* تم إنتاج هذه المادة ونشرها بالتعاون مع حملة #لنحقق_العدالة”

كأيّ تنظيم مسلّح يمتلك فائضًا من القوة العسكرية، لجأ تنظيم الدولة (داعش) إلى الخطف والإعدامات في الساحات العامة، من أجل ترويع السكان المدنيين وزرع الخوف في نفوس عناصر الفصائل المسلحة الأخرى؛ فبعد أن تمكن من فرض سيطرته على الرقة خلال عامي 2013/ 2014، كانت الرسائل من وراء عمليات الخطف واضحة:

الرسالة الأولى: أن تنظيم الدولة (داعش) لا يريد أي شريك له في الحكم، وكلّ من لا يقدّم الولاء والبيعة هو عدو، وعليه أن ينتظر الأسوأ. المعنيون بهذه الرسالة هم كل الناشطين المدنيين من أهالي الرقة الذين ما زال لديهم اعتقادٌ بأن العمل السياسي في المناطق المحررة يجب أن يكون مدنيًا، ويخصّ أهل الرقة وحدهم، وهكذا اعتُقل كلّ من يعمل في مجال النشاط السياسي. وعلى الرغم من أن التنظيم كان يقدّم نفسه على أنه معارض للنظام السوري، فإن معارضي النظام السوري من أهالي الرقة كانت لهم الحصة الأكبر من الاعتقال والخطف.  

الرسالة الثانية: أن كلّ نشاط إعلامي وإغاثي يجب أن يكون عن طريق تنظيم الدولة وحده. ولذلك فقد اعتقل التنظيم خلال عامي 2013/ 2014 كلَّ من كان يعمل في مجالي الإعلام والإغاثة، وأغلق كلّ مكاتبهم في المدينة.

الرسالة الثالثة: أن على كل عناصر الفصائل الأخرى مبايعة تنظيم الدولة، أو اعتزال القتال، حتى إن تصفية كتائب الجيش الحرّ ولواء ثوار الرقة، إضافة إلى فصائل “أحفاد الرسول” وحركة “أحرار الشام” الإسلامية، كانت على يد التنظيم الذي حقق انتصارًا عسكريًا عليهم عام 2014، وقتل منهم المئات.

 فئات المفقودين:

تنوعت فئات المخطوفين الذين اختطفهم تنظيم (داعش)، بحسب كل منطقة والهدف من وراء الخطف. البدايات كانت مع الناشطين المدنيين في عام 2013، عندما بدأ التنظيم يزيد من المساحات التي يسيطر عليها في مناطق الرقة، وقد استهدف في هذه المرحلة الناشطين الإعلاميين والعاملين في مجال الإغاثة، إضافة إلى الناشطين الذين حاولوا تأسيس مجالس حكم مدنية مؤقتة، في المناطق التي تحررت من سيطرة النظام الأسدي. حتى إن العمل في مجال الإعلام أو الإغاثة أو المجالس المحلية تحوّل إلى أحد المحرمات التي تؤدي بكل من يقرب منها إلى المجهول. بعد ذلك، تحولت سياسة الخطف إلى سياسة عامة ينتهجها التنظيم. “جبهة النصرة” التي اندمجت في عام 2013 مع تنظيم الدولة بالقوة أيضًا، انتهجت سياسة الخطف، واعتقلت أول مجلس محلي في الرقة. وما يزال مصير بعض أعضاء ذلك المجلس مجهولًا حتى اليوم. أما معتقلو “جبهة النصرة”، فقد تحولوا إلى سجون تنظيم الدولة، بعد استيلائهم على ممتلكات ومقار وعناصر جبهة النصرة.

كانت وحشية تعامل تنظيم الدولة مع الناشطين في مجالي الإعلام والإغاثة لا تقلّ عن وحشية نظام الأسد نفسه. فهم من وجهة نظر التنظيم فئات تعدّ نفسها شريكة في إعادة بناء الوضع العام في الرقة، في حين أن التنظيم لا يريد شركاء ولا مختلفين عنه في الأيديولوجية، إنما يريد تابعين وموالين، ولذلك كانت الحملة الواسعة لاعتقال هؤلاء، واختفاء أي أثر لهم حتى اليوم.

 المرحلة الثانية من الخطف كانت بعد منتصف عام 2013، مع محاولة التنظيم الاستفراد بالسيطرة على الرقة بالكامل، ودخوله في مرحلة صراع عسكري مع باقي الفصائل الأخرى، ولا سيّما “لواء ثوار الرقة” وفصيل “أحفاد الرسول” وحركة “أحرار الشام” الإسلامية و”جبهة النصرة” (في حينها)، إضافة إلى عدد من فصائل الجيش الحر. في هذه المرحلة، ركّز تنظيم الدولة على خطف عناصر وقيادات الفصائل الأخرى، وكان من أشهر من اعتقلهم زعيمُ جبهة النصرة في الرقة، وبعض قادة كتائب الجيش الحر في الرقة، الذين لم يكشف التنظيم عن مصيرهم حتى الآن.

