من مناطق البلد. بدلًا من ذلك، ركّزت روسيا في البداية على تشكيل فيلقَين جديدين، يمكن أن تتولى قيادتهما وإمدادهما بشكل مباشر. إنّ توحيد سلسلة القيادة، بين القوات الجوية والقوات البرية والمدفعية وخطوط الإمداد، سيُضاعف قوة النظام السوري بشكل كبير، حيث تعمل قواته كفصائل مسلّحة متباينة، تندمج داخل غرف العمليات وخارجها، وليس كقيادة عسكرية واحدة متماسكة. وقد استخدمت هذه الوحدات الروسية المبنيّة الرواتبَ العالية، وعروض المصالحة، لإغراء الميليشيات والمتهربين من الخدمة العسكرية والمتخلفين عنها، كي يكونوا جنبًا إلى جنب مع قدامى المحاربين والخريجين الجدد من الأكاديميات العسكرية [1]. كان من المفترض أن يعكس هيكلَ هذه القوات الجديدة والاستخدام المقصود منها الوكيلُ السوري الأول لروسيا: قوات النمر، وهي وحدة موالية للنظام تأسست في الأصل عام 2013، تقودها المخابرات الجوية في دمشق، وتستند إلى خليط من عناصر من المخابرات الجوية، ومقاتلي القوات الخاصة السابقة، وميليشيات محلية، معظم عناصرها من الأقليّات، من الريف المحيط بحمص وحماة. في الواقع، أدّى تطور قوات النمر إلى قوة عسكرية أكثر من تقليدية، حيث سُمّيت “الفرقة الخامسة والعشرين لمكافحة الإرهاب” في عام 2019، إلى إنشاء أحدث وكيل لروسيا: لواء العاصفة السادس عشر.

محاولات روسيا المبكرة لإعادة بناء الجيش السوري

بعد التدخل مباشرة، في أيلول/ سبتمبر 2015، ألحق الضباط والقوات البرية الروسية أنفسهم بقوات النمر سيئة السمعة، التي بنت لنفسها اسمًا كوحدة هجومية رئيسة للنظام، بعد أن اضطلعت بدور قيادي في كسر حصار سجن حلب المركزي، في أيار/ مايو 2014. على الورق، كانت قوات النمر عبارة عن وحدة ضخمة قوامها (12,000) فرد، أي ما يعادل فرقة في الجيش العربي السوري، على الرغم من أن الغالبية العظمى من هؤلاء الأفراد كانوا مقاتلين احتياطيين لم يشهدوا القتال من قبل [2]. يتكون اللواء من (2,000) إلى (4,000) رجل منظم في تشكيلات متنقلة بحجم السرايا والكتائب [3]. هذه الوحدات، التي تشكلت إلى حد كبير على أساس العلاقات المجتمعية ويقودها أمراء الحرب المحليون، يمكن نشرها بسرعة في الجبهات ذات الأولوية، سواء لمهام دفاعية أو هجومية. كان المركز الجغرافي لقوات النمر في حمص وشمال غرب حماة، وهو ما مكّن القوة من تقسيم الوحدات في وقت واحد، بين العمليات الدفاعية على طول جبهة إدلب، والعمليات الهجومية في أماكن أخرى من البلاد.

الهيكل النموذجي للجيش العربي السوري قبل الحرب، كما ورد في موقع دراسات الحرب (ISW) عام 2013 [4]

قبل التدخل الروسي، تكونت قوة “قوات النمر” من حاشية إدارة المخابرات الجوية، التي تعدّ على نطاق واسع أقوى فروع المخابرات الأربعة في البلاد، حيث ضمنت قوتها السياسية أنها تتلقى في كثير من الأحيان دعمًا جويًا من القوات الجوية السورية المنهكة، وضمنت وفرة الموارد المالية الكافية لتجنيد مقاتلين جدد وقدامى باستمرار. مع التدخل الروسي، حصلت قوات النمر على دعم إضافي من القوات الجوية الروسية ووحدات المدفعية، وكذلك على دعم القيادة من الضباط الروس. صُوِّر جنرالات وضباط وجنود القوات الخاصة الروس في الميدان إلى جانب مقاتلي قوات النمر، على جميع المستويات، من قائدها سهيل الحسن إلى القادة الميدانيين ذوي الرتب المنخفضة، وهو ما يشير إلى تكامل حميم بين الأصول الروسية إلى جانب قوة الشريك المختار [5].

