عنوان المادة الأصلي باللغة الإنكليزية:Трудности палестинского единства: что сулит Ближнему Востоку примирение ФАТХ и ХАМАС
اسم الكاتبكسينيا سفيتلوفا
مصدر المادة الأصليمركز كارنيغي في موسكو
رابط المادةhttp://carnegie.ru/commentary/73420
تاريخ النشر16 تشرين الأول/ أكتوبر 2017
المترجمسمير رمان

 

 

 

المحتويات

مقدّمة

خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الخلف

نصف لحى وبناء شاهق

إغلاق الحدود

فرعون- الوسيط

وحدة غير مريحة

 

مقدّمة

من حيث الجوهر، تعترف حماس اليوم بإفلاسها، وتقترب من نهايتها تجربةٌ عمرها 10 سنوات، عاش قطاع غزة خلالها من دون كهرباء، من دون شبكة مياه، ولكن بوجود عددٍ كبيرٍ من الأنفاق وصواريخ “القسّام”. أصبح من الضروري الآن حلّ مشكلة غزة، وهذه المرّة هناك فرصةٌ أمام القطّاع؛ أتاحها الوضع الجيوسياسي المتغيّر، الكارثة الإنسانيّة الماثلة والمأزق العام الذي لا يُرى منه مخرج.

قال يحيى سنوار، زعيم حركة حماس في غزّة:

“أنا شخصيًّا سأكسر عنق كلّ من يقف ضدّ الوحدة الفلسطينية”.

لا يُعرف إن كانت تهديداته ساعدت أم لا، ولكن في 12 تشرين الأول/ أكتوبر التقى في القاهرة قادة أكبر حركتين فلسطينيتين متنازعتين، فتح وحماس، وصرحا مرّةً أُخرى، أنّهما توصلا إلى اتفاقٍ حول المصالحة الوطنية، وعرضا الاتفاق الموقّع واعدين بالعمل معًا لتحقيق المصالح الفلسطينيّة.

تولّت القاهرة مهمّة مصالحة الفلسطينيين، وكانت واشنطن على اطلاع بمجريات الأمور، إذ لم تستخدم الولايات المتحدة الأميركيّة الفيتو هذه المرّة لمنع تفاوضات الوحدة، وكذلك فعلت أورشليم التي أرسلت وفدها إلى القاهرة في يوم التوقيع على اتفاق المصالحة. اتفق الطرفان على نشر 3 آلاف عنصر من الشرطة الفلسطينية في القطاع، وعلى بدء التحضير لإجراء انتخاباتٍ، وكذلك توحيد هياكل قوى الأمن في غزّة والضفة الغربيّة بعنوان “سلطة واحدة، صوتٌ واحد، سلاحٌ واحد”.

انقضت 10 سنوات منذ الانقلاب العسكريّ في قطاع غزّة وهيمنة حركة حماس هناك، ووقعت ثلاث حروب مع إسرائيل.

أكثر من 10 سنوات لم يزر رئيس السلطة الفلسطينيّة محمود عبّاس القطّاع، حيث يعيش حوالى مليونين من الفلسطينيين. فهل ستتمكّن فتح وحماس، العدوّان الشرسان، هذه المرّة صوغَ معادلة تسمح لهما تقاسم السلطة تقاسمًا يلبّي مصالح مصر وإسرائيل والمجتمع الدولي، وكذلك الفلسطينيين أنفسهم؟

 

 خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الخلف

يجتمع ممثلو حركتي فتح وحماس مرّةً كلّ ثلاث سنواتٍ تقريبًا في القاهرة (وأقلّ في عواصم عربيّة أُخرى) ويعقدون اتفاقاتٍ في كلّ مرّة.  آخر هذه اللقاءات جرى عام 2014. في وقتها، أعلنت وسائل الإعلام الفلسطينية بابتهاج تشكيل حكومة وحدةٍ وطنيّة، وزار موظفون من رام الله قطاع غزّة، وأكّد رئيس اللجنة الانتخابية المركزيّة المعلومات حول إجراء انتخاباتٍ برلمانيةٍ ورئاسيّة خلال عام واحد.

