بعد كل ما حدث؛ يتضح أن حلّ القضية الفلسطينية ليس ضروريًا. فالحال بين إدارة ترامب وإسرائيل وقليل من عرب الخليج تبدو على ما يرام.

من دون ضجة تُذكر، هبطت أول طائرة تجارية معروفة قادمة من الإمارات العربية المتحدة أخيرًا في مطار بن غوريون الإسرائيلي. كانت تحمل تجهيزات لمكافحة كورونا للسلطة الفلسطينية التي رفضت تلك الإمدادات بدافع الغضب.

على الرغم من أن الرحلة لا سابق لمثلها، فلا ينبغي أن تكون مفاجأة كبيرة فعليًا. فعلى مدى الأعوام الخمسة الماضية، كانت الاتصالات بين إسرائيل ودول الخليج -وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين- تنمو بسرعة. والأمثلة على ذوبان الجليد في مشهد سياسي متجمد بخلاف ذلك وفيرة:

فقد استقبل قابوس (سلطان عُمان الراحل) بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، مع زوجته، ومدير جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد). وسبق أن التقى نتنياهو مع وزيري الخارجية الإماراتي والعُماني في الولايات المتحدة. وزار وزير الثقافة الإسرائيلي دبي. وفي البحرين، لاقى الإسرائيليون الترحيب، ومن ضمنهم كبير حاخامات القدس، كما تواصلت البحرين مع إسرائيل للمساعدة في محاربة فيروس كورونا. وشارك الرياضيون الإسرائيليون في مسابقات الجودو في الإمارات العربية المتحدة، حيث عُزف النشيد الوطني الإسرائيلي لأول مرة ورُفع العلم الإسرائيلي. تقدر التجارة بين إسرائيل ودول الخليج الآن بنحو مليار دولار في العام. وبحسب ما ذكرت بعض التقارير، فإن إحدى الشركات المملوكة لإسرائيل، وهي AGT International، عقدت صفقة بقيمة 800 مليون دولار مع الإمارات العربية المتحدة، لتزويدها بمعدات مراقبة الحدود. وهذه قائمة جزئية فقط مما هو ظاهر ومكشوف. وبحسب ما تذكر التقارير فإن ما يحدث في السرّ، بين أجهزة المخابرات والأمن، هو أكثر من ذلك بكثير.

ما يثير الدهشة أكثر هو أن هذا الانفراج الوهمي يحدث مع رئيس وزراء إسرائيلي يميني، لا يكترث حتى بحل الدولتين، ويفعل كل ما في وسعه لضمان عدم ظهور أي حلٍ من خلال الاحتفاظ بأجزاء كبيرة من الضفة الغربية وكامل القدس. على عكس تحذيرات الدبلوماسيين والمحللين والسلميين الذين تنبؤوا بأن إسرائيل ستصبح منبوذة، إذا لم تبنِ السلام مع الفلسطينيين، يبدو أن إسرائيل تحقق المزيد من التقدم نحو التطبيع مع الأنظمة العربية من دون عملية سلام ذات صدقية.

من الواضح أن دول الخليج ليست على وشك التطبيع الكامل مع إسرائيل؛ كما أن العالم العربي ليس على استعداد لينهي الانجذاب العاطفي تجاه لقضية الفلسطينية أو معاداتها، وتجاه كثير من وجهات النظر المعادية للسامية تجاه إسرائيل. ولكن حتى أكثر المراقبين تشككًا عليهم أن يعترفوا بأن شيئًا ما قد تغيّر.

