أثمرت إخفاقات المشرع القومي المتعددة والمتنوعة نغمة ما تنفك تتسع حول نهاية فكرة العروبة، ولا شك أن أعداء العروبة يتحصنون خلف وقائع وأحداث، بل وشخصيات، تؤكد نزوعهم الأيديولوجي المعادي للعروبة، دون أن يستاءلوا ما إذا كانت هذه الوقائع والأحداث والشخصيات عناصر ثابتة، وما هوية تنفي الواقع الأكبر الذي هو العرب.

قد نقف موقف النقيض المطلق لدعاوى أعداء العروبة من بعض المثقفين والسياسيين، ولكي ندلل على صواب هذا، نبدأ بالسؤال: ما العروبة؟

العروبة قبل كل شيء وعي بالانتماء القومي، نشأ واستمر استنادًا إلى واقعة موضوعية هي العرب، فلو لم يكن هناك مفهوم العروبة عن تخيل ما أو وهم ما أو نزعة أيديولوجية زائفة، فإذا انطلقنا من علاقة الوعي بالواقع وأولوية الواقع على الوعي قلنا: العروبة وعي بالواقع، مصدره الواقع، ثم هو وعي صحيح بالواقع وليس زائفًا، صحته ناتجة عن تطابق الدال بالمدلول، أي أن المفهوم هنا يشير إلى واقع موضوعي، له دلالة في العالم الخارجي، ولأن العروبة مفهوم فهو كلي، ومعنى كلي أن يشير إلى صفات جوهرية واقعية، والصفات الثانوية لا تُلغيه.

العروبة كمفهوم كلي، يشير إلى الماهية، ولا يعني الاختلاف، فإذا كانت العروبة وعي العربي بهويته، أي بالانتماء، فإن واقع العربي المتعدد والمتشرذم هو أمرٌ يؤكد اختلاف يقين هذا المفهوم الماهوي.

ينطلق أعداء العروبة من الاختلاف الذي تسعى القوى النابذة، السياسية بشكل خاص، لجعله واقعًا أبديًا، فيتعاملون مع سياسية النذر على أنها الواقعة الأصلية، كأن يُقال، إن هذه الدويلة أو تلك، تُدرِّس تاريخها الخاص، وترفع من شأن رموزها القطرية، وتعمل على غول اقتصادها المحلي، وترسم حدودًا صارمة لجغرافيتها، دستور حدودها السياسية بإجراءات صارمة تحول دون انتقال العرب من هذه الدويلة إلى تلك، كل ذلك صحيح فعلًا، وهذه وقائع لا سبيل إلى نكرانها، ولكن كل ذلك يجري ضد إرادة السكان الذين تتمكن منهم واقعة الانتماء الكلي للعرب.

أكبر مثال على تناقض الوقائع السالبة للعروبة والعروبة بوصفها وعيًا موضوعيًا إنما يظهر في الموقف من فلسطين. فالشعب العربي عاش الانتفاضة من حيث هي أمر يخصه، وجزء لا يتجزأ من وعيه بحاضره، أي أنه اندمج مع الانتفاضة بشكل كلي. إنها ليست حدثًا خارجيًا يتعاطف معه، بل حدث داخلي يؤرقه، فيما تتعامل أغلب السلطات السياسية مع الانتفاضة كحدث خارجي قد يخلق التعاطف والتأييد، لكن المسافة تظل كبيرة بين الانتفاضة والوعي الرسمي لها.

ولا شك أن العروبة هي الآن وعي بالانتماء يتعرض لعوامل عنيفة من الفعل، ولم يتحول بعد إلى قوة روحية مسيطرة على الموطن العربي بحيث تنشأ الممارسات العملية كثمرة له.

ولأن العروبة على هذا النحو، تبدو مرتبطة بالأهداف المستقبلية كالوحدة والتوحيد، والكفاح ضد العدو القومي وإزالة “إسرائيل”، وخلق السوق العربية المشتركة… الخ.

ومرة أخرى نقول من الصعب على مجموعة من الناس أن تخلق أهدافًا مشتركة دون أن ننطلق من وحدة مصالح واقعية، مصالح مؤسسة على فكرة الانتماء.

وقد يُقال إن البشرية كلها قد تخلق أهدافًا مشتركة، كالحفاظ على البيئة، ومقاومة الأمراض الكونية، والقضاء على الفقر، وتأكيد السلم العالمي… الخ. وكل ذلك صحيح، ولكن يجب أن نُميّز بين الأهداف الخاصة المرتبطة بجماعة من الناس، والأهداف العامة المرتبطة بكل الناس، فالوحدة العربية مثلًا ليست هدفًا للألماني أو الروسي أو الأنغولي،  والسوق العربية المشتركة لا تعني الياباني والأميركي.

بل على الضد من ذلك، إن الأهداف الناتجة عن فكرة العروبة تواجه عوامل عالمية نابذة لها، فأوربا منذ العصور الحديثة تقف ضد توحيد المنطقة العربية، والولايات المتحدة تبذل كل قصارى جهدها للحيلولة دون قيام تجمع عربي إقليمي واحد، وأميركا تحافظان على “إسرائيل” ضد أية إمكانية لاستئصالها من عالمنا. بل إن بعض الدول لم تستعمر في الوطن العربي هي في حقيقة الأمر ضد السوق العربية المشتركة وضد ثورة صناعية فيه، كاليابان مثلًا، لأنها في هذه الحالة ستخسر سوقًا مهمة لتصريف سلعها الصناعية.

