مقدمة:

مجلس القضاء الأعلى هو الهيئة المسؤولة إداريًا عن شؤون القضاء العادي وعن كل ما يتعلق بقضاة الحكم والنيابة العامة لجهة التعيين، والترفيع، والتأديب، والنقل، وقبول الاستقالة، والإحالة على التقاعد، وغير ذلك من شؤون القضاة. وهو المسؤول عن استقلال السلطة القضائية والقضاة وعدم خضوعهم لتأثير وضغوط السلطتين التنفيذية والتشريعية، إضافة إلى مهام أخرى منصوص عليها في قانون السلطة القضائية والقوانين الأخرى.

تاريخ المجلس

في 20 حزيران/ يونيو 1928، جرى تشكيل أول مجلس قضاء أعلى في سورية، بموجب قانون التنظيمات العدلية الصادر بالقرار (مرسوم تشريعي) رقم 238[1] الذي أصدره الرئيس تاج الدين الحسني، وكان مؤلفًا من الهيئة العامة لمحكمة التمييز (النقض)، إضافة إلى الهيئة الناظرة بالدعاوى الأجنبية. وكان السبب في جعل رئيس هيئة غرفة الأجانب في محكمة التمييز عضوًا في هذا المجلس أنّ رئيسها فرنسي الجنسية، حسب قانون تشكيل المحاكم المختلطة (القرار 2028 لعام 1923)، وبذلك يكون للانتداب الفرنسي عينٌ وصوتٌ في هذا المجلس، ويمثل الحكومة أيضًا فيه المدعي العام، حيث نصَّ القرار صراحة بأن النائب العام هو ممثل (السلطة التنفيذية) في المجلس أي صوتها فيه، بالرغم من كونه من القضاة. ولكن هذا المجلس لم يتمتع بصلاحيات واسعة على القضاة، إذ أناط التشريع المذكور تعيين القضاة ونقلهم وتنحيتهم وإحالتهم إلى التقاعد، بقرار من رئيس الدولة بناء على اقتراح وزير العدل، ما يعني أن شؤون القضاة وقتها كانت مرتبطة بإرادة السلطة التنفيذية، واقتصرت سلطة هذا المجلس على القضاة لجهة تأديبهم فقط، ويجري ذلك بناء على إحالة وزير العدل أو المفتش العام، والملاحظ أنه بالرغم من الصلاحيات القليلة التي يتمتع بها هذا المجلس، في بداية إحداثه لم تتركه السلطة التنفيذية الوطنية والانتداب الفرنسي بدون أن يكون لها رقابة عليه وأن تتمثل فيه، كما أسلفنا.

ولسنوات طويلة، بقيت صلاحيات مجلس القضاء الأعلى في كل قوانين التنظيم القضائي المتوالية محدودةً في الإشراف على القضاء والقضاة، حيث كانت الكلمة العليا في إدارة شؤونهم للسلطة التنفيذية ممثلة برئيس الدولة وزارة العدل حتى صدور دستور 1950، ‌حيث نصَّ صراحة على استقلال القضاء، وحصر تعيين القضاة بمجلس القضاء الأعلى بمعزل عن وزير العدل، وكذلك ترفيعهم، ونقلهم، وتأديبهم، وعزلهم. ولكنه اشترط توقيع رئيس الجمهورية (بوصفه رئيسًا للسلطة التنفيذية) على مراسيم تعيين القضاة، حيث صدر القانون رقم 92 تاريخ 11 شباط/ فبراير 1951 الذي منح المجلس كل الصلاحيات التي أعطاه إياها ذلك الدستور.

