المحتويات

مدخل

أولًا: الكرد وسورية

ثانيًا: الكرد خلال حكم البعث وآل الأسد

ثالثًا: الكرد والثورة 

خاتمة: مستقبل سورية من وجهة نظر الكرد

 

مدخل

إن العنوان المحدد لمداخلتي يقتضي التوقف عند جزأي التعريف ” أكراد” و”سورية”، كما أنه من المفيد تقديم عرض تاريخي موجز يساعد على إضاءة طريق المستقبل.

الأكراد، تسمية قديمة حلّت محلّها منذ عقود تسمية ” الكُرد”؛ على غرار الانتقال من تسمية ” الأعراب” إلى ” العرب”. والكُرد أحد الشعوب الهندو-أوروبية، من الفرع الإيراني الذي يضمّ ضمن إطاره الفرس والبلوش والبوشتو وغيرهم. ليست هناك إحصاءات دقيقة رسمية لعدد الشعب الكُردي، ولكنه يقدر بنحو 35 مليون نسمة، مقيمين في شرقي تركيا (نحو 60 في المئة) وشمالي العراق (نحو 17 في المئة) وغربي إيران (نحو 15 في المئة) وشمالي سورية (نحو 8 في المئة).

وقد هاجر قسم منهم خلال العصر الحديث من تلك الدول الأربع إلى أوروبا وأمريكا وجمهوريات من الاتحاد السوفياتي السابق، وكذلك إلى لبنان والأردن. كما اندمج قسم منهم في المجتمعات التركية والعربية والإيرانية، وضعفت، أو غابت عنهم الصفة الكردية بمرور الزمن، حيث غادروا محيطهم الجغرافي الموحد المترابط، وفقدوا لغتهم، وارتبطت حياتهم الاقتصادية وتقاليدهم الاجتماعية بتلك المجتمعات الجديدة.

والكرد من الشعوب الإسلامية، خدموا الإسلام منذ بداية انتشاره بينهم في عصر الفتوحات الأولى، وساهموا في الثقافة الإسلامية والعربية. ومع ضعف الخلافة العباسية في القرن العاشر الميلادي، وظهور التمايز بين الأعراق بدؤوا كغيرهم يهتمون بهويتهم العرقية الخاصة تحت راية الخلافة الإسلامية، فكانت لهم إمارات خاصة في إيران عراق العجم (الحسنوية، العيارية) وفي شرقي تركيا (المروانية- الدوستيكية). وفي القرن الثاني عشر ميلادي، برز دور الكرد الأيوبيين في التاريخ الإسلامي، وشاعت تسمية ” كردستان” أي بلاد الكرد بصفته كيانًا إداريًّا، جغرافيًّا، مستقلًّا، في المناطق الجبلية غربي إيران في القرن نفسه، في عهد حكم السلاجقة الأتراك.

بدأ الصراع بين الترك العثمانيين والصفويين في القرن الخامس عشر الميلادي، وكانت بلاد الكرد عامةً مسرحًا أساسيًا لذلك الصراع، ونجح العثمانيون في استمالة الكرد، وانتصروا بمساعدتهم في معركة جالديران الحاسمة 1514، ثم ترسخ التحالف العثماني-الكردي، ومرّت مرحلة استقرار وازدهار حتى نهاية القرن الثامن عشر ميلادي، وقامت خلالها مجموعة من الإمارات الكرديّة المستقلة تحت راية الخلافة العثمانية.

ولكن طبيعة العلاقات تغيرت في القرن التاسع عشر ميلادي، ونشبت ثورات كردية كثيرة ضد العثمانيين، وكذلك الصفويين، بحثًا عن الحقوق الخاصة في بلادهم، فجوبهت بالقمع والتنكيل، ومورست في حقّهم فظائع نادرة في التاريخ، وتم تحريض الكرد على الكرد، والكرد على الأرمن. وترسّخت هذه السياسة العدائية تجاه الكرد في القرن العشرين الميلادي، وبرز خلاله خصم جديد للكرد مع ظهور الحكومات العربية المستقلة، واستلام البعث الحكم في العراق وسورية.

