نشرت (وحدة دعم الاستقرار/ مشروع المجتمع المحلي في العملية السياسية والدستورية) مقترحَ دستور، يتضمن مضامين تخرج من المجتمع المحلي السوري للمرة الأولى، حول الدستور ومستقبل البلاد.

وهي عبارة عن دراسة توصي بـ 110 مادة دستورية مستخلصة من جلسات حوارية، استمرت على مدى عشرة أشهر، بلغت أكثر من 140 ورشة عمل، جلسات حوار ونقاش، وتدريبات سياسية، وجلسات تخصصية، إضافة الى جلسات رفع الوعي، واستهدفت حوالي ألفَي شخص، من فئات متنوعة من المجتمع: (مجالس محلية، نساء، أكاديميين، نقابات، علماء دين، رجال قانون، وإعلاميين) في مناطق عدة من الشمال السوري وغازي عنتاب التركية، من مختلف مكونات الشعب السوري، من نازحين ومقيمين، مع مشاركة واسعة للنساء.

إنه جهد كبير في الواقع، ويستحق التقدير بلا شك، ولرفد هذا العمل المحترم بمزيد من الأفكار، نسلّط الضوء على بعض المسائل الحقوقية في الدراسة التي نرى فيها شيئًا من القصور، بقصد المناقشة لتطوير وإغناء العمل والبناء عليه.

حول شكل نظام الحكم:

خلصت الدراسة إلى تفضيل النظام (شبه الرئاسي) كونه الحلّ الأفضل لحكم سورية المستقبل، فهو نظام لا يسمح بتفرد شخص بالحكم، بل يجعل السلطة بيد رئيس الدولة ورئيس الحكومة، ويوازع الاختصاصات بينهما.

ومن المعلوم أن هذا النظام المختلط يوزع السلطة بين الرئيس المنتخب من الشعب، ورئيس الوزراء أو الوزارة التي يعينها البرلمان، بحسبان أن الرئيس ورئيس/ مجلس الوزراء قطبا السلطة التنفيذية، وانتهت الدراسة إلى أنه يمارس السلطة التنفيذية نيابة عن الشعب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ضمن الحدود المبينة في الدستور، ثم وزعت بعض الصلاحيات بين الرئيس ومجلس الوزراء، وتبنّت مقترحات عدة يجدر الوقوف عندها مليًّا: الأول تشكيل مجلس استشاري من سبعة أعضاء، يرشحهم رئيس الجمهورية ويوافق عليهم مجلس الشعب بأغلبية أعضائه؛ والثاني إعطاء صلاحية تعيين الموظفين المدنيين والعسكريين وإنهاء خدماتهم للوزارات المختصة؛ الثالث إضافة توقيع وزير الدفاع على ما يخص الجيش والقوات المسلحة، إلى جانب توقيع رئيس الجمهورية، باعتباره القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة رمزيًا، ويتولى وزير الدفاع مهمة إصدار القرارات المتعلقة بشؤون الجيش والقوات المسلحة.

بالنسبة إلى الاقتراح الأول:

تشكيل مجلس استشاري لإبداء الرأي (الملزم لرئيس الدولة) في القرارات المهمة التي تخص البلاد، كإعلان الحرب وتوقيع الصلح.

في الواقع، لا نتفق مع هذا الاقتراح نهائيًا، إذ لا يجوز أن يكون لمجلس (استشاري) غير منتخب جاء بطريقة التعيين، الحق باتخاذ قرارات جوهرية ملزمة لرئيس الدولة بمسائل مصيرية للبلاد، كإعلان الحرب والطوارئ والتعبئة وتوقيع الصلح والسلام؛ لأن هذه المسائل في القانون الدستوري تكون حصرًا من اختصاص رئيس الدولة (بالاشتراك أو بدون الاشتراك مع مجلس الوزراء) والبرلمان فقط! فضلًا عن عيوب أخرى أغفلها المقترح، حول معايير انتقاء أعضاء هذا المجلس، وإغفال مسؤوليته أمام من؟ البرلمان أم الرئيس أم المحكمة الدستورية؟ إضافة إلى إغفال معالجة موضوع تعذر تشكيله، إذا لم يوافق عليه البرلمان، إذا كانت أغلبيته من حزب غير حزب الرئيس، وهذه المسألة بشكل عام تعدّ من أهم عيوب النظام المختلط شبه الرئاسي، وقد تؤدي إلى شلل الدولة، ومع ذلك أغفلتها الدراسة! ولذلك؛ نقترح صرف النظر نهائيًا عن تشكيل هذا المجلس، وإيجاد آلية لاتخاذ مثل هذه القرارات المهمة بين رئيس الدولة ومجلس الوزراء والبرلمان.

