عنوان المادة الأصلي باللغة الإنكليزيةA Peace Plan for Syria IV

A Bottom-Up Approach, Linking Reconstruction Assistance to Local Government Formation

اسم الكاتبJames Dobbins, Philip Gordon, Jeffrey Martini
مصدر المادة الأصليمؤسسة راند
رابط المادةhttps://www.rand.org/pubs/perspectives/PE276.html
تاريخ النشركانون الأول/ ديسمبر 2017
المترجموحدة الترجمة والتعريب/ أنس عيسى

المحتويات

مناطق فصل اشتباك وحماية خارجية

محادثات جنيف للسلام

عرض المساعدة في إعادة الإعمار مقابل إصلاح من الأسفل باتجاه الأعلى

ردات فعل حكومة سورية والمعارضة

تشكيل مجالس تمثيل محلية

التزويد بإعادة إعمار مستند إلى المجتمعات المحلية

عن الكتّاب

 

 

جيمس دوبنز، فيليب غوردون، جيفري مارتيني

تقترب الحرب الأهلية السورية، إن لم يكن من خاتمة، فعلى الأقل من فجوة بالإمكان تحويلها إلى خاتمة؛ فقد فشل جهد ستِّ سنوات في إطاحة الرئيس السوري بشار الأسد، كما أدركت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون وفي الخليج العربي أن الاستمرار في إمداد المعارضة بالدعم العسكري، والذي يعتبر الآن في أدنى مستوياته، لن يكون كفيلًا بتحقيق ذلك الهدف([1]). لكن يعتبر النفوذ الذي ما تزال الولايات المتحدة وحلفاؤها يمتلكونه، بدلًا عن الدعم العسكري، مستمدًا إلى درجة كبيرة من قدرتهم على منح أو كبح مساعدة إعادة الإعمار.

لم تفض محادثات جنيف للسلام، التي تتواسطها الأمم المتحدة، بين الحكومة السورية والمعارضة إلى أي نتيجة؛ يعود ذلك إلى عدم قدرة الأطراف المشاركة فيها إلى لقاء بعضهم بعضًا وجهًا لوجه، فضلًا عن عدم الاتفاق على مبادئ المرحلة الانتقالية التي من المفترض أن تؤدي إلى خروج الأسد.

نناقش، في هذه الورقة، كيف لمقاربة إعادة إعمار مبنيّة على أساس كل مجتمع محلي على حدة أن تعزز من عملية سياسية تنطلق من القاعدة نحو القمة، وأن تساعد في توطيد السلام، وفي تقليل اعتماد النظام على روسيا وإيران وفي خفض احتمال إعادة انبثاق حركات إرهابية كالدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

 

مناطق فصل اشتباك وحماية خارجية

ناقشنا، في ثلاث وجهات نظر نشرت منذ كانون الأول/ ديسمبر 2015، بأن سورية كانت تخطو باتجاه حالة ممكنة من التوازن المرحلي تقوم فيه الحكومة السورية، بمساعدة روسيا وإيران، بتثبيت سيطرتها على معظم البلاد، تاركةً العديد من المناطق المحمية من الخارج على حدودها([2]). وبدلًا عن مقاومة تلك السيرورة بتركيز جهد الولايات المتحدة وحلفائها على إطاحة الحكومة السورية، اقترحنا بأن تلك المناطق قد تصبح الأساس لاتفاق طويل الأمد بإمكانه أن يساعد في خفض التصعيد، وفي نهاية الأمر، في إنهاء الحرب.

كما قلنا بأن “سورية لا مركزية” كانت هدفًا أكثر واقعية من السعي المستمر بجهد عسكري وراء إسقاط النظام، الأمر الذي لم يؤدّ إلا لإطالة أمد صراع قتل وهجر الملايين، وفاقم الطائفية وزعزع استقرار جيران سورية. في الأشهر الأخيرة، تم توطيد العديد من المناطق المذكورة أعلاه، ففي الشمال الشرقي توجد المنطقة المحمية أميركيًا والتي تتحكم فيها (قوات سورية الديمقراطية) (قسد) ذات الصبغة الكردية الغالبة. وتوجد في الشمال، في محيط مدينة جرابلس، المنطقة المحمية تركيًا، إضافة إلى كانتون كردي ثانٍ في الشمال الغربي يدعى عفرين. في الجنوب الغربي، بمحاذاة مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل، منطقة ترعاها كل من إسرائيل والأردن والولايات المتحدة. كما نتج عن محادثات الأستانة الكثير من مناطق خفض التصعيد في داخل البلاد، وبشكل خاص في الغوطة وحمص، لكن تفتقد تلك المناطق لطرف حامٍ خارجي، وغالبًا ما ستقع تحت سيطرة القوات الحكومية، أو ستجبر على المصالحة مع دمشق بشروط الأخيرة.

