المحتويات

خلاصة موجزة

حربٌ انتقائيّة

الأهداف والإستراتيجية الروسية

عمل الطيران الروسي

حرب التحالف

الخسارات

الخسارات في صفوف المدنيين والحرب الإعلاميّة

الحرب والسلام

نتائج أولية

ملاحظات

 

عنوان المادة الأصلي باللغة الروسيةРоссия воюет по-новому
اسم الكاتبديمتري ترينين/ مدير مركز كارنيغي موسكو
مصدر المادة الأصليمركز كارنيغي في موسكو
رابط المادةhttp://carnegie.ru/2017/06/01/ru-pub-71303
تاريخ النشر1 حزيران/ يونيو 2017
المترجمسمير رمان

 

 

خلاصة موجزة

لم تكن العملية العسكرية الروسية في سورية هي العملية الأوسع نطاقًا، من حيث استخدام القوات المسلحة للبلاد خارج حدودها، منذ حرب السنوات العشر في أفغانستان، بل كانت أسلوبًا مختلفًا تمامًا من حيث شنّ الحرب مقارنةٍ بما سبق لموسكو أن قامت به.

لجأت روسيا إلى استخدام القوة العسكرية على مدار أكثر من قرن في المناطق المحيطة بالشرق الأوسط. وقد حاضت مع الإمبراطورية العثمانية وحدها 12 حربًا، كان آخرها في أثناء الحرب العالمية الأولى، إذ حارب الروس الأتراك على أراضي شرق الأناضول. إلا أنّ القوات الروسية احتاجت في القرن التاسع عشر إلى خمسين عامًا للتغلب على مقاومة سكان جبال شمال القوقاز. وفي النصف الثاني من القرن المذكور، تمكّنت الإمبراطورية الروسية إخضاع تركستان- آسيا الوسطى الحالية، وبعد ثورة أكتوبر تمكن الجيش الأحمر من كسر مقاومة “الإقطاعيين” المحليين وأجبر من سلم منهم (الباسماتش) على الهرب إلى أفغانستان المجاورة. بعد مرور 50-60 عاما، انضمّ بعضٌ من أحفاد هؤلاء إلى صفوف المجاهدين الأفغان، الذين كانوا يقاتلون القوات السوفيايّة هناك. وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي، سارعت روسيا الاتحادية للتدخل في الحرب الأهلية في طاجكستان، لتؤمِّن في ما بعد تسويةً سلميّةً في هذه الجمهورية السوفياتيّة السابقة، ومن ثمّ قامت روسيا بشنِّ حملتين عسكريتين في شمال القوقاز، وخصوصًا في جمهورية الشيشان. إلا أنّ الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفياتي لم يقوما بعملياتٍ عسكريةٍ مباشرة في دول الشرق الأوسط العربية. عام 2015، تغيّرت الأوضاع: فقد أصبحت روسيا مشاركًا مباشرًا في النزاع السوريّ.

لم تكن العملية العسكرية الروسية في سورية هي العملية الأوسع نطاقًا، من حيث استخدام القوات المسلحة للبلاد خارج حدودها منذ حرب السنوات العشر (1979- 1989) في أفغانستان، بل كانت أسلوبًا مختلفًا تمامًا في شنّ الحروب، مقارنةٍ بما سبق لموسكو وأن قامت به.

أولًا، هي عمليّة استطلاعيّة، فروسيا تحارب على أراضي دولة لا حدود لها معها.

ثانيًا، العمليات القتالية تنفذها القوات الجويّة بالدرجة الأولى؛ وفي بعض الأحيان تشارك قوات الأسطول البحري، قوات الدفاع الجويّ، وحداتٌ من المدفعيّة، مشاة البحرية، وحداتٌ من القوات الخاصّة، الدعم العسكري. غير أنَّ القوات البريّة الروسية لا تشارك في النزاع.

وثالثًا، يدور الحديث عن حرب تحالفيّة: فلتحقيق الأهداف الموضوعة، يجب استثمار الضربات الجوية الروسية من قواتٍ بريةٍ على الأرض. وهذه القوات تابعة لدولٍ أُخرى، دخلت روسيا معها عمليًا في تحالف.

 

حربٌ انتقائيّة

في سورية، روسيا بالتحديد هي من قرّر إن كان عليها التدخُّل أم أن تبقى تشاهد كيف يتداعى نظام بشار الأسد، وكيف ينتصر جهاديو تنظيم “الدولة الإسلامية” المحظورة في روسيا الاتحاديّة، وكيف تنهار البلاد. بلا شكّ، سيتعيّن على القيادة الروسيّة مواجهة النتائج السلبيّة المحتملة لهذه العمليّة، ولكن في البداية ستعاني من هذه النتائج دولٌ أُخرى، من ضمنها تركيا ودول الاتحاد الأوربيّ. لقد كان الأسد من الأصول القيّمة، إذ رفض الاستسلام للغرب، وللمعارضة وغيرها من مختلف أنواع الجهاديين، وهو حليفٌ قريبٌ لدرجةٍ لم يكن من الممكن التخلّي عنه. وكان من الممكن جدًا، أنْ يجري الإقرار بأنّ الفوضى تعمّ الشرق الأوسط وأنَّ هذه الحالة قد تستمر أكثر من عقدٍ من الزمن، وبهذا يكون التدخُل في تلك “الخبيصة” ليس فقط لن يكون مفيدًا، ولكنَّه أيضًا يحمل في ثناياه أخطارًا لا تحصى. ففي روسيا، لم تزُل بعد “أعراض المتلازمة الأفغانيّة”، التي تجبر موسكو على الحذر من التدخل في مغامراتٍ خارجية في الدول الإسلاميّة. وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية لم تستطع السيطرة على الوضع في منطقة الشرق الأوسط، فكيف ستكون حظوظ روسيا، خصوصًا في أوضاع نزاعٍ مستمرٍ في أوكرانيا وفي ظل توتر المواجهة مع الغرب؟ أليس من الحكمة أكثر أن يجري التركيز على تأمين أمن بلادنا نفسها في مواجهة التطرف الإسلامي والأصولية وتقديم أقصى دعمٍ لحلفاء موسكو في آسيا الوسطى- وهي المنطقة، التي لا يمكن لموسكو التخلّي عنها للجهاديين؟

من الممكن، أن يكون البعض في الدوائر الرسمية الروسية قد فكَّر بهذه الصورة، ولكن ليس الرئيس بوتين. وكما كان الأمر قبل عامٍ ونصف العام في شبه جزيرة القرم والدونباس، عندما قام الرئيس بخطوةٍ إلى الأمام، وليس إلى الخلف. ومن جديد، أخذ بوتين زمام المبادرة على عاتقه بما يتناسب والدرس الذي استوعبه منذ كان تلميذًا في لينينغراد: “إذا كان العراك حتميًّا، اضرب أولًا”. وإذا كان الكرملين قد عدّ العمل العسكري في أوكرانيا عام 2014، دفاعًا إستراتيجيًّا عن المجال الأمني لروسيا وضربةً معاكسة بتلك القوى التي تحاول التوغل داخل هذا المجال الحيوي لروسيا، فإنَّ العملية العسكرية في سورية كانت خطوةً هجوميّةً واستباقيّةً في الوقت نفسه.

إنَّ استعداد بوتين بعدم الإحجام عن القيام بخطواتٍ حاسمة، بل الانتقال إلى الهجوم تشبه كثيرًا ذاك الخيار الذي اتخذه في أيلول/ سبتمبر من عام 1999: عبور “تيريك” والتوغل في عمق مناطق جمهورية الشيشان، للقضاء على الإرهابيين، وليس الوقوف عند سفوح الجبال ومحاولة عزل الخصم. عندها -وربما الآن- كان بوتين المناصر الوحيد لمثل هذا النهج الاستباقي الحاسم بهذه الدرجة في قيادة البلاد المدنيّة. ولكن عندها، وبالطبع الآن، كانت القيادة العسكرية والأمنية تدعمه. وكان التحديّ مجهول النتيجة!

