ورقة سياسات

بعد صعود الصين المتدرّج منذ عام 1978، حيث تبنّت الانفتاح النسبي على الغرب والاندماج في المؤسسات الدولية، خاصة منظمة التجارة العالمية، طرحت في عام 2013 مشروع القرن “الحزام والطريق”، الذي يهدف إلى ربط القارات الثلاث (آسيا وأفريقيا وأوروبا).

واليوم، تروّج لما يسمّى “الهيمنة الحميدة”، من خلال محاولتها تعزيز موقعها كدولة عظمى في النظام الدولي قيد التبلور، خاصة بعد رعايتها للاتفاق السعودي – الإيراني، الذي يشير إلى نقطة تحوّل في سياستها الخارجية نحو الشرق الأوسط.

وفي سياق هذه التحوّلات، يظهر أنّ الأولوية الصينية هي زيادة النمو الاقتصادي، من خلال التبادل التجاري مع كلّ دول العالم، وزيادة الاستثمارات الصينية، بعيدًا عن الشروط الأيديولوجية والسياسية، ضمن إطار ما يسمّى “الدبلوماسية الاقتصادية”، إدراكًا من القيادة الصينية أنّ العالم يتّجه -أكثر فأكثر- نحو الجيو – اقتصادي، بما يحقق استراتيجيات الدولة.

نحاول في هذه الورقة إبراز أهمّ السياسات الصينية تجاه منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، ومكانة سورية في هذه السياسات بشكل خاص، على صعيد المبادرة الصينية “الحزام والطريق”، والدور المحتمل في إعادة الإعمار، والاهتمام الصيني في وجود متطرفين مسلمين من تركستان الشرقية في سورية، وأخيرًا حدود الدور الصيني.

أولًا: تنافس القوى الدولية الكبرى في الشرق الأوسط

إنّ تنافس القوى الدولية الكبرى في منطقة الشرق الأوسط تُوجّهه محددات نفعية، خاصة الأهمية الاستراتيجية في مجالي أمن الطاقة والممرات المائية، إضافة إلى حجم التجارة والاستثمار. وعندما جرى الحديث عن تقليص الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط والتوجه نحو المحيطين الهندي والهادي، منذ العهد الأول للرئيس أوباما عام 2008، أُفسح المجال لروسيا والصين، لمحاولة تعزيز نفوذهما في المنطقة. وبعد رعاية الصين للاتفاق السعودي – الإيراني، في 10 آذار/ مارس 2023، بدا أنّ الشرق الأوسط قد دخل مرحلة جديدة، تتسم بتنافس القوى الكبرى والتغيير في علاقات القوى الإقليمية المؤثرة.

ويبدو أنّ الانخراط الصيني في الشرق الأوسط لم يُفاجئ الإدارة الأميركية، إذ إنها تابعت الاتفاقات الاستراتيجية الصينية – الإيرانية، كما تابعت الاستقبال المميز للرئيس الصيني في السعودية. وفيما يتعلق بالاستراتيجية الصينية نحو روسيا، يبدو أنها تقوم، في جوهر سياساتها تجاه خلافاتها المؤجلة معها، على الرغبة في إضعافها واستنزافها في أوكرانيا والشرق الأوسط، على أمل إمكانية تحييدها في المناطق الحيوية للمصالح الصينية.

أدركت الصين أنّ انخراطها في الشرق الأوسط يساهم في تحسين شروط صراعها مع أميركا في شرق آسيا، واعترف مدير CIA وليم بيرنز -في خطاب بجامعة جورج تاون- بذلك، إذ قال: “الدرس الأكبر الذي تعلّمته من سنواتي الدبلوماسية في الشرق الأوسط هو التواضع، فقد كنا نعتقد أنّ بإمكاننا الانفصال عن المنطقة، لكن لها صفة سيئة وهي النجاح كل مرة في إبقائنا ضالعين فيها”[1].

أي أنّ المنطقة ستبقى ميدانًا للتنافس بين القوى الكبرى، مما يُوجب تفهّم هذه القوى لانشغالات دول منطقة الشرق الأوسط، والتكيّف مع هواجسها. ويبدو أنّ الصين تتعاطى مع هذه الانشغالات بجدّية، من خلال تقديم نفسها كطرف محايد لا يتدخل في الشؤون الداخلية لسلطات هذه الدول، خاصة نظمها السياسية وانتهاكاتها لحقوق رعاياها من مواطنيها، مما سهّل علاقات هذه الدول مع الصين.