قبلها، وقّع الطرفان عام 2011 على اتفاق القاهرة. وكان الحديث حينها يدور حول إجراء انتخاباتٍ برلمانية في غضون عامٍ، وعن انضمام حركة حماس إلى منظمة التحرير الفلسطينيّة، وتشكيل حكومة وحدةٍ وطنيّة وإلى آخره. قبل هذا، جرت لقاءاتٌ في العاصمة اليمنيّة والقطرية، وأيضًا في مدينة مكّة عام 2007.

شارك في التفاوضات من جانب حركة فتح المفاوض المخضرم عزام الأحمد عضو المكتب السياسي والوزير السابق. أمّا حركة حماس فقد مثّلها الدكتور موسى مرزوق، الرجل الثاني في قمةّ السلطة السياسيّة للحركة. كانت المصافحات والعناقات تذهب عبثًا على الدوام؛ فالانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربيّة يستمر، وبعد مرور بضعة أشهر، وأحيانًا أسابيع لم يكن شيءٌ يمنع “المشاركين في الحوار حول الوحدة” من كيل الشتائم والاتهامات، وإرسال الناشطين  من حركة حماس إلى خلف القضبان في سجون رام الله، ولم يمنع حركة فتحٍ من حرمان غزّة من الكهرباء، ومن التوقف عن دفع رواتب الموظفين. واستمر إطلاق الأوصاف المشينة من قبيل “ديدان الأرض”.

كما تبيّن التجربة، كان الطرفان في حال تسمح لهما بالاتفاق على تشكيلة الحكومة، وموعد الانتخابات وتعيين اللجان لحلّ بقية القضايا. ولكنّ التوصّل إلى اتفاقٍ بشأن أكثر القضايا إلحاحًا، على سبيل المثال سلاح حركة حماس والإشراف على حدود القطّاع، بقي حتى الآن غير ممكنٍ.

في الوقت الحالي، تغيّرت كثير من الشروط الأساسية، فقد أصبحت قطر، أهمّ رعاة حركة حماس معزولة، واضطرت السلطات فيها إلى طرد قادة حماس من الدوحة. وفي حركة حماس نفسها، وصل إلى السلطة “المحليون”- وتنازل سكرتير المكتب السياسي الدائم في الحركة، خالد مشعل لمصلحة يحيى سينوار، المولود في مخيّم خان يونس للاجئين. أجرت حركة حماس تصحيحاتٍ على ميثاقها، وأصبحت الأزمة الإنسانية المتفاقمة في القطاع تقوّض نفوذ الحركة وتخلق تربةً مناسبة لخصومها. وأخيرًا، أصبح من الضروري لعباس -رئيس السلطة الفلسطينيّة- أخذ رأي الشارع بالحسبان، حيث تؤيّد أغلبيته الساحقة الوحدة. ولكن، هل سيكون هذا كافيًا للمصالحة بين من لا يتصالح؟

 

نصف لحى وبناء شاهق

لفهم عمق الخلاف بين الفلسطينيين القوميين والإسلاميين، ستوجب العودة إلى الوراء عشرين عامًا وأكثر، وليس 10 أعوامٍ فقط. بعد التوقيع على اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، عاد زعيم منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح ياسر عرفات عام 1993 إلى غزّة. شغل ياسر عرفات وزملاؤه الذين قضى قسمٌ كبير منهم سنواتٍ طويلة معه بين لبنان وتونس المناصبَ الرئيسة قي الإدارة الوطنية الفلسطينية المقامة حديثًا. وقتئذ، أعلنت حركة حماس الإسلاميّة -التي أسّست في عام 1987 على أساس “المجمّع الإسلامي” القريبة من حركة” الإخوان المسلمين”- أنّها ترفض محاولات الاتفاق مع إسرائيل كلها، وترفض التخلّي عن أي جزء، مهما كان صغيرًا، من “الأراضي الفلسطينية التاريخية”. وفي حين كانت حركة فتح تبني المؤسسات الفلسطينية الوطنية، أنشأت حركة حماس ميليشيات مسلّحة -كتائب “عزّ الدين القسّام”- وراحت تنفّذ أعمالًا إرهابيّة ضدّ الإسرائيليين العسكريين والمدنيين. كان أنصار ياسر عرفات يغازلون حركة حماس تارةً، وتارةً أُخرى يعاقبونهم بأقسى الصور: على سبيل المثال، قام محمد دحلان، رئيس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة، بزجّ كبار قادة حماس في السجن في عام 1996، ونوعًا من الإهانة، أمر بحلق نصف ذقونهم.

