الكاتب: جيري فالينتا و ليني فريدمان فالينتا

 Jiri Valenta and Leni Friedman Valenta

المصدر: Middle East Quarterly

التاريخ: ربيع 2016

الرابط الأصلي: http://www.meforum.org/5876/why-putin-wants-syria

 

 

[/imageframe]

 ظلت روسيا حبيسة اليابسة في معظم تاريخها، وطالما قدّرت موسكو شبه جزيرة القرم تقديرًا عاليًا؛ بسبب سواحلها (انظر الصورة)؛ لذلك احتلت كاثرين الثانية القرم، وأنشأت فيها ميناء سيفاستوبول، فكان مقرّ الأسطول البحري الروسي في البحر الأسود، وأنشأت ميناء تجاريًّا في أوديسا، لكنّ انهيار الاتحاد السوفياتي، عام 1991، أدى إلى استقلال أوكرانيا؛ فخسرت موسكو الميناءين: أوديسا وسيفاستوبول.

يُعدّ التدخل العسكري الروسي الأخير في سورية، في 30 أيلول/ سبتمبر 2015، أول تدخل كبير في بلاد الشام، منذ حزيران/ يونيو 1772، حين “قصفت واحتلت القوات الروسية بيروت، التي كانت حصنًا على ساحل سورية العثمانية.”1

ودعم الروس في تدخلهم الأخير حليفًا عديم الرحمة؛ ليجدوا أنفسهم في “مِرْجل يغلي بالصراع المعقد بين الفصائل العرقية؛ فحاولوا تبسيطه بالمدافع والبارود.”2

ولكن لماذا؟ ما الذي يدعو الرئيس فلاديمير بوتين إلى التدخل في بلاد، تبعد مئات الأميال عن الحدود الروسية، على الرغم من الحرب، المجمدة موقتًا، التي يخوضها مع أوكرانيا؟ لم يُبذل -حتى الآن- جهد جديّ؛ لسبر غور الأسباب الكامنة وراء خطوة الكرملين المفاجئة تلك، فضلًا عن اقترانها بثلاثة تدخلات عسكرية أخرى: جورجيا في 2008، والقرم في 2014، وجنوب شرق أوكرانيا في 2014-2015، ولا يمكن الإجابة عن السؤال المتعلق بالتدخل، إلا عبر ربط تلك النقاط: هل سعت موسكو إلى المواجهة ضمن رؤية تتطلع إلى تفكيك حلف الناتو وإضعاف أوروبا، أم سعت للأهداف الأضيق كاستعادة مكانة القوة العظمى التي ضاعت خلال حقبة غورباتشوف- يلتسن، مع حماية أمنها القومي، والحفاظ على مصالح تجارية؟ وهل يمكن للغرب توريط روسيا في سورية، عبر شراكة محدودة ضد الإسلام المتطرّف، كما فعل في الحرب العالمية الثانية ضد النازيين، أم إن أي تعاون مع بوتين الماكر أمر غير وارد؟

 

 قلب الأراضي حبيس اليابسة، ومصالح استراتيجية في منطقة القرم

وصف هنري كسينجر التوسّع الروسي التاريخي –في بلاغة-بأنه:

تطبيق لإيقاعها الخاص على امتداد البلاد، متوسعة في مساحات شاسعة … يتوقف التوسع أحيانًا عبر الزمن … ولكن ليعود مرة أخرى، مثل الماء على الشواطئ. تغيرت الظروف بين عهد بطرس الأكبر، وعهد فلاديمير بوتين، إلا أن الإيقاع ظلّ -بشكل استثنائي- كما هو.3

وكان لوينستون تشرشل توصيف مختلف:

سيحاول الروس فتح أبواب غرف البيت جميعًا، وسيقتحمون تلك المفتوحة غير المقفلة منها، وحين يعجزون عن دخول إحدى الغرف، ستجدهم ينسحبون، ثم يدعون أصحابها -بكرم- إلى وليمة في مساء اليوم ذاته.4

ينقص الوصفين كليهما: وصف كسينجر البليغ ووصف تشرشل، عنصر هام؛ فتوسع روسيا كان -كذلك- نتيجة عجز جيوسياسي كبير، فباستثناء ساحل البلطيق الذي احتله بطرس الأكبر في القرن الثامن عشر، ظلت روسيا حبيسة اليابسة، لا تطل على بحار في معظم تاريخها. فالمياه، في حدودها الشمالية، ليست سوى المحيط المتجمد الشمالي، وكذلك كانت المياه في حدودها الشرقية؛ إذ يظلّ ذاك الجزء من المحيط الهادئ متجمداً معظم أيام السنة، وفي الجنوب بحر قزوين المغلق. أما تلك السواحل المطلة على البحر الأسود؛ فأشبه ما تكون بعنق الزجاجة، وهي رهينة أوضاع مضيقي البوسفور والدردنيل (المضائق التركية)، اللذين كانا محروسين من أسيادهما العثمانيين بغيرة وتحفظ؛ لذا ليس من المستغرب محاولات روسيا المستمرة في الاستحواذ عليهما، وعلى شبه جزيرة القرم؛ فمنذ القرن السابع عشر حاول بطرس الأكبر احتلال القرم، ومن بعده لواحق عثمانية، لكنه فشل.5

 

بوتين يواظب على إثارة مسألة “المصالح الاستراتيجية” الروسية في منطقة القرم.

ولم يتمكن الروس من النجاح في الاستيلاء على القرم إلا في عهد الامبراطورة كاثرين الثانية، حين نجحت، مع عشيقها الكونت جريجوري بوتيمكين، في احتلالها، وأنشأت ميناء سيفاستوبول الذي كان مقرًا لأسطول البحر الأسود الروسي، وكذلك أقامت ميناء تجاريًا في أوديسا. وعلى الرغم من الحروب المستمرة مع العثمانيين، ظلّت المضائق التركية عصيّة على الروس؛ إذ تدخّلت بريطانيا وفرنسا ومملكة سردينيا “إيطاليا” مرارًا لإنقاذ تركيا، وتُوّجت حرب القرم (1853- 1856) بمعهادة باريس التي حبست روسيا في البحر الأسود؛ فمن غير المفاجئ أن يسعى بوتين، تلميذ التاريخ النهم، مرارًا لإثارة مسألة “المصالح الاستراتيجية” الروسية في القرم.

ولا تعتمد روسيا، من الناحية العسكرية حاليًا، على المضائق التركية كما في السابق، ولكن على الرغم من الثورة التكنولوجية، وسلاح الطيران الروسي الهائل؛ فإن المضائق التركية لم تزل -طيلة القرن العشرين وحتى يومنا- عاملًا مهمًّا للسلاح البحري الروسي.

 سقوط الاتحاد السوفياتي

كان انهيار الاتحاد السوفياتي، عام 1991، نكسة أكبر للروس من حرب القرم ذاتها، وقد ركز المحللون طويلًا على خسارة الامبراطورية (السوفياتية) مساحات شاسعة من الأراضي، إلى جانب الحرية المكتسبة حديثًا لجمهوريات البلطيق والقوقاز غير الروسية، وكذلك أوكرانيا، ثاني أكبر جمهورية سوفياتية، لكنهم لم يولوا الاهتمام اللازم ما خسرته روسيا -أيضًا- من ممارّ مائية وسواحل وموانئ، وهي بمنزلة خسارة قوة البحرية الروسية.

[/imageframe]

 وقّع حافظ الأسد، والد بشار، اتفاقية تسمح لموسكو باستخدام ميناء طرطوس (الصورة) مقابل أسلحة متطورة، وهكذا تحول الميناء إلى مرفق لصيانة السفن الصغيرة في أسطول البحر الأسود، وبعد ذلك في عام 2005، نجح بشار في جعل روسيا تشطب ثلاثة أرباع ديون سورية من مبيعات الأسلحة الروسية؛ ونجم عن تعزيز التعاون العسكري بين روسيا وسورية تطويرُ ميناء طرطوس لاستقبال سفن أكبر.

خسرت روسيا موانئ المياه الباردة، في إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، والتي احتلها بطرس الأكبر في القرن الثامن عشر لخدمة الأسطول الروسي في البلطيق. وفي أوكرانيا، لم تخسر روسيا ملكيتها للسواحل فحسب، بل خسرت أيضًا ميناء أوديسا التجاري. والأهم من كل ذلك خسارة الروس ميناء سيفاستوبول البحري الثمين في المياه الدافئة، والذي ظل موطن أسطول البحر الأسود الروسي لأكثر من قرنين من الزمن؛ لذا تضطر موسكو -اليوم- إلى استئجاره من أوكرانيا المستقلة حديثًا.

