المحتويات

مقدمة

ثانيًا: الحالة الصحية للمرأة السورية

ثالثًا: الحالة التعليمية للمرأة السورية

رابعًا: الحالة النفسية الاجتماعية للمرأة السورية

خامسًا: استنتاجات إجرائية وتفصيلية للبحث العلمي

1- في الصعيد الصحي للمرأة

2- في الصعيد المعيشي للمرأة

3- في الصعيد التعليمي للمرأة

4- في الصعيد النفسي الاجتماعي للمرأة

5- في الصعيد الاجتماعي

 

مقدمة

تركت الحرب السورية _وما تزال_ آثارها السلبية في بنية المجتمع السوري، وعرضت الأمن الإنساني لخطر متزايد. تخريب ودمار وقتل وتشريد وتهجير، تلك هي سمات الحرب التي يشنها النظام السوري منذ ست سنوات -وما يزال- ضد السوريين بشرائحهم كافة. وعلى الرغم من خطر هذه الحرب الممنهجة، وملازمتها حياة السوريين، والمعاناة والآلام الكبيرة التي تسببها؛ بقيت المرأة السورية في ظل هذه الحرب بعيدة عن الدراسة والتشخيص بوصفها طرفًا يعد الأكثر ضعفًا وتأثرًا بما يجري، وبخاصة أن أعداد الإناث في المناطق التي تحت سيطرة النظام بلغت 65 في المئة في المئة من مجمل فئات المجتمع السوري، بسبب هجرة الذكور إلى الخارج هربًا من الخدمة الإجبارية في ميليشيات النظام العسكرية.

لم تلق المرأة السورية الاهتمام الكافي في ظل هذه الحرب، لغياب المؤسسات الاجتماعية المتخصصة بالمرأة في المجتمع السوري، تسبب ذلك في ضعف في الدراسات العلمية الأكاديمية التي يفترض إجراؤها لما لنتائجها من مخرجات وتوصيات تخدم واقع المرأة السورية، وتسهم في حل مشكلاتها في زمن الحرب والسلم على حد سواء.

أما أهمية هذه الورقة البحثية فتأتي مما تعرضه من إحصاءات قد تفيد الباحثين، وتحفزهم في مراكز البحوث والدراسات والمعنيين كلهم بالانعكاسات الاجتماعية للحرب في واقع المرأة السورية، بحيث تسهم أكاديميًا في وضع آليات مؤسساتية لحماية النساء السوريات المستفيدات من القوانين الدولية التي يمكن أن ترفع حيف واقع الحرب عليها من جهة، وتساعد من جهة أخرى في تمكين المرأة اتخاذ قرارها بنفسها، وبذلك يمكن أن تحمي نفسها وأطفالها وأسرتها من الوقوع في دائرة التهميش والفقر أو الانزلاق في هاوية الانحراف والجريمة.

واستنادًا إلى ما سبق تحددت أهداف هذه الورقة البحثية بالإجابة عن التساؤل الآتي: ما أبرز الآثار المباشرة وغير المباشرة للحرب في سورية في حالة المرأة السورية في مناطق النظام؟.

من خلال إظهار العلاقة السببية بين حروب النظام الداخلية بعدّها (متغيرًا مستقلًا) سببًا، في حدوث أهم الآثار المباشرة وغير المباشرة في حياة المرأة (متغيرًا تابعًا) أي النتيجة، وتحديدًا في الجوانب الاجتماعية، والمعيشية، والتعليمية، والنفسية، والصحية.

وقد اعتمدت هذه الورقة منهجيًا على مجموعة من التقارير والدراسات الميدانية لاستنباط أهم الجوانب المتعلقة بالحرب وانعكاساتها في المجتمع السوري عمومًا وفي المرأة خصوصًا.

لقد أدت الحرب في سورية إلى أضرار مباشرة وغير مباشرة في واقع المرأة السورية، نذكر منها ما يأتي:

العنف المباشر والمتمثل بـ (القتل والاغتصاب، والإتجار بالنساء، والعوق)، والعنف غير المباشر المتمثل بـ (الترمل، والفقر، والانحراف، والبطالة، وانخفاض المستوى التعليمي).

ولتحديد آثار هذه الحرب في المرأة السورية، سوف نتطرق إلى الآتي:

أولًا: الحالة المعيشية للمرأة السورية على الرغم من غياب البيانات المتاحة عن حجم التكاليف التي سببتها الحرب في المستويين الاقتصادي والاجتماعي خلال السنوات الست الماضيات للمجتمع السوري، إلا أن مؤشرات تلك التكاليف تبرز من خلال الواقع الاجتماعي المتردي، ويشمل (الخدمات الصحية والتعليمية والخدمية).