ويندرج هذا النمط من الاختراق الصيني ضمن إطار المنافسة الاقتصادية مع أميركا، بالرغم من الفارق الكبير بين الاقتصادين، إذ “يبلغ حجم الاقتصاد الأميركي 23.3 تريليون دولار، ويمثل 24.1 بالمئة من الاقتصاد العالمي، في حين تأتي الصين في المرتبة الثانية بحجم اقتصاد 17.7 تريليون دولار، ويمثل 18.3 بالمئة من الاقتصاد العالمي عام 2021”[2]. ولكنّ القوة الاقتصادية الصينية تتطور بمتوالية هندسية، وتتوسع استثماراتها في أفريقيا والشرق الأوسط الكبير.

وانطلاقًا من أنّ الصين هي أكبر مستورد لمصادر الطاقة في العالم، فإنها رعت الاتفاق السعودي – الإيراني، لضمان تدفّق هذه المصادر من هاتين الدولتين وغيرهما. كما أنّ المبادرة الصينية “الحزام والطريق”، التي تربط القارات الثلاث (آسيا وأفريقيا وأوروبا)، من خلال بناء موانئ وسكك حديدية ومطارات وخطوط أنابيب الطاقة ومجمّعات صناعية، تسعى للوصول إلى مزيد من الأسواق والاستثمارات. وفي هذا السياق، “أنفقت بكين 240 مليار دولار على الإنقاذ المالي لدول الحزام والطريق، لما يصل إلى 22 دولة نامية بين عامي 2008 و2021، وزاد المبلغ في السنوات القليلة الماضية، مع مواجهة مزيد من الدول مصاعب في تسديد القروض التي أُنفقت على البنية التحتية للمبادرة”[3]. ويبدو أنّ سياسة القروض الصينية قد تكون سببًا لفشل المشروع، إذ يُظهر برنامج تعقب “الحزام والطريق” التابع لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي أنّ “إجمالي الديون المستحقّة للصين قد ارتفع بشكل كبير منذ عام 2013، متجاوزًا في بعض البلدان 20 في المئة من إجمالي الناتج المحلي؛ حيث بلغ مجموع القروض، بين عامي 2014 و2017، الفترة التي شهدت ذروة الإقراض في الصين، أكثرَ من 120 مليار دولار تغطي مشاريع مدعومة من الطرق السريعة إلى السكك الحديدية ومحطات الطاقة”[4].

ولكنّ بيانات وزارة التجارة الصينية أظهرت أنّ “الاستثمار الصيني المباشر غير المالي المتّجه إلى الخارج ارتفع بنسبة 17.6% على أساس سنوي، في الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري 2023، مسجلًا 42.19 مليار دولار، منها 7.5 مليارات دولار في الدول الواقعة على الحزام والطريق، بزيادة بلغت نسبتها 9%”[5].

وممّا له دلالته في الشرق الأوسط، ومن ضمنه دول مجلس التعاون الخليجي، تدشين المكتب الأول للبنك الآسيوي للاستثمار في أبو ظبي، من أجل تسهيل تمويل مبادرة الحزام والطريق، وذلك في نيسان/ أبريل الماضي، بقرار من مجلس إدارة البنك.

 وفي الواقع، تندرج الاتفاقية الاستراتيجية الصينية – الإيرانية، التي تمتد على مدى 25 عامًا، في محاولة الصين الدخول إلى منطقة المجال الجيو – سياسي لأميركا. وبنت الصين علاقات شراكة مع السعودية، خلال زيارة الرئيس الصيني في كانون الأول/ ديسمبر 2022، شملت 30 اتفاقًا، بما قيمته 50 مليار دولار، إضافة إلى أنّ الزيارة وما رافقها من قمم خليجية وعربية وإسلامية حققت للصين اختراقات مهمة في الشرق الأوسط.