جاءت أول تجربة لروسيا في تكرار هذا النموذج، بعد شهر من بدء تدخلهم، عندما أعلنوا تشكيل فيلق العاصفة الرابع [6]. يشير اسم الوحدة الجديدة إلى أنه كان من المفترض استخدامها على نطاق واسع في العمليات الهجومية في جميع أنحاء البلاد. لكن بصرف النظر عن المشاركة في هجوم 2016 في شمال اللاذقية، ظلت الوحدة في مهمة دفاعية في منطقة محدودة في اللاذقية وشمال غرب حماة [7]. أدى الاعتماد الشديد على المتطوعين، والأداء الضعيف في هجوم 2016، ومشاكل التجنيد، إلى نتيجة مخيبة للآمال.

نتيجة فشل مشروع الفيلق الرابع في تلبية آمال روسيا، ومع المعركة الحاسمة لمدينة حلب التي استقطبت مزيدًا من قوات النظام خلال صيف 2016، بدأ الجيش الروسي بناء تشكيل عسكري آخر، يهدف إلى معالجة كثير من المشاكل التي واجهها مع الفيلق الرابع. وأعلِن رسميًا إنشاء فيلق الهجوم الخامس الجديد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 [8]. كان التمويل والتدريب والقيادة للروس، كما يتضح من وفاة الفريق الروسي فاليري أسابوف، في 23 أيلول/ سبتمبر 2017، الذي سميَّ علنًا قائدًا للفيلق وقت وفاته [9].

يحتل الفيلق الخامس أرضية وسطية من نوع ما، بين الوحدات السورية الدفاعية تاريخيًا، والوحدات الهجومية. كان للفيلق سجل انتشار مشكوك فيه، مع ادعاءات كبيرة بسوء المعاملة وانعدام الدعم من الوحدات الروسية الشريكة، ولا سيما خلال حملة صيف 2017 في وسط سورية [10]. وفقًا للمحلل أيمن التميمي، كان القصد من الفيلق، في بداية تشكيله، الاعتماد على مخزون القوى العاملة الذي لم يكن مستغَلًا لموظفي الدولة (المعفيين من الخدمة الإلزامية) والأفراد الذين أكملوا بالفعل خدمتهم العسكرية [11]. وكان الأمل أن تقديم رواتب تنافسية، إلى جانب الراتب المدني للجندي، سيغري مجموعة جديدة من المجندين بالانضمام إلى الجيش العربي السوري. وفي الوقت نفسه، سيُعزز قدامى المحاربين ذوي الخبرة هذه الوحدات الجديدة [12]. ومع ذلك، أصبح الفيلق منذ ذلك الحين وجهةً بارزة لفصائل الثوار المتصالحة مع النظام، ولا سيّما من جنوب سورية.

يمكن تفسير التقارير المتضاربة، حول فعالية الفيلق الخامس جزئيًا، من خلال طريقة هيكلة الوحدة ودعمها. يتكون الفيلق الخامس من ثمانية ألوية -يتكون كل منها نظريًا من نحو (2500 إلى 3500) جندي، ويبدو أن عمليات التجنيد والتدريب والدعم والنشر تحدث إلى حد كبير على مستوى اللواء. كما هو مذكور في تقرير معهد دراسات الحرب (ISW) لعام 2013 المشار إليه أعلاه، يتكون الفيلق النموذجي في الجيش العربي السوري من ثلاثة إلى أربعة فرق، يتكون كل منها من خمسة إلى ستة ألوية. بينما بُني الفيلق الرابع وفق هذا الهيكل الكلاسيكي، استثنى الروس عمدًا الفرق من الفيلق الخامس. سمح هذا النظام الجديد لروسيا بمركزية سلسلة قيادة الفيلق الخامس، بحيث يقدم كل قائد لواء تقاريره مباشرة إلى قائد الفيلق الخامس، بدلًا من التخفيف من السلطة من خلال طبقة أخرى من القادة على مستوى الفرقة. والنتيجة هي إنشاء فيالق أصغر بكثير من المعتاد حول الوحدات التي يمكن قيادتها بسهولة أكبر، تشبه شيئًا مثل مجموعة من قوات النمر الثمانية.