بالنسبة إلى الاقتراح الثاني:

إعطاء صلاحية تعيين الموظفين المدنيين والعسكريين وإنهاء خدماتهم للوزارات المختصة.

برأينا، هذا اقتراح غير مناسب، ولا يجوز أن يتولى منصب الوزير تعيين الموظفين في وزارته، وإنما يكون لرئيس الدولة أو لمجلس الوزراء، بناء على اقتراح الوزير المختص، حسب الملاكات الوظيفية المحددة في قانون الموظفين الأساسي في الدولة، وذلك لسببين رئيسيين:

1. الاحتمال المرجح لخضوع التعيين لاعتبارات حزبية بحتة، بحيث يقوم كل وزير بتعيين كبار موظفي وزارته من منتسبي حزبه، وهو مضطر إلى الخضوع لتوجيهات حزبه، مما يؤدي إلى حالة من الاستقطاب تُلحق ضررًا فادحًا في إدارة الدولة.

2. الاقتراح لم يأخذ بالاعتبار أن تعيين كبار الموظفين، كالسفراء وحاكم البنك المركزي ورؤساء أجهزة حساسة كالمخابرات والرقابة والتفتيش والهيئات المستقلة كمراكز البحوث والأوراق المالية، يخضع لاعتبارات سياسية أكبر من تقدير منصب الوزير وحده، وإنما يعود تقديرها لسياسة الدولة التي يديرها رئيس الدولة ومجلس الوزراء. مع ملاحظة أن هذه التحفظات لا تنال من حق الوزير بالتعاقد (وليس التعيين) لمدة محددة، ضمن حدود القانون، مع من يراه مناسبًا لإدارة وزارته.

بالنسبة إلى الاقتراح الثالث:

إضافة توقيع وزير الدفاع على ما يخص الجيش والقوات المسلحة، إلى جانب توقيع رئيس الجمهورية باعتباره القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة رمزيًا. ويتولى وزير الدفاع مهمة إصدار القرارات المتعلقة بشؤون الجيش والقوات المسلحة.

لم يلحظ هذا الاقتراح مسائل عدة، كأن يرفض الوزير -لسبب أو لآخر- قرار الرئيس، كأن يكون من غير حزبه، فيؤدي ذلك إلى إرباك هذه المؤسسة المهمّة والحيوية، ولم يعطِ دورًا لرئيس الأركان، باعتباره قائد الجيش، فضلًا عن وضع هذه المؤسسة افتراض خضوعها لمدنيين دون التفكير بالانقلاب عليهم، بحسبان احتمال تعيين شخص مدني وزيرًا للدفاع. وهذا الأمر يقتضي إعادة النظر بالمقترح برمته، والتفكير بآليات وطنية بديلة.

حول السلطة التشريعية:

نعتقد أن هذه السلطة لم تحظَ بالعناية الكافية في هذه الدراسة، وشاب مخرجاتها بعض الارتباك، حيث ورد فيها اقتراح نص مادة تقول: (يُصدر رئيس الجمهورية القوانين المحالة إليه من مجلس الشعب، بعد موافقة هذا الأخير عليها بأغلبية ثلثي أعضائه)، ثم اقتراح نصّ مادة أخرى تقول: (يوقع رئيس الجمهورية المعاهدات ويبرمها، بعد أن يقرها مجلس الشعب بأغلبية ثلثي أعضائه)! اقتراح لمادتين تفرضان موافقة أغلبية كبيرة جدًا من النواب، تصل إلى نسبة ثلثي البرلمان، لإقرار القوانين المختلفة والمعاهدات! وهي نسبة نادرة في القانون الدستوري المقارن.