بالنسبة إلى روسيا، سورية ليست فقط إحدى الدول العربية. فقد كانت سورية منذ أيام الاتحاد السوفياتي، زبونًا كبيرًا للأسلحة السوفياتية (1). ومنذ عام 1971، أصبح لروسيا على الأراضي السورية في مدينة طرطوس قاعدةً بحرية تؤمن الإمداد والخدمات التقنية للقوات البحرية، مع أنّ هذا الموقع فقد كثيرًا من أهميته في التسعينيات وحتى بداية العقد الأول من الألفية، واقتصر الطاقم العامل فيه على 50 فردًا لاغير. ولكن مع بداية عملية تحديث القوات المسلحة الروسية، بدأت قيادة الأسطول الروسي، ابتداء من عام 2008، بوضع الخطط لتحويل هذه المنشأة بحلول عام 2020 إلى قاعدةٍ عسكرية – بحريّةٍ كاملة المواصفات. كانت موسكو تبحث أيضًا عن إمكاناتٍ أُخرى لتأمين نشاط أسطولها في البحر الأبيض المتوسط من قبرص “ميناء ليماسول” وحتى الجبل الأسود. وليس بأقلّ أهمية، أنّ سورية كانت منذ منتصف الخمسينيات مركز النفوذ السياسي السوفياتي ووجود عناصر استخباراته في المنطقة. ففي تلّ الحارّة (محافظة درعا)، كان لروسيا نقطة تجسس رادارية لمراقبة نشاط إسرائيل. وقد تعلّم كثير من ضباط القوات المسلّحة السورية في الاتحاد السوفياتي، واقترن كثير منهم بزوجاتٍ روسيات. في التسعينيات من القرن الماضي، وفي أثناء الحرب الشيشانية، تعاونت أجهزة الاستخبارات السورية مع موسكو، لمنع الشراكسة السوريين في الشتات من دعم الإرهابيين الذي كانوا يواجهون روسيا.

بدأت الحرب الأهلية في سورية عام 2011، ومنذ البداية، وعلى الرغم من النقد غير المعلن لسياسة الأسد القاسية، كانت موسكو تدعم دمشق. وبغضّ النظر عن الجذور الاجتماعية – الاقتصادية، الديموغرافية والسياسية، كان الكرملين ينظر إلى “الربيع العربي”، في حقيقة الأمر، بوصفه عاملًا لعدم الاستقرار في منطقةٍ هائلة، التي على الأرجح سيستغلّها الإسلاميون. إضافة إلى ذلك، عدّ كبار المسؤولين الروس، خصوصًا بعد حوادث 2011 في ليبيا، أنّ الأميركيين يستغلون “الربيع العربي” للتخلّص من الأنظمة التي لا تلائمهم ولتعزيز نفوذهم في المنطقة بطريق “تغيير أحصنة العربة”، أي الخلاص من الحكام الدكتاتوريين القدامى و”ترويض” خلفهائهم الإسلاميين. وبهذا، هدفت روسيا بدخولها النزاع السوري إلى 1) منع المعارضة من إسقاط النظام العربي التالي و2) حرمان الولايات المتحّدة الأميركية من إمكان التدخل وتغيير النظام وفق السيناريو الليبي الذي لم يعجب واشنطن يومًا. ورفعت موسكو شعارها على النحو الآتي تقريبًا: لن تكون سورية ليبيا أُخرى.

مع تعقّد وضع الحكومة السورية، ازداد توريد الأسلحة الروسية إلى دمشق (2)، وتغيّرت تشكيلتها بما يتلاءم مع العمليات التي تهدف إلى مواجهة هجمات خصومها. دافعت روسيا عن سورية على الساحة الدبلوماسيّة، ووضعت الفيتو (غالبًا مع الصين) على مشروعات قرارات مجلس الأمن جميعها، وكان يمكن أن تصبح بمنزلة قاعدةٍ للتدخل الدولي مستقبلًا.

وعلى الرغم من ذلك، ومع بداية عام 2015، كانت القوات السورية مضطرةً إلى التراجع في محافظات إدلب ودرعا، وخسرت تدمر. وكان من الواضح أنّ قوات الأسد لن تصمد أمام ضغط تحالف مجموعات المعارضة” جبهة النصرة”، “جيش الفتح”، “أحرار الشام”، و”جند الأقصى” وكان بعضها يتلقى دعمًا جديًّا من المملكة العربية السعودية، تركيا وقطر. توصّل المحللون لدى الدوائر الحكومية الروسية إلى استنتاجٍ، بأنَّ هزيمة الأسد أصبحت حتميّة. وفي النتيجة، ظهر احتمال انهيار ليس آل الأسد فحسب، ولكن مجمل الدولة السورية وانتصار الإسلاميين المتطرفين من “جبهة النصرة” و”الدولة الإسلاميّة”.

وبحسب فلاديمير بوتين، من غير المسموح به ترك الأمور تتطور على هذا النحو، لأنّ نتائجه ستكون خطرةً للغاية. وكان بوتين قد وصل إلى السلطة في روسيا بصفته مناضلًا لا يعرف الرحمة مع الإرهابيين وكافة الجهاديين، وأنّه مستعدٌ للذهاب إلى النهاية في التعامل معهم. في عام 1999، عدّ بوتين هجوم “شامل باساييف” على داغستان، يهدد بزرع عدم الاستقرار في مناطق روسيا المسلمة كافة. وعندها ستكون العلاقة بين إرهابيي شمال القوقاز الروسي وإخوتهم في العالم العربي قويةً ومتينة. في شمال القوقاز، قضت قوات الأمن الروسية على عددٍ كبير من “الأمراء” العرب، أي، قادة ميدانيين. وبحسب رأي بوتين، فإن خطر استيلاء ” الدولة الإسلامية” وغيرها من المجموعات الجهادية على سورية عام 2015، كانت تمثّل خطرًا حقيقيًا على جيران روسيا المباشرين دول آسيا الوسطى، وكذلك بعض المناطق الروسية نفسها. ولهذا، رأى أنَّ بقاء روسيا مكتوفة اليدين أمرٌ غير ممكن. عندها تلقت وزارة الدفاع أمر القائد العام الأعلى بالاستعداد للقيام بعملية عسكريّةٍ في سورية. للمرّة الأولى في تاريخها، كان على روسيا أن تشارك مباشرة في عملياتٍ عسكرية واسعة في دولةٍ عربية.

بداية؛ زادت روسيا مساعدتها العسكرية لجيش الأسد. وأرسلت وحداتٍ خاصّة لرفع دقّة الضربات الجوية السورية. وفي الوقت نفسه، أرست روسيا تعاونًا مع حلفائها على الأرض. فبعد أن نسّقت مع موسكو، أرسلت طهران إلى سورية آلاف المقاتلين الشيعة من العراق وأفغانستان يرافقهم مستشارون من “فيلق حراس الثورة الإسلاميّة” ومن تشكيلات ” الباسيج” شبه العسكرية. من جانبٍ آخر، أرسل حليف إيران اللبناني” حزب الله وحداته إلى شمال سورية (3). غير أنّه تبيّن أنَّ هذه الإجراءات لم تكن كافيةً لتثبيت وضع قوات الأسد. كان الوضع في سورية بالنسبة إلى قيادة روسيا السياسية- العسكرية جزءًا فقط من الصورة العامّة. فابتداء من ربيع 2015، كانت موسكو قلقةً بشأن الوضع الأمني في دول منطقة آسيا الوسطى. ففي أفغانستان، تزايد نشاط حركة طالبان والمقاتلين الفارين إليها من دول آسيا الوسطى؛ وفي سورية والعراق كان “تنظيم الدولة الإسلامية” يشتدّ صلابةً؛ ونحول عدم الاستقرار في طاجاكستان عام 2015 على تمرّدٍ ضمن الجيش الطاجيكي. كان من الممكن أن يؤدي تزايد التوتر في تلك البلدان إلى توتر أكبر في الوضع عمومًا. إضافة إلى ذلك، كان في دولتين كبيرتين من دول المنطقة -كازاخستان وأوزبكستان- مطروحًا على الأجندة مسألة تغيير السلطة، وذلك للمرّة الأولى في تاريخهما الحديث.

