تعدُّ الثقافة من المفهومات الملتبسة إلى حد كبير، فهي عدا عن كونها مفهومًا مركبًا، فإنّها تتمتع بدينامية دائمة، بسبب ارتباطها الوثيق بعناصر ذات دينامية متغيرة، سواء ربطناها بالإنسان/ الفرد في علاقته بذاته، أو بعلاقته بالآخر المشابه أو المختلف، أم ربطناها بعلاقته بالبيئة التي يعيش فيها، وعلى الرغم من أن كلمة ثقافة كلمة قديمة في اللغة العربية، إلّا أن دلالتها الراهنة تختلف كثيرًا عن دلالتها المعجمية، ولا أريد هنا تناول تعريفها المعجمي فهو متاح لمن يرغب، لكن فقط أريد أن أشير إلى أن هذا التعريف يبتعد كثيرًا عن الإحاطة بمفهومها الواسع الذي نستعمله اليوم، وفي تراثنا القديم قلما نجد كلمة (ثقافة)، لكننا لا نكاد نقرأ مقالًا في أيامنا هذه، من دون أن ترد فيه هذه الكلمة.

إذا كان لكل مجتمع ثقافته، فهذا يفترض بداهة أن الثقافة متنوعة بتنوع المجتمعات، فلكل مجتمع نمطه الثقافي الخاص، ومنظومة قيمه، وطريقة عيشه، وله عاداته وأعرافه وقوانينه الناظمة، وهذا ما دفع علماء الاجتماع إلى القول إن الثقافة هي كل ما ذكر سابقًا، وذهب آخرون إلى القول إن الثقافة كانت الفاعل الأهم في تحوّل الإنسان من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي، للتدليل على مدى تأثير الثقافة في تطور الجنس البشري.

بعد التطور التكنولوجي الهائل الذي قامت به الثورة الصناعية، ثم الثورة الرقمية وتطور وسائل الاتصال، ووسائل النقل، بدأت تنتشر الثقافة (المعولمة) التي راحت تتشابك وتتداخل مع الثقافات كلها، وإن تكن بنسب متفاوتة، وللأسف فإن هذه (العولمة) في الثقافة بدأت تنتج ما يمكن تسميته بالثقافة المهيمنة، وهي غالبًا ما تكون ثقافة المجتمعات المهيمنة اقتصاديًا التي حملت في بعض أوجهها محاولات احتواء ثقافات أخرى، تراها ضعيفة، وقاصرة، وجامدة وغير قابلة للتطور، وقد أفرزت مثقفين في مجتمعاتنا، وفي غيرها، لا يقرؤون إلا بدلالة ما أنتجته هذه الثقافة في المجتمعات الأخرى، سواء من حيث تبنيها كمرجعية وحيدة لهم، أم من حيث رفضها كليّة، كونها نتاج مجتمع مختلف ومغاير.

على الرغم من التداول المكثف لاستعمال كلمة ثقافة، إلّا أن هناك تباينًا حول استعمالها الدقيق، لذلك نرى طيفًا واسعًا لاستعمالها، وربما تعريفات عدة.

التعريف الذي وضعه العالم الأنثروبولوجي البريطاني (ادوارد برنت تايلور)  ما يزال مهمًا في تعريف الثقافة، على الرغم من التطور الكبير الذي عرفته الأنثروبولوجيا: “الثقافة هي تلك الوحدة الكلية المعقدة التي تشمل المعرفة، والإيمان، والفن، والأخلاق، والقانون والعادات، بالإضافة إلى أي قدرات وعادات أخرى، يكتسبها الإنسان بوصفه عضوًا في المجتمع”[1].

وفق تعريف (تايلور) فإن كل إنسان هو مثقف بصيغة ما، لكن هذه الثقافة التي تصبح سمة فردية تتأتى أساسًا من كون الفرد عضوًا في مجتمع وتتطور بتطوره، وعلى المبدأ نفسه بنى تايلور رؤيته للاتجاه التطوري للبيولوجيا، والأفكار والأديان والثقافة، ورأى وفق نظريته التطورية هذه، أن الثقافة تطورت من الشكل البسيط غير المعقد إلى أشكال معقدة، متفقًا في ذلك مع فهم (مورغان)[2] لفكرة التطور البيولوجي أو المجتمعي، عادًّا أن الثقافة تطورت من الوحشية إلى البربرية وصولًا إلى المدنيّة، وهنا يتبدى واضحًا أن الفهم المتداول للثقافة على أنها المعرفة المتحضّرة، المواكبة للعصر هو فهم غير دقيق، لأن الثقافة سابقة للحضارة، فالثقافة هي الحوض الواسع الذي تصب فيه خبرات الإنسان ومعارفه، ومن ثم عاداته وسلوكاته وطقوس حياته، وغير ذلك، وذلك كله يحدد قدرة (الإنسان/ المجتمع) على بناء الحضارة.