كما أدى الانهيار الاقتصادي الذي أعقب ذلك إلى تفاقم الوضع؛ فقلة الموارد، والحربان الدمويتان في الشيشان، أجبرت الحكومة على تخفيض مخصصات أسطول البحر الأسود؛ فلم تعد السفن الروسية تظهر في البحر الأبيض المتوسط إلا نادرًا، وبعد ذلك، في عام 2004 تحديدًا، اندلعت الثورتان الملونتان في أوكرانيا وجورجيا؛ ليصل إلى قيادتيهما زعيمان مواليان للغرب، هما: فيكتور يوشيشنكو في أوكرانيا، وميخائيل ساكاشفيلي في جورجيا، اللذان أمِلا في انضمام دولتيهما الوليدتين، إلى الاتحاد الأوروبي، وربما إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في نهاية الأمر، والأسوأ للروس من هذا أن يوشتشنكو كشف عن إرادته في أن يغادر الأسطول الروسي ميناء سيفاستوبل، مع انتهاء عقد الإيجار عام 2017.

اهتزت – في قبرها- عظام كاترين الثانية، التي تحظى بإعجاب بوتين الأكبر من بين حكام آل رومانوف، ولا يحتاج المرء إلى التكهن بشأن بوتين؛ فمَن يمكنه التأكد من عدم انتشار سفن الناتو، في الميناء الروسي السابق، ذلك الميناء الأساسي؟ أين ستذهب روسيا إن فقدت سيفاستوبول؟ ستحتاج إلى ميناء آخر، ولكن أين؟ يمكن لميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود أن يساعد، ولكنه معدّ كميناء تجاري.

أساتذة الخداع العسكري

بالعودة إلى عام 1971، عندما وقع حافظ الأسد، والد ديكتاتور سورية الحالي، اتفاقية تسمح لموسكو باستخدام ميناء طرطوس، مقابل بيعها أسلحة متطورة لسورية؛ فحولت ميناء الصيد الهادئ إلى منشأة لوجستية للصيانة المادية والفنية لسفن أسطول البحر الأسود الروسي الصغيرة، وبعد عامين من ذلك التاريخ، اشترك حافظ، الطيار المتدرب في روسيا، مع مصر في إعداد هجوم على اسرائيل، حليفة الولايات المتحدة الأميركية، بأسلحة روسية، وبمساعدة مستشارين روس.

وأسس ما حدث بعد ذلك،  لتعاون مشترك دام عدة عقود، حين طرد أنور السادات المستشارين السوفيات من مصر في تموز/ يوليو 1972؛ بسبب رفض موسكو تزويد مصر بالأسلحة اللازمة للحرب المخطط لها ضد إسرائيل، ما ولّد شقاقًا غير قابل للتسوية بين الدولتين،6 وكما كُشف في المذكرات السرية لأناتولي تشيرنياييف، مستشار غورباتشوف للسياسة الخارجية، وغير المعروف للعالم الخارجي؛ عملت موسكو على تصحيح العلاقات مع القاهرة بسرعة، بتحويل النكسة المؤقتة إلى خدعة، من شأنها أن تساعد في تهدئة الإسرائيليين، إبان مفاجأة “يوم الغفران” عام 1973؛ فقد قال تشيرنياييف، الذي صار مسؤولًا كبيرًا في قسم الشؤون الدولية للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي، في مذكراته يوم 15 تموز/ يوليو 1972:

بدأ هذا [أي طلب السادات انسحاب المستشارين السوفيات] بشكل مضطرب. حين ذهب رئيس وزراء مصر صدقي إلى موسكو، وأظنهم عالجوا الأمر … فأغلب الظن أن الروس قد أعطوه معظم، إن لم يكن كل، ما طلب. وكذلك فعل رئيس سورية الأسد قبل أسبوع … لقد أُجبرنا عمليًّا على “الحل العسكري” وقد كلّفنا الكثير.7

وتم تأكيد هذه الرواية في الذكرى السنوية الأولى للحرب، من قبل مجلة روز اليوسف المصرية شبه الحكومية:

نشرت الجهات الحكومية المختلفة قصصاً وشائعات، مبالغ فيها على أقل تقدير، حول القصور الكمي والنوعي للأسلحة المطلوبة لبدء المعركة مع إسرائيل، في الوقت الذي توصل فيه الطرفان-مصر والاتحاد السوفياتي- إلى اتفاقية [حول الأسلحة التي] بدأت بالوصول فعلًا.8

 

 

مفهوم الخدعة العسكرية خاصيّة دائمة للتدخلات الروسية.

أخيرًا وليس آخرًا، ادعى الرئيس المصري أنور السادات بنفسه، بعد عامين من الحرب، أن شجاره مع السوفيات كان “غطاءً استراتيجيًّا- إلهاءً استراتيجيًّا رائعًا عن ذهابنا للحرب”.9

يُعدّ مفهوم الخدعة العسكرية، أو “الـ ماسكيروفك”ا (بالروسية)، خِصّيصة ثابتة للتدخلات الروسية. ولكن يشمل هذا المفهوم مضمونًا أوسع من مثيله الغربي؛ فالخدعة يمكن أن تشمل التمويه، والتضليل، والأفخاخ والابتزاز، والمكر الدبلوماسي، وعليه؛ فإنّها تتيح المفاجأة الاستراتيجية، أو التوقيت الذي سوف يُصعق فيه العدو، ضامنًا -بهذا- نجاح المهمة.10

 

أبخازيا وطرطوس

على طول الحدود بشقيها، قبل عام 1991 وبعده، سعت روسيا -باستمرار- إلى تغيير الأنظمة؛ وذلك كلّما مال قادة الجمهوريات غير الروسية نحو الغرب، سواء الجمهوريات الواقعة داخل روسيا (مثل الشيشان)، أم التي في محيطها الجديد (كأوكرانيا وجورجيا)؛ ففي عام 2005، بعد الانتصار الحاسم في الحرب الشيشانية الثانية، والتدمير الكامل للعاصمة غروزني، استطاع بوتين التركيز على إمكانية تغيير النظام في تبليسي (ساكاشفيلي)، وفي كييف (يوشنكو)، وعلى العكس من جمهورية الشيشان غير الساحلية، كانت كل من أوكرانيا وجورجيا من دول البحر الأسود، وكان من الاهتمامات الجيوسياسية الرئيسة للكرملين إعادة سيطرة قواته البحرية على الموانئ والسواحل، وأهمّها ميناء سيفاستوبل(الموقع التقليدي لأسطول البحر الأسود)؛ لذلك إزاحة يوشنكو أوكرانيا، وساكاشفيلي جورجيا كانت تعني لبوتين استعادة الساحل الأساسي للبحرية الروسية، وبما أن عقد إيجار الميناء ينتهي عام 2017؛ فعلى روسيا أن تجد -في المياه الدافئة- ميناء آخر يلائمها.

 

سعت روسيا باستمرار إلى تغيير الأنظمة، كلّما مال قادة الجمهوريات غير الروسية نحو الغرب.

أسرع خليفة حافظ الأسد (ابنه بشار)، منتهزًا الفرصة؛ فقام بزيارة إلى موسكو عام 2005، ونجح في شطب ثلاثة أرباع ديون سورية الخارجية من مبيعات الأسلحة الروسية؛11 فشكلت تلك العملية قوة دافعة لتجديد التعاون العسكري الروسي-السوري في تطوير ميناء طرطوس؛ لاستقبال السفن الكبيرة.

وفي تلك الآونة -تقريبًا- بدأ بوتين يضع الخطط؛ لاجتياح جورجيا، مع توجيه اهتمام خاص لمحافظة أبخازيا، محتلًا -بذلك- النصف الشرقي من سواحل جورجيا على البحر الأسود، وقد نظر محللون -خطأً- إلى جورجيا على أنها مجرّد جمهورية من جمهوريات القوقاز، في حين تراها البحرية الروسية أرضًا ثمينة على سواحل البحر الأسود.

لا تضم جورجيا الميناء الروسي السابق “أوشامشاير” فحسب، بل تضم -أيضًا- أكبر قاعدة جوية في القوقاز “بومبورانس”، ولم يُسَرّ الأبخازيون، بوصفهم جيبًا عرقيًّا، مع معتقدات أورثوذوكسية وعدد كبير من المتحدثين بالروسية، بنَيل جورجيا استقلالها؛ نظرًا لخشيتهم المبررة من فقدان وضعهم الخاص كجمهورية متمتعة بالحكم الذاتي؛ إذ كانوا ، شأنهم في ذلك شأن أوسيتيا الجنوبية، الجيب العرقي الآخر في جبال القوقاز، يعيشون  حالة نزاع متكرر مع جورجيا، ويسعون إلى الحصول على الدعم من روسيا، لدرجة أن بلغ الغضب ببعضهم ممارسة تطهير عرقي ضد الجورجيين.

انسجم ذلك كله مع خطط بوتين انسجامًا تامًّا، وفي عام 2006، بدأ الجيش الروسي بإنشاء خط حديدي في أبخازيا، وتعدّ السكك الحديدية وسيلةَ النقل التقليدية للقوات المسلحة الروسية، ومع بدء القنصلية الروسية منح السكان جوازات سفر، أرسل بوتين قوات “حفظ سلام” إضافية إلى أبخازيا؛ بذريعة هجوم مزعوم تخطط له جورجيا.