سمح حجم الفيلق الخامس وهيكله لروسيا بتوسيع نفوذها في جميع أنحاء البلاد، ونشر الألوية في وقت واحد إلى كل جبهة نشطة تقريبًا. لكنه أثبت أيضًا أنه من المستحيل على موسكو، أو دمشق، دعم جميع الألوية الثمانية في وقت واحد. غالبًا ما كان التباين في الخبرة القتالية وفاعلية الفيلق الخامس مرتبطًا باللواء المحدد. على سبيل المثال، يتمتع لواء الاقتحام الأول بعلاقة وثيقة مع الجيش الروسي، حيث يتقاسم القواعد مع الروس في شمال غرب حماة، ويتلقى تدريبات منتظمة على المدفعية من الضباط الروس [13]. ويتمركز اللواءان الثاني والثالث في شمال حماة، وقد قاتلا بشكل مكثف في هجمات هناك وفي جنوب إدلب. على العكس من ذلك، يعتبر اللواءان الرابع والسابع أضعف بكثير من بقية الفيلق الخامس، حيث يجتذبان بشكل أكبر من السوريين المتصالحين مع النظام، والمجرمين الصغار المعتقلين [14]. كلا الوحدتين هما اللواءان الوحيدان اللذان لا مقر لهما في غرب سورية -حيث يوجد الجزء الأهم من القيادة الروسية- مع تمركز اللواء الرابع شرق حمص، واللواء السابع في دير الزور.

لقطة شاشة من مقطع فيديو يُظهر قافلة من مركبات اللواء 16 في حزيران/ يونيو 2022

وقع التحول الرئيس الثاني، في آب/ أغسطس 2019، كجزء من محاولات الجيش العربي السوري وروسيا لإخراج قوات النمر عن سيطرة القوات الجوية الإيرانية، ودمجها مباشرة تحت القيادة العليا للجيش العربي السوري. فشلت الجهود السابقة في أوائل عام 2019 في فصل ميليشيات النمر التي تتخذ من حمص مقرًّا لها، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى نقص الحوافز. ومع ذلك، في تموز/ يوليو من ذلك العام، تقاعد اللواء جميل حسن، مدير المخابرات الجوية الذي أشرف على إنشاء قوات النمر منذ فترة طويلة. بعد شهر، انقلب الأسد على رامي مخلوف، ابن خاله، وجرده من معظم شركاته وأمواله [15]. كان مخلوف مموّلًا رئيسًا لقوات النمر، حيث ترك اعتقاله الميليشيا مكشوفة وضعيفة. فيما كان على الأرجح جهدًا منسقًا، أجبرت القيادة العليا للجيش العربي السوري على الفور قوات النمر على الخروج من دائرة نفوذ المخابرات الجوية، ووضعتها تحت السيطرة المباشرة لوزير الدفاع الجديد، علي أيوب. في 28 آب/ أغسطس، أطلقت وسائل التواصل الاجتماعي التابعة لقوات النمر تدوينات تفيد باختلافات: “بأمر وتعليماتٍ من الرئيس بشار الأسد، القائد العام للجيش والقوات المسلحة، [نعلن] إنشاء الفرقة الخامسة والعشرين للمهام الخاصة (مكافحة الإرهاب) بقيادة العميد الركن سهيل حسن”.

نتيجة هذا التغيير في الرعاية، بدأ الروس والجيش العربي السوري في إعادة هيكلة قوات النمر، وتوسيع المجموعة من لواء شديد الحركة إلى فرقة أكثر تقليدية. تتكون الفرقة (25) من الأفواج (1 و3 و4 و5 و6 و7)، ويقود كل منها ضابط في الجيش العربي السوري، أو ضابط في المخابرات الجوية من قوات النمر الأصلية. في كلتا الحالتين، يأتي قادة الفوج من خلفيات عسكرية أكثر تقليدية، ولديهم رتب فعلية، وهو خروج صارخ عن طبيعة الميليشيات الشديدة التي جسدتها سابقًا قوات النمر. تنتظم مجموعات قوات النمر الأصلية إلى حد ما في سرايا وكتائب، لها أرقامها، داخل كل من هذه الأفواج [16].