في الوقت نفسه، دخلت التفاوضات الإسرائيليّة مع حركة فتحٍ في مأزق، إذ اتّهم كلّ طرفٍ الطرف الآخر بانتهاك كثير من بنود اتفاق أوسلو. أشار الفلسطينيون إلى مواصلة إسرائيل البناء في المستوطنات، في حين افترض الإسرائيليون أنّ ياسر عرفات لا يبذل جهدًا كافيًا في محاربة الإرهاب، الذي يرفع رأسه أعلى وأعلى كلّ يوم (في مرحلة ما كان يعرف بسنوات السلام، بدأ نشاط الانتحاريين، وكان الشهداء يفجرون أنفسهم داخل الحافلات والشوارع المزدحمة داخل إسرائيل).

استمرَّت حماس طوال هذا الوقت بإنشاء شبكةٍ من دور الحضانة والمدارس، وبتوزيع المعونات الإنسانيّة والهدايا في الأعياد، ومساعدة العائلات الفقيرة في إقامة حفلات الأعراس وجمع مهور العرائس. بعد اندلاع انتفاضة عام 2000، أصبحت حماس القوّة الرئيسة في غزّة. كانت السلطة الفلسطينية، التي حُرمت من كثير من الصلاحيّات والإمكانات غير قادرةٍ على وقف توسّع نفوذ الحركة الإسلاميّة “حماس” في أوساط الشباب الفلسطيني.

في عام 2005، عندما أقدمت إسرائيل من جانبٍ واحدٍ على القطع مع قطاع غزة، وسحبت جيشها ومستعمراتها من هناك، غدت حركة حماس، بحكم الأمر الواقع، الحاكم في القطاع. في عام 2006 شاركت حماس في الانتخابات البرلمانية لأول مرة، وحقّقت انتصارًا مذهلًا وغير متوقّع، وفي حزيران/ يونيو عام 2007 قامت بتمرّدٍ في غزّة، إذ استولى رجالٌ يرتدون اللباس الأسود على مقرّات السلطة الوطنية الفلسطينيّة، وتلقّى رجال شرطة حركة فتح الرصاص في ركبهم، ليسقطوا من سطوح المباني الشاهقة إلى أسفل. ها قد جاء الانتقام ممّن قام بحلق نصف لحى قادة حماس، وممّن نفّذ الاعتقالات ومارس أعمال الإهانة. بدءًا من عام 2007، بدأت حربٌ إعلاميّةٌ تدور بين غزّة ورام الله، ويتهم قادة حماس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية بعدم الشرعيّة، ومن جانبه لا يبدي عبّاس أيّ تقصيرٍ باتهام قادة حماس بالخيانة.

 

إغلاق الحدود

اكتسب موضوع المصالحة بين حركتي فتح وحماس، على الدوام أهميّة عالمية. فمن وجهة نظر المجتمع الدولي، تعدّ سلطة حماس في قطاع غزّة سلطةً غير شرعيّة. تحظى منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية وحدهما بالاعتراف الدولي، ويُنظر إلى محمود عبّاس ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني. أمّا حماس، فعلى العكس، تعدّ منظمةً إرهابيّة في كلٍّ من إسرائيل، الولايات المتحدة الأميركيّة والاتحاد الأوروبي.