تعتبر المنطقة المحيطة بإدلب أكثر إشكالية، تلك التي تسيطر عليها جماعة المعارضة المرتبطة بالقاعدة هيئة تحرير الشام (والذي كان يعرف أهم مكوناتها الحالية باسم جبهة النصرة). يعتمد مستقبل ذلك الجيب على توجه تركيا؛ حيث يقترح التوجه الحالي تآكلًا تدريجيًا في سيطرة المعارضة جراء مزيج من ضغط النظام وضغط تركي. ومن جانب آخر، إن سمحت تركيا بإعادة تموين المعارضة عبر معبر باب الهوى، فسيبقى ذلك الجيب منطقة ثائرة نشطة لبعض الوقت.

وأخيرًا، تقع إلى الجنوب من مدينة الرقة المحررة مؤخرًا، جانب نهر الفرات، منطقة تسيطر عليها الدولة الإسلامية (انظر الخريطة). تتنافس قوات قسد المدعومة أميركيًا، وقوات النظام المدعومة روسيًا وإيرانيًا من أجل تطهير تلك المنطقة من (داعش) والحفاظ عليها لاحتوائها على معظم موارد سورية النفطية، وقد تحدث صدامات مستقبلية بين تلك القوى قبل الوصول إلى توازن محلي. يبدو، الآن، أنه من المرجح أن تؤمن قوات الحكومة السورية سيطرتها على معظم المراكز المأهولة الممتدة من جنوبي نهر الفرات إلى الحدود العراقية، بيينما ستحافظ قوات (قسد) المدعومة أميركيًا على بعض حقول النفط الواقعة شمالي النهر([3]).

ستعتمد ديمومة تلك المقاطعات ذات الرعاية الخارجية بشكل أساسي على قرارات ستتخذ في واشنطن وموسكو وأنقرة وعمان والقدس. تريد الحكومة السورية، المدعومة من إيران، إغلاق تلك الجيوب وتأكيد سيطرتها على كامل الأراضي السورية، بينما لن يتنازل الأكراد طواعية عن استقلالهم الذاتي، ولكنهم سيحتاجون، على الأغلب، إلى دعم أميركي مستمر للحفاظ عليه. وسترغب أنقرة في استمرار وضعها عائقًا بين المقاطعات التركية الشرقية والغربية على طول الحدود التركية. أما إسرائيل، فهي مصممة على منع اقتراب أي قوات إيرانية أو قوات موالية لها من حدودها.

من غير المؤكد كم من الوقت ستحافظ الولايات المتحدة على تدخلها العسكري في سورية حالما يتم طرد (داعش) من حصونها المتبقية هناك. لقد نجحت الولايات المتحدة في زرع شريك محلي، وهو (قوات سورية الديمقراطية) -والتي تشكل ميليشيا وحدات الحماية الشعبية (واي. بي. جي) قيادتها وأكثر قواتها القتالية كفاءة- وعلى الرغم من إيديولوجيتها الماركسية وصلاتها القريبة مع الحركة الإرهابية المعادية لتركيا: حزب العمال الكردستاني (بي. كي. كي)، كانت وحدات الحماية الشعبية محورية في الحملة المعادية للدولة الإسلامية، وقد يرغب قادة الولايات المتحدة في إظهار بعض الدعم المتبقي للمجموعة على الرغم مما سيكلفه ذلك الدعم من ثمن على علاقات واشنطن الثنائية مع أنقرة.

 

خريطة: حدود مناطق خفض التصعيد في سورية ومناطق سيطرة الفرقاء، 2017.