وأبرز مظاهره تتمثل في: زيادة نسبة النساء المُعيلات لكي تغطي العجز الحاصل في ميزانية الأسرة، ثم إن حالات فقر المرأة وصلت إلى معدلات غير مسبوقة، مع تزايد عدد الأرامل في المجتمع السوري، فضلًا عن تعرض كثيرات منهن إلى البطالة أو التشرد أحيانًا بسبب أوضاع تلك الحرب التي كان لها آثارها الواضحة والكبيرة في الوضع الاقتصادي للمرأة عمومًا، وحقوقها ووضعها التنموي خصوصًا.

ويمكن أن نجمل آثار الحرب في الوضع الاقتصادي للمرأة ببروز ظواهر جديدة، بمثل: (الأسر التي تعيلها نساء، تأنيث الفقر، ازدياد بطالة النساء، ودخول المرأة السورية في أعمال جديدة كانت مقتصرة على الرجال بمثل العمل في المطاعم والبيع على العربات المتجولة في الشوارع).

وتجاه تلك التركة الثقيلة التي ولدتها الحرب وغياب المؤسسات المتخصصة التي يُفترض في حال وجودها أن تستقرئ استقراء صحيحًا، وضع المرأة السورية عمومًا، والمرأة المُعيلة خصوصًا في توافر تسهيلات كافية للمرأة على النحو الذي يمكنها من تحقيق هدفها في إعالة الأسرة من دون الوقوع في شباك الفقر، أمر دفع كثيرات منهن إلى العمل في الأعمال الهامشية أو الانزلاق في الأعمال المنحرفة وأحيانًا الإجرامية.

بلغ عدد المهجرين في الداخل السوري أكثر من سبعة ملايين سوري، يعيشون حياة الكفاف في المباني المهجورة والمدارس وبيوت الأقارب الضيقة، وهناك بعض الأسر عالقة في أحياء معزولة بسبب الحواجز المسلحة، بعيدة عن متناول يد المنظمات الإغاثية، تعيش في أوضاع قاسية من نقص الغذاء والدواء، وتتعرض للجوع والمرض.

ففي صعيد الآثار الاقتصادية لحرب النظام في سورية، نجد تفككًا كبيرًا في بنية القطاع الصناعي، وإفلاس كثير من المشروعات، وهرب رؤوس الأموال إلى الخارج، إضافة إلى عمليات النهب والسلب للأصول المادية، وأدت المعارك المسلحة إلى تشوه المؤسسات الاقتصادية نتيجة تكوّن اقتصاد سياسي جديد يتسم بانتشار اقتصادات العنف التي تمتهن حقوق الإنسان والحريات المدنية وحقوق الملكية وسيادة القانون، وقد بلغت الخسائر الاقتصادية الإجمالية نتيجة الحرب حتى نهاية عام 2013 حوالى 143.80 مليار دولار أميركي، وترافق ذلك بزيادة في أسعار المستهلك بمعدل 1690 في المئة للخضار، ونسبة 1310 في المئة للفواكه، ونسبة  1180 في المئة للألبان والأجبان، ونسبة 1100 في المئة للحوم، ونسبة 1260 في المئة للمشروبات الغازية، و330 في المئة للألبسة و760 في المئة للمواصلات منذ بداية عام 2011 حتى نهاية 2016، إذ ارتفعت أسعار السلع الغذائية مجملها بمعدل 275 في المئة وارتفعت أسعار التدفئة ووقود الطهي بمعدل 300 في المئة، وربطة الخبز من 15 ليرة إلى 50 ليرة سورية مع انخفاض وزنها من 1800 غرام إلى 1300 غرام، ومن ثَمَّ فإن تضخم الأسعار ضغط على ميزانيات الأسر التي تعاني معاناة متزايدة فقْد فرص العمل والفقر والنزوح([1]). إضافة إلى مغادرة سورية 12 في المئة من سكانها مع نهاية 2013، ثم إن حوالى نصف السكان (45 في المئة) ترك مكان إقامته الأصلي المعتاد، وكان حوالى ثلث السكان قد نزح من منزله بزيادة قدرها 1.19 مليون نازح خلال النصف الثاني من عام 2013، وغادر البلاد 1.54 مليون شخص مهاجرين إلى خارج سورية، إضافة إلى 2.35 مليون شخص نازحين داخل سورية ([2]).