أما تسمية “سورية” فيُرى أنها تعود بجذورها إلى ” Assyria أشور” القديمة التي فرضت الاحتلال على معظم مناطق سورية الحالية خلال حقبة من الألف الأول قبل الميلاد، وقد برزت في مطلع القرن العشرين الميلادي بديلًا لأسماء الولايات والسناجق العثمانية في جغرافية سورية الحالية، واعتمدت في اتفاقية “سايكس بيكو” السرية 1916م التي تفاهمت فيها بريطانيا وفرنسا على اقتسام المنطقة بعد انهيار السلطنة العثمانية، وبموجبها تم فرض الانتداب الفرنسي المباشر على سورية في تموز 1920م.

أثارت تلك الاتفاقية جميع شعوب المنطقة، فعقدت بعدها بنحو شهر واحد فقط (10 آب/ أغسطس 1920) معاهدة سيفر التي تضمنت اتفاق الإمبراطورية العثمانية وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وثماني دول أخرى على “لحكم الذاتي للمناطق التي تقطنها أغلبية كردية شرقي نهر الفرات وجنوب حدود أرمينية […] مع الضمان التام لحماية الأشوريين والكلدان وغيرهما من الأقليات القومية والعرقية في هذه المناطق)، والإقرار بحق الكرد في المطالبة بالاستقلال عن تركيا خلال سنة واحدة، والتزام تركيا قبول ذلك، “وفي حال حصول التخلي؛ فإن الحلفاء لن يثيروا أي أغراض ضد قيام أكراد ولاية الموصل بالانضمام الاختياري الى هذه الدولة الكردية”.

تراجع معظم الموقعين عن موقفهم، وعقد بعد شهور مؤتمر لندن (شباط/ فبراير و آذار/مارس 1921) لإعادة النظر فيها، وإبعاد ما يتعلق بالدولة الكردية منها، واستمر الاضطراب والاختلاف حولها، وبزرت المعارضة الشديدة من كمال أتاتورك القائد العسكري التركي الذي كان يحقق الانتصارات لبناء الدولة الجديدة على انقاض الخلافة العثمانية، وأرغم فرنسا على الاتفاق معه في معاهدة أنقرة (20 تشرين الأول/ أكتوبر 1921) لوقف الحرب بينهما، وترسيم الحدود الشمالية الجديدة لسورية، حيث تنازلت فرنسا لتركيا عن ” الأقاليم أو السناجق السورية الشمالية”، وهي مناطق في الشريط الحدودي (الحالي) من جزيرة ابن عمرو (في الشرق) حتى كلّس (شمالي خط قطار الشرق السريع الذي كان قد أنجزه الألمان هناك سنة 1918) ثم من كلّس إلى بانياس على خليج إسكندرون، وحتى مرسين (في الغرب) بمساحة تبلغ أكثر من 18 ألف كلم².

ازدادت قوة اتاتورك؛ ولاسيما بعد انتصاره في الحرب مع اليونان 1922، وبدأ انسحاب الحلفاء من تركيا، وانتهت حرب الاستقلال في تركيا بتوقيع معاهدة لوزان (2 تموز/ يوليو 1923) التي حلت محل معاهدة سيفر، وأبعد عنها كل ما يتعلق بدولة كردستان لإرضاء أتاتورك وتضمّنت إعلان العهد الجمهوري في تركيا، وتثبيت التعديل الحدودي السابق مع سورية.

 

أولًا: الكرد وسورية

إن الوجود الكردي في سورية قديم، ولا يقتصر على المناطق الشمالية (الجزيرة، كوباني، عفرين)، بل كانوا في دمشق وحماة وريف اللاذقية وريف إدلب وحلب منذ العصر الايوبي (القرن 12 م) على الأقل، ولا أريد الخوض في هذه المسالة التاريخية، ولا أحب التوظيف السياسي المعاصر لها، لأنني على قناعة تامة بأننا سوريون، ولو رأى بعضهم أن وجودنا يعود إلى العصر الحديث فقط، فهذا رأيه وشأنه، ولا يهمني كثيرًا، بل أدعوه إلى التنافس الإيجابي الفكري والعملي من أجل خدمة سورية الجديدة.