وبتأثير ذلك، وصلت كميات الأسلحة الروسيّة المرسلة إلى سورية في صيف عام 2015 إلى مستوياتٍ لم يسبق لها مثيل. عدا ذلك، بدأت روسيا بإقامة البنية التحتية اللازمة، ما أوحى بنيّة روسيا في التدخل مباشرةً في الصراع. وأدرك من كان يتابع بانتباهٍ الحوادث، أنّ التدخل العسكري الروسي قد أصبح حتميًّا.

أصبح التمسّك الواضح بالشكليّات القانونية إحدى المزيات الفارقة في أسلوب القيادة الروسية الحالية. فمن الناحية الرسميّة، انخرطت روسيا في النزاع السوري بناءً على طلبٍ رسميّ من حكومة البلاد، إذ أنَّه على الرغم من مقاطعته من أغلب الدول الغربية، وتعليق عضوية دمشق في جامعة الدول العربية، فإنّ نظام الأسد ما يزال كالسابق ممثلًا في الأمم المتحدة. إضافة إلى ذلك، ما زالت روسيا والجمهورية العربية السورية مرتبطتان باتفاق التعاون المبرم منذ عام 1980، الذي على الرغم من أنَّه لا يعد اتفاقًا للتعاون العسكري فهو يأخذ بالحسبان إمكان تقديم المساعدة العسكريّة. في الـ 30 من شهر أيلول/ سبتمبر، تقدم بشار الأسد بطلب رسمي إلى موسكو لتقديم مثل هذه المساعدة. وفي اليوم نفسه، لبّى فلاديمير بوتين الطلب، وصادق مجلس الاتحاد الروسي على الفور على استخدام القوات الروسية في سورية. قبل شهرٍ واحد على هذه التطورات، أبرمت موسكو ودمشق اتفاقًا لنشر طائراتٍ روسية في سورية، وفي النصف الثاني من شهر أيلول/ سبتمبر بدأت الطائرات بالوصول إلى سورية عبر إيران والعراق.

نهاية أيلول/ سبتمبر عام 2015، توجّه فلاديمير بوتين إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة. وهناك انتقد بشدّةٍ سياسة الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول الغربية في الشرق الأوسط، متسائلًا: “قد تكونون مدركين الآن ما فعلتموه؟”(4). وفي الخطاب نفسه، دعا بوتين الولايات المتحدة الأميركية ودول المنطقة الإقليمية للانضمام إلى روسيا في تحالفٍ عريض لمحاربة الإرهاب- وبذلك يكون قد كرّر دعوته التي أطلقها في شهر آب/ أغسطس.

وكان القلق المتصاعد الذي تبديه الولايات المتحدة الأميركية بشأن أهداف النشاط العسكري الروسي في سورية، قد أجبر الرئيس باراك أوباما، خلافًا لنصائح مستشاريه، على لقاء الزعيم الروسي في 28 أيلول/ سبتمبر “على هامش” اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة. كان اللقاء أول لقاءٍ ذي مضمون بين الرئيسين منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية وتصريحات واشنطن عن نيتها بـ “عزل روسيا”. وبهذا، وفي وقتٍ كان الوجود الروسي في سورية يتزايد بسرعة، أجبر بوتين نظيره الأميركيّ على التخلّي عن سياسته الخاصّة والدخول في حوارٍ مع رأس الدولة الروسية. خلال اللقاء، أبلغ بوتين أوباما أنّه بصدد إصدار الأمر للقوات الجويّة الروسية لبدء العملية العسكرية في سورية.

 

الأهداف والإستراتيجية الروسية

كان السبب الرئيس لدخول روسيا في الحرب هو الحيلولة دون هزيمة جيش الأسد ومنع انهيار الدولة السورية، الأمر الذي كان سيشكٍّل انتصارًا ضخمًا لإرهابيي “داعش” بما يتضمَّنه من نتائج ثقيلة بالنسبة إلى المنطقة برمّتها. بهذا الأمر كانت ترتبط تصورات عملية أُخرى: عدم تمكين الجهاديين، ذوي الأصول الروسية وغيرها من مناطق آسيا الوسطى (بحسب التقديرات حوالى 7000 مقاتل)، والمتمرّسين في القتال الفرصة للعودة إلى بلدانهم وزعزعة الاستقرار في المناطق التي جاؤوا منها. منطقيًا، لتحقيق هذا الهدف يجب القضاء عليهم في سورية.

غير أنَّه كان لعميلة التدخل العسكري في سورية أهدافًا أكثر شموليّةً، وأكبر من سورية وحتى من الشرق الأوسط برمتّه.

فالعملية السورية، جاءت في عقب اندلاع الأزمة الأوكرانية مباشرة، وكانت الخطوة الجديّة الثانية من جانب موسكو في مواجهة النظام العالمي السائد، حيث تهيمن الولايات المتحدة الأميركية فيه. في واقع الأمر، لم تخرق موسكو فقط “المحرمات” غير المعلنة التي سادت بعد انتهاء الحرب الباردة بشأن عدم استخدام القوة من دون موافقة واشنطن، بل أرسلت قواتها للمرّة الأولى خارج حدود الاتحاد السوفياتي السابق، لتمركزها في قلب الشرق الأوسط. أكثر من ذلك، دعمت روسيا، عسكريًّا، حكومة تعد من وجهة نظر الولايات المتحدة الأميركية حكومةً غير شرعية، وبدأت بتوجيه الضربات لتشكيلاتٍ تسلِّحها وتدرّب عناصرها وتموّلِها واشنطن. ولأوّل مرّةٍ في التاريخ، تشارك موسكو وواشنطن في أعمالٍ حربية داخل الدولة نفسها، وبدرجةٍ ما على جانبي مختلفين من الخنادق. في أثناء الحرب الباردة، كانت دولةٌ واحدة فقط تقاتل مباشرةً في كوريا، فيتنام أو أفغانستان، في حين كانت الدولة الأُخرى تدعم دعمًا غير مباشر خصوم الدولة الأولى.

والآن، أصبح هدف موسكو الرئيس واضحًا: العودة بروسيا إلى الساحة العالمية بصفتها دولة عظمى. فهذا التعريف ينطبق على أي دولةٍ قادرةٍ على الرغم من كلّ شيءٍ على اتباع سياسةٍ مستقلّة باستخدام الطرائق الدبلوماسيّة والعسكرية في أكثر مناطق العالم تعقيدًا وتشعبًا في الشرق الأوسط، وتحقيق نجاحاتٍ ملموسة. بقيامه بذلك، أرادت روسيا إجبار الولايات المتحدة الأميركيّة الاعتراف لها بوضعها المكتسب من جديد بوصفها دولة عظمى. لم تكن إرادة روسيا إخراج الولايات المتحدة من المنطقة: فليس لدى السلطات الروسية لا المصلحة ولا الإمكانات لسدّ الفراغ الذي يمكن أن يحدثه خروج الولايات المتحدة من المنطقة. كانت محاولةً من موسكو للحصول من واشنطن على الاعتراف بروسيا شريكًا مساويًا لها في المستوى السياسي (من خلال التوصل معًا إلى حلٍّ سياسي في سورية)، وكذلك في المستوى العسكري (بالقيام بضرباتٍ مشتركة على مواقع داعش). وفي الحالة الأخيرة بعد الحرب العالمية الثانية يظهر تحالفٌ، لا تكون فيه الولايات المتحدة الأميركية وحدها من يلعب الدور القيادي.

