وحدة مراجعات الكتب

مراجعة: منى زاهد سويلمي

الكتاب: جينالوجيا الدين: الضبط وأسباب القوة في المسيحية والإسلام

تأليف: طلال أسد

ترجمة: محمد عصفور

الناشر: دار المدار الإسلامي

مكان النشر: ليبيا

تاريخ النشر: 2017

 

 

المحتويات

جينالوجيات

الفصل الأول: الدين موضوعًا أنثروبولوجيًا

الفصل الثاني: تطور مفهوم الطقوس

الأوضاع القديمة

الفصل الثالث: الألم والحقيقة في الطقوس المسيحية

الفصل الرابع؛ الضبط وإذلال الذات في الرهبنة المسيحية في العصور الوسطى

ترجمات

الفصل الخامس: مفهوم الترجمة الثقافية في الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية

الفصل السادس: حدود النقد الديني في الشرق الأوسط

المجادلات

الفصل السابع: التعددية الثقافية والهوية البريطانية إثر قضية سلمان رشدي

الفصل الثامن: الأثنوغرافيا والأدب والسياسة

 

 

يتعامل الكتاب الراهن مع الدين بوصفه تراثًا؛ فلا يسعى لتقديم تعريف للدين المسيحي أو الإسلامي، وإنما يسعى للنظر في السياقات التي تنتج تلك التعريفات، والتوجهات الكامنة فيها. بمعنى آخر يحاول المؤلف أن يتناول الدين بوصفه ظاهرة قابلة للدراسة التاريخية، وجعل التطورات التي تطرأ عليها قابلة للفهم لأنها تنطوي على أسباب موضوعية قابلة للملاحظة والدراسة؛ منطلقًا من نظرته العلمانية التي تدرس الدين بوصفه ظاهرة مؤثرة ومتأثرة. فيهتم اهتمامًا خاصًا بالألم والإيلام في الفكر الديني للحصول على الحقيقة، وصلتهما بحقوق الإنسان. إضافة إلى علاقة الدين بالدولة، ويركز هنا على مصطلح الضبط الذي قد يأتي من الخارج (الدولة، أو الكنيسة) أو من الداخل بطريق الالتزام بضوابط يؤمن بها الفرد أو تؤمن بها الجماعة، ويتناول أسباب القوة في المسيحية والإسلام بما يتصفان به من قدرة على التكيف وفق الأوضاع المتغيرة.

الكتاب مجموعة مقالات نشرها طلال أسد؛ إذ يحتوي على ثمانية فصول، يؤلف كل فصلين منه محورًا عريضًا للعرض والمناقشة، وهي (جينالوجيات، أوضاع قديمة، ترجمات، مجادلات)، جاءت تلك المحاور والفصول على النحو الآتي:

 

جينالوجيات

الفصل الأول: الدين موضوعًا أنثروبولوجيًا

يبدأ به محور الجينالوجيات، إذ يرى أن الفصل بين الدين والسلطة هو معيار غربي جاء بعد حركة الإصلاح الديني، وأن محاولة فهم التقاليد الإسلامية على أساس أن الدين والسياسة متلازمان هو أمر محكوم بالفشل، لأن الخطاب الديني في المعترك السياسي ما هو إلا قناع من أقنعة السلطة السياسية، والمجتمع الحديث يسعى لجعل الدين والسياسة منفصلين مفهوماتيًا وعمليًا.

يبدأ حديثه هنا عن الرمز دليلًا على جوهر الدين بالاستناد إلى مفهوم (كليفورد غيرتز) للرمز على أنه وساطة لتصور ما، وهذا التصور هو الذي يمثل معنى الرمز. فالاختلاف في اتصال الرمز بالحوادث والأشياء المحسوسة وانفصاله يحمل أدلة على أن المسائل المعرفية قد تختلط بالمسائل الاتصالية وهذا يجعل من استقصاء الطرائق التي يختلف فيها الخطاب والفهم عن الممارسة الاجتماعية صعبًا. فالنظم الرمزية عند غيرتز هي أنماط ثقافية يتفاعل فيها جانبان مزدوجان؛ الثقافي من جهة، والنفسي- الاجتماعي من جهة أخرى. لذا فإن الرموز الدينية تخلق لدى المتعبد مجموعة من الحالات النفسية الخاصة وتخلق نوعين من المشاعر؛ نوع قائم على دوافع تكتسب معناها من الغايات التي يظن أنها ستؤدي إليها، ونوع قائم على توجهات وجدانية تكتسب معناها من الأوضاع التي يظن بأنها خلقتها. فليست الرموز وحدها هي التي تزرع المشاعر الدينية المسيحية؛ وإنما القوة التي تشمل القوانين (الحكومية أو الكنسية)، والعقاب والثواب (نار جهنم، الموت، الخلاص، السمعة الطيبة، السلام)، وعوامل الضبط التي تفرضها المؤسسات الاجتماعية، وما يفرض على الأجسام البشرية من (صيام، صلاة، طاعة، توبة). لقد تباينت تشكيلات القوة في العالم المسيحي بين مرحلة وأخرى، إذ تغيرت مع تلك القوة أنماط الاتجاهات الوجدانية والدوافع وإمكانات الحصول على المعرفة الدينية؛ لأن وسائل البشر في الحصول على المعرفة الحقيقية متغيرة إلا أن الحقيقة نفسها ثابتة وأبدية، وعندما ينتقل من قراءة الرموز إلى تحليل الممارسات يعدّ أن افتراض وجود نظام من الرموز منفصل عن الممارسات سيؤدي إلى تجاهل فروق مهمة أحيانًا أو حتى إنكارها صراحة في أحيان أخرى. إذ يفترض غيرتز أن الخطاب اللاهوتي لا ينطبق على الاتجاهات الأخلاقية التي قد يتحدث عنها اللاهوت، وبذلك يسعى غيرتز لدمج نوعي الخطاب للتمييز بين المشاعر الدينية والدنيوية بوجه عام، ويتفق أسد مع غيرتز في هذا الجانب؛ فقد كانت الكنيسة في القرون الوسطى واضحة دائمًا في التمييز بين المعرفة والكذب، وبين المقدس وغير المقدس، وهذان النوعان من التمييز كان الحكم النهائي فيهما للخطابات المرجعية التي تمثلها تعاليم الكنيسة وممارساتها، وليس قناعات الممارسين. بينما في القرون الحديثة مع تنامي العلم الحديث والدولة الحديثة رأت الكنيسة ضرورة فصل الديني عن الدنيوي، وأدى ذلك إلى أن يهجر الانضباط الفكري والاجتماعي الحيز الديني، ليحل محله أمور مثل الاعتقاد، والضمير، ورهافة الحس، لأن تلك العقيدة يتوقع بأنها انفصلت عن الكتاب المقدس الذي أصبح سجلًا للوحي الإلهي أي سجلًا تاريخيًا للوقائع التاريخية؛ لهذا فإن مبادىء التفسير التاريخي تلك لم تعد مسيحية خالصة، لكن المعتقدات بقيت مسيحية إلا أن ذلك التفسير قد خدمها.