المصدر: تظهر في هذه الخريطة حدود مناطق خفض التصعيد وفقًا لتقرير وكالة أناضول: “سورية، اتفاق مناطق خفض التصعيد يدخل حيز التنفيذ” بتاريخ 5 أيار/ مايو 2017، رابط:

http://aa.com.tr/en/info/infographic/5892

أما مناطق سيطرة الفرقاء فهي مستمدة من موقع Livuamap، “خريطة الحرب الأهلية السورية، صراع عالمي في سورية”، تاريخ 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، الرابط:

http://syria.liveuamap.com/

 

قد يكون لوجود عسكري أميركي في شرق سورية خلال مرحلة ما بعد الدولة الإسلامية منفعة في مواجهة النفوذ الإيراني وفي تقديم الدعم في المفاوضات حول مستقبل سورية على المدى الطويل. سيحث حلفاء واشنطن، في الخليج العربي وإسرائيل، الولايات المتحدة على البقاء في ذلك الجزء من سورية لمنع امتداد النفوذ الإيراني هناك، ولكن الأساس السياسي القانوني والمحلي لدور عسكري أميركي طويل الأمد في سورية سيصبح إشكاليًا حال هزيمة الدولة الإسلامية، كما أدى الاستفتاء الذي جرى مؤخرًا في كردستان العراق وما نجم عنه من توترات بين البشمركة وقوات الحكومة العراقية إلى زيادة تعقيد الصورة؛ حيث تحتاج الولايات المتحدة، كي تصل إلى شرق سورية، إلى موافقة تركية أو عراقية (أو كليهما)، ولن تكون أي منهما مضمونة بعدما لم يتبق إلا القليل من حصون الدولة الإسلامية.

 

محادثات جنيف للسلام

تستكمل الأمم المتحدة جهدها عبر محادثات جنيف لإيصال نظام دمشق والمعارضة السورية مع بعض إلى طريق لإنهاء الصراع وإعادة تشكيل الدولة السورية. لا تحضر تلك المحادثات جميع الجماعات الكردية الرئيسية ولا المتطرفون (هيئة تحرير الشام)، الذين يتحكمون في أكبر جزء من البلاد ما زال خاضعًا لسيطرة المعارضة حول إدلب. في هذه الأثناء، تواجه المعارضة الرسمية الممثلة بالهيئة العليا للمفاوضات ضغوطًا لقبول انضمام أطياف أقل حدة (ما يُدعى بمنصتي القاهرة وموسكو) في صفوفها([4])، وبذلك تقل نسبة ما يمثله مفاوضو المعارضة في جنيف عن الداخل السوري. كما أن لمطلبهم بوجوب رحيل الأسد كجزء من أي تسوية أمل قليل في التحقق من جهة، ويمنع، من جهة أخرى، أي مخرج واقعي للصراع القائم على الدعم الذي يتلقاه كل طرف من أطرافه.

نظرًا إلى نجاح النظام السوري وحلفائه في أرض المعركة، فقد غدا مصدر التأثير الرئيسي للغرب ودول الخليج العربي على تلك المحادثات، وبالتالي على مستقبل سورية، يتمثل في القدرة على التزويد بأموال إعادة الإعمار اللازمة أو كبحها، الأمر الذي لن يكون باستطاعة روسيا ولا إيران تقديمه. ستكون الحكومة السورية حذرة في قبولها لمساعدة كتلك، ولكنها أيضًا تعرف بأنها لا تمتلك الطاقات البشرية اللازمة للسيطرة على تلك المناطق في حال استمرار المقاومة فيها. ولذلك؛ قد يرى النظام منفعة في إنهاءٍ للطور العسكري من الصراع، وبشكل خاص إن استلزم ذلك تقديمه لتنازلات أكثر تواضعًا من تلك التي تم تصورها في محادثات السلام السابقة، وإن ارتبط قبول ذلك بمساعدة إعادة الإعمار التي ستحمل وعد المحافظة على السلام. كما سترحب روسيا بطريقة لإنهاء الحرب والبدء بإعادة الإعمار.