وقد شهد عام 2015 تراجعًا كبيرًا في الاستهلاك العام بلغ 33.1 في المئة مقارنة بعام 2014، وتراجعت حصته من الناتج المحلي الإجمالي من 46.5 في المئة في عام 2013 إلى 31.6 في المئة في عام 2015، الأمر الذي يعكس سياسات حكومة النظام السوري في خفض الدعم للمواد الغذائية الرئيسة الذي أسهم في زيادة أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساس.

وارتفع معدل البطالة من 14.9 في المئة في عام 2011 إلى 52.9 في المئة في نهاية عام 2015، فقد بلغ عدد العاطلين عن العمل 2.91 مليون شخص، منهم 2.7 مليون فقدوا أعمالهم خلال الحرب، ما يعني فقد مصدر رئيس للدخل والتأثير في معيشة 13.8 مليون شخص ([3]).

وقدرت نسبة الفقر في سورية 86.7 في المئة عام 2016، مع تقدير حاجة الأسرة متوسطة الحجم (5) أشخاص بحوالى 200 ألف ليرة شهريًا، لتكون عند حدود خط الفقر العالمي، علمًا بأن راتب الموظف السوري ما بين (20 – 50) ألف ليرة سورية فقط.

وبذلك يمكن الحديث عما يمكن أن نسميه (الفقر المركب) للمرأة السورية، أي فقر (التكوين والتمكين)، وينتج فقر التكوين من تعرض المرأة السورية للصور العنفية المختلفة (الجسدية، والنفسية، والجنسية) التي تسبب خللًا في قدرات المرأة الجسدية والعقلية والنفسية، ما ينعكس في قدراتها على العمل أو الإنتاج أو التعليم، وأحيانًا تتعرض إلى الاستبعاد أو نبذ المجتمع لها، مثال ذلك: (تعرضها للعوق أو للخطف أو الاغتصاب، أو للعنف الأسري وأحيانًا الطلاق، ما يؤدي إلى خلق عوق نفسي أو جسدي ينعكس في قدرتها على العطاء)، وهذا ما يلحظ لدى النساء الناجيات من المعتقلات.

أما فقر التمكين فغالبًا ما ينتج من تعرض الأسر للتهجير والبطالة والفقر، ما يدفع بعضهم إلى إجبار بناتهم على ترك الدراسة بمراحلها المختلفة، وخصوصًا الأسر ذات الجذور الريفية، وتزويج بناتها في سن مبكرة للتخلص من نفقاتها، وبذلك تحرم الفتيات أغلبهن من الحصول على مؤهلات علمية تساعدهن في الحصول على عمل ملائم، ومن ثم افتقار المرأة السورية إلى القدرات والمهارات الفنية والعلمية التي تمكّنها من الدخول في سوق العمل مستقبلًا، وبخاصة تلك النساء اللواتي أوصلتهن الحرب إلى الترمل أو الطلاق أو فقد المُعيل أو العوق، حتى وجدن أنفسهن لا يمتلكن الخيارات الصحيحة، وغير قادرات على إعالة أنفسهن أو أسرهن، ما دفعهن إلى زج أبنائهن وبناتهن في العمل في سن مبكرة، واضطرت بعضهن إلى العمل في الأعمال الهامشية أو في التسول، فيصبح حينها الفقر متوارثًا أو ما يسمى (دائرة الفقر) .

وتبين الإحصاءات أن أكثر من نصف السكان يعيشون في حالة فقر، إذ أن 7.9 ملايين نسمة دخلوا في دائرة الفقر منذ بداية الحرب منهم 4.4 مليون نسمة دخلوا في دائرة الفقر الشديد، ووصل معدل البطالة إلى 64.8 في المئة، إذ خسر أكثر من 2.33 مليون نسمة وظائفهم، ما عرّض حوالى (10) ملايين شخص للخطر، في الحالة المعيشية كان هؤلاء المشتغلين يعيلونهم، وارتفاع معدل البطالة ارتفاعًا حادًا ليصل إلى 54.3 في المئة، أي إن 3.39 مليون شخص عاطل عن العمل، الأمر الذي أدى إلى فقد المصدر الرئيس لدخل 11.03 مليون ([4]).

وفي دراسة ميدانية لصندوق الأمم المتحدة للسكان على عينة من النساء المهجرات والمقيمات في مراكز الإيواء في مدينة دمشق، أجابت نسبة 82 في المئة أن الأوضاع المعيشية أصبحت أسوأ مما قبل عام 2011، و94 في المئة دخلهن غير كاف للمعيشة الضرورية، ونسبة 83 في المئة أكدت أن دخل الأسرة أصبح أسوأ مما قبل 2011، ونسبة 88 في المئة عاطلة عن العمل، و73 في المئة يعشن من المساعدات التي تقدم لهن في مراكز الإيواء.