ولعل أبرز تعريف عن تكوّن مفهوم الدين في بواكير أوروبا الحديثة هو ذلك الذي تناول ما عرف بالدين الطبيعي الذي يوجد في المجتمعات كلها، وفحواه بأنه مجموعة من المعتقدات (الخاصة بالقوة العليا)، والممارسات (أي العبادة المنظمة)، والأخلاق (أي قواعد السلوك المستندة إلى أساليب الثواب والعقاب في الحياة الأخرى) ولم تكن فكرة الكتاب المقدس (النص ذو الأصل الإلهي إنتاجًا وتفسيرًا) ضرورية لهذا القاسم المشترك بين الأديان. بهذا تحول الدين إلى مجموعة من الأفكار المحضة ذات الطبيعة العامة بعد أن كان مجموعة معينة من القواعد العملية المتصلة بإجراءات محددة تتمثل فيها القوة والمعرفة؛ ما أدى إلى زيادة في التسامح الديني؛ إضافة إلى تحول مهم في المفهوم، وسلسلة من الممارسات الاجتماعية التي هي بحد ذاتها جزء من التغير الأوسع في حقل القوة والمعرفة المعاصر، وقد شمل ذلك التغير نوعًا جديدًا من الدولة والعلم، وأيضًا نوعًا جديدًا من الصفة القانونية والأخلاقية للذات؛ من دون إغفال الجوانب التي يحوطها اللاهوت بالغموض من حصول حوادث معينة (أقوال وممارسات ومشاعر)، ووجود قوى تمنح الشرعية تعطي لتلك الحوادث معنى فتجعل ذلك المعنى متجسدًا في مؤسسات معينة. وفي الحديث عن الدين بوصفه معنى، والمعاني الدينية؛ ينطلق (أسد) مرة أخرى من رأي غيرتز الذي تبنى موقف علم اللاهوت عندما تناول مستويات الخطاب، إذ يؤكد أولوية المعنى من دون النظر إلى العمليات التي يجري فيها تكوّن المعاني، ويرى أسد أن غيرتز محق في الربط بين النظرية الدينية والممارسة لكنه مخطئ في جعل هذه العلاقة معرفية، لأن العلاقة بين النظرية الدينية والممارسة في جوهرها مسألة متداخلة إذ لا تفهم في الذهن من خلال الخطابات وتفسير المعاني فحسب. فما يؤمن به المسيحي اليوم عن الله والحياة الأخرى والكون ليس هو ما آمن به قبل ألف سنة، وكذلك استجابته للألم والظلم والجهل. فالإعلاء القروسطي للألم بوصفه نوعًا من المشاركة في عذاب المسيح يتعارض تعارضًا صارخًا اليوم بافتراض أن الألم شر يجب محاربته والتغلب عليه كما فعل المسيح الشافي؛ هذا الفرق يتصل اتصالًا جليًا بعلمنة المجتمع الغربي في عصر ما بعد التنوير، وباللغة الأخلاقية للعصر الحالي. ففي المجتمع الحديث تقوم المعرفة إما على أساس الحياة اليومية التي لا دخل للمسيحية فيها أو على أساس العلم الذي لا دخل للدين فيه. لأن الإيمان يوجد حالة ذهنية أو إحساسًا باليقين، وليس كيانًا من المعرفة العملية.

يعدّ غيرتز الدين منظورًا واحدًا من منظورات عدة (السليقة، العلمي، الاستطيقي)، لذا فهو عندما يستخدم المفردات الظاهراتية في دراسته للدين يثير مسألتين مهمتين: الأولى هي التناسق بين تلك المفردات، والثانية كفايتها للتعبير عن فكرة معرفية التوجه عن الدين. وبفترض أسد أن هذا الرأي يتفق مع الفكرة التي تجعل الدين أمرًا يخص الفرد في المجتمع الحديث. وعليه فإن كلمة منظور مضللة عندما تطلق على العلم والدين في المجتمع الحديث على حد سواء، فالدين اختياري فعلًا في هذه الأيام لكن العلم ليس كذلك، فالممارسات والمعارف العلمية تتخلل نسيج الحياة الاجتماعية، وتخلق هذا النسيج بطريقة لم يعد الدين يتبعها. فالمؤمن عند غيرتز يتغير عندما يتغير منظوره، وهو عندما يتغير فإن عالم السليقة لديه يتعرض للتغير والتصحيح، وهذا يعني أن عالم السليقة غير مستقل عن تحركاته. فهذان العالمان يتعرضان للتعديل بحيث يختلف عالم السليقة من مجموعة بشرية إلى مجموعة أخرى وتختلف ثقافة ما عن ثقافة أخرى، ويعود سبب تلك المعضلة إلى فلسفة ظاهراتية غامضة يكون فيها الواقع هو المسافة الفاصلة بين المنظور الاجتماعي للفاعل والحقيقة، ويكون هذا الواقع في الوقت نفسه هو المعرفة الفعلية بعالم مشكل اجتماعيًا متاح لكل من الفاعل والملاحظ، لكنه لا يتاح للأخير إلا عبر الأول.

يختتم الفصل باتفاق أسد مع غيرتز على أن الدراسة الأنثروبولوجية للدين تستلزم مرحلتين؛ الأولى مرحلة تحليل المعاني المجسدة في الرموز المشكلة للدين نفسه، والثانية مرحلة ربط هذه النظم بالعمليات النفسية وعمليات البنية الاجتماعية التاريخية بالرموز؛ إلا أن أسد يعدّ المرحلتين مرحلة واحدة لأن الرموز الدينية لا يمكن فهمها فهمًا مستقلًا عن علاقتها غير الدينية أو عن تبديها في الحياة الاجتماعية، إذ إن للعمل والقوة موقعًا حاسمًا على الدوام، فتلك الرموز وثيقة الصلة بالحياة، وتتغير بتغيرها بل إن الممارسات والخطابات المختلفة لا تنفصل عن هذا الحقل الذي تكتسب فيه التمثيلات الدينية هويتها وصدقيتها، وهذا يعني أيضًا أن إمكان وجودها ومنزلتها المرجعية يمكن تفسيرهما بأنهما نتاج قوى تاريخية معينة وحقول دراسة منفصلة.

 

الفصل الثاني: تطور مفهوم الطقوس

ليس من الصعوبة التعرف إلى الطقوس بوصفها أفعالًا رمزية، وهذا الفصل هو محاولة استكشاف التغيرات التاريخية التي ساعدت في جعل مفهوم الطقوس اليوم مقبولًا. ومن ثم يمكن الحديث عن مفهوم للطقوس يتصف بالشمول من خلال رصد التغيرات التي تطرأ على البنى المؤسسية وتشكيلات الذات. يعرض أسد في بداية الفصل تطور التعريفات المتغيرة للطقوس Ritual في الموسوعة البريطانية منذ عام 1771 وحتى 1910، إذ إن أبرز تطور للمفهوم هو بداية تعريف الطقوس بوصفها ظاهرة ثقافية، وهذا مختلف عما كان سائدًا في القرن الثامن عشر. أما اليوم فينظر إلى هذه الطقوس بوصفها جزءًا أساسًا من كل دين تختلف علاقتها بالوعي الفردي والنظام الاجتماعي؛ بذلك فإن الطقوس ماهي إلا ممارسة يمكن تفسيرها بأنها ترمز إلى شيء قابل للتعريف لغويًا، وعدّ الطقوس سلوكًا رمزيًا قد لا يكون دينيًا هو أمر حديث العهد تمامًا. ويتشابه المفهومان في عدّ الطقوس سلوكًا ذا دلالات رمزية أي بكونه نشاطًا يختلف عن السلوك العملي. فتقوم فكرة الطقوس على أنها تعني الأداء الصحيح لمجموعة من التعليمات التي تنظم هذا الأداء ولا تفسر دلالاته، وعلى وجود أناس يقوّمون هذا الأداء ويعلمونه. أما المفهوم المسيحي للضبط الأخلاقي في العصور الوسطى فيفترض أن التشكيل المنضبط للذات المسيحية لم يكن ممكنًا إلا داخل بيئة الأديار لأنها تعدّ مدارس لخدمة الله، وتمثل الأداء الصحيح للطقوس، وهي جزء لا يتجزأ من حياة الزهد، ووسيلة من وسائل المهنة الروحية للراهب الذي عليه أن يكتسبها بالتدريب، بحيث يشكل طقس الاعتراف جزءًا أساسًا من الرهبنة، وفي ذلك تواصل ما بين السلوك الخارجي والدافع الداخلي الذي يعبر عن نظام الضبط في المسيحية في القرون الوسطى، بحيث طور الرهبان الاعتراف ليشمل المسيحيين كافة، فالندم على ارتكاب المعاصي لا بد أن يرافقه رغبة في الفضيلة، والقدرة على البكاء، وهي علامة على صدق الندم. ويرى أسد أنه عندما ينفصل عرض السلوك الصحيح عن تشكّل الذات الفاضلة يصبح موضوعًا لنوع آخر من الفكر النظري، أي تفكير في القوة لا الفضيلة، ليس في عالم الرهبان فحسب، وإنما في الأدوار الفردية، وفي المجالات الاجتماعية. ففي ذلك تعبير عن دور السلوك التمثيلي في حقل القوة، وعليه يصبح السلوك الرمزي أيديولوجيًا بالمصطلح الحديث لأن الفعالية السياسية للسلوك التقليدي تتطلب وضع الاستراتيجيات وليس تقليد النماذج أو اتباع القواعد. بذلك فإن النظر إلى الطقوس وأنماط الانضباط التي تميزت بها الرهبنة في القرون الوسطى بأنها مجازية وتمثيلية ليست حقيقية أو عملية؛ إذ ميزت الرهبنة القروسطية بين الظاهر والواقع لكنها ربطت العلامة الظاهرة بقوتها الباطنة ربطًا لا انفصام له عبر نظام للضبط المسيحي. بينما تشكّل النظام الأخلاقي للذات في أوائل العصر الحديث على نحو مختلف، إذ اعتمدت الذات في أثناء تشكيلها، وإعادة تشكيلها _في الصراع من أجل التحكم في القوة الشخصية منها والسياسية_ على المحافظة على البعد الأخلاقي بين أنماط السلوك في المحافل العامة، وبين الأفكار والمشاعر الخاصة، وفي هذا عرض للذات وتمثيلاتها مثل بعض هموم عصر النهضة.