من جهة أخرى، يمكن رؤية الشرق الأوسط بعد الرعاية الصينية للاتفاق السعودي – الإيراني، في ظل تنافس الدول الكبرى في مجالاتها الحيوية، بأنه “لم يعد أرض مواجهة بديلة، بقدر ما أضحى، بفعل ما يحتضنه من ثروات مالية وطبيعية، أشبه بـ “واحة استثماريّة”، حيث تتلاقى مصالح الصين التي تطمح لأن تكون قائدة للشرق، في ضوء انهماك روسيا في حرب الاستنزاف الأوكرانية، ومصالح الغرب التي عززت الولايات المتحدة الأميركية قيادتها له”[6].

ومما يعزز الرؤية السابقة الذكر أنّ الفرصة، التي شكلتها الرعاية الصينية للاتفاق السعودي – الإيراني، لتعزيز القوة الناعمة للصين، على ضوء مبدئها في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وخاصة أنظمتها السياسية المستبدة، لم تجعلها سيدة الموقف في دول مجلس التعاون الخليجي، إذ ما زال للولايات المتحدة الأميركية نفوذ كبير، بفعل الغطاء الأمني الذي توفره للمنطقة، فهل تغامر الصين في تحمّل كلفة هذا الغطاء؟ وهل تعتقد أنها يمكن أن تصبح المورّد الأساسي للسلاح؟

إنّ الخبرات والإمكانيات الصينية في المجالين البحري والجوي متأخرة جدًا عن الأميركية، التي تنتشر قواعدها البحرية في أغلب الممرات المائية، بينما للصين قاعدة واحدة في جيبوتي. ومن جهة أخرى، “لا تستطيع الصين التنافس مع هيمنة واشنطن على سوق السلاح العالمي، إذ بلغت حصة الولايات المتحدة من تجارة الأسلحة العالمية 40  في المئة، بين عامي 2018  و 2022، مقارنةً مع 5.2  في المئة للصين”[7].  غير أنّ الصين تسعى إلى زيادة حصتها في سوق السلاح للدول الخليجية، وتحاول إقامة قواعد عسكرية وتجارية خارج حدودها، وهناك حديث عن إمكانية بناء قاعدة في ميناء خليفة في أبو ظبي.

ذكر موقع (ديفينس أند سكيورتي مونيتورز) أنّ “الصين استغلت عزلة روسيا الاقتصادية التي فرضها عليها الغرب وتورطها في حرب أوكرانيا، والقيود الأميركية على واردات الأسلحة (المتعلقة بحقوق الإنسان ومسائل السياسة الخارجية الأخرى)، وزادت من مبيعاتها للأسلحة لدول منطقة الشرق الأوسط”[8].

ومن جهة أخرى، ثمة مصلحة وطنية صينية لحماية واردتها النفطية من الشرق الأوسط، لذلك ليس مستبعدًا نشر قوات في المنطقة، خاصة أنها تحسب لإمكانية التوتر مع أميركا في بحر الصين الجنوبي حول تايوان، حيث يمكن أن تغلق ممرات نقل موارد الطاقة إلى الصين. ويدرس الصينيون الأمر من منظورين مختلفين: “أولهما، سيكون الحصار البحري الأميركي لواردات الطاقة أقل إثارة لقلق الصين من احتمال اندلاع حرب شاملة مع القوة العظمى التي تنافسها. وقد يكون الاضطراب في أسواق الطاقة العالمية كبيرًا، ولكن من غير المرجح أن يكون العامل الحاسم في أي صدام بين الولايات المتحدة والصين. وثانيهما، لا يدعم الفرق بين التكلفة والفائدة لسيناريو الوجود العسكري الصيني في المنطقة، حتى مع تواصل قلق بكين من فرض حصار أميركي محتمل على واردات الطاقة من الشرق الأوسط؛ حيث يتطلب الأمر من الولايات المتحدة حشد قدرات فعالة وكافية لمواجهة أي انتشار عسكري صيني، وبنفس المقدار أيضًا أي مواجهة صينية للولايات المتحدة”[9]. ولكن لا تبدو الصين مستعجلة، بل تعتمد النفس الطويل، إيمانًا منها أنّ تزايد نفوذها الاقتصادي سيؤدي إلى تنامي انخراطها في أمن منطقة الشرق الأوسط.