المقابر الجماعية:

في أواخر عام 2017، تمكنت قوات (قسد)، بالتعاون مع قوات التحالف الدولي، من هزيمة تنظيم (داعش) وطرده من الرقة. غير أن الوضع كان مأساويًا، إذ قام تنظيم الدولة بتلغيم عدد كبير من الأماكن التي انسحب منها، أما قوات التحالف فدمّرت قسمًا كبيرًا من المدينة، وقصفت حتى المناطق التي يسكنها مدنيون من دون تمييز، وبشكل شبه عشوائي، حيث كان القناصة التابعون لـ (قسد) منتشرين في كل مكان. أما التقارير فتشير إلى أن أكثر من 80% من مدينة الرقة تم تدميره.

في أثناء حصار الرقة، وجد الناس أنفسهم بين نارَين: تنظيم (داعش) الذي كان يخوض المعارك في الشوارع العامة وسط المدنيين ويزرع الألغام في كل مكان؛ وقناصة (قسد) الذين كانوا يقنصون كل شيء يتحرك على الأرض، إضافة إلى النار الثالثة: طيران التحالف الذي كان يقصف من دون هوادة. هذا الوضع المعقد دفع عددًا كبيرًا من الأهالي إلى دفن موتاهم في أماكن قريبة منهم، خوفًا من الأعمال القتالية والقناصة. وهكذا أخذ الناس يدفنون قتلاهم وموتاهم في أماكن مثل “حديقة الرشيد” وساحة “البانوراما” وغيرها، وذلك لصعوبة الوصول إلى المقابر العامة في المدينة.

مشكلة المفقودين تداخلت مع هذا الوضع المعقد، عندما بدأ تنظيم الدولة بدفن معتقليه الذين قضوا نتيجة القصف في تلك المقابر الجماعية. وعدد من الذين دفنهم تنظيم الدولة كانوا من عناصره الذين قُتلوا في القصف الجوي. وكانت عمليات الدفن تتم من دون توثيق وتنظيم. الأهالي بدؤوا بالدفن، ولم يكونوا يظنون أن تصل الأعداد إلى المئات. كانوا يتوقعون أنهم سيتمكنون من نقل جثامين موتاهم إلى مدافن عامة، بعد تراجع الأعمال القتالية، ولكن الأمر كان أصعب بكثير.  

لماذا لا يريد حزب PYD المساعدة في معالجة قضية مفقودي الرقة على يد (داعش)، على الرغم من أنه خاض حربًا شرسة ضد تنظيم الدولة، وأن مفقودي الرقة يفترض أنهم كانوا يقفون في صف واحد مع كل من يعارض (داعش)، وأنهم دفعوا ثمنًا لا يقلّ عن الثمن الذي دفعه المحاربون الآخرون لتنظيم الدولة؟

النتيجة أن هناك عددًا من المقابر الجماعية لا تستطيع الفرق الفنية أن تتعرف إلى أصحابها. وقد اكتُشف عدد من المقابر الجماعية في ريف الرقة، وهي على الأغلب لمعتقلين لدى تنظيم الدولة، ولا سيما الأسرى الذي اعتقلهم التنظيم بعد سيطرته على مطار الطبقة والفرقة 17 التي تقع شمال مدينة الرقة. وتشير ألبسة بعض المدفونين إلى أن التنظيم كان ينفذ إعدامات تشمل عناصره أيضًا.

وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن عدد الذين غيّبهم تنظيم (داعش) في سورية أكثر من 8648، بينهم نساء وأطفال. أما عدد المختفيين قسريًا في الرقة وحدها، بحسب تقرير للشبكة صدر في آذار/ مارس 2019، فقد بلغ 4247 مختفيًا.

 الأهالي في سياسية تنظيم الدولة الشرعية:  

تبنّى تنظيم الدولة، منذ بدايات توسع نفوذه في مناطق مختلفة من سورية، نظرة إلى الأهالي على أنهم “مارقون” ومنافقون” و”عصاة”، ولا يعرفون “شرع الله” بشكل صحيح، وأن على التنظيم وشرعييّه إعادتهم إلى جادة الصواب. حتى إن بعض فتاوى شرعيي التنظيم تستلهم فتاوى لابن تيمية، تجعل الجهاد ضد العصاة وتاركي “شرائع الإسلام” أولى من الجهاد ضد “الكفار”، حتى لو كان الترك حول قضية ثانوية تتعلق باللباس أو طريقة قصّ الشعر. وهذا يعني، في النهاية، أن التنظيم كان يعتقد أن الأهالي المدنيين هم أخطر من “الكفار”، لأن كفر الكفار واضح، بينما كفر العصاة مستتر وخفيّ!