في تناوله الجواهر الخاصة والتمثيلات العامة يستعير أسد كلمة شخصية character بالمعنى الذي تدل عليه وهو التركيب العقلي أو الأخلاقي أي ذلك الجوهر الخفي الذي يحدد وجود الفرد في العالم، ونشأت عنه فكرة الهوية الأساسية الخاصة بكل فرد، والهوية الأخلاقية للكائن البشري ومن النتائج المهمة لذلك إمكان الحصول على عدد لا ينتهي من التفسيرات لجوهر الشخصية وعلى المهارة في الحكم على الشخصية؛ لذا فمن الضروري التركيز على الخبرة بوصفها قيمة لقراءة الشخصية الحقيقة للرجال من وجوههم وعاداتهم. وميز أيضًا الكتاب في مراحل أخرى من القرن الثامن عشر بين العواطف passions والمشاعر Emotions بأن العواطف أقوى بأثرها في العلاقات الاجتماعية، واحتلت مكانًا يشبه مكان الفضائل والرذائل في العصور الوسطى. فالعواطف خلافًا للمشاعر قد تحدد السلوك بصورة قوة تصعب السيطرة عليها. أما عند تناوله لمقولة المشاعر في مقابل الطقوس فيستند إلى رأي الأنثروبولوجي (إيفانز بريتشارد) ودوركهايم في كتابه (الأشكال الأولية للحياة الدينية) ليخلص بأن ثمة تباينًا جوهريًا بين الطقوس التي تنظم الممارسات وتستهدف التنمية الكاملة للذات المترهبنة والطقوس التي تقدم قراءة المؤسسة اجتماعية. ويطلق العنان للتخمينات الخاصة بالطرائق التي تعزز التهميش المتزايد للضبط الديني في المجتمعات الرأسمالية الصناعية، إلا أن الأوساط المسيحية المعاصرة تنظر بعين الرضا إلى التصور الرمزي للطقوس؛ لأن تلك الطقوس جزء من النظام المسيحي لأسباب ثلاثة هي: إذلال الذات، ولغرض التعليم، ولغرض التمرين.

 

الأوضاع القديمة

الفصل الثالث: الألم والحقيقة في الطقوس المسيحية

يبدأ محور الأوضاع القديمة في الفصل الثالث الذي أتى بعنوان الألم والحقيقة في الطقوس المسيحية في العصور الوسطى التي اعتمدت على الإيلام الجسدي. أما في هذه الأيام فينظر المحدثون معظمهم، المتدينون منهم وغير المتدينين إلى هذه الممارسات بعين السخط والتشكك، إذ إن أهم ما يجري البحث فيه هو قوة الطقوس المسيحية. فقد كان التعذيب القضائي في القانون الجنائي الغربي قائم على تعذيب جسد المتهم، وهو الصورة المبكرة من الإجراءات القانونية للتحقيق، ثم بدأ التحول الكبير في تلك الإجراءات في العصور الوسطى عندما بدأ الناس يعطون وزنًا أكبر للأدلة البشرية بدلًا من الأحكام السماوية؛ لا سيما أن الكنائس هي التي كانت توضع فيها وسائل نقل الإرادة الربانية (وسائل تعذيب الجسد)، إذ لا بد من مباركة الكاهن لهذه الأدوات لتحقيق الغرض الذي وجدت من أجله (الإيلام بغرض الوصول إلى الحقيقة)، وقد أسهمت القواعد الجديدة للممارسة العقلانية في المرحلة التي شهدت تقدمًا للعقلانية؛ في أن ينظر إلى الممارسات السابقة بوصفها (خزعبلات). ويستعرض (أسد) رأي فوكو حول شكوكه في قصص انتصار العقلانية الغربية من خلال الاستراتيجيات المتغيرة للقوة في علاقتها بالجسد؛ فلم يكن التعذيب محض استعراض للعدالة بل كان وسيلة لإنتاج الحقيقة، إذ إن التحدي الجسماني يجب أن يحدد معنى الحقيقة؛ فالبحث في الحقيقة من خلال التعذيب القضائي كان طريقة الحصول على الدليل، وهو اعتراف المذنب (وهذا أهم الأدلة قاطبةً)، فالتعذيب طقس له شروطه وقواعده وآثاره.

إن الاعتراف الديني هو اعتراف طوعي روحاني يختلف تمامًا عن الاعتراف المستخلص من الشخص بقوة تحت التعذيب القضائي، لكن من وجهة النظر الحديثة فإن النوعين تحركهما السلطة، وتنظمهما، وتستخدمهما لإيجاد الحقيقة، والتعامل مع أخطار المصير. لقد شكل عقاب النفس جزءًا أساسًا من نظام الرهبنة في العصور الوسطى، فالجسد لا بد من ترويضه لأنه عقبة في سبيل الوصول إلى الحقيقة الكاملة، وتحفر علامات الخطيئة في الروح والجسد، وهذه العلامة تمحوها الكفارة، وتحل محلها علامات الحقيقة بوساطة تكرار الطقوس، ويحمل هذا المعنى حياة التنسك في الأديار. ويرى أسد أن الجسد لم يكن محض عقبة في طريق الحقيقة بل كان بالدرجة الأولى وساطة يمكن للحقيقة المتعلقة بقدرة الذات على الضلال أن تنكشف عن طريقها، ثم إن إذلال الذات في نظر الراهب هي الطريقة الرئيسة في التقدم الروحي، والإرادة التي يجب على الراهب أن ينميها في مهنته هي إرادة الله وليس إرادته هو. فالله هو مصدر القوة الذي يجعل الإنسان يهزم العدو في داخله، والله هو المرجع الذي ابتعد عنه وهو في حالة السقوط أيضًا.

بعد أن كان الاعتراف والكفارة عنصرين أساسين في انضباط الرهبان في داخل الأديار في الحقبة الأولى القروسطية؛ فقد تطورت الكفارة الحديثة بسبب تغيرات حدثت في اللاهوت ما بين القرن التاسع والثالث عشر، إذ إن نظام الاعتراف الجديد كان فيه دور مهم للرهبان من حيث الممارسة والتنظير فعلى الرجال والنساء أن يتعلموا الجهر بالحقيقة المخفية في أنفسهم، وأن الألم الذهني المصاحب للأسئلة علامة على أن التائب قد اعترف بالحقيقة كلها عن دينه وأنه نادم كما ينبغي له. فالندم كان أساس الغفران. أما المقاومة العنيدة للاعتراف فإنها تستدعي الألم الجسماني، وقد ساعد خطاب الخطايا ذلك في سبر أغوار الوعي المسيحي فأدى إلى تأسيس أنماط معينة من هذا الوعي، فلم تعد الخطايا محض معاصٍ بذاتها؛ بل أصبحت أسلوبًا للتحقيق وأنماطًا من الفكر والكلام والأفعال الراسخة لدى فئات معينة من المجتمع. هكذا أُسِّس وعي ديني منضبط على أساس الامتيازات والمسؤوليات المرتبطة بالطبقات الاجتماعية، وبحقوقها وواجباتها. ويظهر تاريخ طقس الاعتراف طريقة من الطرائق التي يتحول المسيحيون فيها إلى ذوات تنظر إلى الأمور نظرة ذاتية، ويساعد على ربط المرء بغيره بواجبات ورغبات متبادلة، أي ذوات خاضعة للقوة.