بشكل طبيعي، يوجد هنالك تردد كبير في واشنطن، وفي العواصم الأوروبية والخليجية، للمساعدة في إعادة إعمار بلد يديره الأسد ويدعمه روسيا وإيران، ولكن للولايات المتحدة، ولحلفائها الأوروبيين، كما لتركيا والأردن ولبنان، مصلحة كبيرة في إنهاء الحرب الأهلية السورية والسماح لملايين اللاجئين بالعودة إلى ديارهم. لقد كان لتدفق اللاجئين أثر خطير تجلى في اتجاه السياسات الإقليمية والأوروبية، وحتى الأميركية، نحو التطرف، كما منحت الحرب الأهلية السورية حياة جديدة للقاعدة، وأدت إلى ولادة الدولة الإسلامية في العراق والشام. ستؤدي أي إعادة تجديد للصراع إلى النتائج السابقة ذاتها. لقد كان لروسيا وإيران نفوذ في سورية قبل الحرب، وسيستمر ذلك بعدها، ولكن كلما اقتربت نهاية الصراع، كلما اقترب استنتاج الأسد بأن دعميهما أقل ضرورة([5]).

 

عرض المساعدة في إعادة الإعمار مقابل إصلاح من الأسفل باتجاه الأعلى

وفقًا لقرار مجلس أمن الأمم المتحدة رقم 2254، ركزت محادثات جنيف للسلام على جهد تأسيس حكومة انتقالية، وابتكار دستور جديد وعقد انتخابات وطنية. لكن لم يحقق ذلك الجهد -لإصلاح يتجه من الرأس إلى القاعدة- أي تقدم، لينهار –كما هو الحال منذ سنوات- أمام مطلب المعارضة بألا يترأس الأسد الحكومة الانتقالية، ولا أن يكون منافسًا في أي انتخابات لاحقة.

هنالك بديل -من غير المرجح أن يلقى استحسانًا سواء من ممثلي دمشق، أو من ممثلي المعارضة الخارجية- ويتمثل في مقاربة لانتقال يتجه من الأسفل إلى الأعلى، ويستند إلى انتخابات لمجالس محلية تمت الدعوة إليها في الدستور السوري ولكنها لم تُنجز أبدًا. قد تتوافر الإمكانية للولايات المتحدة وحلفائها للترويج لمقاربة كتلك (تتجه من القاعدة إلى الرأس) للإصلاح عن طريق عرضها التزويد بمساعدة إعادة الإعمار لأي مجتمع محلي يعقد انتخابات محلية بمراقبة دولية، طالما بقي المجلس المحلي الناجم عن تلك الانتخابات شريكًا فعالًا في تسليم ذلك العون.

سيدعم إشراط ثبات تقديم العون بتشكيل مجالس تمثيل محلية شاملة نتيجتين مفيدتين للولايات المتحدة وحلفائها، أولاهما وأكثرهما أهمية يتمثل في تسهيل ذلك لتشكيل أجساد تتمتع بشرعية محلية، وقدرة على تحديد الأولويات ومراقبة الاستقرار في مناطقها. كما سيمنح امتلاك شريك محلي في نشاط تثبيت الاستقرار الوعد بتحسن مستمر في الوضع الأمني، ما سيؤثر إيجابًا على الاستقرار الإقليمي وعلى التخفيف من التهديدات على الدول الأوروبية والولايات المتحدة. أما المنفعة الثانية، فستتجسد في خلق أساس لحكم لامركزي يمنح أفضل أمل في إصلاح سياسي في ضوء تضاؤل إمكانيات تحقيق الانتقال من رأس الهرم إلى قاعدته وفقًا للقرار رقم 2254.

 

ردات فعل حكومة سورية والمعارضة

لن تلق مبادرة تتجه من الأسفل نحو الأعلى مباركة فورية من دمشق التي كانت قد أوضحت رغبتها في استعادة السيطرة على “كل إنش” من الأرض السورية. ولكن اللامركزية المتوخاة تمثل تفويضًا لسلطة محدودة من دون أن تتحدى تشكيل حكومة مركزية. لذلك، في الوقت الذي سيتوجب فيه على دمشق قبول حدود على سلطتها، ستكون تلك الحدود محصورة في مناطق لا تُنقِص من “ملفات الدولة السيادية” (كالعلاقات الخارجية والدفاع على سبيل المثال)، كما سيتم تعويض الحدود المفروضة تلك عن طريق المكسب الذي ستحققه دمشق في استعادة سيادتها عبر خلق شروط إنقاص اعتمادها على روسيا وإيران لبقائها في قيد الحياة.