ثانيًا: السياسات الصينية تجاه المسألة السورية

فرضت محددات السياسة الخارجية على الصين عدم الانخراط المباشر في المسألة السورية، ولكنها بقيت متناغمة مع الموقف الروسي الداعم للنظام، خاصة في مجلس الأمن الدولي، حيث استخدمت الفيتو 10 مرات لصالح النظام، بزعم أنها مع سيادة الدول وعدم التدخل في شؤنها الداخلية. كما أنها حرصت على اللقاء مع ممثلي المعارضة السورية، إذ استقبلت، في أيلول/ سبتمبر 2011، وفدًا من هيئة التنسيق المعارضة، كان من أعضائه عبد العزيز الخير، الذي اعتقلته أجهزة الأمن السورية عند عودته إلى دمشق في 20 أيلول/ سبتمبر، وما زال رهن الاختفاء القسري، ولم يُعرف للصين أي موقف احتجاجي تجاه هذا السلوك للنظام السوري. إذ من المعروف أنها لا يعنيها سجل الدول في مجال حقوق الإنسان، أو تعاملها مع معارضيها. وفي وقت لاحق، استقبلت برهان غليون رئيس المجلس الوطني، وأحمد الجربا رئيس الائتلاف.

وبعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي 2254، في أواخر عام 2015، أعلنت تعيين مبعوث خاص لسورية، مما عكس تحولًا في التعاطي المباشر مع الأوضاع السورية المستجدة. وبعد التدخل العسكري الروسي المباشر، طوّرت الصين موقفها، حيث جاء في خطاب الرئيس الصيني في جامعة الدول العربية، خلال زيارته لمصر في نيسان/ أبريل 2016، أنّ “الوضع في سورية غير قابل للاستمرار، فلا رابح في الصراع، والشعب هو المتضرر الأول والأخير، وإنّ الأولوية الملحة هي وقف إطلاق النار، والطريق الأساسي لها هو الحوار السياسي، تزامنًا مع إطلاق أعمال الإغاثة الإنسانية”[10]. وقد بدت الرؤية الصينية للحل السياسي واضحة، لجهة التناغم مع رؤية النظام، في أثناء زيارة وزير خارجية نظام بشار الأسد، من 24 – 26 كانون الأول/ ديسمبر 2015، حيث صرّح وزير الخارجية الصيني بأن “الشعب السوري هو الذي يجب أن يقرر مستقبل سورية ونظامها الوطني، بما في ذلك قيادتها”. بل إنه لم يرَ في مطالب الشعب السوري إلا الإرهاب، حيث قال “كل جهود مكافحة الإرهاب يجب أن تلقى الاحترام والدعم”[11]، بما يتوافق مع الرؤية المعلنة لروسيا وإيران ونظام بشار الأسد.

 لقد كانت زيارة وزير خارجية الصين إلى دمشق، في أواسط تموز/ يوليو 2021، بُعيد الانتخابات الهزلية لبشار الأسد، تنطوي على دلالات عديدة منها: تأييد النظام في مواجهة “الإرهاب”، كما عكست اهتمامًا صينيًا مفاجئًا في ظل التوتر مع أميركا، وموقع سورية في مشروع الحزام والطريق، والدور الصيني المحتمل في إعادة الإعمار، والاهتمام الصيني بمتطرفي “الإيغور”.

مكانة سورية في مبادرة الحزام والطريق

تشكل سورية موقعًا مهمًا لامتداد مبادرة الحزام والطريق، لذلك تطمح الصين إلى ربط إيران بالعراق وسورية، من خلال تعبيد الطرق ومد السكك الحديدية وإنشاء الموانئ البحرية. ولكنّ هذا الطموح تكتنفه العديد من المعوّقات النابعة من وجود القوات الأميركية في شمال شرق سورية، والسيطرة الروسية على ميناء طرطوس، والتنافس الروسي – الإيراني على ميناء اللاذقية. وربما تدخّل الصين جعل تهليل النظام السوري بانضمامه إلى المبادرة، خلال زيارة وزير الخارجية الصيني إلى دمشق في تموز/ يوليو 2021، مجرد مبالغات غير واقعية -على الأقل في الأفق المنظور- ما دام المشهد السوري غير مستقر أمنيًا وسياسيًا، ومن هنا، ربما تدخل الصين سباق النفوذ في سورية، بالشراكة مع روسيا وإيران. ومن زاوية أخرى، فإنّ التبادل التجاري الصيني مع سورية محدود جدًا، حيث “بلغ بين عامي 2010 و2012 نحو 3.5 مليار دولار، لكنه انخفض بدءًا من عام 2014 إلى ما يقرب من 210 ملايين دولار، واستمر بالانخفاض بعد ذلك”[12].