يعزو تايلور تباين الثقافات إلى تباين البيئات، أو الموجودات المحيطة بمجتمع ما، فالطبيعة كانت صاحبة الدور المهم في خلق التباينات ما بين الثقافات أولًا، ثم الحضارات تاليًا، بافتراض أن الحضارة نتاج الثقافة، من هنا يمكن القول إنه باختلاف الموجودات والطبيعة تختلف تعاملات الإنسان معها، فتتباين الثقافات، وتنشأ حضارات مختلفة ومتباينة، لكن إلى أي حد سيصمد تعريف تايلور للثقافة -خصوصًا في قسمها المتعلق بالتطور الخاص بالبيئات-  في وجه التقدم الهائل الذي فرضته العولمة، والثورة الرقمية، وهل يمكن أن يتحول الإنسان ثقافيًا بصورة كاملة إلى متأثر ببيئات أخرى، وتجارب أخرى أصبحت متاحة عبر ثورة الاتصالات؟

هناك اتجاه آخر في فهم الثقافة وتعريفها، ذهب إليه الأنثروبولوجي المعروف (كلود ليفي شتراوس)[3] الذي يعد من مؤسسي الأنثروبولوجيا الثقافية، ولأنه من روّاد المدرسة البنيوية[4]، فقد اعتمد المنهج الأنثروبولوجي البنيوي[5] في دراسته للسلوك الثقافي في البنى الاجتماعية للمجتمعات البدائية، لرصد العلاقة بين ما هو فطري وما هو مكتسب “إن تحديد ما هو فطري وما هو مكتسب في سلوك الإنسان قد يكون مجالًا مثيرًا للبحث إذا ما كان هذا التحديد ممكنًا”[6]،  وركز  شتراوس على تحديد الفوارق البنيوية بين ما يولد مع الإنسان، وما يكتسبه في حياته مع الجماعة، وفي علاقته هو وجماعته مع البيئة المحيطة.

ما أودُّ التوقف عنده في تناول شتراوس للثقافة، هو أنه بربطه الثقافة بالبيئة الجغرافية، وبالخصوصية التي تمنحها البيئة من الناحية البيولوجية للجماعة التي تعيش فيها، فإن القول بنشوء ثقافة عالمية شاملة مؤطرة للثقافات المتعددة غير ممكن، وأن العولمة مهما تَقَوّت، لن تكون قادرة على دمج الثقافات المتنوعة.

يبدو أن إيقاع التطور البطيء نسبيًا الذي عاشت عليه البشرية قبل الحرب العالمية الثانية، وسم إلى حد كبير الأفكار، والنظريات، والثقافة وأيضًا العلاقات الاجتماعية وغيرها في تلك المرحلة، والنظريات التي أثّرت كثيرًا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين لم تكن تتوقع أو تتخيل أن ينتقل العالم في عقود قليلة إلى صيغة أخرى، فما معنى الحديث اليوم عن طبقة عاملة شكّلت ركيزة النظرية الماركسية، وما هو التعريف الذي يمكن أن تقوله الماركسية اليوم عن هذه الطبقة، وكيف سنقرأ الاقتصاد ماركسيًا في ظل العولمة القائمة، وهل كان شتراوس سيطرح فكرته القائلة بصعوبة نشوء ثقافة عالمية واحدة، لو كان حاضرًا اليوم حيث تضيق الكرة الأرضية، ويتسع الكون من حولها بلا حدود؟

على النقيض من العولمة، وبتضييق المساحة أي بالانتقال إلى بيئات صغيرة، هل يمكن الحديث عن تعدد ثقافات في مجتمع واحد كالمجتمع السوري مثلًا؟ سواء قبل الثورة أم بعدها، وهل يمكن في حال إقرار هذا التعدد أن تتصدى الثقافة ذاتها لرأب الصدوع متعددة الأوجه والأسباب؟ التي ما تزال تتسع يومًا بعد يوم، وذلك عبر الكشف عن الروابط التي تربط حاضر الثقافة بجذورها، ومن ثم إعادة إنشاء علاقات سليمة بين هذه الثقافات كمقدمة لمجتمع متعايش فعلًا، ليس ضمن بيئة جغرافية واحدة فحسب، بل مع ثقافات أخرى خارج هذه البيئة، بعبارة أخرى: هل يمكن إنشاء ثقافة مسالمة لا تُعرف ليس بذاتها فحسب، بل بالآخر أيضًا، وتغتني به؟.