منذ أن تشكلت الفرقة (25)، عززت الوحدة الجديدة تعاونها مع الفيلق الخامس، حيث يشرف الضباط الروس بشكل مباشر على التدريب في قاعدة الفرقة (25) الجديدة شمال شرق مدينة حماة. أدى تطور قوات النمر إلى فرقة تقليدية، إلى توسيع سيطرة روسيا على وحدات الجيش العربي السوري الرئيسة، خاصة الوحدات الهجومية، وتلك المتمركزة في شمال غرب سورية. مثل الفيلق الخامس قبلها، أصبحت الفرقة (25) الآن أداة استيراد ونقل لدمج الميليشيات من حمص وحماة وإدلب وشرق حلب، فضلًا عن طريقة للتجنيد داخل المناطق السنية في المحافظات المذكورة أعلاه التي استعادتها القوات الموالية للنظام في النصف الأخير من زمن الحرب.

لكنّ هذا التحول إلى الفرقة (25) الأكثر تقليدية تركَ الروس من دون قوة رد سريع موثوقة وصغيرة، ولم يملأ الفجوة في وجود الوكلاء الروس في شمال حلب. وأنهى التدخل التركي في شباط/ فبراير 2020، وما تلاه من وقف لإطلاق النار في إدلب فُرض على روسيا والنظام السوري بعد شهر من ذلك، العمليات العسكرية الخطيرة التي كانت وقت الحرب، بالنسبة لدمشق وموسكو. واستغل كلا الجيشين فترة العامين من الهدوء منذ ذلك الحين لمواصلة عملهما في إعادة بناء وتجهيز وهيكلة مجموعة القوات المسلحة الموالية للنظام. في هذا السياق، شكلت روسيا لواء العاصفة السادس عشر في أواخر حزيران/ يونيو 2020.

مدرعات ثقيلة تابعة للواء 16، يرجح أنها في قاعدة (أصيلة)، 18 يوليو/ تموز 2020

روسيا تعثر على مطرقة جديدة

ورد أوّل ذكر للواء (16) على مواقع التواصل الاجتماعي، في 25 حزيران/ يونيو 2020. وفي تشرين الأول/ أكتوبر من ذلك العام، ادعى أحد أفراد الوحدة أن اللواء نشر ألف جندي. سُحِبت كثير من هذه القوات من الفرقة (25) ومن الفيلق الخامس، على الرغم من أن آخرين جاؤوا من وحدات مختلفة في الجيش العربي السوري، منها الحرس الجمهوري. على سبيل المثال، نشر أحد أعضاء الوحدة صورة في أوائل تموز/ يوليو، وهو يركب دبابة على ناقلة مدرعات، مع شرح توضيحي يقول إنه نقِل من الفرقة (18) إلى اللواء (16) [17]. يستخدم اللواء بعض المدرعات الثقيلة، كما يتضح من مقاطع فيديو نُشرت على مدار العامين الماضيين، تظهر قوافل صغيرة متحركة. أظهر مقطع (فيديو)، نُشر في 1 آذار/ مارس 2021، خمس دبابات وثلاث مركبات قتال مشاة (BMP) (مركبات قتال مشاة مجنزرة سوفيتية/ روسية الصنع)، وثلاث بنادق ذاتية الدفع. وأظهرت صورة نشرها الجندي نفسه، في يوليو/ تموز 2020 (13)، عربة مدرعة مرتبة بشكل مماثل في إحدى القواعد. ومع ذلك، مثل قوات النمر، يستخدم اللواء السادس عشر أيضًا بشكل مكثف مدفعية محمولة على ما يسمى بعربات “فنية”، وهي شاحنات صغيرة مزودة بأسلحة ثقيلة مثل المدافع المضادة للطائرات.

وأظهرت مقاطع (فيديو) وصور نشرها جنود اللواء (16) طوال خريف 2020، تجمعات عدة في موقع جغرافي للقاعدة العسكرية الكبيرة جنوب أصيلة، شمال غرب حمص. ووفقًا لضابط سوري على صلة بالوحدة، فإن القاعدة الرئيسة للوحدة تقع بالقرب من مدينة حلب، حيث مراكزها الإدارية والقيادية، على الرغم من أن الوحدات كثيرًا ما تأتي إلى حماة للتدريب. هناك بضعة أسباب محتملة وراء اختيار روسيا والجيش العربي السوري لإنشاء اللواء في حلب. أولًا، ربما كان يُنظر إلى هذا على أنه وسيلة لتعزيز النفوذ الروسي والجيش العربي السوري، في منطقةٍ تهيمن عليها إيران (على الرغم من أن مزاعم المنافسة الروسية الإيرانية مبالغ فيها بشكل عام). والأهم من ذلك هو الأهمية الاستراتيجية لحلب، في أي أعمال عدائية مستقبلية. قد تكون هذه نظرة ثاقبة حول الكيفية التي تخطط بها روسيا لاستخدام اللواء. انطلاقًا من حلب، يُعدّ اللواء (16) في وضع جيد للردّ على أي تصعيد على طول الجبهات التركية في عفرين ودرع الفرات ومنبج، فضلًا عن لعب دور قيادي في الاندفاع نحو الجنوب الغربي عبر جبهة حلب وإدلب، في حال انهيار وقف إطلاق النار مع “هيئة تحرير الشام”، الميليشيا الإسلامية المتشددة، التي تعمل في تلك المنطقة.