ومع استمرار الحرب والركود الاقتصادي والدمار في سورية، قدر معدل الفقر العام بحوالى 85.2 في المئة في عام 2015 مقارنة بحوالى 83.5 في المئة في عام 2014. وبلغت نسبة من يعيشون في فقر شديد 69.3 في المئة من السكان، وهم غير قادرين على تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم الأساسية الغذائية وغير الغذائية، كما بات نحو 35في المئة من السكان يعيشون في فقر مدقع غير قادرين على تأمين الحد الأدنى من حاجاتهم الغذائية الأساس، ويزداد الوضع سوءًا في المناطق الساخنة عسكريًا ([5]).

 

 

ثانيًا: الحالة الصحية للمرأة السورية

يمكن ملاحظة خطر الحرب في سورية على الواقع الصحي للمرأة من جانبين أساسين:

الأول: يكون انعكاسه مباشرًا في الواقع الصحي للمرأة، وذلك من خلال صور العنف المختلفات (بمثل القتل، والجروح، والحروق والتشوهات الخلقية، والعوق الجسدي الدائم نتيجة الأضرار المباشرة للأسلحة المختلفة التي تستخدم في أثناء الحرب، فضلًا عن عمليات التهجير القسري وما ينتج منه من عنف جسدي ونفسي -وأحيانًا جنسي- يطال المرأة السورية في المناطق التي تدخلها قوات النظام السوري والقوات العسكرية الطائفية الحليفة بمثل (حزب الله) اللبناني و(الميليشيات الشيعية العراقية والإيرانية) وغيرها، وفي مخيمات اللاجئين أيضًا، وبخاصة التي تقع تحت سيطرة النظام في مدينة دمشق واللاذقية وطرطوس، كذلك تتعرض النساء والفتيات أغلبهن لأوضاع بيئية غير صحية وغير آمنة.

الثاني: تظهر الانعكاسات غير المباشرة للحرب في الواقع الصحي للمرأة بتدمير المرافق الخدمية أغلبها، من ماء للشرب، وكهرباء، وصرف صحي، وتلوث البيئة، وغياب الغذاء والدواء نتيجة لتحويل موارد المجتمع السوري أغلبها إلى التسلح، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب الرعاية الصحية عمومًا وصحة المرأة خصوصًا، إذ تقلّص الرعاية الصحية، ومكاسب الأمومة، ورعاية الطفولة، وتعليم الأطفال والفتيات، ونبذها جانبًا، وعدّها من القضايا الثانوية مقارنة بتأمين مستلزمات الأمن الوطني للنظام.

ومن بين الآثار التي تركتها الحرب في سورية في القطاع الصحي ما أظهرته الإحصاءات الأخيرة من تراجع نسبة الأطباء إلى السكان من طبيب واحد لكل 661 عام 2010 إلى طبيب واحد لكل 4041 مواطنًا بحلول حزيران/ يونيو 2013، وطال التأثير 593 مركزًا للرعاية الصحية الأولية، وهي التي كانت تعد المصادر الرئيسة للأدوية لمن لديهم أمراض مزمنة، إذ خرج 359 مركزًا من الخدمة، وأصبح 203 منها غير آمن، وتضرر 31 مركزًا، و61 من أصل 91 مستشفى عامًّا، وخرج كليًا 45 في المئة منها من الخدمة، وتضرر 53 مستشفى خاصًا([6])، عدا تدمير شبه كامل للمستشفيات والنقاط الطبية التي تقع في المناطق المحررة.

