في الوقت الذي يستحيل فيه الحصول على معلومات موثوقة حول الحصيلة الحقيقية لوباء كورونا أو كوفيد ـ 19 في سورية، تشعر عائلات عديدة بالقلق من وضع أقربائها الذين تعتقد بأنهم معتقلون في سجون النظام السرية الرهيبة.

إنهن سوريات، لاجئات في تركيا أو في الأردن أو في لبنان أو في اليونان أو في ألمانيا أو في المملكة المتحدة. لقد عانيْن الحرب والشرور كلها: الإرهاب والقنابل، التدمير والتمزق، المطاردة والمنفى. لقد رأين جيرانهن، وأصدقاءهن، وأفرادًا من عائلاتهن يموتون. لقد غادرن منازلهن، وأماكن طفولتهن، تاركات وراءهن أحيانًا آباءهن وأمهاتهن الذين لا يستطيعون اللحاق بهن؛ عانين خلال هروبهن الإذلال، والتسلط، والابتزاز. لم تكن لياليهن هادئة أبدًا؛ ومنذ زمن بعيد هجرتهن الأحلام.

لم يبق سوى الذكريات، والمرارة، والصدمات. وفي نظر كل اللواتي أردن أن يحدّثننا، كان هناك هوس يبقي عليهن قيد الحياة ويحول بينهن وبين أن يحييْن: زوج، إبن، عم، اعتقلهم أمن النظام السوري واختفوا في سجونه من دون أن يُعرَفَ عنهم شيئًا ما.

آلاف الأسئلة بلا جواب

لا وجود لأية كلمة، ولا لأي معلومة، ولا لأدنى تهمة ولا لأدنى إجراء. لاوجود لأية وسيلة للدفاع عن النفس، ولا لأي عنوان يمكن الذهاب إليه. آلاف الأسئلة بلا جواب. فقط ظنٌّ قوي في سجن الشخص في مراكز التعذيب التي وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها “مسالخ بشرية“. والحداد مستحيل. إذهبوا في حال سبيلكم، إنسوا، لا شيء يستحق الرؤية. صمت. يبدو المفقودون وقد شطبوا من السجلات الرسمية كما لو أنهم اختفوا من على سطح الأرض. هناك ما لا يقل عن 83000 منهم اليوم، كما تقدر الشبكة السورية لحقوق الإنسان التي توثق كل حالة على حدة.

وها هو فيروس الكورونا الذي أحيا قلق هذه العائلات. وها هي الحكايات، التي تروى داخل وخارج سورية، تصيبها بالذعر وتحملها على تخيل مذبحة في شبكة السجون ومراكز الاعتقال لدى نظام الأسد، الرسمي منها والسري، التي لا يملك أي شخص الحق  بزيارتها. وها هي، على إثر 43 منظمة غير حكومية حثت يوم 16 آذار/مارس الماضي الحكومة السورية على الإفراج عن السجناء السياسيين بسبب وباء فيروس الكورونا، وتبعها ممثل منظمة الأمم المتحدة الذي طالب بإجراءات عاجلة من أجل تأمين العناية والحماية في أماكن الاعتقال كلها، ثمة زوجات وأمهات وأخوات وبنات أعمام المفقودين قمن بالاتصال بنا بصورة عفوية كي يقلن لنا رعبهن ويسترعين الانتباه إلى مصير المعتقلين السريين.

Amal Al Nasin, avocate syrienne et militante des droits de la personne, est directrice du centre d’aide aux réfugiés Amals Healing and Advocacy Center, installé à Antakya, en Turquie, ici, le 16 mars 2019.
أمل النعسان، محامية سورية ومناضلة في مجال حقوق الأشخاص، مديرة مركز أمل للمناصرة والتعافي للاجئين، ومقره في أنطاكية بتركيا. (أخذت الصورة يوم 16 آذار/ مارس 2019)

إنهم الأكثر ضعفًا بين الضعفاء؛ لو دخل فيروس الكوفيد / 19 السجن، فسوف يهلكهم جميعًا“، تحذر على هذا النحو أمل النعسان، المحامية ورئيسة مركز أمل للمناصرة والتعافي  لعائلات اللاجئين، التي حدثتنا من أنطاكية، في تركيا، حيث لجأت منذ عام 2012. لم تقم أبدًا بالطبع بزيارة المراكز السرية التي يُراكَم فيها السجناء المعتقلون خارج النسق الشرعي. لكنها تعتمد على التقارير التي نشرتها منظمة العفو الدولية والشبكة السورية لحقوق الإنسان، وكذلك على شهادات المعتقلين الذين هربوا أو أفرج عنهم، والتي تتلقاها منذ بداية الثورة، أي في آذار/مارس 2011.