هذه السياسة العدائية العامة كانت مسيطرة على ذهنية عناصر التنظيم وأفعالهم، وكانت تُدرّس لهم بشكل منتظم ودائم. وهذه السياسة هي التي جعلت عناصر التنظيم يلجؤون إلى سياسية الخطف من دون حسيب أو رقيب، حتى إن عناصر الحواجز كانوا يقتلون الموقوفين بشكل مباشر وميداني، وفي مكان لا يبعد عن الحاجز أكثر من 100 متر، من دون العودة إلى محكمة أو شرعيين أعلى منهم.

كان عناصر الحواجز يعتقدون أن خصوصيات الناس وعقائدهم وأفكارهم وقناعاتهم الشخصية ولباسهم وهواتفهم هي موضوع مراقبة، ومن حق التنظيم معرفتها ومحاسبة الناس عليها. ولذلك كان الاعتقال يقع أحيانًا بسبب “ملاسنة” بين أحد المدنيين وعناصر الحاجز، أو لوجود صورة امرأة غير محجبة في هاتفه، وإن كانت تلك المرأة زوجةً أو أختًا. والاعتقال يتم أحيانًا بسبب عدم معرفة الشخص لسؤال فقهي، يطرحه عليه عناصر الحاجز، لاختباره في مسائل في الشريعة الإسلامية.

تصبح مدة الاعتقال أطول، عندما يكتشف التنظيم معلومة مهمة عن المعتقل في أثناء اعتقاله؛ كأن يشك عناصر التنظيم بأن هذا الشخص يريد السفر خارج حدود “دولة الخلافة” إلى تركيا، أو أنه كان ينتسب إلى أحد الفصائل الأخرى، أو لورود تقارير أمنية بأن هذا الشخص كان علمانيًا أو متصوفًا أو ناشطًا مدنيًا أو متهاونًا في الذهاب إلى الجامع. وأحيانًا أخرى كانت العدوات الشخصية السابقة مع عناصر التنظيم، ورغبتهم في الانتقام، تقف خلف عملية الاعتقال، وكان يسمح للشخص الراغب في الانتقام بقتل المعتقل بشكل عشوائي، كأن يضربه حتى الموت.

 ومما زاد الأمر تعقيدًا، بالنسبة إلى المعتقلين، أن فتاوى شرعيي تنظيم الدولة تقول بعدم تسليم جثة المعتقل، في حال وفاته، إلى ذويه، لأنه “مرتدّ”. هذه النقطة تشكّل أحد أهم الأسباب في معاناة ذوي المعتقلين لدى تنظيم الدولة، وعدم تمكنهم من معرفة مصير المفقودين.

أفضل وصف لسياسة التنظيم هو أن الجميع مدان ومشبوه، حتى يثبت العكس. وحقيقة الأمر أن على الجميع تقديم فروض الولاء والطاعة، بل مساعدة التنظيم والانخراط في صفوفه. ودون ذلك يبقى الشخص معرضًا للشبهات والاعتقال، لأي سبب كان.

لماذا لم تعالج (قسد) قضية المفقودين:

اليوم، بعد أكثر من 3 سنوات من سيطرة (قسد) على الرقة وطردها لتنظيم الدولة، ما يزال مصير المغيبين عند (داعش) غير معروف، والمعلومات شحيحة، ومعاناة أهالي المغيبين من أجل معرفة مصير أبنائهم مستمرة.

يعود السبب في ذلك إلى سياسة (قسد) في تعاملها مع ملفّ المفقودين الذين اعتقلهم تنظيم الدولة. أهالي المفقودين يشتكون من أن “الأسايش”، وهو جهاز مخابرات (قسد) وصاحب السلطة الأمنية على الأرض، لم يبدِ أي تعاون أو اهتمام بأمر المفقودين. بحسب تقرير (هيومان رايت ووتس) الذي صدر في أيلول/ سبتمبر الماضي، فإن عددًا كبيرًا من أهالي المفقودين راجع “الأسايش”، ولكن من دون جدوى. المؤسف أن ذلك الجهاز لم يبدِ أي اهتمام يذكر، وكأن الأمر لا يعنيه بوصفة السلطة المسيطرة على الأرض، حتى إنهم قدموا في بعض الأحيان معلومات “متضاربة”، لا جدوى لها، الأمر الذي زاد من إحباط أهالي المفقودين. أما المعلومات المتوفرة التي يتداولها الأهالي، فهي إما من مسجونين سابقين لدى (داعش) أو من مشاهدات السكان المحليين الساكنين قرب المقابر الجماعية.