 

البحرية الروسية تجتاح جورجيا

في السابع من آب/ أغسطس 2008، أثناء الألعاب الأولمبية التي أقيمت في بكين، اجتمع الرئيس جورج بوش الابن بفلاديمير بوتين، الذي أخبره بالمعارك الدائرة في جنوب أوسيتيا، قائلًا: “يجتمع كثير من المتطوعين في تلك المنطقة (يقصد جنوب أوسيتيا)، ومن الصعوبة بمكان منعهم من الاشتراك في المعارك، هي حرب حقيقية تدور الآن هناك”،12 لكن ما لم يُخبِر به بوتين نظيرَه الأميركي آنذاك، هو الفخ الذي نصبه للجيش الجورجيّ في جنوب أوسيتيا، وأن البحرية الروسية ستحتل أبخازيا قريبًا، وأنه أمر بشنّ هجوم الكتروني على الحكومة الجورجية.

وفي غضون أربع وعشرين ساعة، ظهر بوتين في فلاديكافكاز (حصن أوسيتيا الشمالي)؛ ليشرف على عملية الاجتياح بنفسه، وحين وصل الجيش الجورجي؛ ليوقف أعمال الشغب في عاصمة جنوب أوسيتيا، انقضّ عليه الجيش الروسي، عبر نفق يربط الطريق المؤدية إلى جنوب أوسيتيا، وما بعدها، بالمنطقة التي رابط فيها، فخ تقليدي أحكم على الجورجيين كمّاشته، تزامن ذلك مع إنزال برمائي في ميناء أوشامشاير الأبخازي، بزخم بلغ تعداده 4000 من القوات البحرية وقوات الكوماندوس، بقيادة رئيس أركان أسطول البحر الأسود، الأدميرال فلاديمير فيسوتسكي، وفي العاشر من آب/ أغسطس، وقعت معركة بحرية بين السفن الروسية والجورجية، وخلال بضعة أيام، تم تدمير أسطول سفن خفر السواحل الدورية الجورجيّ بالكامل.13  وهكذا عادت البحرية الروسية، وبمجرد ترميم ميناء أوشامشاير، سيتمكن الروس -عبره- من السيطرة على طول المياه الجورجية وصولًا إلى الحدود التركية.

وفي 12 أيلول/ سبتمبر، 2008، بعد شهر من احتلال أبخازيا، أعلن الكرملين عن تسريع عمليات توسيع، وإحياء، ميناء طرطوس؛ كان ذلك بعد أن التقى فيسوتسكي نظيره السوري الجنرال طالب باري؛ للبدء بالتحرّك، وفي عام 2009، وصلت قيمة العقود العسكرية الروسية إلى 19,4 بليون دولار أميركي، بُعيد إصلاح الأرصفة العائمة، ومرافق البنية التحتية الساحلية في طرطوس. وفي نهاية المطاف، نشرت البحرية الروسية أنظمة صواريخ ساحلية حيوية، وصورايخ مضادة للسفن، وقوارب حربية، وأقامت ثكنات عسكرية هناك، كما ذكر مسؤول في الكرملين، لم يعرف اسمه في الإعلام الروسي: أنّ “كل شيء تغير منذ الحرب على جورجيا- فما بدا مستحيلًا سابقًا، حين أصبح أصدقاؤنا أعداء وأعداؤنا أصدقاء، ممكن الآن. العديد من الاحتمالات مطروحة على الطاولة، بما في ذلك ضرب الأميركان في أكثر الأماكن إيلامًا: سورية وإيران.”14

 

القرم هي التالية

“القرم هي التالية”، هكذا توقع “زازا غاتشيتشيلاتزيه”، رئيس تحرير صحيفة “ذَ مسنجر” البارز؛15 إذ كتب في افتتاحية الصحيفة “جاء دور أوكرانيا الآن… كل هذا يحدث، بينما يتردد الغرب في بدء استراتيجية واضحة المعالم؛ لإيقاف روسيا التي تزداد شهيتها للتوسع مع الوقت.”16

أحدثت جورجيا -بالفعل- تغييرًا كبيرًا في الفكر الاستراتيجي لدى الكرملين؛ إذ سيضرب بوتين في القرم حالما تنضج الأوضاع، خاصة أنه على قناعة بضعف احتمال تدخل واشنطن -ببقوة- في الأمر؛ ذلك قياسًا على ما أظهرته الإدارة الأميركية من تهاونٍ واضح في انتهاكه السيادة الجورجية. وفي وقت سابق من ذلك العام، بدأت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بداية جديدة مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف. والحقيقة أنّ دوائر صنع القرار الروسية حين تناقش تدخلًا جديدًا ما؛ فإنها تأخذ آخر رد فعل أميركي بالحسبان فحسب، وكذلك غُضَّ الطرفُ عن التعديل الدستوري في السلطة التشريعية الروسية؛ ما سمح لبوتين اتخاذ القرار العسكري في الأماكن البعيدة، بل أينما ارتأت إدارته ضرورة حماية المتحدثين الروس، والقوى الروسية العسكرية (في القرم أو سورية على سبيل المثال)، وما كان للروس -في عهد يلتسن- إمكانية اتخاذ قرارات كهذه، إلا في حالات محاربة الإرهاب، أو المشاركة في عمليات تشرف عليها الأمم المتحدة. أما الآن، فبإمكان الحكومة إقرار تحرك عسكري ضد أي دولة أجنبية، دون الرجوع إلى مجلس الدوما.17

ولكن لم يحن الوقت -بعدُ- لتحرّك عسكري في القرم؛ ففي 2010، حدثت انتخابات جديدة في أوكرانيا، أتت بفيكتور يانكوفيتش رئيسًا للبلاد، وكان هذا الآتي من شرقي أوكرانيا مواليًا بقوة للكرملين؛ ما أتاح لبوتين الاسترخاء إلى حين، وفي مقابل الغاز الروسي الرخيص، مدّد يانكوفيتش اتفاقية استيراده في سيفاستوبول حتى عام 2046.

فتّش عن أنابيب الغاز

في عام 2011، ظهرت مشكلة في طرطوس؛ حيث دخلت سورية دوّامةً من صراعٍ دامٍ، لم يقتصر تهديده على الأصول الحربية الروسية؛ فسورية محور رئيس في مجال الطاقة في الشرق الأوسط، وقد عبّر المحلل الروسي، أليكسي سارابييف، عن خطورة الأمر بقوله:

تعتمد أهم الأنابيب السورية الآتية من المناطق الشمالية الشرقية على ميناء طرطوس في حركة مرورها؛ الأمر الذي يضفي على الميناء خصوصية فريدة، إلى جانب وقوعه قرب بانياس التي تحوي أهم مرافق تخزين النفط.18

 

بشار الأسد هو من يقرر أي أنابيب ستعبر سورية، سبب آخر أسهم في دعم بوتين له.

وليست سورية مجرد محطة عبور للغاز، بل تحوي خزاناتٍ ضخمةً في حقل حمص للغاز، وتشكّل عائدات روسيا، من تصدير النفط والغاز، نحو 70 في المئة من مجمل دخلها الخارجي، و60 في المئة من موازنة الدولة، ولعلّ ما قاله أحد الاقتصاديين، في “سوتشي” أثناء عطلته، يعبّر عن تلك الحقيقة: “لا تكتفوا بالبحث في المصالح البحرية فحسب، بل في الأنابيب كذلك”19. وبطبيعة الحال تمر تلك الأنابيب، وهي في طريقها إلى الأسواق الأوروبية، عبر دول عبور الطاقة: جورجيا، أذربيجان، أوكرانيا، ولم تعد أي من تلك المعابر تحت سيطرة بوتين.

أما في سورية التي يحتكر فيها بشار الأسد القرار، فإنه من يقرر أنابيب أيدولة تلك التي ستعبر الأراضي السورية، وهو سبب إضافي يجعل من بوتين داعمًا له؛ ففي 2009، رفض الرئيس السوري توقيع اتفاقية عبور الغاز مع دولة قطر، وهي منتج رئيس للغاز المسال، حيث سعت إلى تمرير أنبوب غاز، يعبر إيران، ويمر بتركيا وسورية، وكان من شأن التوقيع على تلك الاتفاقية تجاوز الروس؛ لذلك رفضها الأسد.

الدروس التي تعلّمها الكرملين من الحالة الليبية

شكّلت الدروس المستفادة من مجموعة من الأحداث القرارَ الروسي بالحيلولة دون الهجوم الأميركي على الأسد، عام 2013، وكذلك القرار ببدء عملية عسكرية عام 2015، وكان الدرس الليبي أحدها؛ ففي عام 2011، تمكنت واشنطن من إقناع موسكو بالامتناع عن استخدام الفيتو في مجلس الأمن عند صدور قرار التحرك ضد الدكتاتور الليبي معمر القذافي، التحرّك الذي استهلّ ما سمّته وزيرة الخارجية الأميركية كلينتون بـ “مهمة إنسانية”؛ لمنع قوات الدكتاتور من قتل المدنيين الليبيين، ولكن ما إن بدأ قصف طيران قوات حلف شمال الأطلسي، حتى اتضح أن تركيز التدخل الدولي كان على إزاحة القذافي بشكل رئيس، مع نظرة مستقبلية لإنشاء دولة جديدة؛ الأمر الذي لاقى فشلًا ذريعًا في العراق بقيادة إدارة جورج بوش الابن.20

وعلى الرغم من ذلك كان لغزو العراق عام 2003 جانب إيجابي؛ إذ تخلّى القذافي عن مطالبته ببرنامج نووي مبتعدًا عن خطا صدام حسين المشؤومة، وبدأ -بدلًا من ذلك- العمل مع واشنطن ضد الإرهاب الإسلامي الصاعد، ومن المفارقات أن كثيرًا من الثوار الليبيين، المدعومين غربيًّا، والذين تمكنوا في النهاية من قتل الدكتاتور ذي الحكم المديد، ينتمون إلى التيار الإسلامي الذي تحاربه أميركا، بينما كان القذافي يشكّل –لبوتين- قوّة توازن واضحة المعالم.