ثم حدثت انتكاسة في صلاحيات المجلس أيام أديب الشيشكلي؛ إذ صدر قانون أوقف العمل بالقانون المذكور 92/ 1951، ما أدى إلى تراجع دوره في الإشراف على القضاة، وبقيت الحال كذلك حتى صدور المرسوم التشريعي 131، في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 1953، الذي مَنَحَ القضاة الحصانة من العزل والنقل، وقضى بتشكيل المجلس من سبعة أعضاء، برئاسة رئيس المحكمة العليا (الدستورية) وعضوية اثنين منها. وأعطاه الحق بتعيين قضاة الحكم وترفيعهم ونقلهم وتأديبهم وعزلهم وإحالتهم على التقاعد أو الاستيداع وقبول استقالتهم، على أن يتم ذلك بناء على اقتراح وزير العدل، وكذلك نصَّ على أن يتم تعيين قضاة الحكم والنيابة العامة بمرسوم من رئيس الجمهورية، بناء على اقتراح وزير العدل، أما إحالة قضاة الحكم على التأديب، فمنحها للسلطة التنفيذية بمرسوم بناء على اقتراح وزير العدل أو رئيس مجلس القضاء الأعلى، بينما تتم إحالة قضاة النيابة العامة على التأديب من مجلس النيابات بناء على قرار وزير العدل. واحتفظ وزير العدل والأمين العام للوزارة أيضًا بسلطة تفتيش قضاة الحكم، وصلاحية الاتفاق مع مجلس القضاء الأعلى على انتقاء المفتشين القضائيين.

في عهد الوحدة، صدر قانون السلطة القضائية بقرار رئيس الجمهورية (مرسوم تشريعي) رقم 56 تاريخ 21 شباط/ فبراير 1959، أعاد الحقَ بتعيين قضاة الحكم وترقيتهم ونقلهم للسلطة التنفيذية، بقرار من رئيس الجمهورية يحدد فيه المحاكم التي يلحقون بها، على أن يعتبر تاريخ التعيين في الوظيفة من وقت موافقة مجلس القضاء الأعلى. أما تعيين النائب العام والمحامي العام ورؤساء النيابة ووكلائها من الفئة الممتازة، فيكون بقرار من رئيس الجمهورية بدون أن يشترط حتى موافقة مجلس القضاء الأعلى. ومنح القضاة الحصانة من النقل، إلا في الحالات التي نصَّ عليها القانون، على أن يكون النقل بجميع الأحوال بقرار من رئيس الجمهورية بموافقة مجلس القضاء الأعلى. ومنح وزير العدل صلاحية الندب لإشغال مناصب في المحاكم المختلفة، بموافقة رئيس محكمة النقض أو مجلس القضاء الأعلى، حسب الحال. كما منح قضاة الحكم أيضًا الحصانة من العزل.

بعد الانفصال عن مصر، أصدرت السلطات في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1961 قانونًا جديدًا للسلطة القضائية بالمرسوم التشريعي رقم 99، وهو القانون النافذ حتى الآن. وقد منح وزارة العدل صلاحية ‌اقتراح تعيين قضاة الحكم والنيابة العامة وترفيعهم ونقلهم وتأديبهم وعزلهم وقبول استقالتهم وإحالتهم على التقاعد وعلى الاستيداع، وعلى مجلس القضاء الأعلى ومنح قضاة النيابة العامة الإجازات، وربط قضاة إدارة التفتيش بوزير العدل ورئيس مجلس القضاء الأعلى، وحافظ على ترؤس رئيس محكمة النقض لمجلس القضاء الأعلى، وأن يختار مجلس القضاء الأعلى رئيس محكمة النقض، على أن تنفذ القرارات المتعلقة بتعيين القضاة وترفيعهم ونقلهم وتأديبهم وعزلهم وإحالتهم على التقاعد أو الاستيداع وقبول استقالتهم بمرسوم يوقعه وزير العدل، ومنح القضاة الحصانة من العزل والنقل، واستثنى قضاة النيابة العامة من حصانة النقل، وأعطى الحق للسلطة التنفيذية بأن تحيل القاضي إلى المحاكمة المسلكية أمام المجلس، بمرسوم بناء على اقتراح وزير العدل أو رئيس مجلس القضاء الأعلى.

تشكيل المجلس:

منذ أن أُحدث مجلس القضاء الأعلى في العام 1928، كانت عضويته تقتصر على قضاة الحكم إضافة إلى النائب العام، وكان يرأس المجلس دائمًا رئيسُ محكمة النقض، باستثناء فترة وجيزة في الخمسينيات، حيث رأَسَه رئيس المحكمة العليا (الدستورية)، وبذلك كان المجلس مقتصرًا في عضويته على القضاة فقط، حتى وزير العدل لم يكن عضوًا به، وكان المجلس بعيدًا عن تأثير السلطة التنفيذية عليه. وبقي الحال كذلك حتى 14 شباط/ فبراير 1966، حيث صدر المرسوم التشريعي رقم 24 الذي عدّل في تشكيل مجلس القضاء الأعلى، وأصبح مؤلفًا من سبعة أعضاء على النحو التالي:

–                رئيس الدولة ينوب عنه وزير العدل.

