ترجمة أحمد عيشة

الانفجار الذي دمّر ميناء بيروت وكثيرًا من المدينة، وأزهق حياة عدد لا يُحصى من الناس، كان نتيجة للبزنس كالمعتاد

في أواخر التسعينيات، كانت أول وظيفة صيفية لي في ميناء بيروت، وكنتُ حينئذ مراهقًا. أمضيتُ حينذاك أشهرًا رطبة وحارة، أُدخل بيانات الشحن، كجزء من برنامج جديد طموح لنقل بيانات الميناء، من السجل الورقي إلى السجلات الرقمية. لم يكن الأمر مثيرًا كما يُرجى من وظيفة متدنية وسط بيروقراطية الشرق الأوسط، لكن على الرغم من الحرارة والرتابة، كان هناك تفاؤل.

كان الميناء البنية التحتية المهمة في اقتصاد يتجدد بعد 15 عامًا من الحرب الأهلية. وكان حفظ السجلات الرقمية جزءًا من المستقبل، ومحاولة لإدخال النظام والشفافية اللذين تشتد الحاجة إليهما من أجل تعافي القطاع العام. في النهاية، كان هذا نفس الميناء الذي أصبح غير صالح للاستخدام في أثناء الحرب الأهلية، بسبب السفن الغارقة والذخائر غير المنفجرة، باستثناء منطقة واحدة تسيطر عليها إحدى الميليشيات.

ابتلعت طبقة سياسية جشعة لبنانَ الذي خرج من بين تلك الأنقاض، تدريجيًا. وبالأمس، انتهى لبنان بالكامل؛ إذ تلاشى ميناء بيروت نتيجة انفجار أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 100 شخص (والإحصاء مستمر)، وإصابة أكثر من أربعة آلاف شخص وتدمير مبان عديدة في المدينة. ويواجه لبنان الآن كارثة جديدة تفوق ما حدث في عقود الحرب وعدم الاستقرار السياسي.

إن كارثة الميناء -كما يظهر- لم تشمل المشتبه بهم المعتادين: حزب الله أو إسرائيل أو الإرهاب الجهادي أو حكومة سورية المجاورة. وتبدو الحقيقة باهتة وأكثر إثارة للقلق: عقود من التعفن في كل مستويات المؤسسات اللبنانية هي من دمّرت ميناء بيروت، ودمرت معه جزءًا كبيرًا من المدينة، وقتلت عددًا كبيرًا جدًا من الأرواح. إن التفاهة الكامنة وراء الانفجار بالتحديد هي التي تجسد العقاب والإذلال الخاصين اللذين يكدسان على لبنان.

حتى الآن، اتفق المسؤولون اللبنانيون على ما حدث، على الرغم من أنه من المحتمل ظهور أكثر من موقف “رسمي” واحد. بعد كل شيء، هذا هو لبنان، البلد الذي قسمته السياسة والدين والتاريخ بعمق. ولكن ما عُرف حتى الآن، وفقًا لتقارير وسائل الإعلام اللبنانية الموثوقة، أن هناك عملية تخزين لنحو 2750 طنًا من نترات الأمونيوم، تم تفريغها من سفينة معطلة عام 2014 في مستودع الميناء. ثم بالأمس، تسببت أعمال صيانة في إشعال الألعاب النارية القريبة، ثم انفجار نترات الأمونيوم.

الموانئ هي المراتع الرئيسة للفصائل السياسية والإجرامية والميليشيات، حيث تتحكم الأجهزة الأمنية المتعددة ذات المستويات المختلفة من الكفاءة (والولاءات السياسية المختلفة) في جوانب مختلفة من عمليات الموانئ. والتوظيف المدني تمليه حصص سياسية أو طائفية. هناك ثقافة سائدة منتشرة من الإهمال والفساد الصغير، وتحويل اللوم إلى البيروقراطية اللبنانية، وجميعها تشرف عليها طبقة سياسية محددة بعدم كفاءتها وازدراءها للصالح العام.

من غير الواضح ما هي تركيبة هذه العناصر التي تسمح بوجود قنبلة في الانتظار في مستودع لمدة ستة أعوام تقريبًا، وبجوارها الألعاب النارية، وسمحت بتنفيذ أعمال غير مسؤولة في مكان قريب منها. لكن الكارثة، على الرغم من خطورتها بشكل استثنائي، هي نتيجة البزنس، كما هو معتاد في لبنان. البلد على إلفة (معتاد على) مع الانفجارات، وهو على دراية بالكوارث الناجمة عن فشل الخدمات العامة: أزمة نفايات تعود إلى عام 2015، وكارثة بيئية في عام 2019، وانقطاع التيار الكهربائي هذا العام المستمر لمدة تصل إلى 20 ساعة في اليوم.