ليس هناك سوري لا يعرف حقيقة وجود الكرد في سورية، ولا يهمني أن نتجادل في مسألة من أين جاؤوا ومتى، ما أعرفه وأتمسك به هو أن جدي كان  يروي لي حكايات عن أبيه وجده في الجزيرة وسورية، وأن مخزون ذاكرتي سوريّ في الدرجة الأولى، وأنّي كردي سوري وعاصمتي هي دمشق، ويهمني مستقبل سورية وتقدمها، وفي المقابل هناك كرد في دول مجاورة، أتمنى لهم الخير كلّه، وتفرحني إنجازاتهم الجيدة، ويؤلمني أن يظلموا.

ويكفي أن أذكر بمفارقة غريبة مؤلمة هي:

إن الجزء الشرقي من تلك الأقاليم السورية الشمالية التي أضحت بموجب معاهدة لوزان تركية (ولاية ماردين بمفهومها الأوسع آنذاك) هي التي هاجر منها قسم من الكرد (يقدر بنحو 25 ألفًا) رفضًا للاغتصاب التركي لمناطقهم السورية، واتّجهوا نحو الجنوب إلى مناطق سورية الخاضعة لفرنسا (الجزيرة ودمشق وحلب) للعيش مع إخوتهم وأهلهم الكرد الموجودين سابقًا هناك. والمؤسف أن حكومة الوحدة والبعث (الوطنية!) عدّتهم فيما بعد لاجئين أجانب، بل عاملت أضعاف أضعافهم من الكرد الموجودين أصلا هناك مثلهم، ولم تمارس تلك السياسة مع سريان وأرمن انتقلوا معهم. وقد حصل انتقالٌ مماثل في لواء إسكندرون أيضًا، ولكنهم استُقبلوا بوصفهم سوريين وطنيين، غيورين على سوريّتهم!!

وقد نشط الكرد في مواجهة الاحتلال الفرنسي مع غيرهم في شتى مناطقهم، وقدموا التضحيات من أجل الاستقلال، وعملوا في صفوف “الكتلة الوطنية” غالبًا، وساهموا في أشكال الحكم التي ظهرت في رواية تحت الانتداب، أعني “الاتحاد السوري” الفدرالي الذي نشأ في تموز/ يوليو 1922، و” الدولة السورية” الفدرالية في مطلع 1925. كما شاركوا في الثورة السورية الكبرى خلال 1925- 1927 في شتى المناطق ضد الاستعمار الفرنسي لاعتماده سياسة الاستبداد والتمزيق والطائفية والفرنسة وقمع الحريات، وبرزت أسماء ثوار خالدين منهم، يوسف العظمة وإبراهيم هنانو ومحو إيبو شاشو (الذي يعد أول من أطلق الرصاص في  وجه المحتل الفرنسي في مناطق حارم- عفرين)  وأحمد بارافي (الذي كان أول من أنزل علم المحتل الفرنسي عن سارية سراي الحكومة في دمشق ورفع مكانه العلم السوري)، وأفراد العائلات الكردية العريقة في دمشق (بوظو، ظاظا، شمدين، أيوبي، اليوسف، زلفو، شيخاني، الملا…) وفي حماة (برازي).

وتجدر الإشارة إلى ان الجزيرة السورية شهدت قبل ذلك انتفاضة ضد الاحتلال الفرنسي تمثلت في معركة بياندور 1923 التي قُتل فيها روغان قائد الحملة الفرنسية على الجزيرة. وعندما نشأت “الجمهورية السورية” الأولى في ظل الانتداب سنة 1932- 1946، حيث شهدت هذه الحقبة نظامًا جمهوريًا برلمانيًا، وازدهارًا اقتصاديًّا، وحياة ديمقراطية ودستورية، وتعايشًا سلميًّا بين جميع المكونات السورية، وحصل تداول ديمقراطي للسلطة.

كان الكرد يشكلون الغالبية السكانية في الجزيرة، فبحسب التقرير السنوي الفرنسي المقدم الى عصبة الأمم سنة 1937، كان الكرد 53 في المئة والعرب 27 في المئة والمسيحيون بطوائفهم 20 في المئة. وبدا الكرد يشعرون بالتمييز في التعامل الحكومي معهم منذ عهد هاشم الأتاسي (1936- 1939)، وظهرت بينهم تجمعات شعبية عشائرية للاعتراض والمطالبة بالحقوق المتساوية. وفي هذا السياق حصلت انتفاضة عامودا (تموز/ يوليو 1937) التي بدأت بعصيان سلمي عام في الجزيرة، ثم طرد المسؤولين الحكوميين (المحافظ، مديرو المناطق والنواحي….)، وانتهت بقصف عامودا بالمدفعية والطائرات الفرنسية، والدمار والمطاردة. على الرغم من أن أبرز قادة الانتفاضة (سعيد آغا، زعيم عشيرة الدقوري) وغيره كانوا من مؤسّسي “الكتلة الوطنية” في عامودا منذ 1928.