من زاوية أخرى، من المؤكّد أن التطور الهائل والمتسارع الذي يعصف بكوكبنا، سيفرض على المجتمعات المتباينة بذل جهد كبيرة لملاقاة التحول الثقافي الذي يفرضه هذا التطور، فلم يعد ممكنًا العيش في بيئات منعزلة، أو قليلة التأثر بما يجري حولها في العالم، ولا مفرّ من مواجهة محتومة بين ما تفرضه العولمة، وما يمكن تسميته الموروث الخاص بكل ثقافة، هذه المواجهة المحتومة، سوف تفضي صيغتها وطريقة إدارتها إلى ثلاثة احتمالات:

  1. مواجهة تصادمية، رافضة رفضًا عميقًا للتحولات، ومن ثم نفي لصيغ التلاقي، الأمر الذي يقود إلى خلق ثقافة منعزلة، ترى في هذه التحولات الثقافية نفيًا لها، وبذلك ترى علاقتها بها أقرب إلى علاقة النفي.
  2. مواجهة متأنيّة، تبحث عن صيغ التلاقي مع التحولات الثقافية الجارية، وتحافظ على خصوصيتها الثقافية وموروثاتها، وتندمج في الحركة المتسارعة للتطور التكنولوجي، مع ما يعنيه هذا من تغيّرات، لا بدّ منها في ثقافة المجتمع.
  3. مواجهة مستسلمة، ترى في الانخراط التام ضمن حركة التحولات حلًا لا مفر منه، فالتخلي عن ما هو قائم، وإعادة صياغته وفق المتغيرات الحاصلة هو الأفضل.

ما بين هذه الاحتمالات ثمة مساحة مشتركة تولدها الضرورة، ولا أدري متى تكون هذه المساحة متاحة، وهي أن العولمة بإمكاناتها الكبيرة سوف تنتج حقلًا ثقافيًا واسع الطيف، تتفاعل فيه الثقافات بعلاقات غير تصادمية، أي إن بنيوية العولمة سوف تفرض تشابك هذه الثقافات وتلاقحها لا نفيها، هذا لا يعني أن البنى الثقافية التي تقوم على التضاد مع الثقافات الأخرى، سيمكنها البقاء داخل الحقل الذي ستولده العولمة، لأنّها تقوم بجوهرها على التضاد مع المختلف ونفيه، وأقصد تلك الثقافات التي يحتل الديني أو الأيديولوجي، أو غير ذلك من المتعالي حيزًا كبيرًا من علاقتها بالآخر.

في الافتراضات السابقة كلها هناك محددان أساسيان لسيرورة هذه المواجهة، يتعلق أولهما ببنية الثقافة السائدة في المجتمع، وبمدى قدرة هذه البنية على مراجعة ذاتها أولًا، وعلى التلاقي مع المختلف عنها ثانيًا، والعامل الأهم في تحديد مدى قدرة هذه البنية على مراجعة ذاتها، وعلى قدرتها على التلاقي، إنما يكمن في مدى حضور الأيديولوجي، أو المقدس، أو المتعالي فيها، وهذا لا يقلل من أهمية عوامل أخرى، أما المحدد الثاني في هذه المواجهة، إنّما يكمن في دور (المثقف)، ووظيفته بوصفه مثقفًا.

في ما سبق كله محاولة للتمهيد للفكرة الأساسية لهذا المقال، وأقصد تلك التي تتناول المثقف في علاقته بالثقافة من جهة، وفي علاقته بالبيئة والجماعة المحيطة به من جهة أخرى.

 في البداية لا بدّ من القول إنني أتفق مع الفكرة التي لا ترى المثقف إلا بدلالة علاقته بالشأن العام[7]، فصفة (المثقف) لا تتحدد بالقدرة على ممارسة النشاط الفكري المرتكز على الوعي، وسعة الاطلاع والمعرفة والفهم فقط، بل تتحدد أولًا وأساسًا بما يفعله هذا النشاط الفكري في حركة المجتمع، وهذا لا يعني بالضرورة أن أتفق مع هذا الفعل، فالمثقف الذي يسعى إلى قيام دولة دينية، أو دولة أيديولوجية، وعلى الرغم من أنه يدفع المجتمع إلى علاقة قسرية تفرضها سطوة المقدس أو الأيديولوجيا، ومن ثم يزج المجتمع داخل مسار مأزوم، قابل للانفجار، لكن هذا لا يسمح بنزع صفة المثقف عنه، أي إن الاشتغال بالشأن العام هو المحدد، وليس هدف هذا الاشتغال ومرجعيته.