يخلص الفصل إلى أن التعذيب القضائي في القرون الوسطى كان خطوة نحو الأمام باتجاه العقلانية بعيدًا عن الأسطورة والدين، وقد كان اللجوء إلى الإيلام الجسماني بالمحنة أو بالتعذيب القضائي يمثل جزءًا من إثبات الحقيقة الخاصة بالذنب، وهو وضع تحدده العوامل. وكان طقس الكفارة في آخر العصور الوسطى عقلانيًا تمامًا فقد أخذ صيغة شمولية وكان مركزًا على عدد من الحقول الفكرية والأخلاقية والسياسية.

 

الفصل الرابع؛ الضبط وإذلال الذات في الرهبنة المسيحية في العصور الوسطى

ويبحث في إجراءات الضبط والطرائق الكثيرة التي أنشأت الذوات الدينية _بوساطة تنظيم الخطابات الدينية_ إذ تحكمت طقوس الرهبنة في ضبط الرغبات الفاضلة، إذ إن تلك الرغبة يجب أن تخلق أولًا قبل أن تجري ممارسة الاختيار الفاضل. وهذا يختلف تمام الاختلاف مع الفرضية الحديثة القائلة: إن الاختبارات تشكل شيئًا قائمًا بذاته وتسوغ نفسها بنفسها. فعن الأساليب الحديثة في تحليل الطقوس، يميل الأنثروبولوجيون المحدثون إلى تناول الطقوس على أنها حقل للرموز. ففكرة الطقس ما هي إلا مظهر من مظاهر الفعل، وهي حدث يجري وفق بنية، لذا فإنه بحاجة إلى تفسير، وهذه المعاني الرمزية هي نتيجة للتفاعل بين المتفاعلين؛ إذ يرى أسد أن عدّ الطقوس موضوعًا لنظرية عامة أمر مشكوك فيه لأنه يعتمد على التحليل التاريخي المحدد لطقوس الرهبنة بوصفها ممارسات لتأسيس نزعة الطاعة الصادقة، ويعدّ تحقيق تلك النزعة تحقيقًا لفضيلة إذلال الذات فيدرس الطقوس من حيث صلتها بالقوة. إذ لا يكفي القدرة على التخيل والإدراك والمحاكاة _وهي قدرة موجودة عند الجميع بدرجة أو بأخرى_ لتأسيس النزعة الأخلاقية (الفضائل المسيحية) وإحداث التحولات فيها. فقد احتاجت هذه القدرة إلى برنامج معين من ممارسات الضبط وعملت على إيجاد عواطف معينة كـ (الرغبة، إذلال الذات، الندم) وإعادة تنظيمها. تلك العواطف اعتمدت على الفضيلة المسيحية المركزية، وهي فضيلة طاعة الله. تلك العواطف معينة تاريخيًا، وأُوجدت داخليًا، ويرتبط كل منها بالأخرى بطرائق محددة تاريخيًا. وهي أيضًا نتاج إجراءات تتصل بالقوة، وليست محض قراءات لرموز.

إن تحديد مفهوم الضبط Disciplina تاريخيًا في القرون الوسطى يسهم في تحديد الأبعاد الأساس للقوة التي مورست في الأديار، إذ اكتسب ضبط الحياة في الأديار قوة ضرورية للتنسيق بين مكونات كيان عضوي متكامل وتحويله إلى لغة الواجب. إذ يفترض وجود نظام لتعلم كيفية قضاء الحياة الفاضلة تحت سلطة القانون. ولفكرة الفضيلة منزلتها، لكنها تخضع في الفكر والعمل المسيحيين في القرون الوسطى للضبط الذي تفرضه الشريعة الربانية، وهذه أحد الأسباب التي جعلت فضيلة إذلال الذات، فضيلة مركزية من الفضائل المسيحية. ويتناول أسد أيضًا مفهوم إعادة تنظيم النفس، إذ إن الوقوع في الخطيئة من وجهة نظر العقيدة المسيحية في العصور الوسطى خطر يحدق بالروح، وما دام الإنسان في حالة خطيئة فإنه في خطر مميت، ولكن الله برحمته الواسعة جعل الخلاص ممكنًا. ولعل هذا هو سبب إنشاء نظام الرهبنة بغاية إصلاح النفس؛ إذ يشير إلى قدر من التخلي عن النفس والواقع؛ فبلاغة التخلي تلك تعد جزءًا من إنشاء وظيفة رقابية ذاتية ثم إن العلاقة التعليمية بين الرهبان ورئيسهم قائمة بالأساس على الثقة لا الهيمنة، يعاد فيها خلق رغبات الراهب ومشاعره. أما الاعتراف الشعائري فهو الوسيلة الأساسية التي يختبر بها الإيجاد وتنظيمه، وكذلك العمل اليدوي الذي اقترن بفضيلة إذلال الذات، فيعمل على إعادة تنظيم الانضباط في الأديار، وقد بدأ ينظر إليه بأنه أعلى قيمة من النشاط الآخر بوصفه نوعًا من الأعمال الدينية والانضباطية، وجعلها شبيهة بالأعمال الشعائرية، إذ أصبح العمل المربح اقتصاديًا؛ طقسًا وجزءًا صحيحًا من النظام المفيد في التحول الأخلاقي؛ بل إنه أهم من العمل الذهني. وعليه قد نشأت الحاجة إلى نظام كامل من الضبط لكي يتعلم كل عضو من أعضاء الجماعة فضيلة إذلال الذات ويمارسها. أما غير المترهبنين الذين قضوا أوقاتهم كلها في العمل الزراعي، فلم يخضعوا لذلك النظام.

وعند تناول أسد بنية الطاعة عند الرهبان وطقوس الكفارة افترض أن الضبط عملية تتضمن التأثير (ضبط النظام على يد السلطة داخل الدير وخارجه) والتأثر (تعلم الراهب للسلوك الصحيح وممارسة الفضائل). ويعتمد كل جانب من عملية الضبط على وظيفتين؛

أ- المراقبة المستمرة، ب- الإصلاح في مراحل منتظمة، وطقوس الدير كلها وسائل لإحداث ما يجري من تحول لدى المسيحين، وينتمي طقس الكفارة (الاعتراف) إلى وظيفتي الضبط كلتيهما، وهما الوظيفة الرقابية والإصلاحية. ومثّل العقاب والإيلام جزءًا مركزيًا من هذه العملية من أجل إثبات موقف الشرع وتصحيح الطرق المؤدية إلى الفضيلة، فليست الصفة البارزة للكفارة وظيفتها الإصلاحية فحسب بل أساليبها في تصحيح الذات، وهي في سياق الرهبنة في القرون الوسطى أسلوب لضبط الذات بهدف خلق الرغبة في طاعة الشريعة كونها جزء من طبيعة الذات.

في خاتمة الفصل يستنتج أسد أن لمفهوم الضبط صورتين من صور القوة؛ الأول يتصل بتنمية الفضائل، والثاني يتصل بتطبيق الشريعة، وقد حاولت الرهبنة أن توفق بينهما. ففي حياة الرهبنة ليس الهدف كبت التجارب التي تجعلها الحرية الدنيوية ممكنة، وإنما تكوين الرغبات الدينية من تلك التجارب. كذلك طقوس الرهبنة تنتمي إلى نظام الضبط الذي استولت على بعض عناصره مشروعات ذات طبيعة دنيوية في قرون لاحقة. ثم إن الزعم بأن السلوك الطقسي يتعارض تعارضًا مطلقًا مع السلوك العادي أو العملي زعم يفتقر إلى التماسك تمامًا مثل الزعم بأن الدين يتعارض مع العقل أو العلم (الاجتماعي).