خمسون معتقلًا في 24 متر مربع

تستطيع أن تصف المعتقلات ذات الرائحة الكريهة والمكتظة، والمفتقرة للتهوية، وفي أغلب الأحيان إلى ضوء النهار، والتي تملؤها الجرذان. زنزانات بطول 6 أمتار وعرض  4 أمتار تشتمل على خمسين سجين لا يستطيعون الجلوس والنوم إلا بالتناوب؛ محرومون من النظافة، والعناية حين يمرضون، ويستدعون بصورة منتظمة إلى جلسات تعذيب  يعودون منها وقد غطتهم الدماء. تقول السيدة أمل النعسان: “الجحيم”. الجحيم الذي دخلته من قبل أمراض مثل السل وحيث لن يواجه السجناء، وقد تمزقت جلودهم  وامتلأت أجسادهم بالقروح، فيروس الكورونا بأية مقاومة. “يكفي أن يكون حارس سجن مصاب به أو أن يصل سجين آخر من سجن آخر، حتى ينهارون بالمئات خنقًا بلا أدنى عناية. أذ لا يمكن أن ننتظر من  الجلادين أن يقلقوا على صحة ضحاياهم !“.

إنها ليست إلا مسألة أيام كما تخشى. لأن فيروس الكورونا ينتقل شئنا أم أبينا في سورية، رغم جهود النظام في تقليل الأرقام وضغوطه على الهيئات الطبية كي تصرح “ماتوا بسبب ذات الرئة” أو بـ”التهاب الرئتين” لمن ماتوا بسبب كوفيد 19، لاسيما وأن الجثامين لا تعاد إلى العائلات، كما أن عناصر المخابرات تقوم بمراقبة المستشفيات كي لا تتسرب منها أية معلومة.

“يجب أن نرفض أن يستخدم بشار الأسد فيروس الكورونا ويجعل منه سلاحًا حربيًا”

أمل النعسان، محامية

خمسة وأربعون حالة اكتشفت في بداية شهر أيار/ مايو وثلاثة وفيات فقط. ولكن من يصدق هذه الأرقام؟ وسواء أكانت عائلات المفقودين تقيم خارج البلد أو داخله، فإنها ترتعد على كل حال من أن يصير الفيروس حليف الرئيس السوري من أجل القضاء عل السجناء المصنفين كمعارضين، حتى وإن كانوا مجرد طلبة أوقفوا في أولى مظاهرات ربيع عام 2011.  

سيكون الأمر فظيعًا، تعلق السيدة أمل النعسان التي تواصل إعداد الملفات، وتحميس أقارب المفقودين وجعلهم يأملون الحصول على التفسيرات والحقوق والعدالة. إذا كان هناك وقت نحتاج فيه إلى مساعدة بقية العالم، كما تقول، فها هو الوقت، الآن. لقد أغلق الكورونا الحدود، وأغرق شعوب الكرة الأرضية في الحجر والقلق من الموت. لابد أن يحملها ذلك على فهم ما يعيشه المعتقلون السوريون وإلهامها بعض التضامن. يجب رفض أن يستخدم بشار الأسد فيروس الكورونا وأن يجعل منه سلاحًا حربيًا جديدًا. سواء للقضاء على السجناء المزعجين، أو ملاطفة الغرب للحصول على رفع العقوبات.

والد وأخو غرام، وهي في الثلاثين من عمرها، وتقيم هي الأخرى بأنطاكية، خرجوا من السجن. لكن لم يخرج عمّاها اللذان فقدت آثارهما منذ 2013. كل العائلة تعيش حول صور الرجليْن، بذكراهما وبانتظارهما. كل شيء محظور، معلق.  فالأموال التي يملكونها لا يمكن أن تباع، والمساعدات التي يمكن أن يستفيد منها الأطفال الأيتام ليست شرعية، والزوجات لا يستطعن الزواج مرة ثانية. “حتى تنظيم حفل لزواجي لم يكن من الممكن تصوره مع وجود عمَّيْن معتقليْن لدى بشار.” كما تقول المرأة الشابة.

يثير وصول معتقل أفرجَ عنه كل مرة غليان كل جماعة المنفيين، الذين ينهالون على الناجي بالأسئلة: “هل صادفت فلان؟ هل سمعت أحدًا يتكلم عنه؟ إنه من قرية كذا، من عائلة كذا… هل نُقل؟ هل عُذِّب؟ ما هو احتمال أن يكون لا يزال حيًّا ؟” في غالب الأحيان لا نعلم شيئًا. ويستمر الانتظار. ويثابر الأمل. “قبولُ الموت يعني خيانة أهلنا والدخول في فخ بشار. إنه مدين لنا بالتفسيرات. وسيجب عليه أن يتحمَّل المسؤولية”  ضمن مطلب العدالة هذا،  تبدو فرضية فيروس الكورونا غير محتملة على الإطلاق.

هل يمكن أن يموتون على هذا النحو؟ هم الذين يقاومون أشد ضروب التعذيب جنونًا، وحروق الكهربة، والجلد، وكل الأهوال  التي تمارسها عائلة الأسد منذ عشرات السنين من أجل تركيع شعبها؟ هل يمكن أن ينهاروا بفيروس يبرِّئ جلادهم؟ لا!.. لا!..” تصرخ على الهاتف زوجة الصحفي جهاد أسعد محمد، المعتقل بدمشق عام 2013 والذي لا تعرف عنه منذئذ أي خبر.