وتعد النساء الفئة الأكثر تعرضًا للخطر نتيجة انخفاض عدد الولادات التي تخضع لإشراف طبي متخصص، وغياب القدرة على الحصول على خدمات ما قبل الولادة وما بعدها، بينما يواجه الأطفال معدلات تلقيح منخفضة، وتقهقرًا في الحالة الغذائية وتناميًا في أعداد الأمراض المعدية وحالات الإسهال وازدياد نسبة الوفيات المرتبطة بالحرب بواقع 67 في المئة في النصف الأول من عام 2013 لتصل إلى ما يقدر بأكثر من 400 ألف شخص آخر قد تعرضوا للإصابة أو التشوه في أثناء المعارك المسلحة، ومن ثَمَّ فإن أكثر من 2 في المئة من السكان قتلوا أو أصيبوا أو جرحوا، وعلى سبيل المثال كانت سورية خالية من فيروس شلل الأطفال منذ (14) سنة، فقد شهدت تسجيل (22) حالة اشتباه بينها (12) حالة مثبتة وهناك من يؤكد أن مقابل كل إصابة مسجلة (200) إصابة غير مسجلة مع تحذيرات بانتقال المرضى إلى دول مجاورة. وقالت المنظمات الدولية إنها لقحت مليونًا ونصف مليون طفل، ويعدّ ظهور شلل الأطفال مؤشرًا على الكوارث الصحية. أما بالنسبة إلى مرض السرطان والأزمات القلبية وأمراض الكلى فقد أشارت التقديرات إلى أن عدد الذين ماتوا بسبب الأمراض المزمنة زاد على (200) ألف شخص خلال السنتين الماضيتين في إشارة إلى وجود (1500) سوري مصابين بالسرطان، ووجود (700) ألف جريح يعانون إعاقة مباشرة ([7]).

ويؤكد تقرير لمنظمة الصحة العالمية تضرر 67 في المئة من المنشآت الصحية في سورية بدرجات متفاوتات نتيجة أعمال العنف، من بينها 29 في المئة تعطلت تمامًا، بينما بقي ما يصلح لتقديم الخدمات الطبية بعض المستشفيات في أحياء بعيدة عن الصراع العسكري، وبعض المستشفيات الميدانية التي تفتقر إلى أبسط المعدات الطبية، وشمل التدمير أيضًا سيارات الإسعاف البالغ عددها (418) سيارة إسعاف، وخسرت آلاف الأطباء ذوي الخبرة نتيجة هجرتهم إلى خارج سورية وبخاصة بلدان أوروبا، ويقدر عدد الأطباء الذين هاجروا من سورية 34 في المئة من المسجلين في وزارة الصحة، أما اليونيسيف فقد قدرت أن 50 في المئة من الأطباء السوريين غادروا سورية ([8]). إضافة إلى مئات الأطباء الذين قتلوا في أثناء عملهم. يضاف إلى هذا التراجع الكبير في متوسط العمر المتوقع عند الولادة من 70.5 سنة عام 2010 إلى ما يقدر بـ 55.4 سنة 2015 ([9]).

وفي دراسة ميدانية على عينة من النساء المهجرات والمقيمات في مراكز اللاجئين للمهجرين في مدينة دمشق تبين أن نسبة 97 في المئة من عينة الدراسة تعاني أمراضًا جسدية، ونسبة 73 في المئة تعاني متاعب نفسية ([10]).

إضافة إلى انتشار الأمراض المعدية والوبائية بصورة عالية في مراكز الإيواء في مدينة دمشق، بسبب وجود دورة مياه واحدة وحمام واحد للعشرات من العائلات.

والأمراض الأكثر انتشارًا: السل واليرقان واللشمانيا _حبة حلب_ والإسهال المائي والكوليرا والتيفوئيد وشلل الأطفال والحصبة والتهاب الكبد الفيروسي.

كذلك ارتفاع نسبة الإصابات بالأمراض الجنسية نتيجة الانحلال الخلقي والدعارة المنظمة في مراكز الإيواء من متنفذي النظام، إضافة إلى الشذوذ الجنسي وانتشار الإيدز.

ولابد من الإشارة أيضًا إلى ارتفاع نسبة تعاطي المخدرات والمشروبات الكحولية والمهدئات ومضادات الاكتئاب ومراجعة الأطباء الناتج من تفسخ العلاقات الأسرية وتفكك الأسرة وتشتت أفرادها في أصقاع العالم كافة.

 

ثالثًا: الحالة التعليمية للمرأة السورية

أما عن الواقع التعليمي في سورية، فقد تبين أن معدل التسرب المدرسي وصل إلى 49 في المئة، وفقد النظام التعليمي 300 مدرسة من جراء الأضرار أو التهديم، في حين إن 683 مدرسة تستخدم مراكز إيواء للاجئين المهجرين من المناطق التي دمرها النظام السوري، ولم تعد المدارس آمنة، فقد تعرضت مئات المدارس للقصف من الآليات العسكرية للنظام وحلفائه، وأصبحت ساحات قتال، فقد صرّحت المديرة الإقليمية لليونيسيف في تقريرها عام 2013 عن تدمير ما يقدر بحوالى (2572) مدرسة، في حين إن أكثر من (800) مدرسة أخرى تستخدم مأوى لأسر اللاجئين بسبب الحرب وقتل حوالى (90) موظفًا في قطاع التعليم، إضافة إلى انقطاع كثير من المعلمين العاملين خارج مناطقهم لأسباب عدة ([11]). الأمر الذي سيترك أثرًا سلبيًا في رأس المال البشري، ومن ثَمَّ على التنمية بمفهومها الواسع، ووصلت نسبة الأطفال غير الملتحقين بالتعليم الأساسي من إجمالي عدد الأطفال في هذه الفئة العمرية إلى 51.18 في المئة، وتصل إلى أكثر من 90 في المئة في الرقة وحلب، وإلى 68 في المئة في ريف دمشق، وبلغ عدد المدارس التي خرجت من الخدمة (4000) مدرسة في نهاية عام 2013، وذلك نتيجة التدمير الكلي للمباني أو الجزئي أو استخدامها مراكز إيواء ([12]).