عدم تعاون (قسد) في قضية مفقودي (داعش) يُعبّر عنه بوضوح من خلال ثلاث نقاط:

الأولى أن ” قسد” لم تشكل لجنة مستقلة ذات صلاحيات، تقوم بتجميع المعلومات عن المفقودين وتتبع أثرهم، أسوة بلجنة المفقودين التي تأسست في كوباني/ عين العرب. وظلّت قضية المفقودين من أهالي الرقة بيد “الأسايش” الذي لم يحرّك أي ساكن في قضيتهم.

الثانية أن (قسد) لم تدعم جهود فرق مدنية محلية قامت باستخراج الجثث من المقابر الجماعية لدفنها أصولًا في المقابر العامة. الفرق المحلية بدت وكأنها تعمل بشكل بسيط، ضمن إمكانات محلية محدودة، بحيث ضاعت إمكانية التعرّف إلى كثيرٍ من الجثث.

الثالثة أن (قسد)، ومن ورائها حزب PYD الكردي صاحب السمعة السيئة في قضايا حقوق الإنسان والعمود الفقري لـ (قسد)، لا تريد أن تجعل قضيةَ مفقودي (داعش) قضيةً أساسية بالنسبة إليها، ولم تطلب أي مساعدة دولية، لا على المستوى الفني والأدلة الجنائية، ولا على المستوى الحقوقي، على الرغم من أنها تطلب مساعدات دائمًا في مجالات أخرى.

نصل إلى السؤال المؤسف والصعب: لماذا لا يريد حزب PYD المساعدة في معالجة قضية مفقودي الرقة على يد (داعش)، على الرغم من أنه خاض حربًا شرسة ضد تنظيم الدولة، وأن مفقودي الرقة يفترض أنهم كانوا يقفون في صف واحد مع كل من يعارض (داعش)، وأنهم دفعوا ثمنًا لا يقلّ عن الثمن الذي دفعه المحاربون الآخرون لتنظيم الدولة؟

يبدو أن حزب PYD غير مهتم، الآن وفي المستقبل، بمعالجة قضية المفقودين ومساعدة أهاليهم في معرفة مصيرهم، وذلك لثلاثة أسباب:

السبب الأول أن حزب PYD هو في النهاية حزب عسكري دكتاتوري، يشبه من حيث البنية تنظيم الدولة (داعش) مثلما يشبه التنظيم الأسدي المخابراتي. ومن المعروف أن تنظيمات كهذه لا تعنيها قضايا المدنيين وحقوقهم، وأن معاناة الأهالي في عدم معرفة مصير ذويهم أمرٌ خارج اهتمامات هذا الحزب والمتحكمين فيه، لأنه -بكل بساطة- يستمد قوته من سلاحه وداعميه الدوليين، لا من الأهالي. وهذا يعني أنه ليس مضطرًا إلى أن يرضي الأهالي في هذه النقطة. ولا سيما أن قضايا المخطوفين والمعتقلين والمفقودين قد تشمله هو نفسه، في يوم من الأيام.

السبب الثاني أن ليس هناك قوًى دولية تضغط عليه في هذه النقطة. والحزب هنا يستفيد بشكل عام من تراجع الاهتمام العالمي بقضايا حقوق الإنسان والعدالة في الغرب. أميركا مشغولة بمصادر النفط، والروس بعقد اتفاقات تقاسم السلطة في هذه المنطقة مع تركيا. أما أوروبا فأقصى ما يمكن أن تقدّمه هو بعض مساعدات الإغاثة.

السبب الثالث، وهو السبب الأكثر أهمية، أن غالبية مفقودي (داعش) هم ناشطون إعلاميون وحقوقيون ومطالبون بالتأسيس للعمل المدني السياسي، وهذا شريحة لا تروق كثيرًا لحزب PYD الذي لا يرغب في وجود شركاء حقيقيين له في الحكم. ولذلك، فإن لسان حال الحزب يقول: “إنه أمرٌ جيدٌ أن تنظيم الدولة تخلّص منهم وأراحني من مشاكساتهم”. حزب PYD مثله مثل (داعش) إنما يريد مُوالين لا مشاركين في السلطة، ولذلك يرى أنه من الأفضل أن يبقى ملفّ المغيبين في أدراج النسيان، كي يتعظّ من يفكّر في أن يسير على طريقهم، وكي لا تشتهر قصص هؤلاء المفقودين، فيتحوّلوا إلى أبطال شعبيين، وإلى رموز تُنير طريق السوريين الوعر لتأسيس وطن ينعم بالعدالة والحريات لجميع مواطنيه.