شهد البرلمان الإيراني، طوال جميع فتراته الممتدة حتى الدورة الحادية عشرة، مستوياتٍ مختلفة من حضور قادة “الحرس الثوري” في جميع الفترات. وفي الحقيقة، بدأ حضور الحرس الثوري الإيراني في البرلمان الإيراني بالازدياد، بعد عودة قادته من جبهات القتال في الحرب العراقية الإيرانية، حيث بدأ الحرس الثوري بالتصدّر رويدًا رويدًا على الواجهة السياسية والاقتصادية للبلاد، وذلك بعد إحكام سيطرته على الواجهة الأمنيّة والعسكريّة في إيران. وعلى عكس البرلمانات الإيرانية السابقة، غدت غالبية البرلمان الحادي عشر اليوم مكونة من الطيف الأصولي، وبنسبة كبيرة من الطيف الأصولي المتشدد، مع عدد كبير من ضباط الحرس الثوري الإيراني.

نظرة على مقاعد البرلمان الإيراني الحادي عشر:

أظهرت النتائج النهائية لفرز أصوات المقترعين في الانتخابات البرلمانية الحادية عشرة سيطرةً شبه مطلقة للتيار المحافظ (221 مقعدًا) على البرلمان المقبل، حتى الآن، مقابل 16 مقعدًا للإصلاحيين، و34 للمستقلين.

في ما يلي سنستعرض النتائج التي أفرزتها الانتخابات، وفقًا للقوائم الانتخابية التي تم التوافق عليها أخيرًا بين الأصوليين من جهة، والإصلاحيين والمعتدلين من جهة أخرى. (الأرقام المذكورة في الجدول تقريبية، بسبب تضارب الأرقام على مختلف المواقع الإيرانية الرسمية وشبه الرسمية التي عرضت نتائج الانتخابات).

المكونالتوجهالرئيسعدد المقاعد
تيار الربيع ومؤيدو أحمدي نجادأصوليأحمدي نجاد16
جبهة الثبات (جبهه پایداری)أصوليمرتضى آغا طهراني7
الأصوليون الجدد (إيران سربلند)أصوليمحمد باقر قاليبافت84 صوتًا، 30 صوتًا في طهران
مشترك ما بين جبهة الثبات وإيران سربلندأصولي86 صوتًا
من أجل إيرانإصلاحيمجيد أنصاري16
المستقلون34

بطبيعة الحال، فإن هذا التركيب البرلماني المكون من الأعضاء الأصوليين الموالين لسياسات المرشد الأعلى وضباط الحرس الثوري، يكشف عن وجود مخطط أصولي بقيادة المرشد الأعلى الإيراني، كونه اللاعب الأساسي الخفي وراء أغلب قرارات الأجهزة والمؤسسات الحكومية الإيرانية، وذلك لتشكيل صفّ جديد موحد ومتجانس من حيث المواقف والتوجهات تجاه القضايا الرئيسية، داخليًا وخارجيًا، خاصة في ما يتعلق بالسياسية الخارجية الإيرانية.

من ناحية أخرى، كان لافتًا للنظر فوز عدد من المقربين من أحمدي نجاد، وكذلك فوز مسؤولين سابقين في حكومته، من بينهم وزراء، ومعظمهم شغلوا مناصب كحكام إداريين في عدد من المحافظات. ولذلك، فسيكون صوت الرئيس الإيراني السابق، أحمدي نجاد، حاضرًا في البرلمان بكتلة نيابية لا يقلّ عدد أعضائها عن 14 نائبًا، فازوا في محافظات أخرى غير طهران.

برلمان للحرس الثوري الإيراني و”فيلق القدس”:

تضاعف أعداد قادة الحرس الثوري الذين دخلوا في البرلمان الحادي عشر مرتين، مقارنةً بالبرلمان العاشر الذي كان يحتوي على 15 قائدًا، وثلاثة أعضاء عاديين من الحرس الثوري، بينما وصل عدد قادة الحرس الثوري في البرلمان الحادي عشر إلى 31 شخصية عسكرية.  وتشير تحقيقات موقع (إيران واير) الناطق باللغة الفارسية، إلى وصول 9 عمداء و18 عقيدًا من ضباط الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى عدد من قادة قوات الباسيج والكوادر السياسية للحرس الثوري، إلى مقاعد البرلمان الحادي عشر. على سبيل المثال، وصل ثلاثة ممثلين عن مدينة قُم، و5 عن محافظة خوزستان، و4 عن محافظة أذربيجان الغربية، إلى مقاعد البرلمان، وجميعهم من القادة رفيعي المستوى في الحرس الثوري، وبعضهم ساهم في تشكيل “حزب الله” اللبناني. فضلًا على أن جميع قادة الحرس الثوري، في البرلمان الحادي عشر، هم من الجناح الأصولي، ويتمتعون بنفوذ أكبر من نظرائهم الذين كانوا أعضاء في البرلمان العاشر، ومن بينهم يمكن الإشارة إلى العميد محمد باقر قاليباف (قائد القوات الجوية في الحرس الثوري سابقًا، وأحد الأصدقاء المقربين جدًا من قاسم سليماني وإسماعيل قاآني القائد الحالي لفيلق القدس الإيراني)، والعميد أحمد آفايي (أحد مؤسسي فيلق دزفول، وأحد مؤسسي حزب الله اللبناني).. وغيرهم.

