استخدم “حزب الله” وحلفاؤه المتشددون دولة لبنان، كمنصة لدعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد بشكل مباشر، ولكن لم يكن ذلك الاستخدام وحدَه السببَ في الانهيار الاقتصادي غير المسبوق في البلاد. فمع تزايد مكانة لبنان كدولة منبوذة، واستمرار دعمه غير المباشر لدمشق، على الرغم من وضعه المزري، يبدو أن مصير لبنان بات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمصير سورية.

منذ عام 2011، اشترك لبنان في المواجهة الإقليمية بين إيران من جهة، ودول الخليج والولايات المتحدة من جهة أخرى، حيث تزوّد إيران الأسدَ بإمدادات ثابتة من ذخائر المدفعية، عبر وكيلها “حزب الله”، الذي تجاوز سياسةَ الحكومة اللبنانية: النأي بالنفس عن المشكلات المحيطة، التي صوتوا عليها عام 2012. إن دعم حزب الله للأسد، على الرغم من اعتراضات السكان السنّة في لبنان، جعل العلاقات مع الدول العربية تزداد سوءًا، وقد باتت هذه العلاقات متوترة بالفعل، منذ اغتيال رفيق الحريري (رئيس الوزراء اللبناني) عام 2005، حيث يُحاكم في تلك القضية أعضاء من الجماعة المتشددة (حزب الله).

في عام 2016، تسبّب حسن نصر الله (الأمين العام لحزب الله) في تفاقم علاقات لبنان مع دول الخليج، إذ هاجم السعودية في تصريح علني، قائلًا: “ستُهزَم عائلة سعود في اليمن”، في إشارة إلى التدخل الذي تقوده السعودية في اليمن. وفي العام الماضي، هدد نصر الله الرياض أيضًا مخاطبًا إياها بأن الحرب مع إيران “ستدمركم”. ولا يزال “حزب الله” مصنفًا على أنه منظمة إرهابية أجنبية، وفي عام 2019، وضعت واشنطن أعضاء الجماعة المتشددة الموجودة في البرلمان على قائمة العقوبات الخاصة بمكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية أيضًا.

مع اقتراب انتهاء الحرب في سورية، أكدّ “حزب الله” وحلفاؤه الموالون لسورية، وتحديدًا حركة (أمل) والتيار الوطني الحر، أن بإمكان لبنان أن يكون شريان الحياة الاقتصادية لسورية. وعلى مدى الأعوام القليلة الماضية، زوّد لبنان دمشق بالنفط والدقيق المدعوم، وتسبب ذلك في تراجع احتياطيات لبنان من العملات الأجنبية المتناقصة بالفعل.

حتى أيار/ مايو، كانت الشركات السورية تستخدم لبنان كمركز عبور، قبل إعادة تصدير بضائعها إلى دمشق، بحسب مقال نشرته (العربية) حديثًا. ويعتقد خبراء اقتصاديون (تحدثوا إليّ بشرط عدم الكشف عن أسمائهم) أن هناك كمية من النفط المدعوم المستورد إلى لبنان، تراوح قيمتها بين 2 إلى 3 مليارات دولار، تم تهريبها إلى سورية عام 2019. وعلى الرغم من الانهيار الاقتصادي ونقص الدولار في لبنان، منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وامتثال الحكومة لقرار دعم السلع الأساسية، ما يزال تهريب الديزل (المازوت) والطحين إلى سورية مستمرًا. كما أكد الصرافون الذين تحدثت إليهم أنهم كانوا يوفرون احتياجات العملة للبنان ولسورية أيضًا. وعزوا الانخفاض الكبير الذي أصاب قيمة الليرة اللبنانية في آذار/ مارس، إلى التحويلات المستمرة إلى سورية. (محمد) صراف أموال، قال لي: “نحن لا نتحدث عن بضع مئات من الدولارات يرسلها عمّال سوريون، بل عن ملايين الدولارات، ومثل هذه العمليات لا تتم في لبنان من دون دعم سياسي كبير”.

لم تقلل التجارة غير القانونية مع دمشق احتياطيات لبنان من العملات فحسب، بل فاقمت العلاقات المتوترة بالفعل مع واشنطن، التي توسع تطبيق قانون قيصر ليشمل الشركات اللبنانية العاملة في سورية. ويهدف قانون قيصر (الذي سمّي على اسم مصور عسكري سوري قام بتسريب حوالي 55 ألف صورة لأشخاص عذبهم وقتلهم نظام الأسد) إلى معاقبة أولئك الذين يدعمون الأسد، والذين يعملون في صناعات سورية محددة، مثل البناء والطاقة والعسكرية. وأخبرني مصدر مقرب من إدارة ترامب أن الإجراءات الجديدة ستطبق بشدة على لبنان، ما لم يحترم المبادئ الواردة في ذلك القانون.

في مثل هذه المرحلة الحساسة، يواجه “حزب الله” ما يعده مؤامرة غربية وعربية ضده وضد محوره، ولا يرغب -بأي شكل من الأشكال- في تعديل حكومة حسان دياب، رئيس الوزراء، على الرغم من سجله السيئ. وفوق ذلك، فشلت الحكومة في تمرير قانون رأس المال الذي تشتد الحاجة إليه، لوضع حد للسيطرة التعسفية على التدفقات الخارجية التي تفرضها البنوك.

المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لم تصل إلى أي نقطة، مع أن أكثر من نصف السكان يعيشون اليوم تحت خط الفقر. فرضَ التحالفُ الذي يسيطر عليه “حزب الله”، ومناصراه “التيار الوطني الحر” و”حركة أمل”، وهما حليفان لا تستطيع الجماعة المسلحة الاستغناء عنهما حتى في ظل تهم الفساد، حكومةَ دياب في كانون الثاني/ يناير. وعلى الرغم من أن مجلس الوزراء يضم تكنوقراطيين محترمين إلى حد كبير، مثل غازي وزني ودميانوس قطّار، فإن مشاركتهم أظهرت أنهم لا يتمتعون إلا بقليل من الحرية للعمل من دون الداعمين السياسيين الأساسيين لحكومة دياب.

تبقى أولوية “حزب الله” موجهة إلى الخارج. وستستمر في تبني مواقف أكثر جذرية، ليكون قادرًا على إدارة أجندته الإقليمية. ومع ذلك، يتلاشى كل يوم وجود أي أمل لإيجاد أي حل، ومع تزايد تشابك مصير لبنان مع مصير سورية، سيزداد الوضع بؤسًا. في المستقبل المنظور، على الأقل، سيظل مصير لبنان، ما دام ضمن “محور المقاومة” الذي ترعاه إيران، دولةً منبوذةً من دون أي آفاق فورية لإصلاح حقيقي.

اسم المقال الأصليLebanon’s fate appears to be irreversibly tied to Syria
الكاتبمنى علمي،Mona Alami
مكان النشر وتاريخهالمجلس الأطلسي،Atlantic Council، 20 تموز/ يوليو 2020
رابط المقالhttps://bit.ly/32T1Cnn
عدد الكلمات743
ترجمةقسم الترجمة/ أحمد عيشة