ثمة نظرة ثاقبة أخرى لرؤية روسيا المحتملة للواء (16)، تأتي من اختيارها لقيادة الوحدة الجديدة. اختير اللواء صلاح عبد الله، وهو علوي من مواليد 1967، بلدة الطيبة بريف صافيتا، وثالث شخصية منذ فترة طويلة في قوات النمر، لقيادة اللواء الجديد منذ اليوم الأول. على عكس سهيل حسن، وقائد عمليات قوات النمر يونس محمد، فإن صلاح عبد الله ليس لديه خلفية من المخابرات الجوية. فهو أمضى السنوات الأولى من الحرب في قيادة وحدات الجيش السوري. ووفقًا لسيرة حياته التي نشرها أنصاره في (فيسبوك)، انضم صلاح عبد الله إلى الفرقة السابعة، بعد تخرجه من الأكاديمية العسكرية في أواخر الثمانينيات، حيث تولى في نهاية المطاف قيادة الكتيبة الأولى في الفرقة بحلول عام 2011. وفي منصبه هذا، قاد “ببطولة” اقتحام المسجد العمري في درعا، و “طهّر” مدينة حماة، ثم انتقل إلى ريفها للقتال في كفر نبودة واللطامنة وحلفايا، قبل أن يصل أخيرًا إلى اللاذقية، أواخر عام 2012. في عام 2013، اختير ليكون قائدًا لقوات النمر في حلب، حيث قاد حملة طريق خناصر وتحرير سجن حلب المركزي. سيقضي الأعوام العديدة التالية في قيادة حملات قوات النمر في حلب، في جميع أنحاء المدينة، ومنها الشيخ نجار وحندرات، وهو يخدم أيضًا على نطاق أوسع كـ “جهة الاتصال العسكرية” لقوات النمر مع الجيش العربي السوري.

تُظهر تجارب اللواء صلاح عبد الله، في خناصر وسجن حلب المركزي، خبرته الواسعة في قيادة كل من قواته وغرف العمليات المشتركة في حملات هجومية بالغة الأهمية؛ ويُثبت عمله في عامي 2011 و2012 أنه لا يتردد في قتل المدنيين واستخدام أساليب العقاب الجماعي لتحقيق أهداف النظام. وبالتالي، فإن اختياره كقائد للواء (16) يشير إلى أن الروس والجيش العربي السوري يرون أن اللواء يشغل الدور الاستراتيجي الذي قامت به قوات النمر في عام 2013، خلال العمليات الرئيسة الأولى للوحدة الأخيرة.

تلقى عبد الله مهمته الأولية بعد عام من تشكيل اللواء، وعاد إلى المكان الذي صنع فيه اسمًا لنفسه، كقائد عديم الرحمة. في آب/ أغسطس 2021، أطلقت دمشق أول عملية عسكرية كبيرة لها في درعا، منذ أن استردت المنطقة من مقاتلي المعارضة المحليين في عام 2018 [18]. وفي الأعوام الثلاثة التي تلت ذلك الهجوم، تعرضت درعا لتمرّد عنيف متزايد، قام به خليط من خلايا الجيش السوري الحرّ السابق، والمجرمون المحليون، ومتمردو الدولة الإسلامية، كل ذلك بالإضافة إلى عمليات القتل الانتقامية المنتظمة التي تقوم بها قوات النظام ضد المتمرّدين السابقين. حاول نظام الأسد قمع التمرد، لكن محاولاته لم تحظَ بدعمٍ من روسيا التي فاوض جنرالاتها على صفقات المصالحة التي شهدت استسلام درعا، مقابل الاستقلال الذاتي الزائف لكثير من البلدات التي أخذت الآن تدعم المتمردين. وبحلول آب/ أغسطس 2021، أصبحت الهجمات تتكرر كثيرًا، ومع ظهور جبهة إدلب مجمدة بشكل آمن، أعطت روسيا الضوء الأخضر لعملية استعادة عدة مدن رئيسة.