من الواضح، أنّ إستراتيجية روسيا أخذت تثبيت نظام الأسد بالحسبان بالدرجة الأولى. ولتحقيق ذلك تطلَّب الأمر إضعاف خصومه من خارج تنظيم الدولة الإسلاميّة (الإسلاميين والمعتدلين) وطردهم وإجبارهم -ولكن ليس بصورةٍ كاملة- على الجلوس إلى طاولة التفاوضات مع دمشق. ومن المتوقّع أن يجري من خلال العملية التفاوضية بين الأطراف، التوصل في نهاية الأمر إلى اتفاق بشأن تقاسم السلطة في سورية المستقبلية. كان من المفترض أن يقود التفاوضات ويوجّهها كلٌّ من الولايات المتحدة وروسيا معًا. في المرحلة الأولى، كان من المفترض أنّ تبقى الضربات على مواقع داعش- التي أعلنت هدفًا لتدخل روسيا العسكري في سورية- في المرتبة الثانية. وفي المرحلة الثانية، عندما تكون العملية السياسيّة قد أُطلقت، توجد روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة جهدهما ضدّ الدولة الإسلاميّة وأن تستفيد من ضرباتهما القوات الحكومية السورية وقوات المعارضة وكذلك الأكراد.

عندما قررت روسيا إرسال قواتها إلى سورية، كانت القيادة الروسية قد تمكّنت من التخلص من “العقدة الأفغانية”، التي فرضت عدم التدخلّ في البلدان الخارجية ذات السكان المسلمين. إلا أنّ الكرملين يهتمّ مع ذلك، بألا تنقلب العملية السورية إلى تصعيدٍ، كي لا يحدث توسيعٌ بطيء واسع للعمليّة وتعلق روسيا فيها: لذا وضع الكرملين معطياتها وحدودها. وباعتماد النظام السوري العلوي وإيران، العراق وكذلك “حزب الله” حلفاء له، فإنَّ بوتين لم يكن يخشى احتمال نشوب نزاعٍ مع المكونات السنَّية خارج حدود روسيا وداخلها، إذ يشكّل السنَّة أغلب المسلمين. وبإدراكه ضرورة تقويم العامل الطائفي، تواصل الكرملين مع الدول السنيّة المهمّة جميعها في المنطقة ومدّ يده إلى المجتمع المسلم داخل روِسيا نفسها، إذ شارك بوتين شخصيًّا في افتتاح أكبر مسجدٍ في مستوى البلاد في موسكو.

 

عمل الطيران الروسي

مقارنةً بأساليب الأعمال القتالية التقليدية، نجد أنّ الأساليب التي تعتمدها القوات المسلحة الروسية في سورية تجري بشكلٍ غير معتادٍ للغاية. فقد شاركت فيها القوات الجوية – الفضائية قبل كلّ شيء آخر. في حين كانت قوات الأسطول البحري الحربي تقدّم لها الدعم اللازم؛ فمن سفن أسطولي بحر قزوين والبحر المتوسط أُطلقت الصواريخ المجنحة، قوات البحرية الجوية. ونُشرت وسائل الدفاع الجويّ عند الشواطئ السورية. وبعكس ذلك، لم تشارك القوات البريّة في العمليات الحربية، الأمر الذي عكس عدم رغبة القيادة العليا في الانخراط في عملياتٍ على الأرض في دولةٍ مسلمة. فدروس أفغانستان قد جرى استيعابها تمامًا. بالطبع، أُرسلت إلى سورية عناصر من القوات البريّة، ولكنّ مستوى مشاركتها في الحرب لايمكن مقارنته أبدًا بأفغانستان والشيشان.

كانت المجموعة الجوية الروسية في سورية قليلة بعض الشيء. ففي البداية كانت 12 قاذفة من طراز Су-24M، والعدد نفسه من الطائرات الهجومية Су-25СМ، وأربع قاذفات Су-34، وأربع طائرات مقاتلة Су-30СМ، طائرة واحدة للرصد الإلكتروني Ил-20М1، و12 طائرة هيلوكوبتر هجومية Ми-24П و5 طائرات نقل هيلوكبتر Ми-8АМТШ. وفي شهر شباط/ فبراير 2016 ارتفع عدد الطائرات إلى 44 طائرة، وبعد تصريح بوتين عن سحبٍ جزئيٍ للقوات الروسية من سورية في آذار/ مارس، تراجع عدد الطائرات إلى 24.

رسميًا، كانت المجموعة قد شكَّلت لواءً جويّا للمهمات الخاصّة وتمركزت في قاعدة حميميم على أطراف مدينة اللاذقية الجنوبية- الغربية (5). إضافة إلى الطائرات المنتشرة على الأراضي السورية، شاركت الطائرات بعيدة المدى العاملة من قواعد جوية شمال القوقاز، “بوفولجا” وشبه جزيرة “كولسك”. وهكذا، وللمرّة الأولى، انخرطت في القتال القاذفات الإستراتيجية من العهد السوفياتي Ту-160 وТу-95МС. وراقبت طائرات المراقبة الجويّة (المماثلة لطائرات الأواكس) – طائرات ДРЛО وУ А-50 الأوضاع. هذا كله سمح للقوات الجوية- الفضائية باختبار جهوزية وإمكانات مختلف صنوف معدّاتها.

كانت سفن أسطول بحر قزوين أول وحدات القوات البحرية التي شاركت في النزاع السوري، إذ أطلقت في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2015 صواريخ مجنّحة من مسافة 1500 كم عن أهدافها. ومن ثمّ قامت غواصة من أسطول البحر المتوسط بإطلاق صواريخها المجنّحة على أهدافٍ في سورية. خريف عام 2016، توجّهت حاملة الطائرات ” الأمير كوزنيتسوف” من بحر الشمال إلى الشواطئ السورية. ومن سطحها نُفذت طلعات قتالية، وبقيت في المنطقة لحين تمكّن القوات السورية من تحرير مدينة حلب. سبق وظهر عند الشواطئ السورية حامل الصواريخ الطرّاد “موسكفا”، المزوّد بصواريخ دفاع جوي إس 300 إف. وعلى غرار القوات الجوية – الفضائية، شاركت في العملية العسكرية سفنٌ من أساطيل القوات البحرية جميعها، أي أساطيل البحر الأسود، بحر الشمال، بحر البلطيق والمحيط الهادئ.

تولّت القوات الروسية على الأرض (مابين3- 4 آلاف من العناصر) حماية القاعدة الجوية في حميميم بالدرجة الأولى. وتضمَنت هذه المجموعة وحداتٍ من القوات الخاصة، مشاة البحرية، الشرطة العسكرية وقواتٍ برية. وكان بحوزة هذه القوات دبابات Т-90 ومدافع هاوزر 155 ملم وعددٍ من قواعد الدفاع الجوي بما فيها С-400– وهو النظام الأحدث بين الأنظمة العاملة في القوات المسلًحة الروسية. بعد تحرير حلب في كانون الأول/ ديسمبر عام 2016، أرسلت روسيا كتيبةً من الشرطة العسكرية. إلى جانب هذه القوات يوجد في سورية عددٌ من خبراء تصحيح رماية المدفعية والمستشارين العاملين في صفوف قوات الأسد الحكومية.