 

 ترجمات

الفصل الخامس: مفهوم الترجمة الثقافية في الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية

يستهل المحور الثالث للترجمات بالفصل الخامس الذي جاء بعنوان مفهوم الترجمة الثقافية في الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية. إذ إن عبارة (ترجمة الثقافات) التي بدأت تتداول منذ عقد الخمسينيات، لم تكن على درجة عالية من الشيوع، وتشير إلى أنماط من التفكير. وكنموذج لنص نظري حول تحقيق الفهم من ترجمة الثقافات يتناول أسد نص (المفاهيم والمجتمع) لأرنست غلنر؛ التي تركز على الطريقة التي يعالج بها الأنثروبولوجيون مشكلات تفسير الخطاب في المجتمعات الغربية وترجمته. وتقوم فكرته على الأمور الآتية: (أ)- يصر الأنثروبولوجيون المعاصرون على تفسير المفهومات غير المألوفة ضمن سياق اجتماعي. (ب)- يحرصون على إعطاء الأقوال التي يبدو أنها تجافي العقل أو التي يعتريها الاضطراب معاني مقبولة. (ج)- قد تكون الطريقة السياقية في التفسير صحيحة من حيث المبدأ، لكن يرافقها عادة تسامح مبالغ فيه. ليتوصل أسد بناءً على ذلك النص إلى أن كل من يشتغل بالترجمة من ثقافات أخرى عليه أن يبحث في تناسق الخطاب ونص (غلنر) يفتقر إلى ذلك التناسق. إضافةً إلى أنه يعدّ تفاوت اللغات أبرز النواحي التي غفل غلنر عن الإجابة عنها في نصه، إذ تقوم كل ترجمة ناحجة على فرضيات مؤداها أنها موجهة بلغة معينة، وإلى مجموعة معينة من الممارسات، وإلى شكل معين من الحياة. فاللغة تتحكم فيها علاقات قوة تتحد مؤسسيًا بين اللغات وأنماط الحياة المعنية. وبما أن اللغات التي تتكلمها مجتمعات العالم الثالث ينظر إليها على أنها أضعف من اللغات الأوروبية؛ فإن الاحتمال الأكبر هو أن تخضع هذه اللغات لتغييرات قسرية في عملية الترجمة، والسبب الأول هو أن الشعوب الغربية أقدر على التأثير في أقطار العالم الثالث في علاقاتها السياسية والاقتصادية، والسبب الثاني هو أن اللغات الغربية تنتج معرفة يرغب الناس في الحصول عليها أكثر مما تنتجه لغات العالم الثالث. أما المعرفة التي تنشرها لغات العالم الثالث فإنها معرفة لا تسعى المجتمعات الغربية للحصول عليها بالطريقة نفسها أو للسبب نفسه. فالترجمة ما هي في جوهرها سوى تمثيل لفظي في حقل العلوم الاجتماعية.

وفي قراءة الثقافات الأخرى يحاول أسد مناقشة ما لا تعبر عنه الثقافات الغربية تعبيرًا صريحًا؛ إذ يؤمن الأنثروبولوجيون الاجتماعيون أن هدف الترجمة الأثنوغرافية ليس الكلام الذي ينطق به طرف تاريخي محدد بل الثقافة، ويجب على الأنثروبولوجي لكي يترجم الثقافة أن يقرأ المعاني الضمنية الواقعة وراء الكلام. إن ترجمة الأثنوغرافي أو وصفه لثقافة معينة من الثقافات تركيبًا نصيًا يشير إلى أن هذا النص ما يزال _بوصفه نصًا علميًا_ ذا حظوة في مخزون الذاكرة التاريخية الممكن للمجتمع. أما في المجتمعات الحديثة تتمتع السجلات المكتوبة عنهم بقوة أكبر لتكوين الذوات والمؤسسات وإعادة تكوينها من تلك التي تملكها الذاكرة الشعبية؛ لا بل إنها تكوّن الذاكرة الشعبية، ما يهم في النهاية هو المرجعية الاجتماعية لعلم الأثنوغرافيا، وليست المرجعية الشخصية للعالم الأثنوغرافي، وهذه المرجعية جزء من القوى المؤسسية التابعة للمجتمع الرأسمالي الصناعي التي تسعى باستمرار لدفع العالم الثالث إلى السير باتجاه واحد. ولا يعني هذا الاتجاه أنه لن يصادف مقاومة؛ إذ إن المقاومة هنا تدل على وجود قوة مهيمنة. فعملية الترجمة الثقافية تترابط ترابطًا لا فكاك منه مع أوضاع القوة المهنية والقومية والدولية. وتأتي قدرة علماء الإثنوغرافيا ضمن هذه الأوضاع (أ) لأن يعرضوا مافي الخطابات المختلفة من تناسق على أنها نظم اجتماعية متكاملة مستقلة بذاتها. (ب) لأن يكشفوا المعاني الكامنة في خطابات ثقافية خاضعة أو تابعة لغيرها. فكيف تدخل علاقات القوة في عملية الترجمة الثقافية بوصفها جزءًا من ممارسة خطابية وغير خطابية؟.

ويختتم الفصل بأن أسلوب الترجمة الثقافية يسهل التعامل مع الثقافة على أنها نص، ويشجع على وضع الأجوبة التوضيحية المجدولة للأسئلة الاجتماعية والتاريخية المعقدة، إن هذا التفاوت في اللغات هو مظهر من مظاهر أنماط القوة التي أوجدتها الإمبريالية والرأسمالية الحديثتان في العالم، ومشروع الترجمة يعيبه وجود اتجاهات وضغوط غير متكافئة في لغات المجتمعات المهيمنة والمهيمن عليها، ويجب على الخطابات أن تحافظ على حضورها المقلق في اللغة المتلقية.

 

الفصل السادس: حدود النقد الديني في الشرق الأوسط

(ملاحظات عن الجدل العلني العلماني) يبدأ بالحديث عن العقل النقدي والدولة والدين في عصر التنوير، إذ ينظر الغربيون إلى تاريخ الشعوب غير الغربية بأنه محدود، وقد عومل تاريخ الإسلام السياسي المعاصر بهذا النحو بالضبط، فهؤلاء الغربيون ينظرون إلى تقاليد الأمم غير الغربية من وجهة نظر التنوير الأوروبي التي تقوّم التقاليد بحسب قربها أو بعدها من التنوير أو النموذج الليبرالي؛ لذا فإن الدول الإسلامية توصف بأنها دول ذات نظام سياسي استبدادي لا تعرف النقد العلني، وإن الجدل المستمر عند الليبراليين قائم حول الحدود الصحيحة لسلطة القانون من جهة وحرية التكلم والانتقاد العلني من جهة أخرى، وقد انطلق منظرو القرنين السابع عشر والثامن عشر من أن إنشاء الدولة الحديثة تطلب الإعادة القسرية لتعريف الدين بأنه الإيمان، ويجعلون أمور الإيمان والعواطف والهوية الدينية أمورًا تنتمي إلى فضاء الحياة الشخصية في مقابل فضاء الحياة العامة. أما في الشرق الأوسط المعاصر فقد كان لنشوء الدولة تاريخ مختلف، إذ ورثت في الأحيان معظمها الأشكال الاستعمارية، ويدين عدد قليل من هذه الدول إلى الحركات الإسلامية، وليس ثمة مكان لاستعمال العقل بالمعنى (العام والخاص) الذي تحدث عنه كانط في أنظمة سياسية كهذه. وفي طرحه لتساؤل في ما إذا كانت العقيدة الإسلامية تتعارض مع التغيير؛ يتناول أسد المملكة العربية السعودية مثالًا للإجابة عن هذا التساؤل؛ فقد أحدث التدفق الهائل للثروة النفطية في السعودية تغييرات اجتماعية كثيرة، فالمنزلة البارزة التي تحتلها الشريعة وطرائق التعليم الإسلامية إلى جانب اعتماد الدولة على أساليب التعبير الإسلامية دفع بعدد كبير من الكتَّاب الغربيين إلى أن يعدّوا المملكة السعودية دولة أصولية _دولة تؤكد نخبتها الطرائق التقليدية في الفهم والسلوك_ في بيئة تسعى للتحديث، ولعل هذا مصدر التوترات الخطرات، والخطاب المتسق مع هذه العقيدة لا يُعارض التغير بالضرورة، ولكنه يطمح إلى أن يكون خطابًا ذا سلطة مرجعية من خلال محاولة إعادة تفسير المعايير والمفهومات بطريق المحاكمة العقلية التي تهتدي بما قاله السلف، ولا يعني هذا أن تطبيق هذه التغييرات اعتمد اعتمادًا كاملًا على تلك المرجعية. فالتراث الشرعي والأخلاقي الإسلامي يتضمن مقياسًا متدرجًا لتصنيف السلوك الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام، وهذا يعني أن ما يقدمه النقاد من نصيحة هو شيء تدعو إليه الشريعة بصفته شرطًا من شروط الاستقامة، وليس النقد بما يحمله من دلالات التخاصم. فيعدّ أسد أن هناك تراث من النقد الاجتماعي حتى في دولة غير ليبرالية (متشددة) بمثل السعودية، وهو نقدٌ علني مؤسسي، وتعد خطبة الجمعة من أهم صور هذا النقد التي ظهرت بوضوح بعدما وقعت الجوامع بعد حادثة الحرم 1979 تحت سيطرة وزارة الأوقاف مباشرة، التي حاولت تحديد موضوعات تلك الخطب؛ إلا أن تلك المهمة تراخت في ما بعد عندما ركزت تلك الخطب على المواعظ الدينية. ومع انفجار أزمة الخليج 1990 حشدت قوات أميركية ضخمة في المنطقة الشرقية من السعودية، وتوجه الوعظ الأخلاقي إلى التركيز على السلوك الإسلامي القويم في المجتمع السعودي بمكوناته المختلفة، وانتشرت التسجيلات الصوتية، فوصلت تلك الخطب والمواعظ إلى جمهور واسع من السعوديين. أما الخطباء فقد عالجوا الموضوع بأنه مواجهة معتد مسلم بقوة كافرة؛ كان هذا جوهر النقد الذي وجه للحكومة، ولكنه لم يكن واضحًا من الناحية السياسية ثم إنه لم يقدم بدائل سياسية، ما حول الخطبة إلى موعظة دينية، ووجه للناس والحكومة على سبيل النصيحة.