حتى لو قاوم الأسد اللامركزية، فما تزال أجزاء من البلاد خارجة على سيطرة النظام حتى الآن، من بينها منطقة درعا في الجنوب، والمنطقتان الخاضعتان للسيطرة الكردية في الشمال الشرقي والشمال الغربي، وبينهما المنطقة التي تسيطر عليها تركيا. تمثل المناطق السابقة كلها المواقع التي من الممكن لعملية إعادة الأعمار المستندة إلى المجتمعات المحلية البدء فيها، والتي من الممكن أن تتفاوت بين منطقة وأخرى استنادًا إلى الظروف الكامنة لكل منها (كالأمان النسبي على سبيل المثال). تمتلك معظم تلك المناطق مسبقًا مجالس إدارة محلية، يتلقى العديد منها دعمًا غربيًا بسيطًا.

في الوقت الذي سيكون فيه المعيار العام هو انتخابات محلية ذات صدقية تؤدي إلى التزويد بمساعدة إعادة الإعمار، لكن قد يتوجب، في الممارسة، إجراء العديد من التعديلات. فمثلًا، قامت بعض مجالس الإدارة المحلية مسبقًا بالعديد من الانتخابات وينظر إليها على أنها شرعية من قِبل السكان الذين تخدمهم، لذلك، من الواجب إظهار بعض المرونة تجاه المجالس التي حققت مسبقًا غاية هذا المقترح. أمر آخر يجب أن يؤخذ في الحسبان، وهو عدم قدرة المجالس كافة على مراقبة نشاط تحقيق الاستقرار في مناطقها. لن تكون المجالس المقيدة بفاعلين عسكريين من خارج عملية التفاوض، كتلك الخاضعة لنفوذ هيئة تحرير الشام في إدلب، مؤهلة لتلقي المساعدة، كما لن تمتلك مجالس أخرى، حتى لو كانت منتخبة ديمقراطيًا وتمتلك نية حسنة، القدرة على استيعاب مساعدة ضخمة؛ ولذلك، تحتاج المساعدة في بدايتها أن تركز على بناء قدرة المجالس.

من ناحية أخرى، من المرجح أن يلقى ربط المساعدة بالمجالس التمثيلية المحلية بعض المعارضة الأولية التي لن تقتصر على النظام فحسب، وإنما أيضًا على المعارضة الخارجية وعلى القيادة الكردية السورية؛ حيث سترى معارضة المهجر إنزياح دورها القيادي بشكل بطيء تجاه شخصيات موجودة في الداخل، وقد يعارض الأكراد ذلك كون الفاعل الرئيس في ذلك النطاق، أي (حزب الاتحاد الديمقراطي) المشكل لجزء من وحدات الحماية الشعبية، يعتنق الإيديولوجية الماركسية التي تعتبر تعددية الأحزاب ومشاركة المجتمع المدني والمعارضة كأمر ملعون([6]). على الرغم من ذلك، لا تمتلك قيادة المعارضة الممثلة بالهيئة العليا للمفاوضات الدعم الكافي لإيقاف مبادرة كتلك؛ حيث فقدت تلك الهيئة مسبقًا نفوذها على قادة محليين في مناطق سورية المحررة، لذلك فإن قيام الهيئة العليا للمفاوضات بمقاومة مبادرة اللامركزية سيؤدي إلى مخاطرتها بتقليص أكبر لدورها في عملية السلام.

تمتلك الولايات المتحدة نفوذًا بارزًا على الأكراد السوريين، وقد استفاد الأكراد بشكل كبير من برنامج الولايات المتحدة للتدريب والتجهيز، ومن ردع الولايات المتحدة لعملية تركية أوسع ضدهم. وبما أن الأكراد السوريين قد استنفذوا تقريبًا حدود نجاحهم العسكري، فإن فائدتهم للتحالف الذي تقوده أميركا ضد (الدولة الإسلامية) في تراجع. ما تزال للولايات المتحدة بقايا نيات طيبة تجاه تلك المجموعة، وسيشكل الضغط على القيادة الكردية كي تقبل لامركزية مستندة إلى مجالس تمثيلية شاملة استخدامًا مفيدًا لنفوذ الولايات المتحدة.