كان اشتراك روسيا واضحًا منذ اليوم الأول. في 24 آب/ أغسطس 2021، شارك أعضاء من اللواء (16) على حساباتهم الخاصة مقطع (فيديو) لوحدة مدرعة مكونة من دبابات وعربات (BMP) ومدفعية ثقيلة “متوجهة إلى درعا”. وبعد يومين، أظهر مقطع (فيديو) نشِر على نطاق أوسع، في القنوات الموالية للنظام، ذلك الرتل المدرع، المعلَن أنه ينتمي إلى اللواء (16). في 30 آب/ أغسطس، أعلن أعضاء من اللواء (16) سقوط أول قتيل في المعارك من داخل الوحدة، بينما شارك آخرون مقطع (فيديو) لأنفسهم، شاركوا في قتال كثيف في مكان ما في درعا “قبل بضعة أيام”. وشاركت وحدات أخرى من الجيش العربي السوري -وجميعها كانت تتمركز بالفعل في المنطقة- في القتال؛ لكن اللواء (16) كان أوّل من يقتحم المدن، حيث استسلمت واحدة تلو الأخرى. وأظهر مقطع (فيديو) نشرته قناة الجزيرة ضبّاطًا من اللواء (16) وضباطًا روس داخل مدينة درعا، يوم 8 أيلول/ سبتمبر، في حين أظهرت صفحات إخبارية موالية للنظام ومنشورات للواء (16) على مواقع التواصل الاجتماعي، عناصر من الوحدة ومركبات تحمل اسم اللواء في اليادودة في 14 أيلول/ سبتمبر، وفي مزيريب، في 16 أيلول/ سبتمبر، وطفس في 20 أيلول/ سبتمبر. كان جزء من هذه القوات على الأقل تحت قيادة العقيد جمال الدين الغجري، وهو قائد كتيبة في اللواء.

مع استسلام هذه البلدات الثلاث وكثير من أحياء مدينة درعا، انسحب اللواء (16) من جديد إلى قواعده ومواقعه في شمال سورية. وفي 25 تشرين الأول/ أكتوبر، نشر اللواء (16) صورًا لمركبات الوحدة المدرعة في الجنوب: “المهمة في درعا قد انتهت”. على مدار الأسبوع التالي، كان يشارك عدة صور ومقاطع (فيديو) لرتل مدرع يتكون من نحو (12) عربة في طريق عودته إلى ريف حلب. كانت هذه هي العملية الأولى -والوحيدة حتى الآن- للوحدة الجديدة. وبحسب منظمات حقوقية، فإن هجوم النظام أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 22 مدنيًا، معظمهم نتيجة القصف العشوائي ونيران الأسلحة الثقيلة[19]. منذ ذلك الحين، ظل اللواء على الخطوط الأمامية في شمال محافظة حلب، مقابل الجيش التركي وقوات المعارضة المتحالفة معه. والتقِطت كذلك صور لجنود ووحدات مدرعة من اللواء (16) حول إدلب في عام 2020، وعلى جبهات الباب ومنبج، في عامي 2021 و2022.

يبدو أن تركيز اللواء 16 على العمليات في ريف حلب قد تعزز من خلال المناقشات هذا الصيف، حول تعيين العميد صلاح عبدالله نائبًا لقائد الفرقة (30) بالحرس الجمهوري. تشكلت هذه الفرقة في كانون الثاني/ يناير 2017، لدمج جميع الوحدات الموالية للنظام في حلب تحت قيادة واحدة، بعد استعادة دمشق للمدينة في الشهر السابق، وهي الآن القوة العسكرية الرئيسة في المدينة وريفها. وبحسب ضابط قابله المؤلف في آب/ أغسطس، فإن قرار تعيين صلاح عبد الله في الفرقة لم يؤكَّد بعد؛ ولكن إذا كان الأمر كذلك، فمن شبه المؤكد أنه سيحتفظ بدوره كقائد للواء (16). وبالتالي، ستُعَزّز سلسلة القيادة بين اللواء وقوات الجيش العربي السوري الأوسع في منطقة شمال حلب، وهي خطوة مهمّة لتحسين الفاعلية القتالية في حالة الهجوم في المستقبل.