يتخذ أسد نصًا شرعيًا مثالًا على النصيحة بوصفها نقدًا أخلاقيًا سياسيًا هو لسعيد بن مبارك آل زعير، يشرح فيها الشروط الضرورية للنقد العملي ومواصفاته، وكانت بعنوان (الدين النصيحة). يعدّ أسد أن النصيحة والدعوة توجدان معًا في عالم من المفهومات يختلف عن عالم عصر التنوير؛ إذ إن التفكير العملي لا يؤدي إلى مبدأ أخلاقي إلا إذا كان بالإمكان تعميمه ليصبح قانونًا عامًا. ويرحب زعير بالتغييرات المختلفة ما دامت تتفق مع أسس الدين إذ يرحب بالمؤسسات الاجتماعية كلها وفوائدها مع النظر إلى أخطائها وعيوبها التي تخالف أوامر الله، وهذه العيوب والأخطاء هي التي يجب أن يستهدفها النقد؛ فعلاقة الطاعة المطلقة لا تأخذ شكل عقد بين الفرد وقوة متعالية، وإنما هي علاقة مجسدة في أمة لها نصوصها الأساس وممارساتها المشروعة. إن زعير عندما يتحدث عن الأمة لا يقصد أنها جماعة متجانسة الصفات الاجتماعية أو أنها متحدة تقليديًا _مع أنها تخضع الآن للتفتيت_ فهو يعد وجود الأمة أمرًا مسلمًا به، ويطور عمله عن العمل الأخلاقي على أساس تلك الفرضية ويقصد بالأمة الفضاء الديني- السياسي الذي لا يتبدل على مر الزمان، هذا الفضاء هو أيضًا فضاء القوة والعقاب. ويقدم أسد رأيًا في النقد الإسلامي العلني الصحيح مستشهدًا برسالة مفتوحة نشرت في عام 1991 في عقب حرب الخليج موجهة للملك فهد وقع عليها مئات العلماء،* ووزعت بصورة نشرة في أنحاء السعودية كلها، على الرغم من ذلك لم يرد ذكرها في الصحافة السعودية وإعلامها؛ ولعل أحد أسباب كتابتها هي المواعظ الدينية التي انتشرت في المرحلة السابقة، حيث حملت لهجة الخطاب تهذيبًا وحزمًا. لكن الملك لم يستجب لها مباشرة، إذ حولها إلى هيئة كبار العلماء الذين كان رأيهم أن الرسالة سمت نفسها النصيحة إلا أنها لم تلتزم بشروط النصيحة وطرائقها. إن هذا النقد العلني الذي مثلته تلك الرسالة خارجة على الخطاب الإسلامي التقليدي في المملكة، ويعود ذلك النقد الاجتماعي إلى أن مؤسسات حديثة (إدارية، اقتصادية، اجتماعية) وطبقات جديدة (لا سيما أولئك الذين حصلوا على تعليم غربي) ظهرت إلى الوجود، فأوجدت بذلك فضاءً اجتماعيًا جديدًا فرضه الخطاب والممارسة النقديين، وهما بذلك جزء من الحداثة لا استجابة لها. فمن يدعون لتحديث الدولة يدعون لذلك على الرغم من أن المجتمع السعودي كيان يمر بتحول حداثي لا يتفق مع الصورة الرسمية التي ترسمها الدولة، ولكن هذا بالضبط هو أحد الأشياء التي تجعلهما معًا كيانًا في حالة أزمة.

يجمل أسد التحولات في مفهوم العقل النقدي بأن يؤكد أن مفهوم النقد الذي تحدث عنه كانط _خلافًا لذلك الذي تحدث عنه العلماء السعوديون_ هو نقد بديل من السلطة الدينية، وليس داعمًا لها، وقد يكون ذلك سببه أن السلطة الدينية في عصر التنوير في أوروبا كانت تتراجع، خلافًا للسلطة السياسية إلا أن كانط أكد أن حرية انتقاد كل شيء يجب ألا يتعارض وضرورة طاعة السلطة السياسية. فقد أصر أصحاب النظريات التطورية في القرن التاسع عشر بمن فيهم أنثروبولوجيو هذه الأيام على الاعتقاد أن القوة وسيلة لإرساء العقلانية في أنحاء العالم غير المتحضر جميعها. أما في القرن العشرين فقد اتخذ هذا الاعتقاد صورة سياسية صريحة.

يستخلص في ختام الفصل أن النقد الديني الذي عُرِض يحمل تعبيرًا لا يمكن إنكاره عن المعارضة السياسية للنخبة الحاكمة السعودية من دون إنكار الحدود. فمن غير الدقة افتراض أن الأفكار العلمانية تتفوق على الأفكار الدينية من حيث عقلانيتها لأن المعتقدات الدينية أشد تصلبًا. فالتقاليد الدينية مرت بتحولات عدة على مر الزمن قد تكون النصوص الدينية ثابتة إلا أن المهارات الإنسانية في وضع التفسيرات لا حدود لها، والمتعصبون يأتون من مختلف الأشكال والأحجام من بين الشكاكين والمؤمنين على حد سواء مثلما يأتون من المتسامحين. وأما الزعم بأن الإكراه يحل محل الإقناع بين المتدينين، فقد يكفي لبيان فساده التذكير بأن أفظع أمثلة الإكراه في العصور الحديثة جاءت من النظم الشمولية العلمانية من النازية والستالينية إذ بارزت الممارسات العلمانية الممارسات الدينية في قسوتها وإيلامها.

 

المجادلات

الفصل السابع: التعددية الثقافية والهوية البريطانية إثر قضية سلمان رشدي 

يبدأ محور المجادلات بالفصل السابع الذي جاء بعنوان التعددية الثقافية والهوية البريطانية إثر قضية سلمان رشدي. لقد ساد شعور بوجود تهديد لبنية أيديولوجية معينة وتراتبية ثقافية عمادها الهوية الإنكليزية التي تتحدد بموجبها الهوية البريطانية، وفي تلك المدة بحسب (أسد) الهوية البريطانية لم تكن متجانسة، إذ إنها مفهوم حديث نسبيًا، وقد سبق قضية رشدي حوادث مقلقة تهدد الهوية (الاندماج مع الجماعات الأوروبية، مطالب الويلزيين والإسكتلنديين الوطنية، الحرب الأهلية في إيرلندا الشمالية، الخطر المتمثل بالمهاجرين القادمين من مستعمرات سابقة والساعين لتسييس التراث). فقضية رشدي هي عرض آخر من أعراض الأزمة التي تمر بها الهوية الوطنية بعد انتهاء المرحلة الإمبراطورية، وليس بوصفها مثلًا مزعجًا للمهاجرين الذين يجدون صعوبة في التأقلم مع عالم جديد متقدم بمثل ما روج لها. لقد تدخل (جون باتن) وزير الداخلية المسؤول عن العلاقات بين الأعراق التي يتكون منها المجتمع البريطاني بأن كتب رسالتين؛ الأولى موجهة لزعماء الطائفة الإسلامية* وتميزت بالأسلوب الأبوي الحازم. ولأن هذه الرسالة لم تكن كافية أصدر رسالةً أخرى بعد أسبوعين بعنوان (معنى الهوية البريطانية)، إذ لا تقتصر عبارة الهوية البريطانية على دفع الضرائب والانتخاب، والاستفادة من الخدمات التي تقدمها الدولة، والخضوع لقوانين البلاد؛ بل تشمل مشاعر وولاءات رئيسة. فوثيقة (باتن) تلك تستمد أفكارها من تراث ليبرالي واسع؛ بحيث أن ما سعى للتعبير عنه ودعمه هو تصور للثقافة أو نمط من الحياة يجدد القيم الأساسية للهوية البريطانية العلمانية، ويمثل الأساس الرسمي لمجتمع متنوع يمكن الدفاع عنه دفاعًا عقلانيًا بصورة تلخص معنى مفهوم الثقافة الوطنية المشتركة.