والعروبة بوصفها وعيًا للانتماء تشكل عصبية، بالمعنى الخلدوني لهذه الكلمة، تخلق وحدة الآلام والآمال. فمن الصعب على أحدٍ أن ينكر أن تأييد الشعب العراقي في رفع الحصار الذي كان مفروضًا عليه في زمن حكم صدام حسين، ما كان ليكون عامًا في أوساط أبناء العربية لو لم تكن هناك عصبية توحد هؤلاء الأبناء. الموقف السلبي من النظام السياسي الحاكم لم يحل دون انتشار ظاهرة العداء للولايات المتحدة وبريطانيا، الدولتان اللتان فرضتا هذا الحصار على شعب العراق.

وكيف نفسر قيام اللجان العربية لدعم الانتفاضة في كل أنحاء الوطن العربي، وكيف نفسر تبرعات الأفراد لأهل فلسطين، كيف نفسر تأييد جميع أبناء العروبة لعودة الجزر العربية إلى الإمارات، ومن ثم تعاطف الشعوب مع قورات بعضها منذ عشر سنوات وحتى اليوم، حتى لو كانت مشلولة وغير قادرة على التأثير، أو صاحبة صوت منخفض.

إن كل ذلك لم يكن ممكناً دون النظر إلى العروبة كعصبية قومية هي أرفع من كل العصبيات المحلية. بل هناك مثالٌ ساطع على العروبة كعصبية رغم نقدنا الظاهر والباطن له، ألا وهو الجامعة العربية.

فالجامعة العربية ليست تجمعًا جغرافيًا وليست تجمعًا اقتصاديًا، إنها قبل كل شيء تجمع عروبي، بل ونقدنا الدائم للجامعة العربية إنما هو من قبيل الدعوة للارتقاء بالعصبية العروبية إلى مستوى أكثر فاعلية ليعبر عن هذه العصبية بصورة أكبر.

وحتى النظام السياسي للدويلات العربية لم يستطع أن يتجاهل هذه العصبية، وإلا كيف نفسر انعقاد مؤتمرات القمة العربية ووزراء الإعلام العرب ووزراء الثقافة العرب… الخ.

والآن لنتساءل: لماذا لم تتحقق أهداف العروبة؟ وأهداف العروبة هي الوحدة القومية، وإيجاد معادل سياسي للعصبية القومية؟ والحق أن العصبية القومية إذا لم تتحقق في عصبية سياسية تظل عصبية ضعيفة وغير فاعلة، وغير مُعبّرة عن الكل القومي.

من المرجّح أن تكمن المشكلة في الشرط التاريخي لقيام الدويلات العربية، حيث لم تستطيع هذه الدويلات أن تنجز الهدف الأكبر للعروبة ألا وهو الأمة – الدولة.

فالدويلة العربية الراهنة هي ثمرة شروط عربية كان فيها العرب قومًا ناقدين للإرادة الحرة الفاعلة والواعية بالمعنى التاريخي للكلمة، زيادة في ذلك، أن النخب السياسية القديمة لم تصل إلى مستوى الوعي التاريخي بالأمة – الدولة.

وهكذا ترابطت مصالح الاستعمار التقليدي مع مستوى وعي تاريخي متدنٍ للنخب العربية فنشأت الدويلات المتعددة خارج فكرة الأمة الدولة، وظل العامل الخارجي حاميًا لوجود الدويلة بكل الأشكال الممكنة، مضيفًا إلى ذلك زرع الكيان العنصري ـ الصهيوني في قلب الوطن العربي.

ولما كانت السلطة بالأساس عصبية ما، ولما كانت عصبية الدويلة عصبية مناطقية عشائرية طائفية… الخ. ظلت العصبية الحافظة للوجود الدويلة متمسكة بعصبيتها، وهائلة دون الشروط التي تنقل العصبية إلى عصبية قومية.

ناهيك عن أن من شيمة سلطة الدويلة الاستمرار والبحث عن شروط الاستمرار، وهكذا حالت الدويلة ذات العصبية الضيقة والمدعومة بفعل عامل خارجي، والمسورة باعتراف عالمي، دون تحقيق هدف العروبة الأول: الدولة – الأمة.

وليس هذا بدليل على فشل العروبة أو نهايتها كي يودعها هذا أو ذاك من إيديولوجيي الدويلة القطرية، بل هو دليل على معاندة الدويلة القطرية للمعقولية التي تنطوي عليها فكرة العروبة.

وبمجرد أن نطرح المسألة من زاوية الشروط السياسية المعاندة للعروبة وأهدافها، فإن العقل السليم يعترف مباشرة بأن واقعة العروبة وأهدافها موضوعية، وإلا لماذا هذا الجهد الاستعمار والجهد السلطوي للحيلولة دون تحقيق هدف لو لم يكن ناشئًا أصلًا من واقعة وجود العرب كتجمع إنساني قومي مشترك؟

إذًا، العروبة كوعي قومي تجسد في أهداف سياسية هي الآن أكثر تطابقًا مع واقع الحال من مرحلة نشوئها.

فإذا كانت في مرحلة النشوء تعبيرًا عن وعي النخب السياسية والثقافية لتجاوز واقع حال الحرب في نهاية الدولة العثمانية وما بعد ذلك، فإنها الآن تعبير عن وعي العدد الأكبر من كل فئات السكان والذين يتوازون على مستوى رفيعٍ من الوعي برفض هذا الواقع الذي كرسته الدويلة القطرية، وهم أكثر وعيًا بالأسباب الخارجية التي تحول دون تحول العرب قوة إقليمية ذات شأن في هذا العالم.

ولا شك أن خطاب العروبة يحتاج إلى تجديد بما يتوافق مع شروط العرب الراهنة والشروط العالمية، وليس إلى رخصٍ ووداع مأساوي كما يريد البعض.