ومع توقيع مذكرة تفاهم، في مقر هيئة التخطيط والتعاون الدولي في دمشق، مع السفارة الصينية بالانضمام إلى المبادرة، في أوائل سنة 2022؛ رأى رئيس الهيئة، فادي السلطي، أنّ “الانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق يحمل فائدة كبيرة لبلاده، من خلال نقل التكنولوجيا، وإنشاء مناطق تجارية حرة بين الطرفين وتعزيز العمل الاقتصادي، لا سيما في ظل إبداء الشركات الصينية رغبتها في المساهمة بإعادة الإعمار وتنشيط حركة الأفراد ورؤوس الأموال”. في حين صرّح السفير الصيني لدى دمشق، بأنّ “سورية أصبحت عضوًا جديدًا في أسرة مبادرة الحزام والطريق، وهذه المبادرة لا تفيد الصين وحدها بل كل الدول المشاركة”. أما وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، فقال: “الصين لا تفرض أبدًا أي طريقة للحياة على شعوب الدول، وسورية تثق بها، وتثق بكل ما تقدمه من مساعدات ومواقف على مختلف المستويات”[13]. ولا شك أنّ النظام يأمل أن يوظف السياسات الصينية بما يخدم مصالحه، مستغلًا حاجتها لاستخدامه في مواجهتها مع أميركا، خاصة بعد أن دعمت تسريع عملية الاحتضان العربي لبشار الأسد.

الدور الصيني المحتمل في إعادة الإعمار

إنّ النجاح الصيني في مشاريع البنى التحتية في العديد من دول العالم، خاصة في أفريقيا، يؤهلها لكي يكون لها دور في إعادة إعمار سورية، ولكن من المؤكد أنه يخدم مصالح بعض القوى الفاعلة في سورية، ويتعارض مع بعضها الآخر. إذ اعتبرت دراسة إسرائيلية، أعدها الباحث روي فلنر في مركز بيغن التابع لجامعة بار إيلان، أنّ الأمر يخدم المصالح الإسرائيلية. إذ قال: “إنّ ما يعزز أهمية الدور الذي تلعبه الصين تحديدًا في مشاريع إعادة الإعمار حقيقة أنّ الدول الغربية ودول الخليج لا يمكنها أن تساهم في هذه المشاريع، لأنها ترفض التسليم ببقاء بشار الأسد في سدة النظام، ما يجعل الخيارات محصورة في كل من إيران، وروسيا، والصين.. وأنّ طابع العلاقة بين نظام الأسد والصين يؤهل بكين للتنافس على الاستحواذ على نسبة كبيرة من مشاريع إعادة الإعمار“. وأوضحت الدراسة أنّ “الدور الصيني تتعاظم قيمته في كل ما يتعلق بمشاريع إعادة البناء، جنوب وجنوب غرب سورية، وتحديدًا في الجولان.. وأنّ السماح لإيران بالوصول إلى هذه المناطق، من بوابة إعادة الإعمار، يضرّ بالمصالح الإسرائيلية”[14].

أما القوتان الفاعلتان، أي روسيا وإيران، فستشعران بأنّ الصين ستكون خصمًا لمصالحهما، مما سيجعلها تتردد في المغامرة بمليارات الدولارات في بلد غير مستقر، إذ إنها تمتنع عن المخاطرة في استثماراتها، خاصة بعد خسارة مصالحها في ليبيا. والتحديات التي ستكون أمام الشركات الصينية في سورية كثيرة جدًا، حيث “يضاف إلى المخاطر الأمنية تحديات التشريع، وعدم الاستقرار السياسي، والتسويف، وانعدام النجاعة، التي تزايدت في سنوات الحرب. كما يقلق الشركات الصينية أيضًا الاسترداد المتوقع لاستثمارها، هناك تخوّف معقول من ألا تتمكن سورية من تسديد القروض التي تحصل عليها”[15].

وفي الواقع منذ العام 2017، بدأ بشار الأسد يغازل الصين، استثماريًا، واعدًا إياها بالأفضلية إلى جانب روسيا وإيران.