يؤكد أسد أن ما عُدَّ خطرًا في قضية رشدي يتصل بتسيس تراث ديني لا مكان له في الهيمنة الثقافية؛ ذلك التراث أتى من مجتمع كان مستعمرًا حتى عهد قريب. ويرى أن الثقافة ما هي إلا جزء من اللغة الشاملة التي يستخدمها المستعمرون لإعادة تشكيل تلك الثقافة، فمن أهم المميزات البارزة لهذه اللغة تركيزها على عناصر موجودة فعلًا، قابلة للملاحظة، ولها أصول متباينة؛ لذا فهي قابلة للتطبيع. فمفهوم الثقافة جزء من المشروع الشامل الذي رُبِط بظهور المجتمع الصناعي الليبرالي؛ أما الغموض في مفهوم التعددية الثقافية فيعود إلى مسألة اتساقه مع ذلك المشروع بعد وصول المهاجرين غير البيض من المناطق التي كانت جزءًا من الإمبراطورية إلى المجتمع الذي يدعو نفسه مجتمعًا ليبراليًا؛ بذلك تكون الثقافة مشروعًا من مشروعات الدولة أو الامبراطورية الساعية للتحديث. وعن (عمالة قادمة من المستعمرات السابقة إلى بريطانيا) تعبر عن أجناس وأديان أخرى فقد جرى التعويض عن العمالة في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية بعمال استوردوا من المستعمرات السابقة. بعد ذلك لحق بهم أفراد آخرون إما على أساس فردي أو عائلي؛ بهذا فإن كلمة مهاجر Immigrant أخذت تعني للعامة في بريطانيا المعاصرة المستوطنين غير الأوروبين، وتطلق على أبناء المهاجرين على الرغم من أنهم ولدوا في بريطانيا، ولكنها لا تطلق على المهاجرين البيض.  وقد كان التعامل مع المهاجرين من غير البيض يجري من خلال انتمائهم العرقي، والمشكلة السياسية للأعراق كما هي للطبقات كانت في كيفية المحافظة على اختلاف المرء من غيره، وكيفية التعبير عن هذا الاختلاف.

تناول أسد أيضًا المفردات السياسية المستخدمة للحديث عن الاختلاف فوجود عبارات بمثل (مهاجرون سود أو جدد من الكومنولث، أقليات سوداء، أو إثنية، أو ثقافية) كما تستعمل في بريطانيا، وتنتمي إلى مراحل تاريخية وسياقات سياسية متباينة. فسكان بريطانيا من غير البيض يرتبطون بالمجتمع البريطاني بطرائق مختلفة على الرغم من أنهم يعانون جميعًا التمييز العنصري المؤسسي، وقد شاع استخدام اصطلاح الأقليات الثقافية، والأقليات الإثنية. وكذلك الأغلبية والأقلية مفردتان تنتميان للانتخابات والبرلمان ولنظام السياسية الليبرالي؛ لذا فإن الكلام على أغلبيات وأقليات ثقافية يعني وجود كائنات أيديولوجية مهجنة، ويعني أيضًا الإدعاء ضمنًا بأن أعضاء الثقافات ينتمون حقًا إلى مكان محدد سياسيًا؛ لا ينتمي إليه أعضاء ثقافات أخرى (ثقافات الأقلية). لقد فشلت المحاولات كلها التي جرت لحل المعضلة بسبب الإصرار على صيغة معينة من التمييز بين الحقلين العام (المتاح للجميع) والخاص (المختلف الذي لا يتاح للجميع) السبب هو أن ما يدعى الحقل الخاص يبقى عرضة للتشكيل وإعادة التشكيل بوساطة الممارسات السياسية والاقتصادية والقانونية التي يفترض أنها تخص الحقل العام. أما في ما يخص التعددية الثقافية ما لها وما عليها فإنها منذ أواخر القرن العشرين في بريطانيا أصبحت هدفًا ينال قبولًا واسعًا في المجتمع البريطاني، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى محاولة معالجة المشكلات العملية التي تنشأ في الخدمات التعليمية والاجتماعية كونهما أكبر مؤسسات الرفاه الاجتماعي في بريطانيا لا إلى الالتزام الأيديولوجي بالتنوع الثقافي بوصفه نتيجة للدولة الحديثة. وإن الكلام على التركيبة الثقافية أو على التلاقح الثقافي يفترض تمييزًا فكريًا بين ثقافات لها وجود سابق (نقي)؛ إلا أن الوحدات الثقافية كلها هي بطبيعة الحال نتاج أصول متنوعة. ومن الأساليب المعروفة التي تلجأ إليها القوة السياسية إنكار وحدة الجماعات التي تسعى لحكمها. ولهذا الغرض فإن كل ما تحتاجه تلك القوة هو حاضر قابل للاستغلال والتشكل لأولئك السكان الذين يخضعون لحكمها، إضافة إلى وجهة نظر القوي الساعية للتدخل في شؤون الغير، وأنها _هذه الجماعات_ قابلة للاختراق. لقد ساعدت قضية رشدي في انتشار خطاب خاص بالهوية البريطانية، إذ تجددت الدعوات الخاصة بالدمج، فالمخاوف التي أثارتها تلك القضية سببها الخشية من وجود نشاط سياسي تمارسه فئة صغيرة من المجتمع؛ تسعى للحصول على مرجعية بسبب اختلافها في تقاليدها الدينية التي يبدو أنها ستحدث خللًا مكانيًا وزمانيًا في الوحدة الأيديولوجية للدولة القومية.

 

الفصل الثامن: الأثنوغرافيا والأدب والسياسة

وكان آخر فصول الكتاب الفصل الثامن بعنوان الأثنوغرافيا والأدب والسياسة: قراءات واستخدامات لرواية الآيات الشيطانية لسلمان رشدي، إذ نشأت الدراسات الأثنوغرافية بوصفها جزءًا من التوسع الأوروبي الإمبريالي في سعي لفهم الشعوب التي سيطرت عليها، وأدارت شؤونها. فأسهم بذلك علم الأنثروبولوجيا في السيادة السياسية لأوروبا على غيرها؛ لذا فإنه علم تلوث من الناحية الأخلاقية على نحو لا يغتفر؛ وتعد رواية آيات شيطانية خير مثال على ذلك لأسباب عدة: 1- تعدّ تمثيلًا نصيًا لما يدرسه الأنثروبولوجين (الدين، الهجرة، النوع، الهوية الثقافية). 2- الرواية بذاتها فعل سياسي له آثاره السياسية. 3)- هي رواية نتجت من المواجهة بين الحداثة الغربية _حيث يقع علم الأنثروبولوجية_ والآخر الغربي الذي يسعى الأنثروبولوجيون لفهمه، وترجمته، وتمثيله وفي هذه الحالة أيضًا في الغرب. فعن المرجعية السياسية في أثنوغرافيا الرواية يرى (أسد) أن هناك حالة عداء عام نحو المهاجرين من أصول آسيوية أو أفريقية، ويجري التعبير عن هذه المشاعر بصور مختلفة تتباين من القتل العنصري إلى التشريعات التي تتحيز ضدهم؛ بعد ذلك تحولت حالة العداء بحدة نحو المسلمين. وما أسهم في تأجيج العداء الأوروبي ظهور حركات إسلامية راديكالية في الشرق الأوسط تعلن أن الغرب عدو لها (جمهورية إيران الإسلامية). على الرغم من هذا فإن الأوضاع الداخلية كانت أكثر أهمية كون المهاجرون المسلمون أخذوا ينظمون أنفسهم أكثر في مؤسسات تؤكد أنهم ورثة حضارة لا تقل عن حضارة الغرب، ولا تطالب هذه الجماعات بأن يشملها المجتمع السياسي الأوسع، وإنما تطالب الدولة بأن تترك لهم ممارسة حياتهم وثقافتهم على الرغم من أن هذه الجماعات الإسلامية في أوروبا الغربية لا يمثلون وحدة واحدة. وقد اتسم الشعور الأوروبي نحو هذه المطالب بأنها تمثل سلوكًا شاذًا لسببين؛ أولهما البنية الأيديولوجية للدولة القومية الأوروبية، وثانيهما الموقع المختلف للمواجهة مع الآخر كالجماعات الدينية التي تنتمي إلى المجتمع المدني وليس السياسي. وعليه يرى أسد أن آيات شيطانية كتاب سياسي لأنه تحدث في أمور سياسية، وتدخل في المواجهات السياسية أصلًا.