في عام 2002، بعد انتصار حركة حماس في الانتخابات مباشرةً، قدّمت الرباعيّة الدوليّة (الأمم المتحدة، الولايات المتحدة الأميركية، الاتحاد الأوروبي وروسيا) للإسلاميين الفلسطينيين طلباتٍ عدّة: الاعتراف بوجود إسرائيل، الاعتراف بالاتفاقات التي سبق التوقيع عليها من السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة كافة، والتوقّف عن النضال المسلّح ضدّ إسرائيل. جاء ردّ حركة حماس على الرباعيّة بعد عامٍ، عندما سيطرت على المعابر الحدوديّة بين غزّة ومصر ومع إسرائيل وبدأت بحفر أنفاقٍ قتاليّة على الحدود مع إسرائيل، لخطف جنودٍ ومدنيين إسرائيليين. تواصل القصف الصاروخي على الأراضي الإسرائيليّة من أراضي غزّة. واليوم، يُنتج 70 في المئة من الصواريخ في قطاع غزة نفسه.

منذ سنوات عدّة وحدود غزة مغلقةٌ من الجانبين، فمن معبر آريل في إسرائيل، يعبر أولئك الفلسطينيون الذي حصلوا على إذنٍ مسبق من السلطات الإسرائيليّة، وبغرض الحصول على الرعاية الصحيّة في المستشفيات الإسرائيليّة فحسب. أمّا مصر فتبقي حدودها مع القطاع مغلقةً معظم الوقت. وتعطي بعض الاستثناءات في مدّة الأعياد الإسلاميّة. وهكذا تكون حركة حماس قد عزلت عمليًّا القطاع وسكانه عن العالم الخارجي.

ترتبط غزّة كليًّا بالمعونات الإنسانية الأمميّة، وتصل مستويات البطالة إلى 40 في المئة. أصبحت أوضاع السكان صعبةً جدًّا، خصوصًا بعد حرب 2014؛ هذه الحرب التي استمرّت 50 يومًا، دمّر خلالها كثير من المنازل السكنيّة، والمدارس والمستشفيات حيث كان مقاتلو حماس يطلقون منها صواريخهم على المدن والبلدات الإسرائيلية.

خلال مؤتمر المانحين، جُمع أكثر من 4 مليارات من الدولارات لتلبية حاجات القطاع، ولكنّ المانحين لا يتعجّلون دفع أموالهم، ما دامت حركة حماس تدير القطّاع. أولًا، لأنّ قسمًا كبيرًا من الأموال يصبّ في جيوب قادة حماس، ومن ثمّ ينفق على تسليح الإسلاميين. وثانيًا، ليس بمقدور أحدٍ أن يضمن ألا تقع حربٍ جديدة بعد سنوات عدّة، وعندها ستدمّر من جديد كلّ البنى التحتية. في هذه الأثناء تزداد الأزمة الإنسانيّة حدّةً في القطّاع، وستظهر آثارها قريبًا في مصر وإسرائيل.

 

فرعون- الوسيط

لا يستطيعون في مصر حتى اليوم نسيان أنَّهم كانوا يديرون قطاع غزّة طوال 19 عامًا، مع أنَّهم أرغموا على التخليّ عنه لإسرائيل بعد حرب عام 1967. يدّعي المصريون في خطابهم الرسمي، أنّهم يتعاطفون مع “الشعب الفلسطيني الشقيق”، مع أنّهم، في الخمسينيات من القرن الماضي فعلوا كلّ ما استطاعوا حتى لا يمكنوا الفلسطينيين الدراسة في الجامعات المصريّة، وفي العقد الأول من الألفية الثالثة أغلقوا حدودهم مع غزّة معظم الوقت.

القضايا الأمنيّة هي التي تحدّد العلاقات بين مصر وقطّاع غزّة قبل أيّ شيءٍ آخر. ما دامت حماس لا تعرقل مصر، فإنّ مصر لا تعرقل حماس. ولكن تدهورت العلاقات نهائيًّا، حالما عُرف أنّ جزءًا من حماس يتعاون مع تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء، ويقدّم لها الخبراء ويعالج المصابين في مستشفياتهم.