وربما علِم بوتين، عبر بريد هيلاري كلينتون الإلكتروني المخترَق، بلقاء السفير الأميركي (كريس ستيفينس) مع القنصل العام التركي، قبل مقتله بساعات؛ حيث كان الإثنان يعملان على نقل أسلحة من ليبيا إلى سورية، بهدف إسقاط دكتاتور آخر، الأسد.21

شكّل ما حدث في ليبيا درسًا للروس، جعلهم يمنعون -بشكل متعاقب- أي حل عسكري تقترحه الأمم المتحدة ضد الأسد، خاصة بعد أن علموا أنم ضُلّلواعن عمد، حين وافقوا على تدخل حلف شمال الأطلسي المدعوم أميركيًّا في ليبيا.

الرئيس ديميتري ميدفيديف يعبّر للجهات الرسمية في أميركا عن قلقه إزاء صعود الإرهاب الإسلامي في ليبيا.

لكن الوضع في ليبيا عند تنفيذ عمليات إسقاط القذافي، كانت مقلقة للكرملين، لأسباب أخرى؛ ففي عام 2011، أعرب الرئيس ديميتري ميدفيديف، مخاطبًا وزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس ونائب الرئيس جو بايدن، عن قلقه إزاء صعود الإرهاب الإسلامي في ليبيا: “إن ضعفت ليبيا، وأوجد تنظيم القاعدة جذورًا له هناك، سيخسر الجميع بذلك، بشكل خاص نحن، إذ سينتهي المطاف بالمتطرفين إلى شمالي القوقاز.”23

 

كان بإمكان ميدفيدف ذكر معلومة انتقال المتطرّفين من شمالي القوقاز إلى سورية، بمساعدة جهاز الأمن الفيدرالي الروسي؛ حيث وثّقت الصحفية إلينا ميلاشينا: أن جهاز الأمن الفيدرالي ساعد متمردين، من الشيشان وداغستان، في الوصول إلى سورية، عبر طرق آمنة في الأراضي التركية.24 وبالفعل، تناقص عدد الهجمات الإرهابية في شمالي القوقاز إلى النصف بين عامي 2014 و2015، من 525 عملًا إرهابيًّا إلى 260. 25 ولا تزال القوات الخاصة الروسية قلقة من عودة الجهاديين.26

خط أوباما الأحمر ومبادرة بوتين الدبلوماسية

[/imageframe]

في آب/ أغسطس 2013، أُعلن عن استخدام النظام السوري الأسلحة الكيماوية على جيب للثوار، وقتل نحو 1300 من المدنيين، وظهر أن الأسد قد تجاوز “الخط الأحمر” الذي أعلنه الرئيس أوباما تجاه استخدام مثل هذه الأسلحة. وفي أعقاب ذلك نشرت واشنطن أربع مدمرات مزودة بالصواريخ قرب الساحل السوري، مهددة النظام السوري. غير أن بوتين ساعد في نزع فتيل الأزمة بمساومة الأسد على التخلص من أسلحته الكيماوية.

الحدث الآخر الذي حدّد كيفية اتخاذ بوتين قراره، بشأن مزيد من التدخلات، كان الأزمة الكبرى التي عصفت بالأسد؛ بسبب استخدامه الأسلحة الكيماوية؛ ففي 21 آب/ أغسطس 2013، أُعلن عن استخدام النظام السوري أسلحة كيماوية ضد جيب للثوار؛ ما تسبب بمقتل نحو 1300 من المدنيين، وبهذا الفعل الشنيع بدا أن الأسد قد تجاوز “الخط الأحمر” الذي أعلنه الرئيس أوباما بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية، وجازف بالتعرض لردّ قوي من الولايات المتحدة، (27) ومع ذلك ادعى بوتين، وحتى بعض حلفاء الولايات المتحدة، أن الهجمات نُفذت من قبل أطراف مناهضة للأسد “كاستفزاز متعمّد”. (28) وعلى أيحال، نشرت واشنطن، بتاريخ 27 آب/ أغسطس، أربع مدمرات مزودة بصواريخ توماهوك كروز، قرب الساحل السوري، مهمتها معاقبة النظام السوري. (29)

حتى ذلك الوقت، كان بوتين قد استثمر إلى أقصى حدّ في استكمال تجديد ميناء طرطوس؛ حيث حصلت روسيا على عقد استئجاره مدة 50 سنة، وكانت تخطط -أيضًا- لبناء خط للأنابيب في سورية، ومع وجود قوات الولايات المتحدة قريبة إلى هذا الحد؛ قرر بوتين عدم السماح بتغيير النظام في دمشق، على غرار اسقاط النظام في طرابلس الغرب، لكن كان عليه أنْ يفهم أنّ المواجهة المباشرة بين قواته البحرية، والقوات المتفوقة للولايات المتحدة، ليست خيارًا ذكيًّا لروسيا، وقد أكد هذا الأدميرال فلاديمير كوموييدوف، رئيس اللجنة التشريعية الروسية لشؤون الدفاع، والقائد الأعلى السابق لأسطول البحر الأسود، محذرًا من أن القوات البحرية الروسية لن تتمكن من مواجهة القوات البحرية الأميركية في شرق البحر الأبيض المتوسط:

“للأسف، فإن القوات التي حشدناها هناك مكونة من سفن قديمة نسبيًّا، صنعت منذ 30 سنة، ولمنافسة الولايات المتحدة نحن بحاجة إلى حصان فتيّ”. (30)

أحد المحللين الروس اقترح ما مفاده أن على روسيا اجتياح دول البلطيق في حال هاجمت الولايات المتحدة سورية

غير أن بوتين راهن -أيضًا- على تخوّف أوباما من مواجهة مباشرة مع روسيا؛ إذ إن السفن الروسية المعدة للمواجهة، على الرغم من قدمها، مسلحة بنظام صاروخي حديث، وبطوربيدات نووية. وحشدت روسيا -أيضًا- قواتها المسلحة، وكذلك فعل الحرس الثوري الإيراني، بينما كانت وزارة خارجية موسكو قلقة من أن تدخّل الولايات المتحدة في سورية يمكن أن يؤدي إلى “نتائج كارثية”. (31)

في السابع والعشرين من آب/ أغسطس، حيث كان أوباما يجتمع مع قادة دول البلطيق الثلاث، كان لدى بوتين واحد من أبرز المحللين هو ميخائيل ألكسندروف، الذي نشر مقالًا استفزازيًّا بوجه خاص، لم يكن ليظهر دون موافقة الكرملين، اقترح فيه ألكسندروف، رئيس قسم البلطيق في معهد موسكو (CIS)، والممول من وزارة الشؤون الخارجية الروسية، أنه في حال مهاجمة الولايات المتحدة سورية؛ فعلى روسيا أن تجتاح دول البلطيق، مدعيًا أن “نصف سكان لاتفيا وإستونيا سوف يستقبلون القوات الروسية بالزهور، كما كان الحال عام 1940.”(32)

كان على الإدارة الأميركية، في نهاية المطاف، ردع بوتين، بضغوطه ودبلوماسيته العامة، وحتى بذهابه بعيدًا لدرجة أنه كتب مقالةً افتتاحيةً في نيويورك تايمز، ولكن أوباما تراجع، كما تنبأ بوتين، وبعد ذلك، ساعد بوتين نظيره الأميركي على نزع فتيل الأزمة؛ بعقد صفقة، تعطي الأسد فرصة التخلص من أسلحته الكيماوية.