لعل أبرز الانتقادات التي وجهت لرواية آيات شيطانية أنها دعمت شعور القارئ _الغربي_ بالرضا عن النفس من حيث أهوائه بدلًا من دعوته إلى النظر إلى ذاته في عالم جديد، وربما ذلك لأنه عمل يتقصى إمكان إنشاء هويات جديدة في العالم الذي انتقل إليه المهاجر، فالغضب الذي استقبلت به الرواية من عدد من المنظمات الإسلامية والغربيين كذلك يدل على أن رشدي لمس أمرًا بالغ الحساسية لديهم. فالقراء الأوروبيون بحسب (أسد) هللوا للرواية ليس لأنهم يمتلؤون حقدًا أعمى على الإسلام، وإنما لأنها تعرض عليهم روايات كلية عن الحداثة الغربية تتعارض مع النصوص الإسلامية التي يحاول المهاجرون المسلمون تحديد هويتهم لها، وهذا يجسد علاقة أدب ما بعد الاستعمار بالوعي لدى الذات الغربية. ويتحدث أسد أيضًا عن بعض نواحي بلاغة الأدب البرجوازية، فينطلق من مفهوم رشدي للأدب بأنه تلك الكتب التي تؤلف كيانًا وتنتمي إلى الثقافة البرجوازية الحديثة بافتراض أن الأدب أو الخطاب الروائي يمكن أن يؤدي الدور الذي أدته النصوص الدينية في الماضي، وأن الأدب هو المجال الأمثل لإنتاج التأملات الخاصة بأعمق تجارب المحدثين، إذ افترض رشدي أن الأدب هو حقيقة الحياة بوصفه المكان الوحيد في أي مجتمع يمكن فيه التحدث عن أي شيء وبالطرق الممكنة كلها. بالغ بعض الأنثروبولوجيين بأن نظروا للثقافة على أنها ضرب من ضروب الأدب، إلا أن الحياة الاجتماعية لا تبنى على مادة موجودة سابقًا.

وعن سياسة النص الجزئي، فإن رؤية رشدي للوضع الخطابي للجزء المخصص للإسلام غير واضح، لا سيما مقاصده المتعلقة بالوضع السياسي شكلًا ومضمونًا في بريطانيا ما بعد الاستعمار كما بينه النص الأدبي وسياقه السياسي؛ فنقد رشدي لم يكن فاسدًا لأنه يقع خارج التراث الإسلامي، لكنه نقد يعتمد على وجوده داخل التراث الليبرالي الغربي، وإن المفارقات تكمن في أن الرواية تدخل الليبرالية الغربية بأكثر من كونها الليبرالية السياسية، التي تتباهى بأنها تقوم على الحجة العقلانية وعلى تحاشي القسوة، إلا أنها تهلل لرواية مثقلة إلى حد بعيد ببلاغة التخويف.

إن أغلبية المهاجرين المسلمين في بريطانيا من العمال _قد استقر أكثرهم في المدن الصناعية_ لا يعودون إلى بلادهم عندما يتقاعدون، ولا يبدون رغبة في اكتساب القيم الأساسية في الثقافة البريطانية، ولا تقيم قصص الكتاب صلة بتجارب هذه الشريحة من السكان السياسية والاقتصادية، ولا بحياتهم الثقافية. باستثناء تلك المشاعر الغامضة التي تستثيرها إطالة النظر للهندي المتأنكلز في صورة الطبقة الحاكمة في بريطانيا الإمبريالية. لذا فإن الأدب وما يشخص من توترات وتناقضات تكشفها الرواية أكثر مثارًا للاهتمام من تلك الحوادث التي تبرز على السطح، إذ إن قراءة بعض أجزاء من الرواية قراءة سياسية في مقابل الفكر السياسي للرواية ينطوي على فهم الآثار السياسية على حياة تالية لحقبة ما بعد الاستعمار. لقد كان هنالك استعمالات بريطانية لرواية من روايات ما بعد الاستعمار؛ فتحول كتاب رشدي نتيجة غياب التكافؤ بين قوة المهاجرين وقوة الطبقات الحاكمة إلى عصا يضرب بها المهاجرون في محافل سياسية مختلفة في التعليم والحكومات المحلية والدوائر الانتخابية. أما فكرة التعددية الثقافية التي ظلت فكرة غير واضحة المعالم، فقد أخذت تتعرض للهجوم باسم القيم الأساس من الأطياف السياسية جميعها.

إن تناول رواية (آيات شيطانية) في البحث الأنثروبولوجي يأتي لفهم أنواع المشروعات السياسية التي يمكن للكتابات الثقافية أن تدخل فيها؛ أي صور من التدخل السياسي، وأن التعبير عن التشدد ضد الآخر في أوروبا قد أصبح أوضح بل أكثر حدة من السابق، فالوحشية الجماعية لا تقتصر على الغرب، ولا هي بالأمر الجديد، وما يزال المسلمون واليهود والهندوس والبوذيون والمسيحيون اليوم يرتكبون أفعالًا تتصف بالعنف والقسوة، ولكن ما يستدعي الاهتمام المستمر _لدى المواطنين والأنثروبولوجيين العاملين في مجال الحداثة_ هو ما تتمتع به الدولة العلمانية الحديثة من قدرة هائلة على ممارسة القسوة والتدمير.

أخيرًا، يدعو أسد إلى ضرورة التفكير في السياسة بمنأى عن ثنائيات (دولة إسلامية، دولة علمانية)، فوجود فكرة الدولة الإسلامية وليدة ثنائية ترى أن الدين يجب أن يسود الدولة الحديثة ويوجهها؛ كذلك فإن دعاة العلمانية يقدمون أفكارهم على أساس هذه الثنائيات، ويصرون على أن الدولة يجب أن تكبح لجام الدين إلا أن هدف الكتاب هو أن يظهر مدى تعقيد الطرائق التي يتشابك فيها الدين مع العلمانية وغموضها.

إن جينالوجيا الدين عند طلال أسد هي تتبع التطور التاريخي لكلمة دين من حيث القوى المبدعة من دون البحث في المعنى الحر لمفهوم جينالوجيا (بمعنى شجرة العائلة أو تسلسل الأجيال من الأسلاف إلى الأحفاد)، ليكون التعبير الحرفي للمفهوم هو البحث في أصول الفكر الديني، وهذا ليس هدف الكتاب؛ فالمعنى الذي تبناه أسد هو دراسة الدين بوصفه مظهرًا ثقافيًا تمامًا كما تناول ميشيل فوكو ظواهر السجن والجنس والجنون. وهو _أي طلال أسد_ بذلك يتناول الدين تبديات مختلفات لظواهر ثقافية في حقب تاريخية مختلفة لأنه يفترض أن الأفكار لا تخضع لفكر منطقي محض بقدر خضوعها لمنطق خاضع لعوامل القوة. إضافةً إلى تأكيد أهمية النظر إلى كيفية تشكل الجسد وأحاسيسه سواء بالضبط الواعي أم نتيجة للتطورات العارضة؛ ذلك أن التجارب الدينية للفرد هي تجارب مجسدة تتحرك في الباطن، وليست تجارب واعية مقصودة.

* وهم رجال في الثلاثنيات من العمر يحملون شهادات من الجامعات الإسلامية السعودية الجديدة.

*  طائفة هنا بمعنى مجتمع إسلامي Community