ورقة قُدمت في إطار اللقاء الحواري الأول لـ ” صالون الكواكبي – مركز حرمون للدراسات المعاصرة ” حول قضايا ” الدين والدولة والسياسة ” – إسطنبول في يومي 8 و9 تشرين الأول 2016.

 

بداية، لا بد أن نعترف بأنّ بلادنا تضم تعددًا وتنوعًا دينيًا ومذهبيًا يشكل صورة حضارية مشرقة للتنوع والتفاعل والعيش المشترك. ومستقبل سورية لا يستقيم في ظل قيادات تعيش حالة تنافس غير منضبط يمكن أن ينقلب في أي وقت إلى فوضى، مثلما هي حال ساحة المكوّنات الإسلامية والعلمانية، التي تغرق في بحر من الخلافات على الرغم ممّا تدّعيه من وحدة الأهداف، وتؤكده حول وجود خلافات محدودة في أساليبها، لكن الغريب أنها لا تجد ما يكفي من مشتركات تدفعها إلى اعتماد الحوار في علاقاتها، والإقرار المتبادل بحق كل منها في تقديم قراءة مختلفة حول ما تطرحه الثورة السورية من قضايا ومسائل ومشكلات، لأنّ وجوده ضروري لتشكيل فضاء الحرية المفتوح.

 

وفي الواقع تثير إشكالية البديلين الممكنين في سورية ما بعد التغيير جملة تساؤلات: هل ثمة ضرورة لعلاقة ما بين الدين والدولة؟ وإذا كان الجواب نعم كيف تكون؟ وما تجلياتها ومحدداتها وحدودها وإيجابياتها وسلبياتها؟ وأية سلطة ستنشأ في حالة هيمنة الإسلاميين وبالتالي، أي ديمقراطية؟ وما مدى قدرتهم ورغبتهم في احترام الشرعة الدولية لحقوق الإنسان؟ وما الذي يريده العلمانيون على صعيد ماهية الدولة والمواطنة السورية وطبيعة الحكم؟ وما فرص التوافق ومخاطر الصراع بين البديلين الممكنين؟

 

معوّقات الحوار

  • يطرح التوزع بين منطقي العلمانيين والإسلاميين أكثر من سؤال منهجي ومعرفي بخصوص تأصيل مفهوم العلمانية وتوطينه في المجال السياسي السوري، بل إنّ الاجتهاد الأكبر يعود إلى الإسلاميين، برفع اللبس عن مفهوم مفصلي في تشكُّل مجال سياسي مؤثث على التعددية، وحق الاختلاف، والتنافس، والتكافؤ في الفرص، وما إلى ذلك مما هو مندرج ضمن سقف الدولة المدنية.
  • إنّ التحدي الكبير الذي يواجهه الإسلاميون السوريون يتجسد في موقفهم من المساواة بين المواطنين، بغض النظر عن أي معطى آخر: ديني، أو طائفي، أو قومي. بما تقتضيه هذه المساواة من أن تكون مرجعيتهم الإسلامية حاضنة حضارية تتسع لجميع صنوف الاختلاف السياسي والديني داخل المجتمع السوري. وعليه: كيف سيجسدون المرجعية الإسلامية عمليًا؟ وما مكانة الإسلام في دستور سورية المستقبل؟ وما موقع الشريعة الإسلامية في التشريع السوري القادم؟ هل هي أحد مصادر التشريع أم المصدر الرئيس؟ كيف يمكن التكيّف السياسي الشامل مع ما أحدثته الثورة من تغيّرات في الثقافة السياسية السورية؟ أم أنهم يريدون تكييف أهداف الثورة لصالح أهدافهم؟

ولعل التحديات والأسئلة كثيرة، وكلها تتعلق بمفهوم مدنية الدولة، وديمقراطية الحكم، والموقف من مفهوم المواطنة، ومنظومة الحقوق والحريات للجميع من دون تمييز. ويبقى التحدي الأساس المطروح هو النأي بالمسألة الدينية عن صراعات الشرعية السياسية والتجاذبات الأيديولوجية، وتحويلها إلى سياج معياري ضامن للقيم المدنية المشتركة (الديانة المدنية بلغة روسو).