وورد اقتراح مادة أخرى تقول: (يحقّ لمجلس الشعب بأكثرية أعضائه أن يمنح عفوًا عامًا عن الجرائم المقترفة قبل اقتراح العفو)، أي أن إقرار قانون العفو العام يتطلب موافقة نسبة النصف زائد واحد من النواب عليه، وهي نسبة عالية أيضًا، في القانون الدستوري المقارن، تُفرض عادة، لإقرار القوانين الأساسية!

ثم ورد اقتراح مادة تناقض كل ما سبق بقولها: (تكون جلسات المجلس علنية، ولا تُعقد إلا إذا حضرها أكثرية الأعضاء المطلقة)، واقتراح مادة أخرى يقول: (يتخذ المجلس قراراته بأكثرية الأعضاء الحاضرين، إلا إذا نص الدستور أو النظام الداخلي على غير ذلك)، أي أن المطلوب لصحة جلسات البرلمان واتخاذ القرارات (القوانين) فيه حضور نسبة النصف زائد واحد، وهي نسبة منطقية فعلًا ومستقرة في القانون الدستوري المقارن، ولكنّ المفارقة أن هذه النسبة لا تتفق مع النسبة المطلوبة لإقرار القوانين والمعاهدات المذكورة آنفًا! وفي ذلك تناقض واضح!!

ومن الملاحظات على الدراسة أنها قررت بأنه: (يعود حق التشريع إلى مجلس الشعب فقط، ولا يتولاه رئيس الجمهورية إلا بأوضاع استثنائية عند عدم وجود مجلس الشعب) وبالرغم من وجاهة الاقتراح بحصر صلاحية التشريع بالبرلمان، لأنه الأصل في هذه المسألة، ولكنها منحت رئيس الجمهورية حقّ التشريع عندما لا يكون البرلمان موجودًا، ونرى أن الأحق أن تمنح سلطة التشريع في هذه الحالة لمجلس الوزراء، حسب طبيعة نظام الحكم المقترح، ولا مانع من النص على أن تعقد الجلسة في هذه الحال برئاسة رئيس الجمهورية، مع وجوب وضع معيار صارم في هذه الحالة، وهو وجوب عرض هذا التشريع في أول جلسة تعقد للبرلمان، إما أن يقره أو يعدله أو يلغيه بتصويت الأغلبية العادية لإقرار القوانين.

وكذلك، حجبت الدراسة عن رئيس الجمهورية الحق في (حل البرلمان)، ونرى وجوب منحه هذا الحق، ضمن ضوابط ومعايير صارمة؛ إذ إن هذا الحق مقرر ومعروف في القانون الدستوري، وله منطقه حين يتطلب الأمر في بعض الأزمات، لأسباب وحالات لا يتّسع المجال لذكرها في هذه المساحة، الرجوع للشعب للاختيار، إما بإبقاء الكتل السياسية الموجودة بالبرلمان أو تغييرها.

حول السلطة القضائية:

كذلك نرى أن هذه السلطة لم تحظَ بالعناية الكافية أيضًا في هذه الدراسة، بالنظر إلى القصور الذي شابها، وذلك على النحو الآتي:

1. لم تتطرق إلى وضع مجلس الدولة في الدستور وكيفية إدارته، وهو يعدّ من أهم أقسام السلطة القضائية، كونه يمثل القضاء الإداري في الدولة.

2. لم تنص على حظر إحداث المحاكم الجزائية الاستثنائية.

3. لم تتناول موضوع حظر محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري.

4. لم توفق باقتراح تعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا من قبل مجلس القضاء الأعلى، إذ من المحتمل في هذه الحالة أن يقوم المجلس بتعيين نفسه، بالنظر إلى ميزات القاضي الدستوري، ونرى أن تشكيل المحكمة الدستورية العليا يجب أن يتم بالتوافق أو المحاصصة بين السلطات الثلاث، وفق آلية مُحكمة يتفق عليها بالدستور، فضلًا عن أن الدراسة افتقرت إلى معايير تعيين القاضي الدستوري، كالسنّ والخبرة في العمل القانوني، بالإضافة إلى إغفال مدة ولايته وقابليتها للتجديد أكثر من مرة!