ولكن بعد وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في مصر، تبيّن أنَّ حماس كانت تقوم بأعمالٍ تخريبيّة على الأراضي المصريّة وحتى أنّها ساعدت كثيرًا من الإسلاميين على الفرا ر من السجون بعد ثورة التحرير عام 2011. منذ ذلك الوقت، تراجع التضامن المصري مع حماس، وخلال السنوات الأخيرة أعلنت القاهرة رفض أيّ جهد وساطة للمصالحة مع حماس.

فما الذي حدث الآن؟ لقد أصبحت حماس ضعيفةً بالفعل بعد خسارتها أنصارها القطريين، وتراجع إمكان إغراء حماس بالانحياز إلى جانبها، -وهذا انتصارٌ آخر على قطر. وبهذا، يحلّ المصريون مسألة الأمن على حدود سيناء مع غزّة- إذ بادرت سلطات حماس إلى إقامة منطقة عازلة في غزّة وتعهدت بوقف أي تواصلٍ مع عناصر تنظيم الدولة المحليين. وبهذا، تعود مصر لأداء دور الوسيط ذي النفوذ القويّ، القادر على تحريك الصخرة الجاثمة على طريق الوحدة الفلسطينيّة، ويفصم العرى التي تربط قطر وحماس، وتحلّ مشكلة التعاون بين حماس وتنظيم الدولة الإسلاميّة.

 

وحدة غير مريحة

على الرغم من الأجواء الإيجابية السائدة عمومًا في تفاوضات القاهرة، تبقى مسألتان خلافيتان: النقاط الحدودية ونزع سلاح حركة حماس. إلا أنّ الأمر الأكثر خطرًا بالنسبة إلى الفلسطينيين أنفسهم، وكذلك بالنسبة إلى جيران غزّة، هو مسألة نموذج الحزب الله في القطاع. إذا اقتصرت عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزّة على مستوى السلطات الإداريّة (لتحصيل الضرائب ورعاية حاجات السكان المعيشيّة اليوميّة)، فإنّ هذا يعني أنّ غزّة ستبقى مكانًا قابلًا للانفجار، حيث يعلو صوت الداعين إلى إزالة إسرائيل.

في الوقت الحالي، يصرّح قادة حماس علنًا، أنّهم لن يتخلوا عن “سلاح المقاومة”، مستخدمين المصطلح نفسه الذي يستخدمه حزب الله في لبنان. في نهاية الأمر قد يوجَّه هذا السلاح ضدّ فلسطيني حركة فتح، كما حدث سابقًا في الماضي.

في اللحظة الراهنة، لا تتعلّق الأمور كلها بيد قادة حركتي فتح وحماس وحدهم، ولكن تتعلق بالدول المانحة، والأمم المتحدة والعالم العربي. فإذا كانوا سيعدّون سلاح حماس وسيطرتها على المعابر الحدودية أمرًا مسلّمًا به، فإنّ اتفاقهم لن يساوي قرشًا واحدًا، لأنَّه لن يصمد سوى بضعة أشهر، وربما يسبّب اندلاع حربٍ جديدة.

على سبيل المثال، من الصعب الآن فهم بند الاتفاق الذي يقول بـ “توحيد السلطات الأمنية في القطاع والضفّة الغربية”. فهل يعني ذلك توحيد الجهات الأمنيّة، التي تدعمها الولايات المتحدة الأميركيّة، مع الجناح العسكري لحماس “كتائب عزّ الدين القسّام” التي كان مقاتلوها حتى الآونة الأخيرة يقصفون إسرائيل بالصواريخ ويهدّدون بـ “مسح الكيان الصهيوني”؟ وماذا سيكون مصير ترسانة الصواريخ التي بحوزة حماس؟ وهل ستوضع هذه الترسانة بعهدة السلطة الفلسطينية؟ ومن ثمَّ لا يمكن إلا أن يطرح السؤال المثير: ماذا سيحدث لهذا الاتفاق، في حال إجراء انتخابات في مناطق السلطة الفلسطينية، وفوز حركة حماس فيها؟ فهل سيكون عندها بانتظار الشرق الأوسط عشر سنوات أُخرى من المساعي والمحاولات لتدوير زوايا المربع لتحويله إلى دائرة؟