الاهتمام الصيني بمتطرفي “الإيغور”

كان لأنشطة الجماعات الإسلامية المتطرفة من الجهاديين الصينيين دور في تزايد الاهتمام الصيني في سورية، إذ إنّ عدد مقاتلي الحزب التركستاني وعائلاتهم في إدلب “كان يزيد على 14 ألف شخص في صيف عام 2021، وينتشرون بكثافة في مناطق غربي إدلب وفي المناطق القريبة من الحدود مع تركيا في ريف اللاذقية الشمالي”[16].

وتتخوف الصين من تزايد تطرف الإيغور في إقليم شينجيانغ ذي الأغلبية المسلمة والنزعات الانفصالية في تركستان الشرقية، لذلك تطالب النظام السوري بمنع هؤلاء المتطرفين، الذين اكتسبوا تدريبًا وخبرة قتالية، من العودة إلى الصين مجددًا. خاصة بعدما قامت الولايات المتحدة الأميركية بإزالة الحزب الإسلامي التركستاني من قائمة الإرهاب في أواخر عام 2020، مما أزعج الصين معتبرة هذه الخطوة رسالة ضغط عليها. وقد قام المندوب الصيني الخاص إلى سورية بمهمة التنسيق مع روسيا وإيران، بهدف محاربة متطرفي الحزب في سورية.

وسبق أن زار وفد صيني، “يضم شخصيات تجارية وعسكرية، مقرّ محافظة إدلب التابعة للنظام في مدينة خان شيخون جنوبي إدلب، والتقى الوفد خلال زيارته بداية العام 2021 المحافظ محمد نتوف، وتجول الوفد وبشكل غير معلن في منطقة العمليات القريبة من خطوط الاشتباك مع المعارضة جنوبي إدلب”[17].

كما أوفدت الصين مجموعة من المستشارين العسكريين، وزودت النظام بأسلحة خاصة، للمساعدة في القضاء على هؤلاء المتطرفين الإيغور.

حدود الدور الصيني في سورية

ثمّة اعتقاد بأنّ انشغال روسيا بحربها في أوكرانيا يفتح المجال للصين بملء بعض الفراغ في سورية، مستغلة تقاربها مع العرب وتركيا وإيران وإسرائيل. ولكن يمكن الإحالة إلى تقرير بحثي، أعدّه مركز تحليل وبحوث العمليات (COAR)، في تموز/ يوليو 2022. إذ ورد فيه “حتى بعد أن أصبحت سورية، رسميًا، منذ كانون الثاني/ يناير 2022، جزءًا من مبادرة الحزام والطريق الصينية، لم ينعكس ذلك استثمارًا صينيًا نوعيًا، لا من جانب الدولة، ولا من جانب القطاع الخاص”[18]. إذ لم تبدِ الشركات الصينية استعدادًا للمجازفة في سورية، لأسباب عديدة منها: العقوبات الغربية المعلنة ضد النظام السوري، وانتشار الفساد، ودور أمراء الحرب، وغياب القانون الضامن لحماية مصالح الشركات.

ثالثًا: أهمّ الاستنتاجات

1 – ثمة استنتاجات متسرّعة لتداعيات الرعاية الصينية للاتفاق السعودي – الإيراني، على دورَي الولايات المتحدة الأميركية والصين في الشرق الأوسط، إذ إنّ الصين تدرك أنّ الأساطيل الأميركية هي الحامية لخطوط إمداد موارد الطاقة، ومن هنا ليست في موقع يسمح لها بالحلول مكان أميركا، عسكريًا وسياسيًا وثقافيًا، وهي تدرك أنّ إعادة التموضع الأميركي في المنطقة لا تنطوي على الانسحاب منها.

2 – يبدو أنّ رعاية الصين للاتفاق السعودي – الإيراني، والتوجهات السعودية نحو تمتين علاقاتها مع الصين، جعلت إدارة الرئيس الأميركي بايدن تحاول تدارك الأمر، فأوفدت وزير خارجيتها بلينكن، بهدف طمأنة القيادة السعودية إلى متانة العلاقات الأمنية معها، وغض النظر الأميركي عن العلاقات الاقتصادية مع الصين.