تزود هذه المجموعة الموجودة خارج الأراضي الروسية بالإمداد جوًا عبر إيران والعراق، وفي المرحلة الأخيرة عبر تركيا. غير أنّ طريق الإمداد الرئيس هو طريق بحريّ يبدأ من مينائي نوفوروسيسك وسيفاستوبول في البحر الأسود وصولًا إلى ميناء طرطوس على البحر الأبيض المتوسط؛ وسميّ الطريق بـ “الإكسبريس السوري”. وباستخدام المسارين بفاعليةٍ استطاعت روسيا إيصال 2500 طن/ يوميًا (6) من الشحنات العسكرية إلى سورية.

في البداية، كانت الضربات الجوية الروسية (80 في المئة من الطلعات الجوية) تستهدف التشكيلات الإسلاميّة في منطقة دمشق، اللاذقية وحماة. وكان هؤلاء المتمردون يتلقون الدعم من تركيا، دول الخليج والدول الغربية. سمحت الضربات الروسية للقوات السورية بالانتقال إلى الهجوم المعاكس في منطقة حماة. إلا أنّ النجاحات التي أُحرزت هناك كانت ذات طابع تكتيكيّ وسرعان ما جعلها المتمردون تساوي الصفر. كانت الأعمال الحربية التي نفذها السوريون وحلفاؤهم الروس أكثر تأثيرًا في محافظة اللاذقية، حيث توجد قاعدة حميميم مركز عمليات المجموعة الروسية. كانت حلب الهدف الرئيس للقوات الحكومية السورية وحلفائهم الإيرانيين. وقد تمكّنت قوات الأسد في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2015 بدعمٍ مكثف من القوات الجوية الروسية من تحرير مطار كويرس العسكري، الذي كان يحاصره المتمردون. إلا أنَّ الأحياء الشرقية من حلب بقيت حصن المعارضة المسلّحة حتى تحريرها في كانون الأول/ ديسمبر 2016.

على الرغم منّ العملية الروسية في سورية اكتسبت منذ البداية صفة “محاربة الإرهاب”، فإنَّها ركّزت نشاطها في البداية ليس ضدّ تنظيم الدولة الإسلاميّة بقدر ما كانت موجّهة ضدّ بقية المجموعات الإسلاميّة والعلمانيّة التي تقاتل ضدّ الأسد. وكان هذا يتوافق تمامًا مع المهمة المباشرة التي أنيطت بالعملية: تثبيت نظام الأسد، الذي دحرته هذه القوى بالذات، وليس تنظيم الدولة الإسلاميّة. وعندما تعرّضت موسكو لانتقاد من جانب الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول الغربية، وكذلك من وسائل الإعلام الغربية والعربية، أعلنت موسكو، أن كثيرًا من خصوم الأسد الذين لا ينتمون إلى تنظيم الدولة الإسلامية ليسوا أكثر من إرهابيين. وكما قال سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسية مباشرةً بعد لقاء بوتين وأوباما في نيويورك،” إذا كانوا يبدون كإرهابيين، وإذا كانوا يتصرفون كإرهابيين، وإذا كانوا يمشون كالإرهابيين، وإذا كانوا يقاتلون كالإرهابيين، فإنّهم إرهابيون”(7). ثم إنّ الضربات الجوية الروسية كانت تستهدف تنظيم الدولة الإسلاميّة أيضًا؛ خصوصًا ما خطوط متاجرة التنظيم بالنفط ومن ثم تقويض وضعه المالي.

عند إعلانه بدء العملية العسكرية، أكَّد الرئيس بوتين أنَّها ستكون محدودة من ناحية الحجم والوقت. في النهاية، نجح هذا المخطط، ولكن ليس على الفور. خُرق الاتفاقان اللذان جرى التوصل إليهما بدعمٍ من روسيا والولايات المتحدة الأميركية في شباط/ فبراير وأيلول/ سبتمبر عام 2016، المتعلقان بالهدنة بين دمشق والمعارضة. بعد أن ساعدت روسيا القوات الحكومية السورية في الاستيلاء على حلب فحسب، استطاعت روسيا بمساعدة تركيا تأمين اتفاق جديد لوقف إطلاق النار. وبهذا أمكن تعزيز النجاح العسكري على الأرض بتفاوضاتٍ سياسيةٍ جادّة.

في أعوام 2015و2016، كانت القوات الروسية تقوم بشكلٍ رئيس بتنفيذ عملياتٍ جوية، ومع ذلك حقّقت نتائج كبيرة وبخسارات أقلّ عمليًّا من جميع الحملات العسكرية التي نفّذتها موسكو خلال العقود الأخيرة. فخلال الأشهر التسعة الأولى، نفّذت القوات الجوية أكثر من 11 ألف طلعةٍ قتالية، فقدت خلالها طائرةً حربية واحدة على يد الأتراك. إضافة إلى بعض الخسارات الناجمة عن أعطالٍ فنية في المعدات العسكرية. ثم إنّ أعمال الإمداد كانت رائعة. أظهرت القوات الجوية – الفضائية الروسية مستوىً عاليًا من الجهوزية والقدرة على القيام بعملياتٍ شديدة الكثافة (8).

سمحت العملية العسكرية في سورية للقوات المسلَّحة الروسية باختبار تقنياتٍ جديدة في أجواء المعركة الحقيقية، على سيبل المثال طائرات Су-30, Су-34, Су-35 والصواريخ المجنحة المحمولة بحرًا “كاليبر” بعيدة المدى. ومن الناحية الماليّة، التقط الموظفون الروس جوهر الأمر، تحوّلت العملية في سورية عمليًا إلى مناوراتٍ متواصلة يجري خلالها تجربة منظومات الأسلحة وتدريب العناصر. وبالمناسبة، من دون التنسيق مع الحلفاء على الأرض ما كان ليكون معنىً لعمليات الطيران الروسي. النجاح في سورية مرتبطٌ بإمكانات التحالف الذي تقوده موسكو ومتانته.

 

حرب التحالف

أصبحت الحرب في سورية بالنسبة إلى روسيا “مشروعًا “تحالفيًّا بدرجة أكبر من الحرب بالنسبة إلى الاتحاد السوفياتي. فقد كان على روسيا تنسيق جهدها ليس مع الجيش السوري والتشكيلات الموالية، بل مع إيران وحلفائها. وكان التنسيق مع العراق مهمًّا جدًا، حيث للفضاء العراقي أهميّة كبيرة لشنّ الهجمات الجوية بطائرات الإستراتيجية بعيدة المدى، وكذلك بالصواريخ المجنّحة. ولهذا الغرض جرى في بغداد إنشاء مركز التنسيق الروسي- الإيراني- العراقي – السوري.

بالتأكيد، لا يمكن وصف التحالف الروسي- السوري بالمثاليّ. فروسيا دعمت الأسد كونه ركز الدولة السورية، وواحد بين قلّة من زعماء العرب، الذين كان بإمكانهم مواجهة المتمردين ويرتبط بدرجةٍ مقبولة بموسكو ليؤدي دور الأداة في السياسة الإقليمية والعالمية. وفي الوقت نفسه، لم يعد الكرملين الأسد أبدًا حليفًا مقرّبًا بشكلٍ خاصّ من روسيا. يكفي أن نتذكَّر عبارة بوتين في أثناء مباحثاته مع الرئيس الفرنسي أولاند عام 2012- أنَّ الأسد “كان يوجد في باريس، أكثر من موسكو”(9).