ما ستقوم به الوحدة، في حال شنّ هجوم تركي على مواقع قوات سوريا الديمقراطية التي يهيمن عليها الأكراد في تل رفعت أو منبج، سيكون مؤشرًا رئيسًا للموقف الروسي تجاه مثل هذا الهجوم. من غير المحتمل أن تخاطر روسيا بإلحاق أضرار جسيمة بأحدث قوة لها بالوكالة، وهي قوة صغيرة إلى حدّ ما، على الرغم من أن القيادات الروسية والسورية قد تنظر إلى الهجوم التركي على أنه فرصة ممتازة لاشتراك اللواء في القتال من أجل معارك مستقبلية. ولكن في حين أن اللواء قد يكون مزوّدًا بضباط متمرّسين، ويعتمد بشكل كبير على الجنود القدامى، فإن الوحدة ستدمَّر بفعل الضربات الجوية والمدفعية التركية، تمامًا مثل وحدات الجيش العربي السوري الأخرى التي قاتلت ضد تركيا في إدلب، في أوائل عام 2020. لا يُعرف ما الحافِز الذي سيدفع روسيا أو دمشق إلى تحمّل مثل هذه الخسائر الكبيرة، في محاولة فاشلة لوقف هجوم تركي، لا يستهدف في النهاية إلا الأراضي التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية.

وإضافة إلى ذلك، لا يزال مستقبل اللواء على المدى الطويل مجهولًا. ما الغرض الذي تخدمه قوة الرد السريع الصغيرة في صراع مجمّد؟ كلما طالت مدة بقاء الجيش العربي السوري دون الانخراط في عمليات عسكرية جادة، زادت احتمالية دمج اللواء السادس عشر في الفيلق الخامس أو الفرقة الخامسة والعشرين، وهما الوحدتان اللتان تدعمهما وتديرهما روسيا أيضًا. وفي المحصلة، كان هذا هو الهدف النهائي للجيش الروسي في سورية، منذ تشكيل الفيلق الرابع قبل ستة أعوام. من الناحية المثالية، لن يحتاج الجيش السوري إلى قوات رد فعل سريع مستقلة، بل سيكون قادرًا على إعادة تشكيل قواته الخاصة المتهالكة، أو على الأقل إنشاء وحدات متخصصة ضمن تشكيلات أوسع (مثل فوج المظلات الجديد للفرقة 25)، وهي هياكل أكثر تماشيًا مع القوة المسلحة الحكومية المناسبة. مع العاصفة المفاجئة من الشائعات والقصص، في وقت سابق من هذا العام، عن إرسال روسيا لسوريين إلى أوكرانيا، قد يعتقد المرء أن اللواء (16) سيكون مناسبًا تمامًا لدعم الخطوط الروسية في خيرسون أو دونباس. ولكن كما زعم المؤلف، في آذار/ مارس، لا يوجد في الوقت الحاضر دليل ولا دافع لإرسال سوريين لخوض حرب روسيا. ومهما حدث للواء (16) فإن مصيره لا يزال مرتبطًا بسورية.

اسم المادة الأصليFrom Tiger Forces to the 16th Brigade: Russia’s evolving Syrian proxies
الكاتب*غريغوري ووترز، Gregory Waters
مكان النشر وتاريخهمعهد الشرق الأوسط، MEI، 12 أيلول/ سبتمبر 2022
الرابطhttp://bit.ly/3DXSfoD
عدد الكلمات4300
ترجمةوحدة الترجمة/ أحمد عيشة

*- غريغوري ووترز: باحث غير مقيم في معهد الشرق الأوسط، ومحلّل أبحاث في مشروع مكافحة التطرف. يركّز في أبحاثه على قوات الأمن التابعة للنظام السوري، مستخدمًا بشكل أساسي الأبحاث مفتوحة المصدر، لتقييم قدرات وبنية الجيش العربي السوري والميليشيات المتحالفة معه.