فما الذي يفسر هذا التحول؟

هناك ثلاثة عوامل مهمة. أدى صعود إيران والجهاديين السنّة الذين ينشرون الإرهاب في جميع أنحاء المنطقة إلى تطابق محدود، ولكنه مهم، في المصالح بين إسرائيل والعالم العربي. إن زيادة الإرهاق والإحباط من القضية الفلسطينية التي لن تنتهي على ما يبدو قد فتحت مساحة أكبر للدول العربية لمتابعة مصالحها الخاصة. ولكن وراء كل ذلك، يكمن البيت الأبيض المغرم بالمال العربي مقابل بيع الأسلحة والاستثمار في الولايات المتحدة، والحرص على حشد العرب في خدمة أجندته المناهضة لإيران والمؤيدة لإسرائيل. في الواقع، في مسعى لمحاباة عرب الخليج واستمالتهم، أعطى ترامب، وجاريد كوشنر، صهره ومبعوثه للشرق الأوسط، السعوديين تفويضًا مطلقًا لمتابعة السياسات الكارثية مقابل حمايتهم. والدول العربية، التي تشعر بالفرص مع رئيس أميركي صديق للمستبدين، كانت سعيدة للغاية لتتبع سياساتها المدمرة.

من وجهة النظر الإسرائيلية، ليس من الصعب تحديد أسباب هذا الانفراج. إن التواصل الإقليمي لنتنياهو مع العالم العربي هو جزء من حملته الأوسع نطاقًا، لإبراز صورة إسرائيل السياسية على الصعيد الدولي، من خلال زيارات تاريخية إلى أميركا اللاتينية وآسيا وجنوب آسيا وأفريقيا. اليوم، تتمتع إسرائيل باعتراف دبلوماسي في المجتمع الدولي أكثر من أي وقت مضى، منذ ما يُسمى استقلالها، ويهدف تواصل نتنياهو، في الشرق الأوسط، إلى إظهار أن إسرائيل قادرة على القيام بأعمال تجارية مع الدول العربية الرئيسة، من دون الحاجة إلى عقد تسوية بخصوص القضية الفلسطينية، كما يهدف إلى حشد دعم الدول العربية في حملته ضد إيران.

ترى السعودية والإمارات، على وجه الخصوص، أن إيران هي التحدي الأكثر ضغطًا على الأمن القومي، وليس القضية الفلسطينية التي تبدو مستعصية على الحل، وتريان في إسرائيل الشريك القوي لاحتواء المخططات الإقليمية لطهران. بدأت الشراكة تتبلور مع الاتفاق النووي لإدارة أوباما لعام 2015 مع إيران، والتصور بأن واشنطن تفتح الباب لإضفاء الشرعية على الجمهورية الإسلامية كشريك إقليمي محتمل.

أحد أسباب رواج الانفراج بين إسرائيل والدول العربية هو أنه نبع من ذاتهم، أي خرج من التصور بوجود تهديد مشترك. ولم يكن أمام إدارة ترامب إلا أن تلتقط الفرصة وتمضي بها. ترامب، العازم على قلب سياسات سلفه (أوباما) بخصوص إيران وعملية السلام التي باعدت بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية، جعل من البلدين أساسيين لسياساته في الشرق الأوسط. في لقائي الأول مع جاريد كوشنر في عام 2017، أوضح بشكل لا لبس فيه أن والد زوجته (ترامب) عازم على إقامة علاقات استراتيجية مع كلا البلدين.

لم تكن مصادفة بالتأكيد أن تكون أول رحلة خارجية للرئيس ترامب، برفقة وفد من أكبر الشخصيات في عالم الأعمال التجارية (البزنس) والمالية الأميركية، في أيار/ مايو 2017، إلى المملكة العربية السعودية، حيث تحدث الرئيس عن الاستثمار السعودي والوظائف الأميركية والمليارات من مبيعات الأسلحة. بعدئذ انتقل إلى إسرائيل، حيث أصبح ترامب أول رئيس في منصبه يصلّي أمام حائط القدس الغربي. الرحلة التي خطط لها جاريد كوشنر أعطت زخمًا لعلاقته الوثيقة بـ محمد بن سلمان (MBS)، ولي العهد وابن العاهل السعودي. ظهر محمد بن سلمان (يبلغ من العمر 30 عامًا) وهو شاب متهور ومندفع ومصلح نوعًا ما، بشكل بارز في كثير من الكوارث، من الحرب في اليمن إلى اختطاف رئيس الوزراء اللبناني، إلى مقتل جمال خاشقجي، الصحفي السعودي، وكذلك مع خطط كوشنر للترويج لصنع السلام في الشرق الأوسط.