لم تكن السلطات الروسية على الإطلاق من أنصار سياسة الأسد الداخليّة القمعية والقاسية. وكانوا في الكرملين غاضبين من رفض الرئيس السوري الأخذ بنصائح موسكو باتخاذ مواقف تصالحيّة مع معارضيه. في أعوام 2012إلى 2014، كانت محاولات موسكو لمدّ جسور التواصل مع المعارضة للتوصّل إلى حلولٍ سياسيّة تبوء بالفشل بسبب دمشق غالبًا، التي كانت تفترض -وهي محقّةً بذلك-، أنّ نجاح هذا الجهد سيؤدي إلى وضع نهايةٍ لسلطة الأسد الفرديّة. استمرت محاولات موسكو حتى ما بعد بدء العمليّة العسكرية الروسية.

على الرغم من ذلك، أصبحت روسيا وسورية حلفاء عسكريين بكلّ معنى الكلمة عام 2015: فقد منحت سورية روسيا الحقّ باستخدام قاعدةٍ جوية ومدّدت مدة تأجير مرفأ على أراضيها للقوات البحرية الروسية. وبنتيجة الضربات الجوية الروسية، جرى القضاء على أعداء نظام الأسد. إضافة إلى توحيد قوات الدفاع الجوي السورية مع القوات الروسية الأكثر فاعليةٍ بقيادةٍ واحدة.

في هذه الأثناء، وحتى بعد دخول روسيا الحرب عام 2015 لم تكن موسكو ودمشق تنظران نظرةً واحدة إلى الأمور. فقد صرّح سيرغي لافروف بحدّةٍ يومًا: سورية بالنسبة إلى روسيا ليست ذاك الحليف، كما هو حال تركيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية (10). لم يوافق الكرملين تمامًا على إستراتيجية الأسد العسكرية، وعدّها إمّا غامضةً للغاية، وإمّا أنّها غير واقعية بشكلٍ كافٍ. ولم تكن القيادة الروسية تشارك الأسد في رغبته في تنظيف سورية من كلّ أعدائه. بعد أسابيع عدة من بدء العمليّة العسكريّة الجوية، اضطر بوتين إلى استدعاء الأسد إلى موسكو لإجراء حديث جدّيّ، حيث أُحضر على متن طائرة عسكرية روسية. وأرسل الرئيس الروسي للمرّة الثانية وزير الدفاع سيرغي شويغو لإقناع دمشق بـأنه حان الوقت للالتفات للعمل جديًّا. وفي الوقت نفسه، كانت موسكو منذ البداية ترفض -وضع شرطٍ مسبق لبدء عمليّة التفاوضات- مطلب المعارضة بتنحي الأسد.

في خضمّ الحرب، حاولت روسيا جاهدةً عدم توجيه انتقاد علنيٍّ لفاعلية العمليات القتالية التي تقوم بها القوات الحكومية. ففي كانون أول عام 2016، سقطت مدينة تدمر، التي جرى تحريرها في آذار/ مارس من يد تنظيم الدولة الإسلاميّة بدعمٍ من الطيران والمدفعية الروسية. جاءت أخبار هذا الفشل، ليعبّر بعض المحللين والخبراء العسكريين الروس، عبر شاشات التلفزيون، عن القلق بشأن اضطراب الحلفاء السوريين وعدم كفايتهم، واتهموهم أحيانًا بالتعاون مع الخصم (11). وقد أشار كثير من الخبراء الروس إلى تساهل موسكو مع بعثيي دمشق، الذين تتناقض تصرفاتهم مع مصالح روسيا الاتحادية وإستراتيجيتها.

خلال التفاوضات التي جرت بين دمشق والمعارضة في آستانة في كانون الثاني/ يناير 2017، حاولت موسكو أنْ تكون وسيطًا محايدًا يسهل العملية السياسية في سورية. وقد كان من المتوقّع ألا تكون إيران حليفًا سهلًا، وهي التي أرسلت إلى سورية حوالى 7 آلافٍ من المتطوعين. تاريخيًا تميّزت العلاقات بين روسيا وفارس -ولاحقًا مع إيران- أغلب الأحيان بالتوتر وعمليًّا لم يكن البلدان مقرّبان. إلا أنّ مصالح موسكو وطهران كانت متطابقة في سورية؛ فلم تكن هذه العاصمة أو تلك تريد أن يسقط الأسد على يد المعارضة المحلية، أو الولايات المتحدة الأميركية أو حتى تنظيم الدولة الإسلاميّة. وكان هذا التطابق كفيلًا بتشكّل قاعدةً للتعاون بينهما. في شهر تموز/ يوليو عام 2015، وخلال الاستعداد للعملية الجوية الروسية في سورية، زار قائد “فيلق حراس الثورة الإسلامية” الجنرال قاسم سليماني موسكو لتنسيق أعمال التحالف المشتركة. وتؤكّد الأخبار، أنّ الجانبين وقعا اتفاقًا مشتركًا للتعاون، خلال زيارة سيرغي لافروف لغيران ولقائه بقائد الأعلى للجمهورية الإسلاميّة علي خامنئي. هذا النموذج من العلاقات يعمل، وستتمكّن روسيا وإيران من تنسيق جهدهما الحربي في سورية. سمح الإيرانيون لموسكو باستخدام مجالهم الجويّ لمرور الطائرات الروسية والصواريخ المجنّحة لتسديد الضربات في سورية. وحتى عندما فشلت بعض الصواريخ بالوصول إلى سورية وسقطت على الأراضي الإيرانيّة، لم يسبب ذلك أيّ تعقيداتٍ بين البلدين.

في ما عدا ذلك، تبدو أهداف روسيا وإيران في سورية متباعدةً منذ البداية. فطهران، الساعية لتحقيق هيمنتها على المنطقة، تسعى لإبقاء النظام العلوي في السلطة في دمشق، ما قد يسمح لها بمدّ النفوذ الإيراني حتى شواطئ البحر المتوسط وحدود إسرائيل. أمّا هدف موسكو فكان التوصّل إلى حلٍّ وسط، يأخذ بالحسبان تقاسم السلطة بين مختلف المجموعات السورية، والأهمّ اعتراف هذه المجموعات بدور روسيا في الشرق الأوسط وبوجودها في البلاد. ومن الواضح، أنّ موسكو لا تدعم تصرفات إيران وإستراتيجيتها في الخليج الفارسي (العربي) واليمن. بالنسبة إلى اليمن، ففي حين تنتقد القيادة الروسية تدخل التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية في هذا البلد، فإنّها تتجنّب المبالغة بإدانة السعوديين وحلفائهم وتدعو إلى تسويةٍ سياسية للنزاع في اليمن.

ثم إنّ إيران تخشى التنازل قيد أنملة عن سيادتها لأيّ دولة أجنبية. فعندما سمحت القيادة الإيرانية لروسيا، في آب/ أغسطس 2016 باستخدام قاعدة شهيد خوجه شمال مدينة همدان، ثارت موجةٌ من الاستنكار في طهران (12). وبعد أيام عدة توقف إقلاع الطائرات الحربية الروسية من همدان. وطهران غير راضيةٍ بسبب عدم كفاية الدعم الروسي برايهأ لعمليات الإيرانيين في منطقة حلب بداية عام 2016.

يقتصر دور العراق في جهد التحالف لتقديم ممرٍّ جويّ وبريّ لوصول الطيران الروسي والقوات الإيرانية إلى مسرح العمليات السوري. عدا ذلك، وكما أشير سابقا، يقع مركز تبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق الأعمال بين العسكريين الروس، السوريين الإيرانيين في العاصمة العراقية. وفي بغداد بالتحديد، زار الجنرال الروسي العامل في هذا المركز الملحق العسكري الأميركي في 30 أيلول/ سبتمبر عام 2015، ليبلغه قرب بدء الضربات الجوية على سورية، كي توقف الطائرات الأميركية تحليقها في منطقة عمليات الطيران الروسي. في الوقت نفسه، اضطر الجانب الروسي للاعتراف بمحدودبة تعاونه مع العراق، لأنَّ بغداد تتعلّق بقوةٍ بواشنطن في مجال الأمن وترتبط معها بعلاقاتٍ متينة.