 

استعادة القرم

وبعد إنقاذ عميله السوري، سعى بوتين للحفاظ على ربيبه الأوكراني يانكوفيتش، الذي فاز في انتخابات عام 2010 بفارق ضئيل، مع دعم الكرملين له، بحيث يمكن التساهل مع قائد سارق بدعوى الاعتدال؛ إذ يُعدّ يانكوفيتش، الذي سجن مرتين بتهم الفساد عام 2004، حليفًا مهمًّا. ولكن في نهاية المطاف، لم يتساهل الشعب الأوكراني مع إنكاره رغبتهم بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي،33 وفي كانون الثاني 2014، احتشدت جموع من المتظاهرين السلميين مناهضة له، الحدث الذي ألهب -في ما بعد- ثورة مسلحة، وفي نقطة تحوّل لحقت ذلك، قام البرلمان الأوكراني بالتصويت على إزاحة يانكوفيتش في 22 شباط/ فبراير من العام نفسه، وحدث ما أدركته قلّة في الغرب؛ ففوز المظاهرات المتماشية مع المصالح الغربية في كييف لم يكن كافيًا لتأمين سيفاستوبول؛ إذ اشتغل بوتين على شبه جزيرة القرم الاستراتيجية، بعد إنقاذ حياة يانكوفيتش، وخاطب مجلسه الرئاسي: “علينا البدء بالعمل على استعادة القرم إلى روسيا.”34

 

يتكلّم معظم سكان القرم اللغة الروسية، كما في أبخازيا وجنوبي أوسيتيا، وينتمي 60 في المئة منهم عرقيًّا إلى روسيا. لكن الأقلية التاتارية الواسعة، والتي تشكل حوالي 30في المئة من مجموع سكان شبه الجزيرة، لم تطِع يومًا الحكم الروسي؛ ما دعا ستالين لطردهم إلى آسيا الوسطى في الحرب العالمية الثانية. لقد أتى جنود الجيش الأوكراني من أماكن متفرّقة، لكن بوتين تخوّف من مقاومة المسلمين التاتار بالانضمام إلى القرم، كما فعلوا في عهد كاثرين الثانية عام 1784.

ومرة أخرى، تحول حضور بوتين في الألعاب الأولمبية الشتوية، في سوتشي، إلى تمويه مثالي؛ فعلى الرغم من المناورات العسكرية الروسية المستمرة قرب القرم، فشلت الاستخبارات الأميركية في استباق الاجتياح الذي وقع في 28 شباط/ فبراير 2014، وما إن انتهت الألعاب الأولمبية، حتى بدأ الاجتياح، وأُتبِع بضمّ القرم.

وكان من اللافت بشكل خاص كيفية تبرير بوتين خطوته غير القانونية والجريئة، لا على المستوى الاستراتيجي فحسب، بل على المستويين التاريخي والديني كذلك؛ ففي كانون الأول/ ديسمبر 2014، على سبيل المثال، تبحّر في السرد التاريخي عن القديس فلاديمير، مؤسس الاتحاد الروسي الكييفي القديم، وعن القيام بحفل تعميد القديس في القرم لا في كييف، قائلًا:

لدينا كل الأسباب للتوضيح بأن للقرم، والكورسن والتشيرسونيز، وسيفاستوبول بعدٌ حضاري وقُدسيّ هائل بالنسبة لروسيا، تمامًا كأهمية جبل الهيكل في القدس بالنسبة إلى أولئك المُدينين سواء بدين الإسلام أم اليهودية.35

 

وليس من المهم ما إذا كان تحوّل بوتين من خادم للشيوعية الملحدة إلى حامٍ للإيمان والدين حقيقيًّا أم لا؛ فبعد سقوط الإمبراطورية السوفياتية، عادت روسيا إلى جذورها الأرثوذكسية، وكذلك فعل بوتين. وهكذا، وبعد تشريع حملة منظّمة ضد ناشطي حقوق الإنسان في روسيا، بدا بوتين داعمًا متحمّسًا للكنيسة الأورثودوكسية في روسيا، وللأقليات المسيحية في سورية، ومصر، والعراق، والتقى كذلك بالبابا في 10 حزيران/ يونيو 2015، والذي طلب منه الإسهام في مساعي السلام في أوكرانيا وروسيا.

 

التدخل في جنوب شرق أوكرانيا

في 18 نيسان/ إبريل 2014، بدأ بوتين باستهداف أراضٍ جديدة بعد ضمّه القرم التي اجتاحها، وشرح أن أراضي “نوفوروسيا” (أو روسيا الجديدة)، الواقعة جنوب شرق أوكرانيا، والتي احتلتها كاثرين الثانية، لم تكن جزءًا من أوكرانيا آنذاك، ومع ذلك، لم يعترف بوتين بحقيقة هدفه الأساسي الجيوسياسي، وهو تأمين معبر ساحلي من روسيا إلى القرم، عبر ميناء ماريوبول الاستراتيجي في البحر الأسود، وإلى أوديسا.

أطلق بوتين حربًا جديدة بالوكالة، شجعه على ذلك رد فعل الغرب السلبي على مغامرة القرم، واستخدم الانفصاليين الروس في الشرق، و”المتطوعين”، والقوزاق، و”جنودًا احتياطيين”، وحتى مجرمين مأجورين، مع القوات الخاصة الروسية، وتم تحريض المواطنين، أصدقاء الروس في جنوب شرقيّ أوكرانيا، ضدّ كييف، وأعلنوا جمهوريتين جديدتين في مسعى للانضمام إلى روسيا، على خطا القرميين، وهما: دونيتسك، ولوغانسك، وبعد أسابيع، اندلعت أحداث العنف في أوديسا.

تطلّبت الأوضاع ردًا أميركيًّا صارمًا، ولكن لم تكن إدارة أوباما لتزوّد كييف بالدعم العسكري اللازم؛ بسبب حاجتها المفترضة إلى الدعم الروسي في ملف إيران النووي، وأدّى ذلك الردّ الهزيل إلى المزيد من تصميم موسكو، فإضافة إلى 10000 جندي في أوكرانيا، وقف 40000 غيرهم على الحدود، ولكن بوتين أساء التقدير هنا؛ إذ دافع الجيش الأوكراني -بكفاءة- عن طرق مهمّة، ومفاصل جغرافية استراتيجية، وكذلك عن المطارات؛ ما أفشل أثر المفاجأة الاستراتيجية الروسية، وبدعمٍ من الاستخبارات الأميركية، ومعونات اقتصادية، كلّفت تلك المقاومة الصلبة ثمنًا باهظًا في الأرواح، ولكنها أدّت -في النهاية- إلى صمود كييف، وفي تموز/ يوليو 2014، شدّدت واشنطن أخيرًا العقوبات في مجال الطاقة، وكان من شأنها، مع الانخفاض الحاد في أسعار النفط، أن تخفض عائدات روسيا من النفط والغاز إلى النصف.36

التحضير إلى سورية

في صيف 2015 كان الأسد يقاتل، كما يانوكوفيتش قبله، من أجل بقائه؛ حين تقدمت العديد من مجموعات المعارضة المسلحة، مدعومة من الأنظمة “السنيّة” في تركيا والسعودية، إضافة إلى الولايات المتحدة، في الوقت الذي تراجعت فيه قوات نظام الأسد “العلوي”، وخسرت الموقع تلو الآخر، وفي تموز/ يوليو، طلب النظام تدخلًاعسكريًّا روسيًّا مباشرًا37 وأعطى بوتين إشارات متباينة، تضمّن بعضها التلميح إلى استبدال الأسد، مستخدمًا كتاب بريجينيف 1973 “يوم الغفران”، مع حيله التي استخدمها للتمويه في جورجيا وأوكرانيا.38 وأيًّا كانت نواياه؛ فقد قرر بوتين الالتزام بالدكتاتور السوري في هذه المرحلة.

 

وعلى الرغم من تشكيك مراقبين أميركيين في نوايا بوتين؛ فقد كان قتال الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) هدفًا ثانيًا، وإن فشلت الهجمات الإرهابية في شمال القوقاز عام 2015؛ فإنّ داعش انتشرت شمالي أفغانستان؛ ما قد يؤدي، على المدى الطويل، إلى تشكيل خطر على حلفاء الروس في آسيا الوسطى، ولا شك في قلق بوتين من عودة شمال القوقاز إلى قتال روسيا.

 

اختفى اصطلاح “روسيا الجديدة” من مفردات بوتين مع بدايات عام 2015، ونظر إلى المقاومة المسلحة المتنامية ضد نظام الأسد كتهديد مباشر لمصالح روسيا القومية، وحيث تتجنب موسكو عادةً القتال على جبهتين في وقت واحد، قال متحدث رسمي في وزارة الدفاع الروسية، رفض ذكر اسمه، في بداية أيلول أو قبيله: إن “القوات الخاصة سُحبت من أوكرانيا، وأُرسلت إلى سورية.”39
[/imageframe]

ويحظى الجنرال قاسم سليماني، قائد قوات الحرس الثوري الإيراني، باحترام كبير في الأوساط الروسية؛ لبراعته وجرأته في المعارك. وأكّد الجنرال لدى وصوله سرًّا إلى العاصمة الروسية ما يلاقيه نظام الأسد من صعوبات جديّة على الأرض، مع إمكانية إنقاذه عبر تدخل يضمّ الروس والإيرانيين وحزب الله معًا.