إن عواقب انفجار الأمس ستكون أكثر خطورة حتى من الخسائر المباشرة والأضرار في الممتلكات. لقد دُمرِّت صوامع الحبوب الرئيسة، التي تحتفظ بحوالي 85 في المئة من الحبوب في البلاد. وأكثر من ذلك أن الميناء لم يعد قادرًا على استقبال البضائع. يستورد لبنان 80 في المئة ممّا يستهلكه، ومن ضمنها 90 في المئة من القمح الذي يستخدمه لصنع الخبز الذي يعد العنصر الأساسي في غذاء معظم الناس. حوالي 60 في المئة من هذه الواردات تأتي عبر ميناء بيروت. أو لنقل إنها كانت تأتي.

التوقيت لا يمكن أن يكون أكثر سوءًا. أزمة اقتصادية تعصف بلبنان منذ أشهر، عملة البلاد منهارة، وهي مشكلة في حد ذاتها نتيجة سنوات من سوء الإدارة والفساد. لم يعد بإمكان مئات الآلاف من الناس شراء الوقود والغذاء والدواء. عندما رأى اللبنانيون مدخراتهم تتبخر وتتناقص قوتهم الشرائية، ظهرت مفردات جديدة حتى بين أصدقائي وعائلتي اللبنانيين المتفائلين. لوصف البلد، بدؤوا استخدام كلمات مثل لبنان “محكوم عليه بالفشل” و “ميئوس منه”.

وزادت أزمة فيروس كورونا الضغط على قطاع الصحة. بعد انفجار يوم أمس، ذكرت بعض التقارير أن طاقم المشفى يعالج الإصابات في الشوارع وفي كراجات ومواقف السيارات. قد يضع الانفجار لبنان على طريق كارثة غذائية وصحية لم يشهدها في أسوأ حروبه.

يجب أن تكون الطبقة السياسية في لبنان على أهبة الاستعداد في الأسابيع المقبلة: ستتحول الصدمة حتمًا إلى غضب. لكني أخشى أن العادات القديمة لن تموت بسهولة. إن هؤلاء السياسيين بارعون في إلقاء اللوم. ولا أتوقع أن تكون هناك كثير -إن وجدت- من الاستقالات رفيعة المستوى، أو الاعتراف بالمسؤولية.

هل ستكون هناك ثورة؟ انتفاضة الغضب؟ يجب أن يتنافس أي دافع ثوري مع الانتماءات القبلية والطائفية والأيديولوجية. في هذا الصدد، الفعل للحقائق أيضًا: حتى لو تم تقديم نسخة رسمية واحدة من حادثة الميناء (ولو كانت صحيحة)، فلن يصدقها البعض. وللمفارقة، فإن عدم ثقتنا بساستنا يجعل الاتحاد ضدهم صعبًا.

هذه عقبات حقيقية. ومع ذلك، لم يعد هناك ضرورة أكبر من أي وقت مضى للإصلاح والمساءلة، باستثناء احتمال أن يكون المسؤولون من المستوى المتوسط كبش فداء. من الصعب تخيّل مثل هذه الحركة الوطنية المنسقة والمستدامة، لأنها لم تتجسد في يوم من الأيام. لكن الجوع وانهيار الرعاية الصحية قد يغيران ذلك.

سيحتاج لبنان واللبنانيون إلى تدفق سريع للمساعدات الخارجية، لدرء النقص الحاد في الغذاء وكارثة الصحة العامة. ويبدو أنها ستأتي من دول عبر الشرق الأوسط وحول العالم. لكن هذا لن يوقف تدهور البلاد. لن تؤدي المساعدات الطارئة إلا إلى تضخيم الإذلال العام والعجز. أوضح انفجار الأمس أن لبنان لم يعد بلدًا يستطيع فيه الأشخاص المحترمون أن يعيشوا حياة آمنة ومرضية.

عندما شاهدت مقاطع الفيديو عن بيروت وهي غارقة في الدخان، وتأكدت من أصدقائي وعائلتي، وجدت نفسي أفكر لأول مرة منذ مدة، في ذلك الصيف، عندما كنت أعمل في الميناء. تم الانتهاء من مشروع الرقمنة (تحويل السجلات الورقية إلى رقمية)، لكن الأطراف التي لم تعجبها الشفافية التي جلبها ذلك المشروع، وجدت طرقًا للتغلب عليها.

اليوم، لا صلة لذلك الأمر بالموضوع بالطبع. لقد دُمِّر الميناء. أما بالنسبة إلى اللبنانيين، فستستهلكهم النجاة أكثر من التقدم.

اسم المقالة الأصليWhy Did Lebanon Let a Bomb-in-Waiting Sit in a Warehouse for 6 Years?
الكاتبفيصل عيتاني،Faysal Itani
مكان النشر وتاريخهنيويورك تايمز،New York Times، 5 آب/ أغسطس 2020
رابط المقالةhttps://nyti.ms/3knqg5X
عدد الكلمات988
ترجمةقسم الترجمة/ أحمد عيشة