وبعد أن نالت سورية استقلالها التام في 17 نيسان/ أبريل 1946، مرت البلاد بمرحلة صعبة، برزت خلالها أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية بعد حرب 1948 التي شارك فيها اكثير من الكرد، ثم والت الانقلابات العسكرية بين 1948- 1954 (انقلاب حسني الزعيمـ سامي الحناوي، اديب الشيشكلي)، وكانت الحكومات تتوالي لأمد قصير، ما أدّى إلى عدم الاستقرار في البلاد، ولم يكن الكرد يشعرون شعورًا مختلفًا خارج الإطار الوطني العام.

ولكن انتخابات سنة 1954 النيابية بينت تنامي الفكر القومي العربي (اليساري) بقوة، وبدأ يبرز شأن حزب العبث العربي في المجتمع. وبعد وصول جمال عبد الناصر إلى الحكم في مصر (تموز/ يوليو 1956) تعزّز انتشار الفكر القومي العربي، وازداد اضطهاد الكرد، فنشأ في ردّة فعلٍ أوّلُ حزب لهم (الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية) في آب 1957، مطالبا بالاعتراف بالكُرد قوميّةً متميزة، وبحقوقهم الثقافية، والتطوير الاقتصادي لمناطقهم، واعتماد المبادئ الديمقراطية وإنهاء سياسة التمييز والاقصاء. وأُعلنت بعد زمن قصير نسبيًّا الوحدة بين سورية ومصر (الجمهورية العربية المتحدة) لتي دامت بين 1958 و1961، وفور انتهاء الوحدة في 28 أيلول/ سبتمبر 1961 سمّيت البلاد لأول مرّة (الجمهورية العربية السورية).

ثانيًا: الكرد خلال حكم البعث وآل الأسد

مع هذا التغيير بدأت مرحلة جديدة تمامًا في تاريخ الكرد السوريين، استمرت من عام 1955 الى انقلاب ضباط البعث في 8 اذار/ مارس 1963، واستلام الحكم، وإعلان حالة الطوارئ، وحتى قيام الثورة السورية 2011، إنها مرحلة التمييز والظلم والقمع والاضطهاد المنهجي والمشاريع الإقصائية، وتشويه صورة الكرد وتاريخهم لدى سائر المكونات السورية، والزعم بأنهم انفصاليون ومعادون للقومية العربية. ولا يسع الوقت للتفصيل في ما عاناه الكرد خلال حكم البعث وآل الأسد، والمؤسف أن كثيرًا من الإخوة لا يعرفون، أو يتجاهلون مرارة تلك المعاناة، ويكفي أن أشير بإيجاز إلى بعض مظاهرها:

  • الإحصاء السكاني الجائر 1962 الذي حرم نحو 170 ألف كردي سوري (على الأقل) من الجنسية السورية، وعُدّوا ” أجانب” أو “مكتومي القيد” وهي حالة نادرة دوليًّا، وخلّفت مشكلات معقدة بالتعليم والتوظيف والصحة وصعوبة التنقل، وحتى منع الإقامة في الفنادق!
  • مشروع محمد طلب هلال 1963، في الجزيرة، المتضمن تهجير الكرد من أراضيهم وحرمانهم من التعليم وسد أبواب العمل أمامهم، وتأليب العرب ضدهم وتغيير الطابع الديموغرافي في الجزيرة، وتهجير سكان 332 قرية، واستبدال العرب بسكانها الكرد، ومنع اللغة الكردية، وإنشاء حزام عربي في مناطق الجزيرة الحدودية بطول 375 كم وعرض 10- 15 كلم.
  • وقد نفّذ مشروع الحزام العربي بنقل عرب من وادي الفرات عند إقامة سد الطبقة والبحيرة التي غمرت قراهم إلى مناطق الحزام الممتدة من عين ديوار في أقصى الشمال الشرقي حتى راس العين، وبنت الحكومة قرى لهم وخصصت لهم أراضي زراعية بدلا من الفلاحين الكرد، الذين كانوا يستثمرونها أو محرومين منها. وقد أدى ذلك إلى زيادة التوتر القومي في الجزيرة.
  • منع استخدام اللغة الكردية في أماكن العمل، بل حتى الغناء بها في الحفلات والاعياد، ومعاقبة المخالفين، و اتخاذها ذريعة لطرد الكثير من الطلاب والموظفين، وبالطبع منع الكتابة والنشر بالكردية ومنع إنشاء مدارس خاصة، ومنع التجمعات وإحياء التقاليد والمناسبات القومية الخاصة.
  • تعريب أسماء المدن والقرى، ومنع كتابة أسماء المحلات بالكردية، بل مرت فترة كانوا يمنعون تسجيل الأسماء الشخصية الكردية في دوائر النفوس. كما أن تسجيل الكرد أبناءهم المولودين حديثًا كان يتطلّب أوّلًا موافقة الأمن السياسي.
  • التمييز في فرص العمل، لدى تنظيم مسابقات العمل في دوائر الحكومية والتعليم وضرورة الحصول على موافقة سياسيّة، لم يكن الحصول عليها سهلًا، إضافةً إلى الحرمان المطلق من العمل ضمن وزارة الدفاع، على الرغم من خضوعهم مع غيرهم للتجنيد وخدمة العلم.
  • الاعتقالات المتواصلة بذرائع واهية -بل مضحكة أحيانًا- بتهمة إضعاف الشعور القومي العربي، وإثارة وهن الامة العربية، ولعل ذلك كان فرصة للإخوة السوريين المعارضين في السجون المشتركة، للتعرف إلى معاناة الكرد، وقد بدأت حركة الاعتقال منذ بداية حكم البعث، وزادت بعد انتفاضة القامشلي 2004، التي خطط لها النظام وتعمد عدم حل أسبابها لتوتير العلاقات بين العرب والكرد، واتخاذها ذريعة للتنكيل والقمع والسجن وقد استشهد فيها 36 شابًّا كُرديًّا.
  • إصدار المرسوم رقم 49 لسنة 2008 القاضي بمنع منح الترخيص للمنشآت العمرانية السكنية والتجارية في المناطق الكردية، بزعم أنها مناطق حدودية عسكرية، وهذا يعني أنه لا أحد يملك سندات تمليك بأملاكه الثابتة، وأدى تطبيقه إلى توقف الحياة الاقتصادية وحركة البيع والشراء، وهجرة أصحاب رؤوس الأموال للبحث عن مكان آمن اقتصاديًّا، وهجرة العمال والحرفيين الذين قدّرت مجالات عمله بأكثر من ستين مجال عمل ومهنة.

هذا ما حصل وغيره وهو الذي جعل الكرد يشعرون بظلم مضاعف، مقارنة مع ما عانى السوريون الآخرون من النظام المستبدّ وهو الذي يجعلهم في خوف مستمر من ألّا يتغير ذلك كثيرًا، ويدفعهم إلى التشكيك بالمعارضة السورية، التي يتخبط أفراد منها في تصريحاتهم وآرائهم في التقسيم الموجود بين جميع المكونات السورية.

 

ثالثًا: الكرد والثورة

لقد أيقظت الثورة السورية النفوس والهموم، ونبّهت إلى الكمّ الهائل من مظاهر استبداد السلطة المتراكمة بحق الكرد على مدى عقود من الزمن، وتأثيرها السلبي في بنية المجتمع السوري عامة. وانتفض الشباب الكرد منذ مطلع الثورة، وساهموا فيها، وعبّروا عن روح التضامن والتآخي مع أبناء الوطن الوحد. كما تنبّهوا في الوقت ذاته إلى مدى الضعف في الواقع السياسي الكردي المتمثل في أحزاب كثيرة صغيرة منغلقة بلغ عددها آنذاك نحو عشرين حزبًا، على الرغم من أنها لا تختلف في رؤاها الفكرية كثيرًا.

