دخل قانون قيصر الذي يتضمن عقوبات اقتصادية أميركية قاسية على سورية، حيّز التنفيذ. ويحتوي القانون الذي أُسند بدعوى ومزاعم “حماية المدنيين”، على عقوبات تشمل الشركات التي ستتعامل تجاريًا مع سورية، في مجالات عديدة في مقدمتها الطاقة والطيران والإنشاءات وقطاع المبادلات المالية والسلع والخدمات التي من شأنها المساهمة في إعادة إعمار البلاد. وبناء على ذلك، فإن القانون يزيد -من الناحية العملية- شدة وطأة وعبء الدمار والخراب الذي خلفته الحرب الدائرة منذ ما يزيد على 9 سنوات، على كاهل الشعب السوري. وكما قالت صديقتنا هدية ليفينت: إن الولايات المتحدة التي نعلم كم هي تواقة لنيل شعوب الشرق الأوسط حرياتها!! تكون من خلال العقوبات التي فرضتها على سورية أمس “قد حكمت على الشعب، من أجل مصلحة الشعب، بالجوع!”. وباعتبار أن النسبة الكبرى من التجارة الخارجية السورية تتم عبر شركات لبنانية، فليس من الصعب التكهن بأن أكثر من سيتأثر من هذه العقوبات، بعد سورية، هو لبنان الذي يعاني أصلًا أزمة اقتصادية حادة.

العقوبات الأميركية تشمل، إلى جانب النظام في سورية، كلًا من روسيا وإيران والمناطق التي يسيطر عليها “حزب الله” اللبناني. أما مناطق الحكم الذاتي الكردية في شرق الفرات، وإدلب والمناطق الخاضعة للإدارة التركية، فقد بقيت بمنأى عن العقوبات. ومن الواضح أن هذه العقوبات تهدف، عبر فصل المناطق الثلاثة سالفة الذكر، واقتطاعها عن سورية اقتصاديًا، إلى تقسيم البلاد فعليًا إلى ثلاثة أجزاء: منطقة الحكم الذاتي الكردية، والمناطق الخاضعة لإدارة تركيا (حيث يمكن إدخال إدلب فيها بشكل جزئي)، والمناطق التي بقيت في يد النظام. لكن سفيرة الولايات المتحدة الأميركية الدائمة لدى للأمم المتحدة كيلي كرافت، صرّحت في خطابها أمام مجلس الأمن الدولي بأن الموجب لهذه العقوبات هو “منع نظام الأسد من تحقيق نصر عسكري”. غير أن كل من يتابع ما يجري في سورية، قليلًا أو كثيرًا، يعلم أن محاولات “منع نظام الأسد من كسب نصر عسكري” لا تعني في الحقيقة سوى محاولة منع روسيا من تحقيق نصر حاسم في سورية، ومن ثم منعها من تعزيز موقعها في صراع الهيمنة والتقاسم مع الولايات المتحدة في المنطقة.

كانت “حكومة الإنقاذ” التابعة لهيئة تحرير الشام المدرجة في تركيا ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية، وهي أكثرها قوة وفاعلية في إدلب، قد أعلنت أنها ستقوم اعتبارًا من حزيران/ يونيو، بدفع الرواتب والأجور وسائر المدفوعات، بالليرة التركية. وهذا يعني أن عملية اندماج وتكامل إمارة هيئة تحرير الشام في إدلب، مع تركيا (نتيجة الثقة بالسلطة في تركيا بالطبع) تبدو وكأنها جاهزة للانطلاق، منذ البارحة!

وبطبيعة الحال، كانت المناطق التي تشرف عليها فصائل الجيش السوري الحر، بدعم من السلطة في تركيا، تدار كإحدى المناطق الإدارية التابعة لتركيا.. فمثلًا، يتم تنسيق إدارة منطقة عفرين من قبل محافظة هاتاي. وبذلك تكون كل العقبات التي تقف في طريق التكامل الاقتصادي لهذه المناطق مع تركيا قد أزيلت مع العقوبات الأميركية.

ولكيلا يُفهم الأمر خطأ، نقول: ليس لدى تركيا أطماع في أرض أحد. وما العمل جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة إلا من أجل الشعب السوري!

وعلى الرغم من أن العقوبات الأميركية تبدو وكأنها تقوّي يد إدارة الحكم الذاتي الكردية التي بقيت خارج نطاق هذه العقوبات، فإنها عمليًا تهدف إلى فصل الإدارة الذاتية عن سورية، ثم استبعادها عن مسارات الحل معها. وقد قال ألدار خليل، من حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في مقابلة أجراها في إحدى البرنامج على قناة تلفزة (روناهي): “نحن لم ولا نفكّر بالانفصال عن سورية، وإن التحديات التي خلفها هذا الوضع قد فرضت علينا ثلاثة خيارات، كل واحد منها صعب بالنسبة إلينا. فإما الدينار العراقي، أو الليرة التركية، أو الدولار الأميركي (…) حيث يتعين عليك حينها أن تعلن أنك لن تستخدم النقد السوري. ولذلك، فإن هذا الأمر يحتاج إلى قرار سياسي. وإن هذه القرارات والخطوات التي ستتخذ ستنعكس بتأثيراتها علينا نحن أيضًا”.

في اليوم الذي دخلت فيه العقوبات الأميركية حيّز التنفيذ، وردت أنباء عن توصل كل من ENKS (المجلس الوطني الكردي السوري) الذي شكلته الأحزاب التي تسير على خطى البارزاني، وPYNK (أحزاب الاتحاد الوطني الكردي) التي يقودها PYD، إلى تفاهم حول مسألة الوحدة، بعد مباحثات كانت تجري منذ مدة في “روجآفا”. وقد ورد في البيان المشترك الصادر في سياق القضية أن التفاهم تحقق من خلال المساعي التي قام بها كل من قائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي، والمستشار الأميركي في التحالف الدولي وليام روباك. وأنه سيتم التوقيع على الاتفاقية العامة الشاملة المتعلقة بـ “الإدارة والشراكة والأمن والدفاع”، خلال وقت قصير.