5. لم تتطرق إلى تبعية النيابة العامة لوزير العدل، أو استقلالها عنه، فيتحقق استقلال كامل للسلطة القضائية بأجهزتها كافة.

6. اقترحت الدراسة أن يرأس السلطة القضائية مجلس القضاء الأعلى المكون من سبعة مستشارين في محكمة النقض. ويرأس المجلس المستشار الذي ينتخبه أعضاء المجلس من قبلهم. ويؤخذ على هذا الاقتراح عدم مراعاة مبدأ الأقدمية بين القضاة؛ إذ من المحتمل أن يضم المجلس قضاة أقل قِدمًا من رئيس محكمة النقض ومن بعض مستشاري المحكمة، ولا يجوز لقاض أن يحاكم مسلكيًا قاضيًا أقدم منه في الوظيفة، بحسبان أن مجلس القضاء الأعلى يُعتبر محكمة مسلكية للقضاة، ويجب أن يكون ضمن تشكيلة هذا المجلس النائب العام للجمهورية، ولا مانع من أن يحضر وزير العدل جلسات المجلس من دون أن يرأسه، نظرًا للارتباط الوثيق بين الوزارة والقضاة، وكذلك أغفل الاتجاه الحديث الذي أخذت به بعض الدساتير، كالدستور الفرنسي والتونسي، من أن يضم هذا المجلس في عضويته مندوبًا عن نقابة المحامين وأساتذة كليات الحقوق في الجامعة، من دون أن يشتركا في جلساته حينما ينعقد، بوصفه مجلسًا لتأديب القضاة، وهذا يقتضي إعادة النظر في هذه الناحية، والتعمق بدراستها أكثر، ولا يوجد مانع من أن يتألف المجلس من 10 و11 عضوًا، مع الإشارة إلى أن بعض الدساتير تقسّم هذا المجلس لاثنين أو ثلاثة أيضًا، بحيث يكون الثاني مجلسًا للنيابات العامة، والثالث مجلسًا للقضاة الإداريين.

حول الحقوق العامة:

لم تلحظ الدراسة ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في كل الدساتير والعهد الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كحق الدفاع وعلنية المحاكمة وحق الطعن بالقرار القضائي لمرجع أعلى! وأن العقوبة شخصية بمعنى أنها لا تطال أسرة المتهم، لا بجسدهم كتوقيفهم، ولا بأموالهم.

وتطرقت الدراسة أيضًا إلى مسألة إشكالية كثيرًا، عندما اعتبرت من الحقوق الأساسية التي يجب مراعاتها (الحقّ في الحياة)، واعتبرت أن الاعتداء على أي من الحقوق أو الحريات المذكورة في هذا الدستور جريمة يعاقب عليها القانون. وفي الواقع، يجب التعاطي دستوريًا بحذر شديد مع الحق بالحياة، لأنه يتعارض مع عقوبة (الإعدام) المنصوص عليها في قانون العقوبات، فتصبح هذه العقوبة غير دستورية، ومن المعلوم أن الجدل والنقاش حول هذه العقوبة ما زال بين أخد ورد، على المستوى الدولي، وهو موضع استقطاب قانوني كبير، ومن المبكّر جدًا حسمه دستوريًا في بلدنا، الآن، قبل طرحه للنقاش على نطاق واسع، ما يقتضي التريث بجعل هذا الحق دستوريًا.

وبعد:

هذه بعض الآراء حول هذه الدراسة المهمة، نأمل لحظها في أي مراجعة لها، وفي أي دراسة أو مشروع آخر، كونها تعدُّ من المسائل الجوهرية في الدستور، وإن كانت تأخذ شكل الطابع التقني، وقلّما تحظى بعناية العاملين على بناء الدستور، كما تحظى مواضيع أخرى كالقومية ودين الدولة ورئيسها واسمها، بعناية مركزة تصل في معظم الأحيان إلى درجة الجدل البيزنطي.