رأى الشباب الكرد في التنسيقيات التي أسرعوا في تشكيلها مخرجًا من هذا الواقع، ووسيلة لزيادة الارتباط والتواصل مع إخوتهم الثائرين في المدن السورية الأخرى، ولعبت التنسيقيات دورًا مهمّا في تحريك الشارع الكردي على مدى ستة شهور، ثم صارت تضعف بتأثير الضغط الأمني الراعب، وبدء الأحزاب تشكيل تنسيقيات موازية، خلقت بلبلة في الوسط الشبابي والعام، ولم تؤدِّ إلى تطوّر الجهد السابق. وكان الإعلان عن تأسيس المجلس الوطني الكردي في سورية في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2011 بداية مرحلة جديدة مبشرة بالخير، ولكن ملامح ضعف المجلس وتردده في المواقف اتضحت منذ شهوره الأولى، وظهرت محاولات إصلاحية فيه من دون جدوى.

مع مطلع السنة الثانية من عمر الثورة حدث التحول نحو إنشاء مؤسّسات المجتمع المدني المستقلة وضبط شؤون المجتمع المختلفة. ولكن قصورًا أساسيًّا ظهر وفرض نفسه عليها؛ أعني اقتصاره على المكون الكردي في الجزيرة السورية بسبب ولاء النسبة الكبيرة من المكونات الأخرى للسلطة، أو إيثارها الموقف الصامت السلبي. كما ضعف الدور الحقيقي المأمول من المجلس الوطني مع توقيع اتفاقية هولير في تموز/ يوليو 2012، وبات منقادا خلف حركة كردية طارئة ذات خطاب ازدواجي آنذاك تجاه الثورة السورية. اتخذت هذه الحركة (حزب الاتحاد الديمقراطي PYD) واجهة لها، وفرضت وجودها بمرور الزمن وبوتيرة متسارعة معتمدة على الطابع العسكري، وبذلك تبدد صوت الشباب وتاهت الجماهير الكردية ونشطت ظاهرة الهجرة وهروب الكرد من استبداد الكرد.

لقد عانى المجتمع السوري الثائر عامة من تعثر حركة الثورة وانحرافاتها، وأضحى مختبرًا للتفاعلات الإقليمية والدولية ووجد الشعب نفسه وحيدًا إزاء الصمت العربي والتدخلات الإقليمية المؤازرة للسلطة، والوعود والاقاويل الدولية التي راوحت بين مزاعم الدعم اللامحدود، وصَدَقات الدعم الإنساني للمهجرين والنازحين والمحاصرين.

تشابكت خيوط الثورة في الداخل وتفرقت في الخارج، لينتهي كل خيط منها عند سند مأمول، فكان من الطبيعي أن تتمسك الحركة الكردية السورية بالقوى الكردي الخارجية، واختفت عن أطر المعارضة السورية التي لم تقدِّر جيّدًا أهمية وجود الحركة الكردية بينها، ولم تحسن التحاور والتمسك بوجودها معها إلّا في وقت متأخِّر جدًّا، وقد شجّع ذلك هيمنة القوى الكردية الخارجية على المواقف والقرارات الكردية السورية، وتراجع دور المجلس الوطني الكردي في المجتمع الكردي، وكذلك ضمن هيئات الثورة والمعارضة السورية.

يمكننا تلخيص الموقف الكردي السوري الحالي من الثورة في ثلاثة تيارات، هي:

  • تيار متحالف مع السلطة عمليا، معارض لها في مواقف إعلامية، وهو يتمثل في حزب الاتحاد الديمقراطي PYD والتنظيمات العسكرية المرتبطة به، وهو ليس تيّارًا جماهيريًّا ولكن التحولات الطارئة التي تشوّه صورة الثورة السورية تخدمه، وتثير النزعات العاطفية القومية لدى الجماهير الكردية الباحثة عن الأمان والعيش، والخائفة من المستقبل القريب والأخطار الوشيكة، فتحتمي بهذا التيار أحيانًا.
  • تيار المجلس الوطني الكردي الذي يعاني من تفكك أحزابه واختلافاتها، وهو دائم البحث عن تفاهمات توافقية قصيرة المدى، وعن محاور خارجية داعمة لاستمرار وجوده.