 

الخسارات

حتى نهاية أيار/ مايو 2017، بلغت خسارات روسيا في سورية 32 قتيلًا. بعد مرور شهرين تقريبًا على بداية العملية العسكرية، أسقطت الطائرات التركية F-16 طائرة روسية من طراز سو-24 قرب الحدود بين سورية وتركيا. وقد أطلقت النار على أحد الطيارين من قبل مجموعة موالية لتركيا في أثناء هبوطه بالمظلة. وفي خضمّ عملية الإنقاذ قُتل أيضًا أحد جنود مشاة البحرية. وكانت هذه أولى الخسارات البشرية في صفوف العسكريين الروس في الحرب السورية. ومن الجدير بالذكر أنّ الروس سقطوا ليس على أرض المعركة وحدها.

بعد شهر واحد من بدء الضربات الجوية انفجرت طائرة ركابٍ روسية فوق شبه جزيرة سيناء، قتل ركاب الطائرة المنكوبة جميعهم البالغ عددهم 224 شخصًا. وقد تبيّن، أنّ الانفجار قد حدث نتيجة عملٍ إرهابيٍّ، قامت به خليّةٌ سرية من المتطرفين مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية. ورأى بعضهم، أنّ العمل جاء ردًا على العملية العسكرية الروسية في سورية، في حين عد آخرون، أنّه لا علاقة تربط بين هذين الحدثين. في كانون الأول/ ديسمبر 2016، اغتال شرطي تركيّ سابق السفير الروسي لدى أنقرة أندريه كارلوف انتقامًا من قصف حلب. وكان الحادث أول عملية اغتيال لسفير روسيّ خلال 90 عامًا.

بالطبع، كانت هناك تخوفات منذ بداية الحملة يشأن إمكان وقوع أعمالٍ إرهابية على الأراضي الروسية نفسها. ففي نيسان/ أبريل 2017، اعتدى إرهابيون مرتبطون في ما يبدو بـ “داعش” بالاعتداء على محطة مترو الأنفاق في مدين سانت بترسبورغ، يوم كان الرئيس بوتين يقوم بزيارةٍ للمدينة. قتل من جراء العمل الإرهابي هذا 15 شخص، وجرح عشرات. وكان الحادث هو الأول في عاصمة روسيا الشمالية وأوّل ضربةٍ ينفذها الإرهابيون على أراضي روسيا منذ عام 2013. إضافة إلى ذلك، أحبطت كثير من الأعمال الإرهابية من أجهزة الأمن الروسية. وقعت هجمات وانفجارات عدة في شمال القوقاز المضطرب. وبالمناسبة، كانت الأعمال الإرهابية تحدث في روسيا قبل مشاركة البلاد في نزاعات الشرق الأوسط.

 

الخسارات في صفوف المدنيين والحرب الإعلاميّة

الحرب قاسية دومًا. بلا شكّ، لم يقتصر ضحايا الضربات الجوية الروسية على المقاتلين وحدهم، ولكنّ المدنيين السوريين سقطوا أيضًا، ودمّرت منازلهم وممتلكاتهم. نهاية عام 2016، وصفت المعارضة السورية، وكذلك الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا قصف مدينة حلب بجريمة القتل، وحمّلوا السلطات السورية وحلفاءهم المسؤولية. رفضت موسكو هذه الاتهامات بشدّة (خصوصًا اتهامها بتعمّد قصف المدارس والمستشفيات)، معلنةً أنّ هذه الاتهامات عارية عن الصحّة وتصدر عن الإرهابيين وحلفائهم. من جانبها، لفتت وسائل الإعلام الروسية الانتباه ربيع عام 2017 إلى عدد كبير من الضحايا المدنيين، الذين سقطوا، نتيجة ضربات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، في أثناء عملية تحرير مدينة الموصل العراقية. ونحن بلا ريب أمام صراعٍ إعلاميّ واضح.

بالطبع، لا يمكن بأي حال تسويغ تدمير المدارس والمستشفيات بذريعة الضرورات الحربية. ثم إنَّه من الصحيح أيضًا أمرٌ آخر: كلّ ضحية مدنية تسقط في أثناء الحرب الحديثة يحوّلها الخصوم إلى سلاحٍ إعلاميّ. وينطبق هذا الأمر على العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيليّة أو السعوديّة في مناطق الشرق الأوسط، وكذلك ينطبق على أعمال روسيا في سورية. من المعروف للجميع أيضًا، أنّ الطرف الأضعف في أيّ نزاع، على سبيل المثال حركة حماس في غزّة أو المعارضة السورية، يحاول إلحاق الضرر بخصمه أمام الرأي العام العالمي، وكقاعدةٍ يجد وسائل الإعلام التي تهتمّ بنشر مواده. ثم إن استخدام المدنيين دروعًا بشريّة أمرٌ مجرّب تاريخيًا.

في المستوى المالي، بلغت تكاليف الحملة الروسية في سورية -حوالى 4 مليون $ يوميًا- وهو مبلغ مقبول بالنسبة إلى روسيا. ويمكن القول إن إحدى نتائج هذه الحرب أنَّها أصبحت منصةً إعلاناتٍ للأسلحة الروسية. لم يغب ذلك عن بال زعماء دول الخليج، الذين لم يعطوا في السابق انتباهًا كافيًا لروسيا، ولكنّها الآن في صلب حساباتهم. ففي كانون الأول/ ديسمبر عام 2016، اتخّذ صندوق قطر للاستثمار قرارًا بالمشاركة في عملية خصخصة عملاق النفط الروسي “روس نفط”، وفي كانون الثاني/ يناير من 2017، بدأ الصندوق يتطلّع إلى شركة الغاز المستقلّة “نوفاتك”. وتوسّعت وتعمّقت اتصالات موسكو بالرياض. ومع أنّ قياس هيبة روسيا نوعيًّا على الساحة العالمية أكثر صعوبة، إلا أنّه يبقى حقيقيًا.

 

الحرب والسلام

منذ البداية، كان من المفترض أن تكون العملية العسكرية الروسية ذات طابعٍ خاصّ من حيث الحجم، الاستمرار، أنواع الأسلحة المستخدمة والتكتيك. ومنذ شهر شباط/ فبراير عام 2016، ظهر شعورٌ أنّ إستراتيجية موسكو تأتي أُكلها فبعد بدء الضربات الجوية مباشرةً، بدأ وزير الخارجية الأميركي جون كيري التواصل بكثافةٍ مع نظيره الروسي سيرغي لافروف لإيجاد حلٍّ سياسيّ للنزاع السوري. وقد التقى الوزيران خلال 12 شهر أكثر من 20 مرّةً وتحدّثا طويلًا عبر الهاتف. توصلت روسيا والولايات المتحد الأميركية بصفتهما ممثلين للمجموعة الدولية لدعم سورية إلى وقف الأعمال القتالية بين القوات الحكومية والمعارضة، باستثناء داعش وجبهة النصرة. وكان من المفترض أن يقوم بمراقبة وقف الأعمال القتالية اتفاق، المدعوم من مجلس الأمن، كلٌّ من مركز المصالحة بين الأطراف المتنازعة الروسي في حميميم ونظيره المركز المشكّل من العسكريين الأميركيين في عمّان (الأردن). إلا أنَّه تبيّن، على أرض الواقع، أنّ الأمور أكثر تعقيدًا ممّا كان يتوقع في البداية. لم يكن هدف الجانب الروسي مساعدة الأسد على تحقيق انتصارٍ كامل؛ فقد عدّ ذلك غير ممكنٍ. كانت روسيا تأمل من خلال عملية المصالحة إلى عزل خصوم النظام المتعنتين عن أولئك، الذي يمكن جرّهم إلى العملية السياسيّة. فالصنف الأول سيتعرّض للقصف الجوي وللهجمات، بينما سيحصل الآخرون على المساعدات الإنسانية. أتاح وقف إطلاق النار المجال من جديد لبدء تفاوضات غير مباشرة في جنيف بين دمشق ومختلف المجموعات المعارضة بوساطة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا (13).