3 – ليس من المستبعد أن تؤدي الانعطافة الصينية نحو الشرق الأوسط إلى التوافق مع أميركا على المصالح المشتركة، طبقًا للسياسة البراغماتية لكلتا الدولتين. خاصة أنّ دول مجلس التعاون الخليجي توازن علاقاتها المتميزة مع أميركا بعلاقاتها المتنامية مع الصين.

4 – يبدو أنّ الاعتبارات الداخلية تُملي على الصين اهتمامها في المسألة السورية، تخوّفًا من خطر انفصال إقليم تركستان الشرقية ذي الأغلبية المسلمة، ووجود متطرفي الإيغور في سورية، واعتقادًا منها بأن لا مصلحة لها في ترك سورية للقوى الدولية والإقليمية الأخرى، وليس أمامها إلا الانخراط، كي تضمن مصالحها مع اقتراب إمكانية الحل، بغض النظر عن مدى إمكانية أن يضمن الحدود الدنيا من حقوق الشعب السوري، إذ إنّ المهم لها هو تأمين مصالحها الاقتصادية، ولا تهتم بالانتهاكات الجسيمة للنظام لحقوق الإنسان.


[1] رفيق خوري: زحام الكبار من جديد على مسرح الشرق الأوسط – الرابط https://2u.pw/uoaMNm7 مايو 2023، شوهد بتاريخ 10تموز 2023.

[2] ثامر محمود العاني: الاقتصاد محور المنافسة الدولية – الرابط https://2u.pw/APgTbcP شوهد بتاريخ 24 أيار/ مايو 2023

[3] المرجع السابق

[4] إنجي مجدي: الحزام والطريق… أي مستقبل لمبادرة “الإغراق في الديون”؟ – الرابط https://2u.pw/gqzvplD شوهد بتاريخ 29 أيار/ مايو 2023

[5] الصين تزيد استثماراتها في دول طريق الحرير – الرابط https://2u.pw/MKni8wo  شوهد بتاريخ 24 أيار/ مايو 2023

[6] فارس خشان: العالم يقرأ “اتفاق بكين” وواشنطن تُحصي مليارات الدولارات! – الرابط https://2u.pw/9rHedzm شوهد بتاريخ 16 آذار/ مارس 2023

[7] مايكل يونغ: توجّه الصين نحو الشرق الأوسط – الرابط https://2u.pw/nYydIxM شوهد بتاريخ 8 حزيران/ يونيو 2023

[8] الصين تبرز كمورد كبير للأسلحة في الشرق الأوسط – الرابط https://2u.pw/9rHedzm شوهد بتاريخ 3 حزيران/ يونيو 2023

[9] يون صن (مدير برنامج الصين في مركز ستيمسون بواشنطن): هل تبني الصين وجودًا عسكريًا في الشرق الأوسط؟ – الرابط https://2u.pw/0RUUWhE شوهد بتاريخ 8 حزيران/ يونيو 2023

[10] محددات العلاقات الروسية – الصينية وتجلياتها في الشرق الأوسط – الرابط https://2u.pw/UEFSwvg شوهد بتاريخ 9 حزيران/ يونيو 2023

[11] محددات العلاقات الروسية – الصينية وتجلياتها في الشرق الأوسط – المرجع السابق.

12 سمير العبد الله: الصين والنظام السوري بين التعاون والتحالف والمخاطر – الرابط https://2u.pw/3gb88gL شوهد بتاريخ 5 تموز/ يوليو 2023، ص 17.

[13] مصطفى رستم: التنين الصيني يخطو أولى خطواته في سورية على “طريق الحرير – الرابط https://2u.pw/jFCbh0  شوهد بتاريخ 7 حزيران/ يونيو 2023

[14] صالح النعامي: الدور الصيني في إعادة إعمار سورية يخدمنا – الرابط  https://2u.pw/9asgR33، شوهد بتاريخ 5 حزيران/ يونيو 2023

[15] هل ستعيد الصين بناء سورية؟ – الرابط https://2u.pw/qFtzVvm شوهد بتاريخ 29 أيار/ مايو 2023

[16] الصين تدعم تصفية الحزب التركستاني – الرابط https://2u.pw/wOxvCA6 شوهد بتاريخ 25 حزيران/ يونيو 2021

[17] المرجع السابق

[18] إياد الجعفري: لماذا لا تستثمر الصين في سورية؟ – الرابط https://2u.pw/RQ6VaS، شوهد بتاريخ 28 أيار/ مايو 2023