 

تشكيل مجالس تمثيل محلية

هنالك مقاربتان أساسيتان من الممكن للولايات المتحدة وشركائها الدوليين اتخاذهما عند فرض شروط على عملية منح مساعدة إعادة الاستقرار للمناطق المحلية. تتجلى أولاهما في صوغ مبادئ عريضة يجب على المجالس المحلية احترامها كي تصبح مؤهلة للحصول على المساعدات. قد تتضمن تلك المبادئ، على سبيل المثال، الشمولية المتجسدة في تمثيل الأقليات العرقية والدينية والنساء في صفوفها، كما قد تتضمن التعهد بسيطرة المدنيين على قوات الأمن المحلية. من الممكن لآلية الحكم على مطاوعة تلك المبادئ أن تكون متضمنة في مهمات منظمة متعددة الأطراف، كصندوق الائتمان لإعادة إعمار سورية. إن تم تبني مقاربة المبادئ العريضة، سيكون هناك شيئ من الذاتية في التصديق على الامتثال للمبادئ؛ حيث لن يقوم مؤلفو ورقة المبادئ بالتوصية بتحديد حصة (كوتا) من المقاعد لكل طائفة أو عرق، أو تحديد عتبة إلزامية للتمثيل الأنثوي. بدلًا عن ذلك، سيتم الحكم على الامتثال عبر لجنة تقوم بتبادل الزيارات مع المجالس المحلية بهدف قياس مدى التزامها تلك المبادئ. من الممكن لأجسام سورية، كوزارة الإدارة المحلية والإغاثة واللاجئين في الحكومة السورية المؤقتة، إضافة إلى مجالس الإدارة المحلية، أن تكون متضمنة في عملية المصادقة على الامتثال أيضًا.

أما المقاربة البديلة فستكون بإشراط مساعدة إعادة الاستقرار بإجراء انتخابات محلية تحت مراقبة دولية، وسيكون لذلك أفضلية نزع بعض من “الذاتية” من عملية المصادقة على الامتثال للمبادئ، وفي الوقت نفسه أفضلية غرس الالتزام بالعملية الديمقراطية. ستزيد مقاربة كتلك من الشرعية التي تتمتع بها المجالس، وقد تخلق أثرًا في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام يطالب فيها السكان بامتلاك دور مماثل. في بعض الحالات، قد ينجم عن الانتخابات نتائج ذات أغلبية قد لا تكون شاملة على نحو كاف.

 

التزويد بإعادة إعمار مستند إلى المجتمعات المحلية

أيًا كان المعيار الذي سيتم توظيفه لاختيار المجلس من بين المعيارين السابقين، ستكون الخطوة التالية بالنسبة إلى المجالس المحلية هي البدء بتقييم الحاجات، أو البناء على تقييمات موجودة سلفًا ستصبح أساس عملية توزيع تمويل إعادة الاستقرار الفعالة والدقيقة. ستزيد تلك العملية من السيطرة المحلية على عملية إعادة الاستقرار، وستعزز من محاسبة المجالس المحلية عن نتائج تلك العملية، كما ستحفز على استخدام منتج للموارد. في زمن تسود فيه القيود المالية، وتنفر فيه إدارة ترامب من بناء الأمم، ستكون تلك العملية أكثر قبولًا لدى أولئك الحذرين من تكرار برامج المساعدة اللانهائية ومركزية التحكم في العراق وأفغانستان.