في الموقف من القيم الاجتماعية السائدة أو الصاعدة، يمكن تصنيف المثقفين إلى مثقف محافظ، ومثقف ثوري، فالمثقف المحافظ لا يرى المشكلة في القيم السائدة، بل يرى المشكلة في الابتعاد عن هذه القيم وخيانتها، ويكرس نشاطه الثقافي لاستعادة تلك القيم دورها وقيادتها للمجتمع، بينما يرى المثقف الثوري أن المشكلة تكمن في القيم السائدة، وأن تطور المجتمع يحتاج إلى تحطيم هذه القيم واستبدال قيم جديدة بها تتيح تطور المجتمع، وكثيرًا ما تداول المثقفون (خصوصا اليساريين)، تصنيف (المثقف العضوي)[8] الذي نحته المفكر الإيطالي اليساري (أنطونيو غرامشي)[9] الذي افترض أن هناك ضرورة ملحة لدور المثقف (دور لم تهتم به الماركسية الكلاسيكية)، ينحاز إلى قيم الطبقة الصاعدة وينتصر لها، كونها التجسيد الحقيقي للعدالة الاجتماعية المنشودة، ويحتاج المثقف العضوي –بحسب غرامشي– إلى أن يخترق الثقافة السائدة، وأن يصنع ثقافة مهيمنة تمكن القيم الصاعدة من تحقيق انتصارها، لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن القيم الصاعدة التي تبناها غرامشي كانت مستمدة من الماركسية، ومفهوم الطبقة العاملة التي لا تملك إلا جهدها.

بالغوص في البنية العميقة لمفهوم المثقف العضوي، وبمحاولة استشراف مآلات دوره قد نجد تقاطعا مهمًا بينه وبين تصنيفات أخرى تبدو متناقضة جذريًا معه، مثل مفهوم (الداعية) الذي ينادي بـ(الحاكمية)[10]، عند جماعة الإخوان المسلمين، أو ينادي بـ(ولاية الفقيه)[11]  عند الشيعة، فالمثقف الديني يتقاطع إلى حد كبير مع المثقف العضوي في رؤيته بأحقية فئة ما من المجتمع في قيادة المجتمع، كونها الفئة الأكثر قدرة على تحقيق العدالة المتخيلة.

من جهة أخرى فإن (غرامشي) يدعو إلى ترك الاشتغال في (تفسير العالم) والعمل على تغييره، وهذا ما نجده أيضًا بصيغة أخرى لكن بالجوهر نفسه لدى (الإخوان المسلمين)، وتيارات سياسية إسلامية أخرى، لا تتعب نفسها في تفسير العالم، طالما أن هناك نصوصًا مقدّسة، يُحرّم نقاشها قد فسرته، لكنّها تكرّس نشاطها لتغيير العالم، كي يتوافق مع نصوصهم المقدسة، بصياغة أخرى فإن مثقف غرامشي ينبش في الواقع ليكتشفه، ويعالجه من داخله (وهذا ما يمكن تبنيه في تعريف دور المثقف)، لكن حصر الحلول وفق تصنيف طبقي، أو أيديولوجي أو بغض النظر عن تسميته، هو ما يشكل ثغرة في تعريف غرامشي، والأمر ذاته في فهم دور المثقف الديني الذي ينبش في الواقع لا ليجد حلوله فيه، بل ليجد حلوله في السماء.

إن توظيف الأيديولوجي، وتوظيف ما يصنف على أنه مقدس ومتعالٍ، في المتعين التاريخي المعيش يعني سحق الإنسان في وجوده وحاجاته، لصالح المجرّد أو الأيديولوجي الذي تستخدمه وتوظّفه مصالح نزّاعة للتحقّق، والتمكّن من قبل سلطة دنيوية تعجز بطبيعتها أن تكون عادلة وإنسانيّة، عجزها هذا سيبقى راسخًا في بنيتها، إلا إذا اعترفتْ بالمختلِف وثقلِ حضوره الإنساني، الذي لا يمكن طمسه أو جزّ عنقه أو يده، فالاعتراف بالمختلف وحضوره هو منطق الدولة في تشكُّلها، ونموّها التاريخيّ.