  • أما التحدي الذي يواجهه العلمانيون فهو الاعتراف بأنّ الحالة الإسلامية السورية هي جزء من النسيج الاجتماعي والثقافي والسياسي، فلا يمكن تجاهل وجودها أو التلويح بخطرها من قبل بعض العلمانيين، وذلك لسبب بسيط، هو أنّ الديمقراطية اليوم لا تحتمل أي خطاب إلغائي أو استئصالي لأي من المجموعات السياسية حتى لو اختلفنا معها. على أنّ خطأ التعاطي مع الإسلاميين كتيارات دينية وأيديولوجية جامدة من دون النظر إليهم كحركات اجتماعية وقوى سياسية تؤثر وتتأثر بما يدور حولها، يحرمنا من إمكانية البحث عن فرص التوافق من أجل بناء سورية المستقبل.

 

محدِّدات التجاوز

  • المساواة بين المواطنين، بغض النظر عن أي معطى آخر: ديني، أو طائفي، أو قومي.
  • التكيّف الشامل مع ما أحدثته الثورة من تغيّرات في الثقافة السياسية السورية، وعدّ قيم الثورة السورية مرجعية سياسية لكل القوى التي تريد القطع مع الماضي، وإدخال البلاد نهائيًا في مرحلة ديمقراطية.
  • النأي بالمسألة الدينية عن صراعات الشرعية السياسية والتجاذبات الأيديولوجية، وتحويلها إلى سياج معياري ضامن للقيم المدنية المشتركة.
  • المصالحة بين مجتمع مؤمن ودولة لا دينية، أي دولة تحترم الدين وتصون الحريات الكاملة لرعاياها المؤمنين لممارسة شعائرهم الدينية، المتعددة والمختلفة والمتباينة، من دون أن تتخلى عن مدنيتها.
  • عدم التشجيع على الاستقطاب الأيديولوجي وتقسيم المجتمع على أساسه، وإنما الاشتغال بأدوات الفعل السياسي (بلورة برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية).
  • الدولة ذات وظيفة سياسية بحت، ورهاناتها متعلقة بمصالح الشعب السوري، وعلاقتها مع أطياف المجتمع علاقة تعاقدية. من مقتضياتها أن تكون على مسافة واحدة من المكونات السورية في إطار مفهوم ” المواطنة “، ومن مقتضيات ذلك أن تقف حيادية تجاه الدين.
  • دستور الدولة يفسر طبيعة العلاقة بين الفرد والدولة وهو المرجعية الوحيدة التي يعود إليها الطرفان عند الاختلاف، فليس هناك فرق، على مستوى القانون والواجبات والحقوق، بين الأفراد بسبب لونهم أو إثنيتهم أو دينهم، فجميعهم مواطنون.
  • العمل بمنطق وفاقي والبحث عن أوسع ائتلاف ممكن للانتقال بسورية من حالة الدمار الحالي إلى أفق ديمقراطي أرحب.

 

خاتمة

ثمة احتمالان ينضجان في واقعنا الراهن: احتمال أن نذهب إلى مصالحة تاريخية بين أطراف السياسة والمجتمع، خاصة بين العلمانيين والإسلاميين، تتيح انتقالًا آمنًا نحو نظام ديمقراطي بديل، نقبله جميعًا لأنه من اختيارنا، واحتمال نقيض يعني تحققه ذهابنا من أزمتنا الراهنة إلى حال مفتوح على الاقتتال والفوضى. هذان الاحتمالان هما بديلان تاريخيان للواقع السوري الحالي، يمثل أولهما فرصة وثانيهما كارثة. ولكي يرجح احتمال الفرصة فلنعمل من أجل توحيد جهود كل المواطنات والمواطنين، من أجل بناء مجتمع الحرية والكرامة في سورية المستقبل.