في جوهر تلك الرؤية، كانت الجهود لتعزيز التعاون بين إسرائيل والدول العربية، سواء لتعزيز جبهة مشتركة ضد إيران أو بناء نفوذ للضغط على الفلسطينيين للجلوس إلى طاولة المفاوضات. ولعبت دول الخليج العربي بالورقة الإسرائيلية بكل طاقتها. ولقناعتهم بأن الطريق إلى واشنطن يمر عبر القدس، تآمر السعوديون على وجه الخصوص مع إدارة ترامب، التي رفضت التخلي عنهم حتى بعد دور بن سلمان الكارثي في ​​قتل جمال خاشقجي. ومن أجل أن تبقى في صف ترامب، كان هناك بضعة مظاهر رمزية مع الإسرائيليين، مثل مؤتمر وارسو للسلام والأمن في الشرق الأوسط، في شباط/ فبراير 2019، حيث التقى نتنياهو بوزير الخارجية السعودي، كما كان رد فعلها المنخفض تجاه فتح ترامب سفارة أميركية في القدس. وفي وقت لاحق من ذلك العام في المنامة، بموافقة من الرياض، استضافت البحرين مؤتمرًا اقتصاديًا نظمته الولايات المتحدة، ضم ممثلين عرب وإسرائيليين من القطاع الخاص لمناقشة الجوانب الاقتصادية لرؤية ترامب للسلام في الشرق الأوسط.

هل سيستمر شهر العسل بين إسرائيل والدول العربية؟ ربما تكون الإجابة نعم، وترتكز على المصلحة الذاتية.

التهديد الايراني لن يختفي. اليوم، تمر العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية بمرحلة سيئة بسبب أسعار النفط. ولكن طالما أن السعوديين والإماراتيين يعتقدون أن من مصلحتهم البقاء في صفّ ترامب، فإن تعاونهم سيستمر. ولماذا لا يفعلون ذلك؟ لدى السعوديين عدد قليل من الأصدقاء في واشنطن بخلاف البيت الأبيض، الذي تجاوز الكونغرس أخيرًا، معلنًا حالة طوارئ وطنية زائفة لتسهيل مليارات الدولارات من مبيعات الأسلحة للسعودية والإمارات، ولكيلا تتضرر مواقفهم الجيدة مع إسرائيل، على الرغم من أن نقاط الحوار المثارة اليوم قد لا تستمر بفاعلية بالنسبة إلى رئيس مثل جو بايدن الذي وصف المملكة العربية السعودية بأنها دولة منبوذة.

أما بالنسبة إلى نتنياهو، طالما أنه لا يتوقع الكثير من أصدقائه العرب الجدد ولا يكلفه ضم غور الأردن والضفة الغربية بالكامل (أمر مستبعد) الكثير، سيبقى عرب الخليج ضمن الجوقة، كما فعلوا عندما اُفتتحت السفارة الأميركية في القدس.

مرة أخرى، إن ما يحدث ليس السلام، الذي لم يكن قريب الحدوث. ولكن في الشرق الأوسط المتحطم والغاضب والمختل، مَن يمكنه أن يطلب المزيد؟

اسم المقالة الأصليHow Israel and the Arab world are making peace without a peace deal
الكاتبهارون دافيد ميللر، AARON DAVID MILLER
مكان النشر وتاريخهبوليتيكو، POLITICO، 27/05/2020
رابط المقالhttps://politi.co/3gBjirZ
عدد الكلمات1165
ترجمةقسم الترجمة/ أحمد عيشة