يبدو أن بوتين حسب أن تدعيم عودته إلى سياسة روسيا الجديدة، واستراتيجية الممر الساحلي في البحر الأسود، يعتمدان على كسب سورية، ورفع العقوبات الغربية دون تنازلات تُذكر؛ وذلك ما لم تربط واشنطن – بالطبع- بين الصراعين في سورية وأوكرانيا، ويقال إنه أخبر إحدى الشخصيات الرسمية الإيرانية الرفيعة، في أواخر تموز/ يوليو 2015، بقوله: “حسناً سوف نتدخل. أرسل قاسم سليماني.”، ويحظى الجنرال سليماني، قائد قوات الحرس الثوري الإيراني، باحترام كبير في الأوساط الروسية؛ لبراعته وجرأته في المعارك، وأكّد الجنرال، عند وصوله -سرًّا- إلى العاصمة الروسية، ما يلاقيه نظام الأسد من صعوبات جديّة على الأرض، وإمكانية إنقاذه بتدخل، يضمّ الروس والإيرانيين وحزب الله معًا.40

تُعدّ إيران حليفًا استراتيجيًا مهمًّا لروسيا؛ فهي مثل سورية، تشتري أنظمة الدفاع الروسية، وتشترك في مشاريع تعاونية لأنابيب الطاقة، وتشتري محطات الطاقة النووية، وقد أدّى الاتفاق النووي الأميركي الإيراني، في 14 تموز/ يوليو 2015، إلى تغيير قواعد اللعبة؛ فأجّل بوتين، الذي ساعد أوباما على إتمام الاتفاقية، أي قرار بشأن سورية حتى إتمام الاتفاقية، واليوم وقد تم الاتفاق، واقترب موعد إنهاء العقوبات الاقتصادية على إيران، بات بمقدورها تسديد ثمن نظام صواريخ إس-300 مضاد الطيران طويل المدى، وأمل بوتين، كذلك، وبعد تحسين العلاقات الأميركية الإيرانية، بتسهيل عمل روسيا مع إيران وحزب الله على حماية الأسد.

[/imageframe]

 

تحرّى الطيارون عن طيارة روسية في الحقل الجوي السوري في اللاذقية. في أيلول/ سبتمبر 2015، أظهرت صور الأقمار الصناعية الأميركية عمليات بناء سريعة لمعدات سلاح الجو الروسي والقواعد البحرية في سورية، بما في ذلك مقاتلات جوية متطورة، وفي 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، أُسقطت طائرة روسية من قبل مضادات الطيران التركية، بعد اختراقها المفترض الحدود الجوية التركية؛ فتحطمت الطائرة في منطقة جبل التركمان، في الجانب السوري من اللاذقية، وهي منطقة متنازع عليها بين قوات الأسد وقوات المعارضة.

وعلى سبيل توسيع خياراته، دعا بوتين في أيلول/ سبتمبر صديقَه القديم رئيس وزراء إيطاليا السابق سيلفيو بيرلسكوني، إلى القرم التي ضمّها؛ لمناقشة الأوضاع في أوكرانيا وسورية. وقبل تلك الزيارة، كشفت مصادر إخبارية إيطالية عن أن بيرلسكوني خطّط “لشمل بوتين في حملة ضد الإرهاب، مطلقًا مبادرة ديبلوماسية، قد تؤدي إلى رفع العقوبات عن روسيا، وإذابة الجليد عن العلاقات مع أميركا.”41

 

انتقلت ديبلوماسية بوتين إلى مستويات أعلى. ووُضعت آخر قطعة بّزل في لوحته، عبر التحوّل الدرامي للرئيس الفعلي للاتحاد الأوروبي: أنجيلا ميركل. إذ أصبحت أزمة الهجرة، بما في ذلك الهجرات الجماعية الهاربة من الحرب المدمرة في سورية، نقطة التحول الأخيرة. وبهجرة مئات الآلاف من المسلمين إلى ألمانيا، والآلاف إلى بقية الدول الأوروبية، بحثت ميركل عن طريقة لوضع الغطاء على “صندوق باندورا”، وكفّت الولايات المتحدة تحت إدارة أوباما عن كونها قوةً لا غنى عنها حسب تعبير ميركل:

“علينا التحدث إلى العديد من الممثلين، ويتضمن ذلك الأسد، وكثيرًا غيره كذلك. ليس فقط إلى الولايات المتحدة، أو روسيا، بل إلى شركاء إقليميين مهمين، مثل إيران والسعودية.”.

علمت الاستخبارات الألمانية، كمثيلتها الأميريكية، بالبناء العسكري في طرطوس وحقل الطيران في اللاذقية. وعلى الرغم من ذلك، لم يكن بمقدور الاستخبارات الأميركية التكهن بنوايا بوتين. ولم يحظَ تحوّل ميركل الملحوظ باهتمام كبير في الأوساط السياسية في واشنطن، خاصة مع تركيز أوباما على إيران وكوبا. ولكن جاءت مباركة ميركل كضوء أخضر نهائي لبوتين. وعلى الرئيس الأميريكي الآن مواجهة مفاجأة كبرى.

الحظ حليف الجريء

في المراحل الأخيرة لحرب “يوم الغفران” 1973، حوصر الجيش المصري الثالث بالقوات الإسرائيلية، وكان على وشك التعرض للإبادة، لولا حدوث هدنة فورية، وحين رُفِض عرض القادة السوفيات بإرسال قوة كبرى في مهمة؛ لإنقاذ مصر، أرسلوا رسالة شديدة اللهجة إلى البيت الأبيض، مهدِّدين بالتدخل وحدهم إن لزم الأمر؛ وبذلك وُضعت القوات الأميركية المسلحة تحت تهديد القتال كما كانت أثناء أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.

ومع ذلك، لم تكن روسيا لتنفذ ماهددت به وحدها، بحسب كلام شاهد العيان، أناتولي دوبرينين، سفير واشنطن:

“على الرغم من الرسالة القوية للقائد السوفياتي بريجينيف، لم تكن لدى الكرملين أي نية للتدخل في الشرق الأوسط؛ فتلك خطوة متهورة على الصعيدين: السياسي والعسكري.”.43

وعلى الرغم من ذلك، لم يكن رجل البيت الأبيض -عام 2015- هو ذاته ريتشارد نيكسون، الخبير في المناورات السياسية، والماكر الحاذق، مع صاحبه هنري كيسنجر، حتى وسط جحيم وترجيت؛ إذ كان خصم بوتين -هذه المرة- هو الموظف السابق، وعضو مجلس الشيوخ الذي أصبح رئيسًا، نصير سياسة “القيادة من الخلف”، رجل وُصفت سياسته بـ “الصبر الاستراتيجي”، كتعبير ملطّف عن الجهل السياسي المطبِق.

رصدت الأقمار الصناعية الأميريكية، خلال معظم عام 2015، حركة بناء سريعة للمعدات الحربية الروسية، في القواعد الجوية والبحرية في سورية، بما في ذلك طائرات سيخوي فلانكر المطوّرة؛ وبذلك أتت إعادة إحياء طرطوس أكلها، كما سكة الحديد في أبخازيا.

وفي الحادي والعشرين من أيلول/ سبتمبر، تباحث بوتين مع خصم طهران السياسي، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في الكرملين، مع نخبة من القادة الإسرائيليين العسكريين، والشخصيات الأمنية الكبيرة، وفي وقت لاحق، أعلن الزعيم الإسرائيلي عن اتفاق البلدين على آليات مشتركة؛ لمنع الحوادث العسكرية الطارئة.44

معركة بوتين ضد الإرهاب قد تكون إحدى أسباب تعاونه وإنشائه علاقات مصالح مشتركة مع إسرائيل

يُعدّ بوتين الرئيس الروسي الوحيد الذي قام بزيارة مدينة القدس مرّتين، وكانت حربه المشددة ضد الإرهاب سببًا دعاه إلى التعاطف مع اليهود، وإنشاء علاقات مصالح مشتركة مع إسرائيل، ولا غرابة في امتناع إسرائيل عن إيصال السلاح إلى جورجيا، بعد الاجتياح الروسي في 2008، أو إلى أوكرانيا بعد ضمّ القرم.

في آب/ أغسطس 2008، قابل بوتين الرئيس بوش، عشية غزوه جورجيا، وبعد سبع سنوات، في 28 أيلول/ سبتمبر 2015، جاء دور أوباما للقاء الرئيس الروسي، هذه المرة في الأمم المتحدة، وعلى الرغم من عدم الإفصاح عن تفاصيل محادثاتهما، لم يكشف بوتين عن توقيت التدخل العسكري القادم، وأفصحت رسالته المسرّبة عن ازدرائه أوباما، والوضعيّة كلها؛ إذ وصلت إلى السفارة الأميركية في بغداد، عبر الملحق العسكري الروسي، وكان مضمونها: “ستطلق موسكو الصواريخ في غضون ساعة، وعلى واشنطن عدم التدخل.”45

 

التحدي الاستراتيجي لبوتين

لم يَعدّ بوتين العدّة لسورية دون التفكير في العواقب؛ فقد كان التدخل ناتجًا عن مجموعة من الأحداث المتراكمة، والتي بدأت عام 1991 بانهيار الامبراطورية السوفياتية، وركّز بوتين على خيارات قليلة فحسب، وبدا هدفه واضحًا: إعادة حضور الروس في البحر الأسود، وعبر المضائق التركية، إلى الساحل الشرقي من المتوسط، والشرق الأوسط، في آزوف الروسية، والمناطق الساحلية للبحر الأسود، وعلى عكس أسلافه السوفيات؛ تجنّب الغزو الواسع، طويل الأمد، لأراضٍ بعيدة عن الماء، مثل: هنغاريا، أو تشيكوسلوفاكيا، أو أفغانستان.