في تصنيفات المثقفين كلها، وبغض النظر عن صحة هذه التصنيفات (مثقف تقليدي، أو مثقف عضوي، أو مثقف ديني، أو مثقف مستقل، أو مثقف السلطة، أو مثقف محافظ، أو مثقف ثوري) …الخ، هناك دور اجتماعي للمثقف، أو رسالة ما، يعمل على إيصالها والدفاع عنها، وعليه فإن المثقف إنما يتحدد بدلالة وظيفته أو دلالة رسالته، لكن في تلك الرسائل كلها يفترض أن لها مشتركًا أساسيًا هو أنها تنبع من فهم مجتمعها، ومن فهم حاجاته، وأخيرًا من رؤيتها للحل.

في مسار الثورة السورية مارست أعداد كبيرة دور المثقف، وفق التوليفة السورية الخاصة لهذا المفهوم، هذه التوليفة التي شُكّلت بسبب  ظروف القمع والتزلف والخضوع لعسف السلطات سابقًا، وبسبب ظروف الفوضى العارمة التي اجتاحت كل صيغ الحياة في سورية بعد انطلاق الثورة، توليفة غاية في الغرابة، فهناك المثقف القادم من بوابة الشهادة العلمية، أو القادم من بوابة الدين، أو الفن، أو المال، أو الأيديولوجيا، أو السلطة، أو قوة السلاح، أو لأنه اعتقل فقط، ..الخ، وكل هؤلاء في لعبهم دور المثقف إنما يحطمون أو يتجاهلون عمدًا تعريف المثقف ووظيفته، وينسفون جوهر الثقافة المتمثل في كونها أساسًا مسألة تنوير، إذ لا معنى لوجود المثقف خارج دوره التنويري المؤسس لتطور المجتمع، وخارج دوره في فهم المشكلات الكبرى التي تواجه المجتمع وتشخيصها، وتلمّس الحلول لها، والأهم من هذا كله دوره الأساسي في نقد ومواجهة القوى التي تعوق حركة المجتمع وتطوره.

لا يتحدد دور المثقف بمدى تبني الجمهور لما يطرحه، ولا بمدى تخاصمه مع السلطة (معياران أساسيان في الفهم المغلوط  السائد لمعنى المثقف)، بل يتحدد أساسا بمدى قدرته على تحليل الواقع، وعلى فهمه، واجتراح الحلول التي تدفع بالمجتمع إلى التطور، وعلى العكس من السائد في علاقة المثقف بالجمهور فإن الاحتمال الأرجح أن يكون صراع المثقف مع الجمهور أشد ضراوة من صراعه مع السلطة، خصوصًا في اللحظات التي تشبه اللحظة السورية، هذا لا يعني أبدا مهادنته للسلطة، لكن هذا يعني أن المثقف قد يجد نفسه في لحظة ما يخوض صراعا على جبهتين معًا، جبهة السلطة، وجبهة الجمهور، إذ غالبًا ما تواجه الثورات في لحظة ما من مسارها، صعود ما يسمى بالثورة المضادة التي قد تدعمها دول وأنظمة وجهات عدة، لكن حاملها الأساسي قد يكون موجة شعبية من جمهور معبأ متطرف يصل في تطرفه حد الفاشية، هنا يتجلى دور المثقف في الحفاظ على قيم الثورة، وفي الوقوف بوجه الثورة المضادة.

في الكتاب الصادر عن (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) الذي يحمل عنوان: (المثقف العربي ومتلازمة ميدان تيانانمِن)[12]، يقول مؤلفا الكتاب: “إن مهمة تطوير الثقافة الشعبية من ثقافة عبادة البطل، والخضوع للقوي إلى ثقافة الالتزام بالمبادئ، والقوانين، والدفاع عن كرامة المواطن وحرياته السياسية، هي مهمة خاصة بطبقة المثقفين بامتياز، فالمثقف بهذه الطريقة هو الذي يسعى إلى ترسيخ القيم، والمعايير التي يَحكم بموجبها أفراد المجتمع على ما يدور حولهم، انطلاقًا من رؤى عقلانية ودنيوية”.