ويمكن لفت الانتباه إلى بعض النقاط المتعلقة بهذا الاتفاق الذي تم بوساطة من الولايات المتحدة الأميركية:

أولًا؛ إن قضية الوحدة تحمل بالنسبة إلى الأكراد أهمية حيوية، في سبيل كسر الخناق المفروض عليهم من قبل الأنظمة الرجعية والعميلة، وإزالة العقبات التي تعترض طريق تحديد مستقبلهم وتقرير مصيرهم، سواء في سورية أو في عموم المنطقة.

ثانيًا؛ إن الولايات المتحدة التي توسطت في هذه المفاوضات إنما تسعى -من خلال دعم المطالب الديمقراطية القومية الكردية- لتحقيق مصالحها السياسية في الصراع لتقاسم المنطقة؛ وهذه حقيقة لا تدع مجالًا للنقاش، وهو ما يراه العديد من السياسيين الكرد ويعبّرون عنه بوضوح.

ثالثًا؛ بالنظر إلى العقوبات المفروضة على سورية، يمكن القول إن هذه الخطوة كانت خطوة من الولايات المتحدة في اتجاه إبعاد الأكراد عن التسوية/ المصالحة مع النظام السوري، ومحاولة منها لتوحيد أكراد كل من سورية والعراق، حول محورها السياسي، من زاوية أخرى.

أخيرًا؛ على الرغم من وصفها من قبل الأوساط السياسية الكردية بأنها “خطوة تاريخية”، فمن الصعب القول إن هذا الاتفاق سيزيل الغموض والتهديدات عن الأكراد، بسبب التجاذب بين متطلباتهم السياسية وبين حسابات الولايات المتحدة الأميركية الإقليمية. وعند هذه النقطة بالذات، كانت عملية المخلب-النمر التي أطلقتها الحكومة التركية في حفتانين، تطورًا من التطورات المهمة الأخرى التي ساهمت في الكشف أكثر عن الوجه الحقيقي للإمبريالية التي لعبت دور الوسيط، سواء في مسألة العوائق التي تقف في طريق الوحدة بين الأكراد أو فهم حدود هذه الوحدة.

وكنا قد قلنا وكررنا، مرارًا، إن مثل هذه العمليات، وإن كانت تبدو أنها تضمن “التفوق العسكري” لتركيا في المنظور القريب، ستلعب دورًا في تعقيد عملية الحل، وجعل المشكلة أكثر دولية، تكون فيها تركيا وجهًا لوجه مع أكثر من لاعب، على المدى البعيد. لكن الأمر اللافت، من زاوية نقاشنا، هو موقف كل من إدارة البارزاني والولايات المتحدة الأميركية من هذه العملية. فإدارة البارزاني في إقليم كردستان العراق ما زالت تلتزم الصمت حيال العملية، كما لو أنها ليست على علم بها. والسبب في ذلك هو إعطاؤها الأولوية للحفاظ على علاقاتها السياسية والاقتصادية مع السلطة السياسية في تركيا. ومهما كانت القضية تطرح على الواجهة على أنها بالنسبة إلى إدارة البارزاني قضية “سامية”، فإن حدود السياسة في ما يتعلق بالوحدة الكردية تحددها المصالح الخاصة لهذه الإدارة. فهي تتناسى الوحدة، وتتجاهل أخاها حين ترى أن مصالحها ستتعرض للخطر.

وليس سرًّا أن الذي يعين حدود الصداقة، لدى الإمبريالية الأميركية، هو مصالحها الإقليمية الخاصة أيضًا. لذلك نرى أن الولايات المتحدة التي سارعت مشمرة عن ساعديها، كراعية للأكراد في سورية، تساند العملية العسكرية التركية ضد PKK في العراق. والسبب أنها في سورية بحاجة إلى الأكراد من أجل بعثرة أوراق وحسابات خصومها. أما في العراق، فهي تدعم وتساند هذه العمليات من أجل الحيلولة دون صيرورة PKK الذي ترى فيه عنصرًا مسببًا للفوضى وعدم الاستقرار، كقوة بديلة عن KDP (الحزب الديمقراطي الكردستاني)، والأهم من ذلك كسب السلطة السياسية في تركيا إلى صفها، في استراتيجيتها الإقليمية (حصار إيران)، عبر استغلال المشكلة الكردية.

من حيث النتيجة، انظروا إلى القضية، من أي زاوية تشاؤون، تروا أن خلاص شعوب المنطقة من هذا الكابوس الجاثم على مستقبلها لا يبدو ممكنًا، ما لم تتخذ خطوات نحو الوحدة والنضال على أساس ديمقراطي، بالشكل الذي تفسد فيه حسابات القوى الإمبريالية، والرجعية الإقليمية.

اسم المادة الأصليABD’nin Sezar’ı, Kürtlerin birliği ve Türkiye’nin Pençesi!
الكاتبيوسف كاراطاش
المصدر وتاريخ النشرصحيفة أفرنسال التركية- 19.06.2020 Evrensel Gazetesi                        
رابط المادةhttps://qoshe.com/evrensel/yusuf-karatas/abd-nin-sezar-i-kurtlerin-birligi-ve-t-/76607655
المترجمعلي كمخ- قسم الترجمة
عدد الكلمات920- 1212