–                رئيس محكمة النقض.

–                النائبان الأقدمان لرئيس محكمة النقض.

–                الأمين العام لوزارة العدل (معاون وزير العدل).

–                النائب العام.

–                رئيس إدارة التفتيش القضائي.

وبهذا التعديل، هيمنت السلطة التنفيذية على المجلس بسيطرتها على أكثرية الأصوات داخله بعضوية أربعة من سبعة أعضاء هم:

  • ، وهو عضو في السلطة التنفيذية، وقد لا يكون من القضاة، كما حدث مرارًا.
  • ، وهو عضو في السلطة التنفيذية أيضًا، وقد يكون من غير القضاة، وسبق أن عُيّن أكاديمي بهذا المنصب، ومنذ سنوات يعينه رئيس الجمهورية.
  • ، وهو تابع إداريًا لوزير العدل، ما يعني أن للوزير نفوذًا عليه.
  • ، ويتحكم في اقتراح تعيينه وزير العدل أيضًا، ما يعني أن للوزير نفوذًا عليه أيضًا.

وبذلك؛ فقدت السلطة القضائية استقلالها لصالح السلطة التنفيذية التي سيطرت على مجلس القضاء الأعلى على النحو الملمع إليه آنفًا، منذ ذلك الحين حتى اليوم!

الاتجاه الحديث في تشكيل المجلس:

هناك رأي سائد في الأوساط الحقوقية يدعو لإعادة النظر بتشكيل هذا المجلس، والعودة لما قبل صدور المرسوم التشريعي 24 لعام 1966 كخطوة باتجاه استقلال السلطة القضائية، ونحن نؤيد هذا الرأي من حيث المبدأ، لوجاهته، ولكننا نلفت النظر إلى الاتجاه الحديث في تشكيل مجلس القضاء الأعلى في الأنظمة القضائية المقارنة، ونراه وجيهًا وجديرًا بالعناية والاقتداء، وهو ألا يقتصر تشكيل المجلس على القضاة فقط، وأن يتم تطعيمه بمحامين وبعدد من الشخصيات المؤهلة، على أن تكون رئاسة المجلس من القضاة حصرًا، ونستعرض اتجاهين مقارنين في هذا الصدد، هما الاتجاه الفرنسي والاتجاه التونسي:

  • الاتجاه الفرنسي في تشكيل مجلس القضاء الأعلى:

كان دستور الجمهورية الخامسة الفرنسي لعام 1958 يقضي بأن يرأس مجلس القضاء الأعلى رئيس الجمهورية وينوب عنه وزير العدل، وعن هذا الدستور، اقتبس المشرع السوري هذه الصيغة في التعديل المذكور آنفًا لقانون السلطة القضائية عام 1966. وقد كانت هذه المسـألة موضع انتقاد عددٍ من المشتغلين بالقانون في فرنسا، وبقي هذا الاتجاه سائدًا في فرنسا حتى العام 2001، حيث وقعت ما تسمى بـ قضية “أوترو” التي وصفت بالقضية الكارثية في تاريخ القضاء الفرنسي، وكانت نقطة تحول عميق في هيكل القضاء الفرنسي، ففي هذه القضية التي صدمت الرأي العام وشغلته طويلًا، وموضوعها اغتصاب أطفال، قام قاضي التحقيق الفرنسي بتوقيف 12 شخصًا في الحبس الاحتياطي، بناءً على إفادات أطفال وبعد سنوات، برّأتهم محكمة جنايات باريس في العام 2005، وكان لهذه البراءة تداعيات أفقدت نظام القضاء مصداقيته أمام الرأي العام، ما أدى إلى اعتذار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير العدل من المتهمين، وعلى إثر هذه القضية، قرر البرلمان الفرنسي تشكيل لجنة تحقيق برلمانية قدّمت تقريرًا في تموز/ يوليو 2006، تضمّن عددًا من الاقتراحات حول استقلال القضاء، وإصلاح الإجراءات الجزائية، ووصل الأمر إلى إعلان الرئيس ساركوزي عزمه إلغاء نظام قاضي التحقيق. وكانت نتيجة هذه التداعيات التي أُدرجت في التعديل الدستوري الجاري عام 2008 أن وضعت حدًا لرئاسة المجلس الأعلى للقضاء، من قبل رئيس الجمهورية، وتم استبداله برئيس محكمة النقض وتوسيع تشكيلة المجلس، بحيث يصبح القضاة فيه أقلية، وبذلك أصبحت المادة 65 من الدستور الفرنسي تنصّ على تشكيل مجلس القضاء الأعلى (قسم قضاة الحكم) من:

  • رئيس محكمة النقض رئيسًا
  • خمسة قضاة
  • مدّع عام
  • مستشار دولة، يعيّنه مجلس الدولة
  • ومحام متمرس
  • ست شخصيات بارزة مؤهلة، ليسوا أعضاءً في البرلمان أو في السلطة القضائية أو الإدارة. يتولى كلٌ من رئيس الجمهورية، ورئيس الجمعية الوطنية، ورئيس مجلس الشيوخ، تعيين اثنين من هذه الشخصيات.

وباستثناء المسائل التأديبية، يجوز لوزير العدل أن يشارك في الجلسات التي يعقدها المجلس. مع الإشارة إلى أن رئيس الجمهورية بقي في المادة 64 من الدستور الحامي لاستقلال السلطة القضائية، يساعده في ذلك المجلس الأعلى للقضاء.

  • الاتجاه التونسي في تشكيل مجلس القضاء الأعلى:

اقتفى المشرع التونسي أثر الاتجاه الفرنسي في تطعيم مجلس القضاء الأعلى بشخصيات غير قضائية، متخصصة في القانون، ولكنه لم يجعل هذه الشخصيات أغلبية في المجلس، على غرار الدستور الفرنسي، وإنما جعل نسبتهم ثلث المجلس فقط، فقد نصَّ في الفصل 10 من قانون المجلس الأعلى للقضاء التونسي رقم 34 لعام 2016 أن يتكون المجلس الأعلى للقضاء من خمسة عشر عضوًا، كما يلي:

  • أربعة قضاة معينين بالصفة وهم:
  • الرئيس الأول لمحكمة التعقيب (النقض).
  • وكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب (النائب العام لدى محكمة النقض).
  • الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بتونس.
  • رئيس المحكمة العقارية.
  • ستة قضاة منتخبين من نظرائهم في الرتبة، بحساب عضوين اثنين عن كل رتبة.
  • خمس شخصيات مستقلة من ذوي الاختصاص منتخبين من نظرائهم كما يلي:
  • ثلاثة محامين.
  • مدرّس مختص في القانون الخاص من غير المحامين برتبة أستاذ تعليم عال، أو أستاذ تعليم عال أو أستاذ محاضر للتعليم العالي.
  • عدل منفذ (منفذ القرارات القضائية)

وأخيرًا:

بالنظر إلى وجاهة الاتجاه القاضي بتطعيم مجلس القضاء الأعلى بأعضاء من غير القضاة؛ نرى أن يحرص أي إصلاح للقضاء في سورية المستقبل على أن ينصَّ الدستور نفسه على تشكيلة مجلس القضاء الأعلى بجعل رئاسته لرئيس محكمة النقض، وأن يضم في أعضائه عددًا من المحامين وأساتذة الحقوق في الجامعة بدون أن يشكلوا أغلبية في المجلس، على أن تبقى الأغلبية لخليط من القضاة الأكثر قدمًا ولآخرين منتخبين من أقرانهم، ونقترح أن يؤلَّف مجلس القضاء الأعلى من خمسة عشر عضوًا على الشكل التالي:

  • رئيس محكمة النقض، رئيسًا.
  • خمسة من المستشارين الأكثر قدمًا في محكمة النقض.
  • أربعة مستشارين من محاكم الاستئناف منتخبين من أقرانهم.
  • النائب العام.
  • محاميان مضى على ممارستهم للمهنة ثلاثين سنة على الأقل تسميهم نقابة المحامين.
  • مدرسان للحقوق من غير المحامين من الجامعات الحكومية بمرتبة (أستاذ دكتور) يسميهم مجلس التعليم العالي.

ويتبع ذلك المبدأ أيضًا في تشكيل المجلس الخاص لمجلس الدولة (القضاء الإداري) وتشكيل مجلس النيابات العامة في حال إقراره.


[1] منشور في مجموعة مقررات حكومة سوريا، يوسف صادر، ج5، طبعة 1935، ص5.