إلا أن العملية السياسيّة توقّفت. فقد خرجت مجموعة الرياض من اللقاء احتجاجًا على أعمال القوات الحكومية في منطقة حلب، التي بسببها لم يكن ممكنًا إيصال المساعدات الإنسانية إلى الأحياء المحاصرة فيها. رفضت دمشق كل أنواع فدرلة سورية، ولم يوافق على مشاركة الأكراد في التفاوضات وأجرى انتخاباتٍ برلمانية في المناطق التي تقع تحت سيطرته. وعارضت أنقرة أيضًا مشاركة الأكراد في التفاوضات. بحلول شهر آب/ أغسطس 2016، انهارت الهدنة التي لم تطبّق بالكامل أبدًا. وخلال الشهر التالي اتفقت روسيا والولايات المتحدة الأميركية في جنيف على هدنةٍ جديدة، ولكنّها خرقت هي الأخرى بعد أقلّ من أسبوعين. في البداية، قامت القوات الجوية الأميركية بقصف القوات الحكومية السورية قرب دير الزور، إذ قتل بسببها عشرات الجنود السوريين. بعدها تعرّضت للهجوم قافلة للصليب الأحمر كانت تحمل مساعداتٍ إنسانية متجهة إلى المناطق المحاصرة في حلب: أحرقت السيارات، وقتل بضعة من العاملين في المنظمات الإنسانية. وجّهت الاتهامات بالهجوم إلى الطيران السوري أو الروسي، وقد نفت دمشق وموسكو صلتها بالحادث. بعد ذلك، أوقفت إدارة أوباما تعاونها مع روسيا في سورية. وبالمناسبة، لم يعط هذا التعاون أيّ نتائج، بحسب رأي موسكو، بسبب عدم قدرة الولايات المتحدة على فصل مقاتلي “جبهة النصرة” عن بقية المعارضين، والأكثر جديّةً، بسبب الخلافات داخل دوائر واشنطن بشأن نجاعة التعاون مع روسيا. كان جون كيري من أنصار هذا التعاون، بينما كان البنتاغون ودوائر الاستخبارات تقف بقوّةٍ ضدّ التعاون، في حين كان أوباما يقف متردّدًا.

وفي النتيجة، اختارت روسيا تركيا شريكًا لها. وفي كانون الأوّل/ ديسمبر عام 2016، وبعد سقوط حلب، جرى التوصّل إلى أول هدنة بمساعدة تركيا. وقد سمح هذا بتجديد التفاوضات السلمية في كانون الثاني/ يناير عام 2017. بدأت هذه التفاوضات برعاية روسيا، تركيا وإيران وبرعاية كازاخستان التي قدّمت التسهيلات لعقد اللقاءات في العاصمة آستانة، ولكن من دون مشاركة الولايات المتحدة الأميركيّة، إذ غابت الإدارة الديمقراطية عن المشهد، ولم تكن الإدارة الجمهورية الجديد قد شكّلت بعد.

 

نتائج أولية

إحدى أولى النتائج الأولية للحملة الروسية في سورية كانت استعادة روسيا دورها بوصفها لاعبًا إقليميًّا وعالميًّا. فقد استطاعت موسكو تجنّب حدوث سيناريو، كانت تعدّه خطرًا، أي إسقاط النظام في دمشق عن طريق الإسلاميين أو المعارضة نتيجة التدخّل الأميركيّ. فمن خلال الضربات الجويّة جرى القضاء على أعدادٍ كبيرة من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية من أصولٍ روسية وغيرها من دول آسيا الوسطى. وساعدت موسكو دمشق بفضل النجاحات العسكرية من إجلاس المعارضة إلى طاولة التفاوضات وحصلت على حقّ إقامة قواعد لقواتها الجوية والبحرية في سورية. وبهذا، تكون روسيا قد أنهت الهيمنة الأميركية على الأسهم السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط. وأثبتت القوات المسلّحة الروسية فاعليتها بوصفها أداة تخدم سياسة موسكو الخارجية. وأخيرًا، تمكّنت روسيا تحقيق نتائج كبيرة باستخدام موارد عسكرية ومالية محدودة.

في خضمّ الحملة العسكرية أعوام 2015إلى2017 في سورية، تحوّلت موسكو إلى لاعبٍ يمتلك كثيرًا من العلاقات في المنطقة. ففي أثناء الحرب، حافظ بوتين على اتصالاتٍ وثيقة مع كافّة القادة الإقليميين تقريبًا، وخصوصًا قادة تركيا، إيران، إسرائيل، مصر، السعودية، الإمارات العربية المتحدة، قطر، الكويت، البحرين، الأردن ولبنان. واستطاعت روسيا تجنّب خطر “السقوط في شقوق” تناقضات الشرق الأوسط بين الشيعة والسنّة، السعودية وإيران، إيران وإسرائيل، تركيا والأكراد وإلخ. فالمحافظة على المصالح في بيئةٍ تنازعيّة، هو بالتحديد ما تحتاج إليه البلاد، التي تطمح لتصبح لاعبًا في المستوى العالمي.

 

ملاحظات

  1. خلال المدة بين 1947و1991 أرسل الاتحاد السوفياتي إلى سورية أسلحةً بقيمة 26 مليار$. وعام 2005، شطبت موسكو ثلاثة أرباع الديون السورية المستحقة، بقيمة 10 مليار$. انظر الحدّ السوري/ بإشراف سيبافاليتكو: مركز تحليل الإستراتيجيات والتكنولوجيا، 2016 ص.16
  2. عمليًا كانت الأسلحة ترسل عبر البحر
  3. الحدّ السوري بإشراف سيبافاليتكو: مركز تحليل الإستراتيجيات والتكنولوجيا، 2016 صفحة 89
  4. كلمة بوتين أمام الدورة الـ 70 للجمعية العمومية للأمم المتحدة، 28 أيلول/ سبتمبر 2015

http://kremlin.ru/events/president/news/50385

  1. الحدّ السوري صفحة 106-107
  2. الحدّ السوري صفحة 107-107-8
  3. لافروف: روسيا وسورية تحاربان الإرهاب. راديو الأمم المتحدة 1 تشرين الأول/ أكتوبر 2015

http://www.unmultimedia.org/radio/russian/archives/202535/#.WSatchPyiUk

  1. الحدّ السوري …صفحة 109
  2. زيارة عمل لفرنسا. 1 حزيران/ يونيو عام 2012

http://www.special.kremlin.ru/events/president/news/15525

  1. لافروف: الأسد- ليس ذاك الحليف لروسيا، كما هي تركيا بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية- 4 أيار/ مايو عام 2016

https://ria.ru/syria/20160504/1426229888.html

  1. ميخائيل خودارينوك أثناء عرض برنامج “أمسية مع سولوفييف”، 11 كانون أول/ ديسمبر عام 2016
  2. في بعض الأحيان كانت تغذيها وسائل الإعلام الروسية، التي أعلنت أنّه نتيجة هذا الاتفاق حصلت روسيا على قاعدةٍ أُخرى في الشرق الأوسط إلى جانب قاعدة حميميم في سورية.
  3. الحدّ السوري……صفحة 98.