تقوم إدارة ترامب بالتزويد بمساعدة إنسانية ومساعدة إعادة استقرار محدودة للغاية في مناطق سورية الخارجة على سيطرة النظام، كما صرحت بنيّتها عدم الإسهام في مساعدة إعادة الإعمار بأي شكل من الأشكال، مبررة ذلك بقولها أن تلك هي مسؤولية المانحين الذين لم يساهموا بشكل ثقيل في الحملة العسكرية المضادة لداعش([7]). لا يعتمد مقترحنا على تقديم الولايات المتحدة العون إلى أو عبر الحكومة السورية، ولكنه يعتمد على قيام الولايات المتحدة يتوظيف نفوذها في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وغيرها من الجهات المانحة الثنائية للسماح بوصول مساعدة إعادة الإعمار لكل من المناطق الخاضعة للنظام، ولغير النظام حيث من الممكن تعريف وجود ممثلين محليين كشركاء. سيتطلب ذلك بعض التعامل مع الحكومة السورية، ولكن ليس بصيغة تزويد وزاراتها بموارد المساعدة بشكل مباشر.

إضافة إلى تقديم أموال إعادة الإعمار، سيكون من المهم، كما تمت الإشارة سابقًا، أن يتم تكريس موارد المساعدة لتطوير الإمكانية المؤسساتية للمجالس المحلية. يستند الإطار القانوني لعمل المجالس المحلية في سورية حاليًا إلى القانون 107 الذي أصدرته حكومة الأسد في أواخر العام 2011. ويبقى ذلك القانون نقطة مرجعية حتى في الأماكن التي تسيطر عليها المعارضة، على الرغم من تعديله من قبل المحليات لدى تصميم لوائحها الداخلية. تقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها حاليًا بمنح مساعدات إنسانية وإعادة استقرار محدودة عبر المجالس المحلية في المناطق غير الخاضعة لسيطرة النظام. سيساعد توسيع هذا العرض ليشمل على مساعدات إعادة الإعمار -وليشمل مناطق خاضعة للنظام يتم فيها تشكيل مجالس كتلك ومنحها السلطة- على تطوير جيل جديد من القيادة على مستوى شعبي عبر كل أنحاء البلاد، وسيسهل من عملية انتقالية تتجة من الأسفل باتجاه الأعلى، نحو إصلاح مستقبلي على المستوى الوطني. إن منح مساعدة إعادة الإعمار على أساس كل مجتمع محلي على حدة سيسمح، على الأقل، بتدفق بعض المساعدة لبعض المناطق الخارجة على سيطرة النظام، وبالتالي ستعزز من الحكومة التمثيلية في بعض المجتمعات المحلية. حتى لو منعت دمشق المناطق الخاضعة لسيطرنها من المشاركة، فلن يؤدي تقديم العرض إلى أي خسارة؛ فإن سمح النظام للمجالس المحلية بالتشكل والعمل مع المجتمعات المانحة، ستبدأ بالتالي عملية الإصلاح من القاعدة باتجاه القمة.

إن تقديم العون بتلك الطريقة هو بوضوح أشد تعقيدًا بكثير من العمل مع وعبر الحكومة المركزية، ولكن هنالك القليل من الفرص لحدوث ذلك في ظل بقاء الأسد في السلطة، وهناك احتمال ضئيل بمغادرته لها قريبًا. تمنح المقاربة المتجهة من الأسفل إلى الأعلى، بالتالي، أملًا أفضل بقيام بعض المناطق، على الأقل، بزيادة نشاطها الاقتصادي وتطورها السياسي، وسيعود بعض اللاجئين، إضافة إلى إمكانية تحقيق بعض التقدم باتجاه إصلاح الدولة السورية.

 

عن الكتّاب

جيمس دوبنز، يشغل منصب الرئيس الفخري لوحدة الأمن والدبلوماسية في مؤسسة راند، وهو مساعد سابق لوزير الخارجية الأميركي، وسفير للمجتمع الأوروبي، ومؤلف كتاب: “خمسة عقود على الخطوط الأمامية لدبلوماسية الولايات المتحدة.”

فيليب غوردون، زميل قديم في مجلس العلاقات الخارجية، شغل مؤخرًا منصب منسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، ومنطقة الخليج (من 2013 إلى 2015)، ومساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية والأوراسية (من 2009 إلى 2013).

جيفري مارتيني، محلِّل في شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة راند متخصص في القضايا السياسية والأمنية. كتب مارتيني عن العلاقات المدنية-العسكرية في مصر، الانقسامات الجيلية داخل حركة الإخوان المسلمين، وأمن الخليج العربي والانتقال السياسي لدول “الربيع العربي”. عمل مارتيني في وزارة الخارجية الأميركية، حيث كان مديرًا لشؤون شمال أفريقيا في مكتب النزاع وعمليات إعادة الاستقرار.