لا شك في أن امتناع أوباما عن استخدام القوة؛ قد فتح شهية بوتين لفعل ذلك تمامًا، وإن بشكل محدود، وعلى وجه التحديد؛ شجّع تمكّنُ روسيا من ردع ضربة أوباما العسكرية ضد الأسد في 2013، من القيام بغزو القرم عام 2014، ومن المرجح أن ذلك دعم خطواته في شرق أوكرانيا، والآن في سورية كذلك.

وبدلًا من السعي لتفكيك حلف الناتو، بحثت روسيا عن حماية أمنها القومي والتجاري ومصالحها الدينية، وبات إضعاف الناتو هدفَ بوتين، بعد خسارته لكييف، وأخيرًا مواجهة العقوبات الغربية المشددة في مجال الطاقة، وتزويد الناتو لكييف بمعونات إغاثية.

 

محاربة الإسلاميين معًا

تبدو الشراكة المحدودة مع روسيا -ضد الإسلاميين- أمرًا ملائمًا، كما كانت في الحرب العالمية الثانية ضد النازيين؛ فلكلٍّ من واشنطن وموسكو دوافع قوية، ومصالح مشتركة في الاستقرار، كلما ازدادت “داعش” انتشارًا في العالم.

.

الشراكة المحدودة مع روسيا ضد الإسلاميين أمر ملائم، كما كانت في الحرب العالمية الثانية ضد النازيين.

ومع ذلك، وفي سبيل الوصول إلى هذا الهدف؛ يجب على الحرب الباردة “البديهية”، التي تمنع روسيا من إنشاء مرافق بحرية في الشرق الأوسط، أن تتوقف. وبدلًا من ذلك، على واشنطن بذل ما في وسعها؛ لإعادة تأكيد حضورها في الشرق الأوسط؛ بإعادة التعاون مع أولئك الحلفاء الذين عزلتهم إدارة أوباما، حيث يصعب التحالف مع روسيا؛ لذلك على الغرب تجنّب الأحلام الوردية، بشأن إنشاء علاقة جديدة مع بوتين، وتسريع تخفيف العقوبات الأوكرانية، في أعقاب الاجتياح الإسلامي للقارة الأوروبية؛ فبوتين مخادع معروف، يعطي بيد ويأخذ بالأخرى، وهو –كذلك- داعم لإيران الطامحة إلى الهيمنة، والداعمة للإرهاب بصورة مؤكَّدة، ويسعى لرفع العقوبات العالمية المقبلة عنها، وعلى الرغم من ذلك يحاول صناع السياسة الأميركيين إظهار الحال -في النهاية- على أن مصلحة موسكو تكمن -على المدى الطويل- في التحالف مع أميركا، بصورة واشنطن اليهودية-المسيحية، أكثر من تحالفها مع نظام إسلامي في طهران، بكل أهدافه الإقليمية، أو أبعد منها، في التوسع والهيمنة.

أصاب بوتين في دعمه للكيان الحكومي العلوي، خاصة في غرب سورية، فالبديل الوحيد المحتمل للسيطرة على البلاد هم الإسلاميون، ولكن يزيد إبقاء الأسد في السلطة من تعقيد الوضع، ومن الواضح أن على الأسد التنحي، لصالح حاكم علوي آخر. ولكن على أي اتفاقية مستقبلية، من ذلك النوع، أن تحظى بموافقة الإدارة الأميريكية، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، والدول العربية الرئيسة.

تهدِّد عولمة الصراع في سورية الشراكةَ الناشئة مع روسيا؛ فيشكّل الدعم “السنّي” للمقاتلين المعارضين أحد التحديات، وتُعد القبائل التركية في الشمال السوري مثالًا واضحًا عن ذلك، بينما يشكل حزب الله، وكيل إيران، والمنخرط بقوة في القتال تحديًا آخر. ومن ناحية أخرى، تزيد المعونات العسكرية، لأطراف مختلفة، من حدّة الصراع، ومن شأنها توريط لاعبين آخرين فيه، ومن أكثر الأمثلة وضوحًا على ذلك: تزويد الروس حزب الله بأسلحة متطورة.46 وعلى الرغم من النية باستخدامها في الدفاع عن نظام الأسد؛ فمن المحتمل استخدامها ضد إسرائيل في وقت لاحق.

أخيرًا، كشفت التوترات بين بوتين والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والتي أُلحقت بإسقاط طائرة روسية، ضلّت طريقها إلى الأراضي التركية، عن حساسية الوضع، كما حذّر المحلل الروسي البارز، أندريه كورتنوف، الكرملين من محاولة أي من السياسيين، رفيعي المستوى، من معاقبة تركيا المحفوفة بالمخاطر:

“لدى أنقرة طرق عديدة للإضرار بموسكو، من تغيير مصادر وارداتها النفطية إلى منطقة الخليج، وحتّى استخدام تأثيرها على مجتمعات عديدة من التتار القرميين، المقيمين في تركيا بأشكال تضرّ بالمصالح الروسية 47

في الوقت الذي تهتم تركيا، حليف أميركا غير الموثوق، باحتواء الأكراد، حلفاء أميركا المخلصين، في كل من العراق وسورية، أكثر من ملاحقة داعش. وباختصار، تذكّرنا الأوضاع السورية بالحرب الأهلية الإسبانية، في ثلاثينيات القرن الماضي، حين مهّدت عولمة الصراع -الذي كان محليًّا- الطريقَ إلى حرب عالمية.

ولأنّ الماضي يمهد الطريق للمستقبل، يبقى السؤال عما إذا كانت خطوة بوتين الجريئة في سورية، ستسهم في تحويل جحيم الشرق الأوسط إلى منطقة أكثر سلامًا، أم لا. ومن العوامل الحاسمة في إيلام روسيا، هو الانخفاض الكبير في أسعار النفط، لكن العامل الثاني يكمن في الكفاءة السياسية للرئيس الأميركي المقبل، نأمل ألّا يحكم من الخلف كسلفه، وأن يحظى بخليط متكامل من الحزم، والإبداع، والصبر، علّه ينجز العمل.

(العنوان الأصلي للنص: Why Putin Wants Syria)

جيري فالينتا: هو رئيس معهد دراسات “ما بعد الشيوعية” والإرهاب، وهو مؤلفالعديد من الكتب، منها كتاب: “التدخل السوفياتي في تشيكوسلوفاكيا، 1968، تحليل قرار” (جامعة جونز هوبكينز، 1991)، وهو عضو في مجلس العلاقات الخارجية.  وعن ليني فريدمان فالينتا: لديها كتابات في العديد من الصحف والمجلات المحلية والعالمية، منها: “ذ ناشيونال إنترست”، “آسبِن ريفيو”، “كييف بوست”، وهي رئيسة تحرير صفحة ” الأزواج الالكترونية” على موقع jvlv.net.

 

 

 

المراجع والإحالات:

 

[1] Simon Sebag Montefiore, “Putin’s Imperial Adventure in Syria,” The New York Times, Oct. 9, 2015.

  • سيمون سيباج مونتفوار، “مغامرة بوتين الإمبراطورية في سورية”، نيويورك تايمز، 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2015.

[2] Ibid.

  • المرجع نفسه.

[3] Henry Kissinger, World Order (New York: Penguin Publishing Group, 2015), p. 52.

  • هنري كيسنجر، النظام العالمي (نيويورك: مجموعة بنغوين للنشر، 2015، ص52.

[4] Walter Issacson and Evan Thomas, The Wise Men (New York: Simon and Schuster, 1997), p. 364.

  • ولتر إساكسون وإيفان توماس، الرجال العقلاء (نيويورك: سيمون وشستر، 1997)، ص364.

[5] For a similar geopolitical interpretation, see Efraim Karsh, The Tail Wags the Dog: International Politics and the Middle East (London and New York: Bloomsbury, 2015), chap. 5.

  • لتأويل جيوسياسي مشابه، أنظر: إفريم كارش، الذيل يهز الكلب: السياسات الدولية والشرق الأوسط (لندن ونيويورك: بلومسبري، 2015) الفصل الخامس.

[6] See, for example, Efraim Karsh, “Moscow and the Yom Kippur War: A Reappraisal,” Soviet‑Jewish Affairs, Feb. 1986, pp. 3‑19.

  • أنظر على سبيل المثال: إفريم كارش، “موسكو وحرب يوم الغفران: إعادة تقييم”، سوفيات- جوويش أفيرز (الشؤون السوفياتية-اليهودية)، شباط/ فبراير 1986، ص3-19.

[7] Spyridon Mitsotakis, “Forty Years Later: Soviet/Arab Secret of Yom Kippur War,” P.J. Media, Oct. 5, 2013.

  • سبيريدون متسوتاكس، “بعد أربع سنوات: سر يوم الغفران السوفياتي/ العربي”، ب.ج. ميديا، تشرين الأول/ أكتوبر 2013.