والآن، كيف ستكون ردّة فعل إسرائيل على الاتفاق بين فتح وحماس؟. من جهة، إذا كان توحيد فتح وحماس ناجحًا، فإنّ ذلك سيسحب البساط من تحت قدمي أولئك الذين يتهمون محمود عبّاس بعدم الكفاية، وبأنّه لم يزر القطاع طوال 11 عامًا ماضيات. ولكن ماذا سيحدث لحظة توجّهه إلى القطاع، وهذا قد يكون خلال شهرٍ واحد؟.

كثير من ممثلي الجناح اليميني سيقولون إنّ عباس يتماهى مع الإرهابيين، وسيبرم معهم تحالفًا. ردات الفعل هذه جميعها معروفة جيدًا، فهذه ليست المرّة الأولى التي تبرم اتفاقاتٌ مشابهة. في إسرائيل يوجد بالفعل إجماعٌ بالنسبة إلى السيطرة على حدود القطّاع، تجب عودة قوات السلطة الفلسطينية، وكذلك بالنسبة إلى نزع سلاح حركة حماس. ولكن ماذا لو جاءت نتائج الاتفاق بهذا وذاك؟. من الصعب حاليًّا التصديق بذلك، إذا أخذنا بالحسبان وفرة المشكلات التي يمكن أن تعوق تنفيذ الاتفاق. إذا حدث هذا فجأةً، فسيكون على القيادة الإسرائيلية تقويم الوضع الجديد بعناية. ولكن لن يكون بمقدور إسرائيل حينها رفض تفاوضات السلام بذريعة غياب تفاهم الفلسطينيين في ما بينهم أو بأنّ حماس تهيمن على غزّة.

وهكذا، وبعد توقيع اتفاق المصالحة يمكن أن تبدأ مرحلةٌ جديدة من حياة القطاع، وقد لا تنطلق. إذا قبلت حماس بنزع سلاح جناحها العسكريّ ونقل الإشراف على الحدود إلى السلطة الفلسطينية، فستنطلق في غزّة حملة الإعمار وستتدفق استثماراتٌ ضخمة وستبدأ المساعدات الإنسانية الحقيقية بالوصول.

عمليًّا، سيحصل كلّ ما كان سيحصل بعد الانسحاب الذي جرى من طرفٍ واحد. عندها في أيلول/ سبتمبر عام 2005، بوصفي صحافيًّا شهدت النشاط المكثف الذي شهده قطاع غزّة على يد مقاتلين من الإمارات العربية المتحدة ومصر، المستثمرون من أوروبا والعالم العربي. كلّ شيءٍ انتهى بعد الانتخابات المصيرية التي جرت عام 2006 وما تلاها من قرارات اتخذتها حماس بعد التخلي عن أيديولوجيتها الإسلاميّة التي تحمل الموت. لقد دفع كثير من الفلسطينيين حياتهم وصحتّهم ثمنًا لهذا القرار.

من حيث الجوهر، تعترف حماس اليوم بإفلاسها، وتقترب من نهايتها تجربةٌ عمرها 10 سنوات، عاش قطاع غزة خلالها من دون كهرباء، من دون شبكة مياه، ولكن بوجود عددٍ كبيرٍ من الأنفاق وصواريخ “القسّام”. أصبح من الضروري الآن حلّ مشكلة غزة، وهذه المرّة هناك فرصةٌ أمام القطّاع أتاحها الوضع الجيوسياسي المتغيّر، الكارثة الإنسانيّة الماثلة والمأزق العام الذي لا يُرى منه مخرج.

من المخيف التفكير بما سيحدث، إذا لم تستغلّ هذه الفرصة السانحة.