 

([1]) وفقًا لتقارير صحفية، صادرة في تموز/ يوليو 2017، أنهت إدارة دونالد ترامب مهمة سرية لتسليح مجموعات تم التحري عنها من المعارضة السورية. انظر مارك مازيتي وآدم غولدمان ومايكل س. شميت، “خلف الموت المفاجئ لحرب قيمتها مليار دولار لوكالة الاستخبارات المركزية (سي. آي. إي) في سورية”، النيويورك تايمز، 2 آب/ أغسطس 2017.

([2]) جيمس دوبنز وفيليب غوردون وجيفري مارتيني، خطة سلام في سورية، سانتا مونيكا وكاليف: مؤسسة راند، PE-128-RC، 2015؛ وفيليب غوردون وجيفري مارتيني، خطة سلام في سورية II: خيارات لحكم المستقبل، سانتا مونيكا وكاليف: مؤسسة راند، PE-202-RC، 2016؛ وجيمس دوبنز وفيليب غوردون وجيفري مارتيني، خطة سلام في سورية III: مناطق السيطرة المتفق عليها، اللامركزية والإدارة الدولية. سانتا مونيكا وكاليف: موسسة راند، PE-233-Rc، 2017.   

([3]) في وقت كتابة هذه السطور، كانت البوكمال المركز السكاني البارز الوحيد على نهر الفرات الذي ما زال خاضعًا لسيطرة (داعش)، كان النظام قد سيطر مسبقًا على دير الزور والميادين، المدينتين الكبيرتين جنوبي الرقة. إلى الشرق من الفرات، سيطرت قسد على العديد من حقول النفط، بما فيها حقل العمر الأكبر في المنطقة. أنظر فابريس بالانش: “سباق محافظة دير الزور”، واشنطن دي سي: مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، 2846، 17 آب/ أغسطس 2017.

([4]) كارولين أكوم، “المعارضة السورية ستفاوض بوفد واحد ولكن برؤى مختلفة”، الشرق الأوسط، 18 آب/ أغسطس 2017.

([5]) من الواجب تذكر كيفية اشتباك نظام هانوي، بعد فترة قصيرة من نهاية الحرب في فيتنام، بالاختلاف مع حليفه الصيني، ما قاد بالفعل إلى حرب تبادل لإطلاق النار قصيرة الأمد بين البلدين بعدها بأربع سنوات، في 1979.

([6]) مات برادلي وجو باركنسون، “حلفاء أميركا الماركسيون ضد (داعش)”، وول ستريت جورنال، 24 تموز/ يوليو 2015.

([7]) انظر، على سبيل المثال، خطاب وزير الخارجية ريكس تيليرسون في 22 آذار/ مارس 2017 للتحالف العالمي المضاد لداعش، والذي ذكر فيه: “إننا، كتحالف، لسنا بصدد الانخراط في بناء أو إعادة بناء أي بلد. إذ يجب أن نضمن تخصيص الموارد الثمينة والمحدودة الخاصة ببلادنا من أجل منع عودة (داعش) وتجهيز المجتمعات التي مزقتها الحروب بما يؤهلها لأخذ زمام المبادرة في إعادة بناء مؤسساتها والعودة إلى الاستقرار…. فحتى الآن، في العراق وسوريا، توفر الولايات المتحدة 75 في المئة من الموارد العسكرية التي تدعم شركاءنا المحليين في معركتهم ضد تنظيم (داعش). وبالنسبة للدعم الإنساني والدعم الرامي لتحقيق الاستقرار، تنعكس هذه النسبة، إذ تقدم الولايات المتحدة 25 في المئة وباقي دول التحالف تقدم 75 في المئة. ستقوم الولايات المتحدة بدورها، ولكن الظروف على أرض الواقع تتطلب المزيد من كل واحد منكم.” انظر ريكس دبليو تيليرسون، “ملاحظات في الاجتماع الوزاري للتحالف الدولي الهادف لهزيمة (داعش)”، واشنطن دي سي، 22 آذار/ مارس 2017.