ثمة مشكلة أخرى في علاقة معظم المثقفين العرب بمجتمعاتهم، وهي ذات وجهين، يتجلى وجهها الأول في انبهارهم وتبعيتهم للفكر الغربي، وتسويق هذا الفكر على أنه المعيار الوحيد لمدى صوابية فكرة ما، مبتعدين عن العلاقة النقدية معه، وعن مدى تطابقه مع خصوصية مجتمعاتهم، ويتجلى وجهها الثاني بخطاب متعال وفوقي مع مجتمعاتهم، وهذا ما يمكن تلمّسه بوضوح في سورية، سواء قبل الثورة أم بعدها، وربما يفسر هذا إلى حد ما سبب عزلة المثقفين وضعف تأثيرهم، وفي الكتاب نفسه [13] يقول المؤلفان: “يمكن القول إنّ المثقفين العرب بشكل عامّ يؤمنون بخصوصية وضعهم في المجتمع، وهي الخصوصية التي تبرر لديهم فرض وصايتهم الفكرية على الشعب، وإنْ تكن غير مبررة تاريخيًا، وعمليًا، وإنّ المثقف يرتبط -في نظر بعض المتخصصين بما يسمى علم اجتماع المثقفين- بالنخبة الحاكمة التي تتكون من تحالف النخب السياسية والاقتصادي”.

هل يُمكن القول الآن، إننا بأمس الحاجة إلى مثقف من طراز آخر، مثقف يغوص عميقًا في بنية مجتمعه ومشكلاته، لا يقرأ تحت سطوة انبهاره الكبير ثقافة المجتمعات الأخرى، ولا يبحث عن شعبوية مؤقتة وزائفة، وينتج خطابًا واقعيًا، غير متعالٍ، ينبع من فهم حقيقي لثقافة مجتمعه ومشكلاته وخصوصيته؟

في السؤال الأخير الذي يطرح نفسه أيضًا عن علاقة المثقف مع بيئته ومع الثقافة الوافدة، هل يمكن القول إن هناك ثقافة متكّبرة، أم إن هناك مثقفين متكّبرين؟

قد لا يكون اصطلاح (ثقافة متكبّرة) صحيحًا من الناحية الأكاديمية، إذ إن إطلاق صفة (التكبّر) على فكر، أو علم ما من العلوم يحمل كثيرًا من التعسّف، فكما لا يمكن القول عن رياضيات متكبّرة، أو فيزياء متكبّرة، أو علم اجتماع متكبّر، يصح أيضًا عدم جواز القول عن ثقافة متكبّرة، لكن هل يخفف اختلاف المجال الذي يشتغل عليه العلم أو الفكر، ومدى علاقته بـ(الفرد الاجتماعي) من تعسف هذه الصفة (التكبّر)؟

لا بد هنا من القول إن تحطيم فكرة الطبقة أو الفئة المتميزة التي ترى أنها تمتلك الحق بقيادة المجتمع، وتحديد مصيره، هو فعل يجب على المثقفين الاشتغال عليه ورفضه، فالوصاية والاستبداد واحتكار القرار، لا يمكن أن يكون مقبولًا في الدولة الحديثة مهما تعددت التبريرات (استبداد مستنير، دكتاتور عادل، حتمية تاريخية، شرعية المقدس، الحاكمية لله، ولاية الفقيه..  الخ)، إذ إن هذه التبريرات كلها إنما تستبطن في جوهرها ازدراءً وتعاليًا على طبقات أو فئات أخرى من المجتمع، وعليه فإن المثقف الذي يقف في وجه هذا التحطيم، ويبرر وجود الطبقة المتميزة سينتج بالضرورة ثقافة متكبّرة تصنف المجتمع، وتضعه في تراتبية (أدنى/ أعلى).

للأسف ما يزال تصنيف (أدنى/ أعلى)، هو التصنيف الحاضر في جوهر الفعل الثقافي للمثقف العربي عمومًا، حتى وإن تم نكرانه، فهو (المثقف) الذي لا يشبه الآخرين (العاديين)، وهو وحده المتمكّن من فهم الواقع، وهو وحده القادر على إنقاذ الآخرين، وهو وحده من يعرف مكامن التخلف والجهل، وهو المدافع عن السلطة القامعة (من هذه الجهة أو تلك)، وهو من يمتلك الوصفة القادرة على معالجة مشكلات المجتمع الخ، وهذا الفهم للثقافة وللمثقفين، هو المشكلة الأهم التي تحتاج إلى حل.

في الخطاب المتعالي، المتثاقف، المصوغ بلغة مقعرة، والمطعم بأحدث المصطلحات التي توصلت إليها علوم مجتمعات أخرى وحضاراتها، لا يُمكن أن تُنتَج ثقافة، ولا يُمكن لمثقف أن يُعرف بدلالة دوره، وهذا ما يستدعي من (المثقفين) أن يتجاوزوه لصالح دورهم الحقيقي في تنوير المجتمع، وفي فهم لحظته الراهنة وسبل تطويرها، والأهم في مواجهة القوى التي تقف في وجهه.