وقد أسهمت عناصر متفاوتة في فقد فرص التعليم للطلاب السوريين من خوف الأهل على أبنائهم، والأوضاع الأمنية الصعبة، وبخاصة بالنسبة إلى الإناث خوفًا من الاعتقال أو الإساءة لهن على الحواجز الأمنية، إضافة إلى تدمير البنية التحتية التعليمية وتعطيلها، وغياب الكادر التدريسي المؤهل، إما بسبب الهجرة إلى خارج سورية، أو الالتحاق بجبهات القتال، الأمر الذي سيترك تأثيرًا كارثيًا في رأس المال البشري الحالي والمستقبلي.

 

رابعًا: الحالة النفسية الاجتماعية للمرأة السورية

فرضت الحرب في سورية واقعًا ثقيلًا على النساء في الجانب النفسي؛ نتيجة غياب الأمان، وغياب القدرة على التكيف في مثل هذه الأوضاع المضطربة، ما خلق حالة من القلق، والتوتر، والخوف، من فقد زوجها أو أولادها. ثم إن النساء اللواتي  فقدن أزواجهن أو معُيلهن، تعرضن إلى ضغوط نفسية كبيرة؛ بسبب القيام بأدوار جديدة تضاف إلى أدوارهن المعتادة: بمثل العمل داخل المنزل وخارجه، فالواقع الجديد حرم المرأة السورية من تحقيق التوازن بين متطلبات الدور الاجتماعي المركب من حيث دورها: بوصفها أمًا، أو ربة بيت، أو زوجة، ودورها خارج المنزل: عاملة أو موظفة، ونتيجة لذلك ازداد العبء النفسي الملقى عليها، إلا أننا نلحظ أن بعضهن استطعن مواجهة تلك الأوضاع ونجحن في اجتيازها، ما يشجعهن على الاندماج في المجتمع من جديد، وبعضهن الآخر فشلن في أداء الأدوار، ودفع بهن الفشل إلى إجهاد الدور الأصلي، والعجز عن كفاية الأداء، ما يسبب بعض الأمراض العصبية لدى هذه الشريحة من النساء.

إن لامبالاة المجتمع التي يمارسها ضد ضحايا العنف الجنسي، بل النظرة الدونية إليها، قد يدفع بكثير منهن إلى الانتحار: وخصوصًا في الدول التي تفتقد إلى مراكز الرعاية والتأهيل لمثل هذه الحالات، إذ تلقي المجتمعات معظمها اللوم على النساء اللواتي يتعرضن للعنف الجنسي وتنبذهن وتعاقبهن، وقد تتبرأ العائلة من هذه الفتاة، فالدعم الاجتماعي شبه معدوم تجاه ضحايا العنف الجنسي، بخاصة في المجتمع السوري، إذ تخضع المرأة إلى معايير سلوكية أكثر صرامة مقارنة بالرجل، وحتى أيضًا في آثار العنف الجسدي إذ يتمتع الشخص الذي يحمل إصابات واضحة مثلًا: (كأن تكون أحد أطرافه مبتورة) بدرجة من الامتيازات والعطف، إلاّ أنّ الأنثى التي تتعرض إلى إصابات خطرة بسبب العنف الجسدي لن تتمتع بالقدر نفسه من العطف، وغالبًا ما يجعل الخجل الذي تشعر به الضحايا من هذه الإصابات الأمر سريًا يخفى حتى عن النساء الأخريات. وليس هذا فحسب، بل يُضاف الى ذلك المعاناة النفسية الشديدة للمرأة في حالات اختفاء أخبار الزوج وغيابها، وتحول الحياة إلى حالة تفتيش وترقب مستمرين عن المفقودين في أثناء الحرب. كذلك فإنّ (المعارك المسلحة) يُمكن أن تُنتج إنتاجًا مباشرًا وغير مباشر تحديات خطرة في البيئة التي يعيش فيها الإنسان: بمثل (الدمار، والاضطراب، والفوضى، والفقر، والموت، والتهجير القسري)، ومثل هذه المعطيات الاجتماعية السلبية تكون سببًا من أسباب فشل تكيف أغلب النساء مع هذا الواقع المرير، ما يُسبب مختلف الأمراض النفسية والصحية والاجتماعية).