[1] – Aymenn Jawad al-Tamimi, “The Fifth Legion: A New Auxiliary Force” Syria Comment, December 24, 2016. http://bit.ly/3FIXBW8

[2] – Joseph Holliday, “Syrian Arab Army Doctrinal Order of Battle,” Institute for the Study of War, February 2013. Note: Some of the transliterations in this graphic are not accurate. “Falaq” should be “Faylaq,” “Awal” should be “Fareeq Awal, and “Suriya” should be “Sariya.”

[3] -Interview with a Tiger Forces reservist, 2021.مقابلة مع جندي احتياطي من قوات النمر https://bit.ly/3h9vk0o

[4] – Joseph Holliday, “Syrian Arab Army Doctrinal Order of Battle,” Institute for the Study of War, February 2013. Note: Some of the transliterations in this graphic are not accurate. “Falaq” should be “Faylaq,” “Awal” should be “Fareeq Awal, and “Suriya” should be “Sariya.http://bit.ly/3sS16BU

[5] – Gregory Waters, “Tiger Forces, Part 4: Russia’s Partner Force,” International Review, September 25, 2018. https://bit.ly/3U0Ir2t

[6] – Aymenn Jawad al-Tamimi, “The Fifth Legion: A New Auxiliary Force,” Syria Comment, December 24, 2016. https://bit.ly/3FIXBW8

[7] – Kirill Semenov, “Syrian armed forces in the seventh year of the war: from the regular army to the volunteer corps,” Russian Council of International Affairs, April 28, 2017. https://bit.ly/3Ws2Sap

[8] – Al-Tamimi, “The Fifth Legion.”

[9] – “تقول روسيا إن جنرالاً شغل منصبًا رفيعًا في جيش الأسد قُتِل في سورية”، رويترز، 27 أيلول/ سبتمبر 2017. استمر توثيق الوجود العسكري الروسي داخل الفيلق الخامس منذ ذلك الحين. طوال الربع الأول من عام 2019، كان يتم تصوير الجيش الروسي وضباط المخابرات المشتبه بهم بانتظام على وسائل التواصل الاجتماعي الموالية إلى جانب قادة اللواء الخامس على جميع الجبهات. يبدو أن كل لواء لديه باستمرار ضابط روسي واحد أو ضابطين روسيين، وهؤلاء الضباط هم الذين غالبًا ما يقدمون الميداليات لضباط اللواء. لذلك، يبدو أن هيكل القيادة السورية للفيلق الخامس صُمِم وفق هيكل روسي، من القيادة العامة نزولًا إلى ارتباطات الألوية التي تساعد في تنسيق تحركات الوحدات مع تلك التابعة للجيش الروسي.http://bit.ly/3Dv5SKx

[10] – “Fifth Corps Officer to Assad: Our Forces Are Drained and the Russians Humiliate Us,” Syrian Observer, June 29, 2017. http://bit.ly/3h8Q4p0

[11] – Al-Tamimi, “The Fifth Legion.”

[12] -Ibid.

[13] – Interview with 1st Brigade artillery officer in Hama, 2021.

[14] – Interview with Syrian soldier, 2020.

[15] – “Assad Orders Measures Against Rami Makhlouf’s Companies,” Asharq al-Awsat, August 28, 2019.

http://bit.ly/3zG89l3

[16] – على سبيل المثال، ذكر إعلان عمليات الاستشهادات على صفحة خاصة بقوات النمر على (فيسبوك) أن حسن عباس قاتلَ في “قوات النمر (الفرقة 25)، الفوج السابع، الكتيبة الرابعة، مجموعات البواسل”، وهي من ميليشيا قوات النمر الأصلية. https://justpaste.it/6kvvn

[17] – تظهر مقاطع (فيديو) والصور التي نشرها هذا الجندي في الأعوام السابقة أنه يدير تلك الدبابة كعضو في الفرقة (18). لقد أهلكت الحرب هذه الفرقة، وهي تخدم اليوم إلى حد كبير كوحدة دعم مدرعة لقوات النظام الأخرى. لذلك، من المنطقي أن توَفَر الدروع الثقيلة الجديدة للواء (16) من هذه الفرقة.

[18] – Oz Katerji, “Damascus’s False Reconciliation Failed in Daraa,” Foreign Policy, August 11, 2021.
http://bit.ly/3fx6Z4o

[19] – “Syria regime forces enter Daraa under truce: monitor,” France 24, September 8, 2021.

https://bit.ly/3DworOw