لا بدّ لنا، لكي نفهم دور المثقفين في المجتمع، أن نفهم ما يفعلونه، وليس ما يدعون أنهم يفعلونه، أو حتى ما يعتقدون أنهم يفعلونه.


[1] – ادوارد برنت تايلور، Edward Burnett Tylor)‏ (2 أكتوبر 1832 – 2 يناير 1917):

أنثروبولوجي بريطاني أصبح أستاذًا للأنثروبولوجيا في جامعة أوكسفورد منذ عام 1896 وظل بها حتى تقاعده في عام 1913

أسهم إسهامًا كبيرًا في دراسة الثقافة وكان أحد رواد الاتجاه التطوري، وقال بالنظرية البيولوجية، وأسهم في تطوير الدراسات المقارنة للأديان
يرى تايلور أن الثقافة تطورت من الشكل غير المعقد إلى الأشكال المعقدة مبديًا اتفاقه مع (مورغان) بشأن مراحل التتابع الثقافي من الوحشية إلى البربرية فالمدنية، وكان كتاباه (أبحاث في التاريخ المبكر للبشرية وتطور المدنية 1869) و(المجتمع البدائي 1871) قد انطلقا من وجهة نظر تطورية.
ويرجع الفضل إلى تايلور في ابتكار مصطلح الثقافة مفهومًا أنثروبولوجيًا ووفق هذا التعريف “كل ما يفهم من العلم والعقيدة، والفن والأخلاق، والتقاليد والأعراف، وأية قدرات أخرى يكتسبها الإنسان بصفته عضوًا في مجتمع”.

[2]- توماس مورغان: Thomas Hunt Morgan)) (25 أيلول/ سبتمبر 1866 ـ 4 كانون الأول/ ديسمبر 1945) عالم بيولوجي أميركي، درس وبحث وألف في علوم الوراثة والأجنة وعلم الأحياء التطوري، فاز بجائزة نوبل في الفيزيولوجيا 1933 لاكتشافه بالغ الأهمية في علم الوراثة المتعلق بدور الكروموسوم في الوراثة.

[3]كلود ليفي شتراوس: Claude Lévi-Strauss، (28 تشرين الثاني/ نوفمبر 1908 – 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2009)، عالم اجتماع فرنسي. مؤلف كتاب الأنثروبولوجيا البنيوية. بدأ بدراسة الفلسفة غير أن النظريات المجردة الاعتباطية البعيدة عن الواقع الاجتماعي خيبت آماله، فسافر إلى البرازيل حيث درّس علم الاجتماع واكتشف أعمال علماء الإنسان الأميركيين، غير المعروفة في أوروبا آنذاك، مثل (بواس) و(كروبر) و(لووي). وبعد عودته إلى فرنسا سنة 1948 قدّم أطروحته المتعلقة بالمشكلات النظرية للقرابة. انتخب أستاذًا في (كوليج دو فرانس) سنة 1959 وشغل كرسي الأنثروبولوجيا الاجتماعية الذي كان لـ(مارسيل موس) من قبله. فكان لأعمال ليفي شتراوس وعلمه أكبر الأثر في مجال علم الإنسان والتحقيق الإثنولوجي الميداني.

[4] – المدرسة البنيوية: تُعرف المدرسة البنيوية بأنّها نظرية فكرية في العلوم الإنسانية، ومن الاختصاصات المتعلقة بها اللغويات، والنظرية الأدبية، والأنثروبولوجيا، بدأ تأثيرها خلال مرحلتي الخمسينيات والستينيات، اعتمادًا على النظريات اللغوية لـ(فرديناند دي سوسير)، وترى المدرسة البنيوية أن اللغة مجموعة من الدلالات والإشارات، يصعُب فهمها إلا من خلال ترتيبها معًا بنظام مُحدّد، ومن خلال المنظور الأدبي، تعتقد البنيوية بأنّ كل عمل أدبي يظهر حقيقة شيء معين؛ لذا حلّل النقاد البنيويون التفاصيل الأساسية في العمل الأدبي لاستخراج المعنى الأساسي منه.

[5]- النظرية البنيوية في الأنثروبولوجيا: من النظريات التي برزت في خمسينيات القرن العشرين، وتعد من المدارس المهمة في مجال الأنثروبولوجيا. بُنيت هذه النظرية على آراء المفكر كلود ليفي شتراوس التي تقول إن للمجتمعات بنى أصغر حجمًا تشكل مجتمعة المجتمع بكليته وعناصره.

[6] – كلود ليفي شتراوس، البنيوية في مشروعها الأنثروبولوجي، ثائر ديب (مترجمًا)، دار الفرقد، دمشق، سوريا، ط2، 2010، ص217.