لقد أعلن المجلس لدى إعلان تأسيسه أنه جزء من الثورة السورية، ولكنه لم يترجم ذلك عمليًّا في الشارع الكردي، ولا في علاقته بالمعارضة السورية، ولا في اللقاءات والحوارات الدولية، إنّه يريد أن يكون كتلة مستقلة منزوية في خضم غمار الثورة. هذا الوضع مؤسف، ولا سيما إذا علمنا بأن التيار الأكثر جماهيرية بين الكرد السوريين، واعتقد أن قوى الثورة والمعارضة السورية، تتحمّل جزءًا من أسباب وضعه هذا، لأنها لم تحسن، ولم تنجح في التعامل معه، وفي كسب الراي الكردي العام.

  • التيار الثالث وهو تيار الشباب والمثقفين والمستقلين عمومًا، وهو يشكل شريحة واسعة تعدّ الأضخم عددًا، لعدم قناعتها ببيئة الأحزاب وانقساماتها المتكررة وضعف دورها وعددها الذي بلغ درجة غير طبيعية (أكثر من ثلاثين حزبا) والعلاقات القديمة لقسم منها مع السلطة المستبدة، وازدواجية موقفها من الثورة وارتهان قسم منها لتوجيهات وقرارات خارجية.

ولذلك ثار أنصار هذا التيار عفويًّا منذ بداية الثورة، ورفعوا ونشروا الشعارات التي تعزز التآخي والوحدة الوطنية ونشطوا إعلاميا في وجه السلطة، وأكدوا في ذلك كله حقيقة أن الكرد السوريين جزء فاعل مهم في الثورة من اجل إسقاط النظام، وبناء سورية جديدة لكل السوريين. وقد تعرض هذا التيار لمعاداة التيار الأول (PYD) الذي شنّ عليه هجمات شرسة، أودت بحياة عددٍ من الشباب الثائر الحر.

 

خاتمة: مستقبل سورية من وجهة نظر الكرد

أود في الختام أن أؤكد أمرين مهمين وهما:

  • الكرد مكوّن أصيل قديم في سورية، وإذا كان قسم صغير منهم قد انتقل من مناطق سورية انتزعت بمعاهدات دولية خارجة إطار إرادتهم إلى المناطق السورية التي تحدد بها إطار الدولية السورية في ما بعد، فهذا لا يعني اللجوء؛ بل عن حرصهم على التمسك بالوطن السوريّ، أمّا الزعم بأنهم انفصاليون فهو من اختلاق نظام البعث وآل الأسد لتحقيق غايات تخدمه دوام سلطتهم ولا تخدم سورية والشعب السوري.

ليس هناك أي حزب كردي سوري دعا في أدبيات السياسية إلى الانفصال، وما نسمعه هنا وهناك لا يعدّ عن الموقف الكردي العام أو الأكثرية وغالبا ما يكون ذلك عاطفيًّا حالمًا لجزء من الشعب، يحلم بأن يكون له يومًا كيانه السياسي الخاص، في ردَّة فعل على الاضطهاد المضاعف الذي عانى منه طويلًا.

  • هناك تجارب سابقة في تاريخ سورية الحديث عن اعتماد شكل الحكم “الاتحادي الفدرالي”، ويجب التدقيق فيها ودراستها بإمعان ومعرفة السلبيات والايجابيات. فإن رأى معظم السوريين أنه نظام إيجابي مناسب، فنحن الكرد سنؤيده، ولكنّنا لا نصرّ عليه وحدنا، لأنّ ذلك يتنافى مع المنطق، إذ لا يمكن لطرف واحد أن يصرّ وحدَه على الاتّحاد مع أطراف أخرى!

ولكننا في الوقت نفسه نؤكد لإخوتنا السوريين كافة أن تجربتنا مع نظام الحكم العسكري المركزي مريرة، وهو يؤدي بلا شكّ إلى الاستبداد، ولابد من أن نتجاوزه إلى حكم تعددي لامركزي في سورية جديدة موحدة، بل نحرص على أن يكون نظامنا اللامركزي متطوّرًا موسّعًا، يستفيد إيجابيًّا من جميع تجارب دول العالم لتحقيق أقصى درجات التقدم والحرية والتآخي، وتجاوز مرارة هذه التجربة القاسية التي نمر بها، وإعلاء مكانة سورية الجديدة.