وفي دراسة ميدانية على عينة من النساء المهجرات والمقيمات في مراكز الإيواء من المهجرين من المناطق المدمرة في مدينة دمشق تبين أن نسبة 79 في المئة منهن يعانين مشكلات نفسية (الاكتئاب، الخوف، التوتر، الحزن والقلق من المستقبل) ([13]). ولا يتوقف تأثير الحروب في الواقع النفسي للمرأة عند هذا الحد، بل يضاف إلى ذلك تأثيره في الجانب الاجتماعي، فالمعارك الحربية أدت إلى التحاق الشباب أغلبهم بجبهات القتال أو هجرتهم، ومن ثَمَّ عزوفهم عن الزواج، ومن ثم قلّت أو غابت فرص الزواج للفتيات، ما يُعرض بعضهن إلى مشكلات نفسية حادة بسبب شعورهن بـ (العنوسة)، إذ أشارت الإحصاءات إلى وصول نسبة (العنوسة) إلى 41 في المئة لعام 2016 مقابل 28 في المئة لعام 2011 للإناث، و19 في المئة للذكور، وارتفاع سن الزواج عند الشباب من 27 سنة عام 2004 إلى 35 سنة عام 2016، أما عند الإناث فقد ارتفع سن الزواج من 22 سنة عام 2004 إلى 33 سنة.

لقد أسهم ما سبق كله، مضافًا إليه ارتفاع نسب الطلاق والنساء الأرامل، في تغيير الأدوار الاجتماعية والاقتصادية للنساء في البيت والمجتمع المحلي، وهو ما أفرز تفككًا أسريًا مع ما يرافقه من جنوح الأطفال، وتعرضهم للإتجار بهم، والعمل بالدعارة، وتزويج الفتيات في سن مبكرة جدًا.

 

خامسًا: استنتاجات إجرائية وتفصيلية للبحث العلمي

مما تقدم في هذه الورقة يتبين أن لحرب النظام على السوريين آثارًا مباشرة وغير مباشرة في الحالة الصحية والمعيشية والتعليمية والنفسية الاجتماعية للسوريين عمومًا، والمرأة خصوصًا، ويمكن أن نجمل تلك الآثار بالآتي:

1- في الصعيد الصحي للمرأة

  • تردي الرعاية الخاصة بالمرأة؛ بسبب توجه نفقات الدولة لتمويل الحروب.
  • تعرض النساء للإصابة بالأمراض الجنسية، وغياب الرعاية الصحية في أثناء الحمل والولادة وتنظيم الأسرة ونقص الرعاية الطبية، ما يؤدي إلى حدوث مضاعفات الولادة وأمراض سوء التغذية.
  • ارتفاع نسب الوفيات والإعاقات بين النساء طوال مدة الحرب.
  • ازدياد نسب الوفيات بأمراض سرطانية؛ نتيجة استخدام الأسلحة الكيمياوية والغازات السامة في كثير من المناطق السورية من النظام السوري.
  • ارتفاع نسب الولادات المشوهة بسبب الإشعاعات المنبعثة من الأماكن التي تعرضت للقصف من النظام السوري.
  • ارتفاع نسب الإصابة بأمراض: (ضغط الدم، والقلب، والسكري).
  • ازدياد حالات أمراض بمثل مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) في المناطق التي توجد فيها الميليشيات العراقية واللبنانية الحليفة للنظام.
  • ارتفاع نسبة الإصابات بالأمراض الجنسية في مناطق النظام، نتيجة الانحلال الخلقي الممنهج من ميليشيات النظام وانتشار الدعارة، وارتفاع نسب الاغتصاب في المناطق التي تدخلها ميليشيات النظام والحليفة، إضافة إلى انتشار ظاهرة الشذوذ الجنسي.

 

2- في الصعيد المعيشي للمرأة

  • تردي وضع المرأة الاقتصادي والمعيشي نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية الضرورية بمعدل وسطي قدره 1500 في المئة.
  • تعرضت النساء معظمهن إلى الفقر والتهميش.
  • تعرضت كثيرات من النساء إلى البطالة، ما دفع أغلبهن إلى العمل في الأعمال الهامشية (بسطات الشوارع وبسطات الخضار وبائعات الخبز وغير ذلك).
  • جعل النساء هن المعيلات لأسرهن، ما يعرضهن لضغط نفسي واقتصادي وصحي خطر.
  • دخول النساء في مجالات عمل جديدة كانت مقتصرة على الرجال، بمثل العمل في المطاعم والبيع على العربات المتجولة.