[7] – ندوة للدكتور “عزمي بشارة” في جامعة الدوحة قطر 2014 https://www.youtube.com/watch?v=EUdT8qxmW4c

[8] – المثقف العضوي: يرى غرامشي أن كل فئة (طبقة) اجتماعية ترى النور في بادئ الأمر على أرض وظيفة أساسية في عالم الإنتاج الاقتصادي فتخلق عضويا، في الوقت نفسه الذي ترى فيه النور شريحة أو شرائح عدة من المثقفين الذين يزودونها بتجانسها وبوعي وظيفتها الخاصة، لا في المضمار الاقتصادي فحسب وإنما في المضمار السياسي والاجتماعي أيضًا. هَؤُلاء المثقفون المرتبطون بظهور طبقة اجتماعية أساسية هم المثقفون العضويون، وتكمن وظيفتهم في تكوين تجانس فكري للطبقة الاجتماعية التي يمثلونها، لا في قدرتهم على تشكيل تصور للعالم خاص بتلك الفئة، وفي نقدهم الأيديولوجيات السابقة كلها لظهور تلك الطبقة.

وظيفة المثقف العضوي بحسب غرامشي إذًا هي تحقيق تصور للعالم أو أيديولوجيا خاصة بالفئة أو الطبقة التي يرتبط بها عضويًا، وأن يجعل هذا التصور يطابق الوظيفة الموضوعية لتلك الطبقة في وضع تاريخي معين، وتكمن وظيفته أيضًا في الجانب النقدي من نشاطه الفكري الذي يحرر تلك الأيديولوجيات من الأفكار السابقة لظهورها.

[9]أنطونيو غرامشي فيلسوف ومناضل ماركسي إيطالي، ولد في بلدة (آليس) بجزيرة (سردينيا) الإيطالية عام 1891 تلقى دروسه في كلية الآداب (تورينو) حيث عمل ناقدًا مسرحيًا

 عام 1916 انضم إلى الحزب الشيوعي الإيطالي منذ تأسيسه وأصبح عضوا في أمانة الفرع الإيطالي من الأممية الاشتراكية. أصدر مع بالميرو تولياتي عام 1917 مجلة (النظام الجديد) وفي شهر تموز/ يوليو 1919

اعتقل لأول مرة، بدأ في خريف العام ذاته تنشيط حركة «مجالس العمال» في تورينو، وفي عام 1921 أسس مع مجموعة أخرى الحزب الشيوعي الإيطالي وانتخب نائبًا عام 1924 وترأس اللجنة التنفيذية للحزب. وفي الثامن من تشرين الثاني/ نوفمبر اعتقل بناء على أمر من موسوليني حيث أمضى السنوات العشر الأخيرة من عمره قبل أن يموت تحت التعذيب في 27 نيسان/ أبريل 1937، أعلن قطيعته مع ستالين من السجن، وفي السجن كتب أهم مؤلفاته (دفاتر السجن).

[10] – الحاكمية: تعني أن الله هو الحاكم الأوحد ذو السلطة المطلقة، وهذه الحاكمية نابعة من أنه الخالق للكون وللإنسان، وأنه مستحق للعبادة والطاعة من هذه الزاوية. بل إن الطاعة حق ينفرد به الخالق حصريًا، ومن ثم يمنحه لمن شاء بالحدود التي يشاء، فالنبي والحاكم والأب والزوج طاعتهم ممنوحة ومشروطة، وقد أمر الله أن يتحاكم المجتمع إلى شريعته التي تصلح لكل زمان ومكان، وهي تملك الصلاحية الكافية لتقويم وصلاح ونفع أي مجتمع، بإشاعة العدل والنفع والخير والبعد عن الأهواء البشرية. (إضاءات – راجي يوسف – 29/8/2016)

[11] – ولاية الفقيه: هي مصطلح فقهي قديم في الفقه الشيعي الإثني عشري، منذ بدايات الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر عند الشيعة الإثني عشرية (المهدي المنتظر)، حيث يراها الفقهاء ولاية وحاكمية الفقيه الجامع لشرائط الفتوى والمرجعية الدينية المعبّر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية في عصر غيبة الإمام الحجة، حيث ينوب الولي الفقيه عن الإمام الغائب في قيادة الأمة وإدارة شؤونها والقيام بمهمات الحكومة الإسلامية وإقامة حكم اللّه على الأرض.

[12 و13] – مروة فكري، وعمرو عثمان، المثقف العربي ومتلازمة ميدان تيانانمن، ط1، 2016، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.