[8] Ibid.

[9] Ibid.

  • المرجع نفسه.
  • المرجع نفسه.

[10] Michele A. Berdy, “Russia’s ‘Maskirovka’ Keeps Us Guessing,” The Moscow Times, July 31, 2-14; Jiri Valenta, “Soviet Use of Surprise and Deception,” Survival (London), 1982, pp. 50-61.

  • ميشيل بردي، “’الماسكيروفكا’ (الخدعة) الروسية تبقينا في مجال التخمين”، موسكو تايمز، 31 تموز/ يوليو، 2-14؛ جيري فالنتا، “استخدام السوفيات للمفاجأة والخدعة”، سورفيفال (لندن)، 1982، ص50-61.

[11] The Daily Star (Beirut), Jan. 26, 2005.

  • ديلي ستار (بيروت)، 26 كانون الثاني/ يناير 2005.

[12] CNN, Aug. 8, 2008.

  • سي إن إن، 8 آب/ أغسطس، 2008.

[13] Wired (San Francisco), Aug. 15, 2008; Deborah Sanders, Maritime Power in the Black Sea (Burlington, Vt.: Ashgate Publishing Co., 2014), p. 126.

  • ويِرد (سان فرنسيسكو)، 15 آب/ أغسطس 2008؛ ديبورا ساندرز، القوة البحرية في البحر الأسود (برلينغتون، فيرمونت: أشغات للنشر، 2014)، ص126.

[14]Russia lines up with Syria, Iran against America and the West,” Second Light Forums, Sept. 16, 2008.

  • “خطوط روسيا مع سورية، إيران ضد أميركا والغرب”، المنتديات الميسرة الثانية، 16 أيلول/ سبتمبر 2008.

[15] Interview with authors, Sept. 19, 2009, Tbilsi.

  • حوار مع المؤلفين، 19 أيلول/ سبتمبر، تبليسي.

[16] Za Za Gachechiladze, “Russia Will Increase Its Pressure on Ukraine,” The Messenger (Tbilisi), Sept. 18, 2009.

  • ظاظا غاتشيشيلادزه، “روسيا ستزيد الضغط على أوكرانيا”، ذ ماسنجر (تبليسي)، 18 أيلول/ سبتمبر 2009.

[17] “Legalizing Aggression,” Geopolitics, quoted in The Messenger, Sept. 11, 2009.

  • “إضفاء الشرعية على العدوان”، جيوبوليتكس، حُررت في الماسنجر، 11 أيلول/ سبتمبر 2009.

[18] Alexei Sarabeyev, “Russia-Syrian, ‘Present-Future’: Naval Aspect,” Russian International Affairs Council, Moscow, Oct. 31, 2011.

  • ألكسي سارابييف، “حاضر ومستقبل العلاقات الروسية السورية: من المنظور البحري”، مجلس الشؤون الدولية الروسي، موسكو، 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2011.

[19] Authors interview, Sochi, Russia, Aug. 14, 2010.

  • حوار المؤلفين، سوتشي، روسيا، 14 آب/ أغسطس 2010.

[20] Robert Gates, Duty: Memoirs of a Secretary at War (New York: Alfred Knopf, 2014), p. 530.

  • روبرت غيتس، مَهمّة: مذكرات وزير في الحرب (نيويورك: ألفرد كنوبف، 2014)، ص530.

[21] Fox News, Oct. 25, 2012.

  • فوكس نيوز، 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2012.

[22] Gates, Duty, p. 530.

  • غيتس، مَهمّة، ص530.

[23] Ibid.

  • المرجع نفسه.

[24] Novaya Gazeta (Moscow), July 29, 2015; see also, Paul Goble, “FSB Helps Islamists from Russia Go to Syria, Only Worried When They Come Back, ‘Novaya Gazeta’ Says,” Window on Eurasia Blog, July 30, 2015.

  • نوفايا غازييتا (موسكو)، 29 تموز/ يوليو 2015؛ انظر أيضاً: بول غوبل، “جهاز الأمن الاتحادي الروسي يساعد الإسلاميين من روسيا حتى سورية، ولا يقلقه سوى عودتهم”، كما تقول نوفايا غازييتا، ويندو أون أوراسيا بلوغ (نافذة على مدونة أوراسيا)، 30 تموز/ يوليو 2015.

[25] Eurasia Daily Monitor, The Jamestown Foundation, Washington, D.C., Jan. 7, 2016.

  • أوراسيا ديلي مونيتور، مؤسسة جيمس تاون، واشنطن دي سي، كانون الأول/ يناير 2016.

[26] The New York Times, Nov. 20, 2015.

  • نيويورك تايمز، 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015.

[27] Bloomberg News Service (New York), Aug. 21, 2012; The Guardian (London), Feb. 8, 2013; Haaretz (Tel Aviv), May 4, 2013; Los Angeles Times, May 16, 2013.

  • شبكة أخبار بلومبرغ (نيويورك)، 21 آب/ أغسطس 2012؛ الغارديان (لندن)، 8 شباط / فبراير 2013؛ هآرتس (تل أبيب)، 4 أيار/ مايو 2013؛ لوس أنجلوس تايمز، 16 أيار/ مايو 2013.

[28] ABC News, Aug. 22, Sept. 6, 2013.

  • إيه بي سي نيوز، 22 آب/ أغسطس، 6 أيلول/ سبتمبر 2013.

[29] The Washington Free Beacon, Aug. 27, 2013.

  • واشنطن فري بيكون، 27 آب/ أغسطس 2013.

[30] The Guardian, Sept. 12, 2013.

  • الغارديان، 12 أيلول/ سبتمبر 2013.

[31] ABC News, Aug. 27, 2013.

  • إيه بي سي نيوز،27 آب/ أغسطس 2013.

[32] Lithuania Tribune (online), Aug. 29, 2013, accessed Jan. 25, 2016.

  • ليتوانيا تريبيون (إلكترونية)، 29 آب/ أغسطس 2013، شوهد في 25 كانون الثاني/ يناير 2016.

[33] Ukraine Today TV (Kiev), Dec. 20, 2015.

  • تلفزيون أكرانيا اليوم (كييف)، 20 كانون الأول/ ديسمبر 2015.

[34] The Guardian, Mar. 9, 2015.

  • الغارديان، 9 آذار/ مارس 2015.

[35] Pravoslavie (Moscow), Dec. 5, 2014.

  • برافوسلافي (موسكو)، 5 كانون الأول/ ديسمبر 2014.

[36] The Washington Post, July 16, 2014.

  • واشنطن بوست، 16 تموز/ يوليو 2014.

[37] Radio Free Europe/Radio Liberty, Oct. 14, 2015.

  • راديو أوروبا الحرة، 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2015.

[38] The Wall Street Journal, Oct. 25, 2015; Bloomberg News, Sept. 13, 2015.

  • وول ستريت جورنال، 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2015؛ بلومبرغ نيوز، 13 أيلول/ سبتمبر 2015.

[39] Headlines & Global News (New York), Oct. 25, 2014; The Wall Street Journal, Oct. 23, 2015.

  • هيد لاينز أند غلوبل نيوز (نيويورك)، 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2014؛ وول ستريت جورنال، 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2015.

[40] Reuters, Oct. 6, 2015.

  • رويترز، 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2015.

[41] Russia beyond the Headlines (Moscow), Sept. 9, 2015; Freeworld and Friends World, Sept. 16, 2015.

  • رشا بيوند ذ هيدلاينز (موسكو)، 9 أيلول/ سبتمبر 2015؛ فري وورلد أند فريندز وورلد، 16 أيلول/ سبتمبر 2015.

[42] The Washington Post, Sept. 24, 2015.

  • واشنطن بوست، 24 أيلول/ سبتمبر 2015.

[43] Anatoly Dobrynin, In Confidence, Moscow’s Ambassador to America’s Six Cold War Presidents, 1962-1986 (New York: Time Books, 1995), p. 301.

  • أناتولي دوبرينين، بثقة، سفير موسكو لرؤساء أميركا الستة أثناء الحرب الباردة، 1962-1986 (نيويورك: تايم بوكس، 1995)، ص301.

[44] Defense News (Springfield, Va.), Dec. 1, 2015.

  • ديفنس نيوز (سبرنغفيلد بولاية فرجينيا) 1 كانون الأول/ ديسمبر 2015.

[45] The Washington Post, Sept. 30, 2015; The Telegraph (London), Sept. 30, 2015.

  • واشنطن بوست، 30 أيلول/ سبتمبر 2015؛ التلغراف (لندن) 30 أيلول/ سبتمبر 2015.

[46] YNet News (Tel Aviv), Jan. 15, 2016.

  • واي نِت نيوز (تل أبيب) 15 كانون الثاني/ يناير 2016.

[47] Andrey Kortunov, “The Russian-Turkish Crisis: a Deficit of Strategic Depth,” Russian International Affairs Council, Jan. 4, 2016.

  • أندريه كورتونوف، “الأزمة الروسية التركية: عجز في العمق الاستراتيجي”، مجلس الشؤون الدولية الروسي، 4 كانون الثاني/ يناير 2016.