وكذلك دخل عدد من الأعضاء السابقين في فيلق القدس الإيراني (الذراع الخارجية الضاربة للحرس الثوري) البرلمان الإيراني الحادي عشر. ومنهم جعفر راستي، الذي دخل البرلمان الحادي عشر ممثلًا عن مدينة شبستر، وهو أحد رفاق قاسم سليماني في الحرب السورية، وكان يتولى منصب ممثل قيادة مدرسة “سيد الشهداء” التابعة للحرس الثوري الإيراني. وكذلك سيّد أحمد آفايي، الذي انتخب عن مدينة دزفول الإيرانية في البرلمان الإيراني الحادي عشر، وهو أحد شخصيات فيلق القدس التي شاركت في الحرب الأهلية اللبنانية في الثمانينيات، ولعبت دورًا مهمًا في تشكيل “حزب الله” في لبنان، فضلًا على أن آفايي كان حاضرًا أيضا كملحق عسكري للسفارة الإيرانية في سورية بين عامي 1991 و 1996.

الآن، وقد احتل المتشددون الإيرانيون وضباط الحرس الثوري غالبية البرلمان الحادي عشر، كان من الطبيعي أن يستلم رئاسته شخصية متشددة، وأن يكون نوابه من المتشددين أيضًا، وهذا ما حدث بالفعل.
في الوقت الحالي، استطاع العميد محمد باقر قاليباف، صاحب التاريخ والسجل الأمني والسياسي والعسكري الحافل، الوصول إلى رئاسة هذا البرلمان.

التأثير على السياسة الخارجية لإيران: سيكون لسيطرة المتشددين وضباط الحرس الثوري، على البرلمان الإيراني، تأثيرات عدة على السياسة الخارجية الإيرانية التي تلقت ضربة قاصمة بعد مقتل قاسم سلماني، مهندس السياسية الخارجية الإيرانية، وهذه التأثيرات سنتطرق إليها تباعًا:

وصول المتشددين إلى أغلب مقاعد البرلمان، إضافة إلى عدد كبير من ضباط وقادة الحرس الثوري، يعدّ سعيًا لإحداث انسجام بين مختلف المؤسسات السياسية المؤثِّرة في صناعة القرار، خاصة إذا ما وصل رئيس أصولي إلى سدة الحكم.

أولًا: إن زيادة نفوذ الحرس الثوري الإيراني في البرلمان الإيراني، كمًا ونوعًا، ستؤدي إلى زيادة قوة الضغط لتخصيص المزيد من الأموال للحرس الثوري الإيراني، ثم تخصيص المزيد من الأموال لفيلق القدس الإيراني، الذراع الخارجية الضاربة للحرس الثوري.

لذلك، من المؤكد أن ترتفع الميزانية العسكرية المخصصة للحرس الثوري وفيلق القدس الإيراني (ومن ضمن ذلك ميزانية البرنامج الصاروخي الإيراني، برنامج الطائرات المسيّرة الإيرانية)، وذلك تماشيًا مع توجهات الفريق المتشدد داخل إيران، وأولهم رئيس البرلمان قاليباف الذي دعا للانتقام، ساعة وصول نبأ اغتيال قاسم سليماني على يد القوات الأميركية في العراق.

ثانيًا: النقطة الثانية، وهي الأهمّ، هي دور الرئيس الجديد للبرلمان الإيراني قاليباف، ونظرته في السياسة الخارجية لإيران، خاصة في ما يتعلق بتحدي الولايات المتحدة وإسرائيل، ورفض التفاوض مع الولايات المتحدة وانسحاب إيران من سورية.. وغير ذلك من القضايا. حيث إن قاليباف كان أحد الأصدقاء المقربين من قاسم سليماني (الذي كان يشكل رمزًا للسياسة الخارجية لإيران)، وفي أول كلمة ألقاها بصفته رئيسًا للبرلمان، طالب بمتابعة مسيرة قاسم سليماني، والأخذ بالثأر لمقتله. فضلًا عن أن إسماعيل قاآني (القائد الحالي لفيلق القدس) كان أحد نواب العميد قاليباف، إبّان الحرب العراقية الإيرانية، وتربطهما علاقة صداقة وثيقة، بحكم أنهما من مواليد مدينة مشهد الإيرانية نفسها.

باختصار: لا يوجد أي مسؤول إيراني أو قائد في الحرس الثوري، مقرب من القادة الحاليين والسابقين لفيلق القدس بقدر ما هو عليه العميد قاليباف، وسيشكل هذا الأمر دعمًا لتوجهات الحرس الثوري وفيلق القدس، لما يسميه النظام الإيراني عمقه الاستراتيجي في المنطقة.

ثالثًا: إن وصول المتشددين إلى أغلب مقاعد البرلمان، إضافة إلى عدد كبير من ضباط وقادة الحرس الثوري، يعدّ سعيًا لإحداث انسجام بين مختلف المؤسسات السياسية المؤثِّرة في صناعة القرار، خاصة إذا ما وصل رئيس أصولي إلى سدة الحكم، في انتخابات عام 2021 القادمة، وهذا يعني أن هناك تناغمًا واضحًا مع توجهات الحرس الثوري وفليق القدس الإيراني، خاصة في ما يتعلق بالملفات الأمنية التي يسيطر عليها، وهو ما يعني وجود مزيد من الدعم لملف النفوذ والتدخلات الإقليمية لإيران ولفيلق القدس والميليشيات التي تدعمها إيران في المنطقة.