 

3- في الصعيد التعليمي للمرأة

أ- زيادة نسب الفتيات المتسربات من الدراسة.

ب- زيادة في نسب الزواج المبكر بين الفتيات في سن مبكر، ومن ثَمّ مزيد من الفقد التعليمي.

ج- زيادة نسب تراجع فرص تمكين المرأة في المستويين القريب والبعيد.

 

4- في الصعيد النفسي الاجتماعي للمرأة

أ- التراجع الواضح للجانب النفسي للمرأة وانعكاس ذلك في قدراتها الإبداعية على العطاء والإنتاج.

ب- ازدياد حالات الاكتئاب النفسي والاجتماعي وانعكاس ذلك في الحياة الأسرية.

ج- ظهور أمراض نفسية لدى كثيرات من النساء والفتيات بمثل القلق والتوتر، والهذيان، وحالات الذهان، واضطرابات ذهنية وإدراكية وانفعالية، وغيرها، ما انعكس في صحتهن والصحة النفسية لأبنائهن.

 

5- في الصعيد الاجتماعي

  • تفكك الأسرة السورية وتهميشها، وحدوث شقاق سياسي ضمن الأسرة الواحدة.
  • تغيير الأدوار التقليدية للنساء، واضطرار المرأة إلى إعالة أسرتها وأطفالها وكبار السن لغياب الرجال في الأسر السورية، وهذا يؤثر في الأمن الشخصي التقليدي للمرأة، وقدرتها على الحصول على السلع والخدمات الأساس للأسرة.
  • ارتفاع مستوى العنوسة بسبب غلاء تكاليف الزواج وهجرة الشباب إلى خارج سورية.
  • ارتفاع سن الزواج لدى الإناث والذكور، وفي الوقت ذاته بروز ظاهرة تزويج الفتيات في سن مبكرة جدًا والزيجات الجبرية والعرفية.
  • تعرض النساء للاغتصاب والتعذيب والأذى الجسدي والجنسي، وصور العنف جميعها.
  • معاناة النساء الباحثات عن أولادهن وأزواجهن في المعتقلات السورية، ودفع مبالغ مالية باهظة لمعرفة مصيرهم.
  • ارتفاع معدلات الطلاق وتفكك الأسر وجنوح الأطفال واختفاؤهم وتعرضهم للإتجار والبيع والعمل في الدعارة.
  • انتشار عصابات إجرامية في مناطق النظام بهدف الخطف والتفاوض على دفع مبالغ ضخمة فدية لإطلاق سراح المخطوفين، وبخاصة بحق النساء والأطفال.

 

([1])  المركز السوري لبحوث السياسات، سورية: هدر الإنسانية، التقرير الفصلي الثالث والرابع، أيار/ مايو 2014، 6 الموقع http://www.scpr.syria.org

([2])  المركز السوري لبحوث السياسات، سورية: هدر الإنسانية.

([3])  المركز السوري لبحوث السياسات، سورية مواجهة التشظي، تقرير يرصد أثار الأزمة السورية خلال عام 2015. شباط/ فبراير 2016، 36، على الموقع   http://www.scpr.syria.org

([4])  المركز السوري لبحوث السياسات، سورية: هدر الإنسانية.

([5])  المركز السوري لبحوث السياسات، سورية مواجهة التشظي، 45

([6])  المركز السوري لبحوث السياسات، سورية: هدر الإنسانية، 8

(7) المركز السوري لبحوث السياسات، سورية: هدر الإنسانية، 8

(8)  تقرير لمنظمة الصحة العالمية حول الأوضاع في سورية، 2012-10-16. http://www.who.int/countries/syr/ar/

([9])  المركز السوري لبحوث السياسات، سورية مواجهة التشظي، 47.

([10])  صندوق الأمم المتحدة للسكان، أوضاع المرأة في بعض مراكز الإقامة المؤقتة في دمشق، وزارة الشؤون الاجتماعية (2014).

(11) صندوق الأمم المتحدة للسكان.

([12])  المركز السوري لبحوث السياسات، سورية: هدر الإنسانية، 6

([13]) صندوق الأمم المتحدة للسكان، أوضاع المرأة في بعض مراكز الإقامة المؤقتة في دمشق.