هل يمكن أن يموتوا إذن هذا النحو؟ هل يمكن أن ينهاروا بفيروس يبرّئ جلادهم؟”

زوجة الصحفي جهاد أسعد محمد

المعتقل عام 2013

كانت مع ذلك قد حرثت الأرض والسماء، وأنشأت صفحة فيسبوك، وناضلت في عدة منظمات، واتصلت مع منظمة العفو الدولية، ومنظمة مراسلون بلا جدود، وحاولت شراء المعلومات من موظفين فاسدين. سوى أنها لم تصل إلى أية معلومة، لكن حياتها تستمر في التركيز على هذا الغياب، “الذي يتغذى بأمل” العثور على زوجها، لكنها “مهووسة بفكرة أن الفيروس، كالنار على كتلة قش، يمكن أن يحرق السجون، أو أن يعطي بشار حجة ارتكاب مذبحة“.

القلق ذاته بالنسبة إلى باسمة، وهي في الخامسة والخمسين من عمرها، أصلها من الغوطة على أطراف دمشق، التي تستمر في أن تأمل عودة ابنها الوحيد، الذي اعتقل عام 2013 وهو في الثانية والعشرين من عمره. “بحثتُ عنه طوال سنة ونصف، صرتُ مجنونة. كما لو أن الصاعقة وقعت عليَّ حين علمت أنه كان في سجن صيدنايا. استطعت أن أراه عدة لحظات، محاطًا بحارسيْن. كان هزيلًا، مرتديًا ملابس كالخرق، لم يكن يستطيع أن يرفع رأسه كي يواجهني. قال لي: “لا تقلقي يا أمي، ماشي الحال”. لكن بالطبع لم يكن الحال كما قال!كانت تجهش بالبكاء عند تذكرها ذلك، هي التي كانت تنتقل إلى جزيرة كوس في اليونان.

جئت إليه حاملة بيجاما، وحذاء، وجرابات، وبعض الغذاء، وقليلًا من النقود. بحثت عن محام فهزئوا مني. توسلت أن أراه ثانية. فوافقوا على أراه ثانية. كان هيكلًا عظميًّا، جفلًا، عاريًا. تركت له ما استطعت، وحين أردت العودة إلى السجن، هذه المرة، كان اسمه قد شطب من كل السجلات. مجهول في هذا العنوان. لم يعد أحدٌ يعلم  أين كان.” صاحت باسمة أنها كانت قد رأته من قبل، وأنها لم تكن تحلم. دمرت نفسها من أجل أن تحاول العثور عليه، أن تقابل ضباطًا، أن تشتري معلومات. بل لقد أعطت خاتم زواجها.غيرها  باعوا بيوتهم. ذلك أن الفساد كلي الحضور. وسوق المعلومات المزيفة على قدم وساق.

موتى بـ”السكتة القلبية”

يحدث أن تصل شهادة وفاة إلى العائلات. في عام 2018، مثلًا، مئات أرسلت عدّة من الشهادات مشيرة إلى وفاة مفقود، يعود تاريخها إلى 2013 وتسببت بالوفاة على الدوام تقريبًا “سكتة قلبية”. بلا أي برهان، بلا أي تفسير، ومن دون جسد. الخبر مرعب، لكنه لا يقضي على الأمل بما أنه حدث، كما تروي لنا ساره كيالي، الباحثة في منظمة حقوق الإنسان، أن سجينًا قام بعد سنة من إعلان وفاته، وبعد ستة سنوات من موته المفترض. من يصدق؟ “يلعب الأسد بمشاعر العائلات، لاشيء واضح، عدم اليقين هو السيِّد. وفيروس الكورونا بعد تسع سنوات من الآلام، مصدر جديد لقلقها.”

On compte aujourd’hui au moins 83 000  disparus en Syrie, selon le Réseau syrien pour les droits humains. Ici, le 16 mars 2019, au Centre Amals Healing and Advocacy pour les familles de réfugiés, à Antakya, en Turquie.
يُعّدُّ اليوم على الأقل 83000 مفقود في سورية، حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان. هنا، في 16 آذار/مارس 2019، في مركز أمل للمناصرة والتعافي للاجئين، بأنطاكية، في تركيا (AMALS HEALING AND ADVOCACY CENTER)

لن يكون المرسوم الجديد بالعفو الذي نشرته دمشق في 22 آذار/مارس هو الذي سوف يواسيهم. إنه “كذر الرماد في العيون!”، تقول ساره كيالي. “محاولة بائسة لطمأنة منظمة الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية في ظروف الجائحة”، يزيد فاضل عبد الغني، رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان. أولًا هذا العفو، كسابقيه، لا يعني إلا السجناء العاديين، ولا يعني بأي حال السجناء السياسيين  ولا النشطاء، ولا الصحفيين، ولا المناضلين، المصنفين جميعًا تحت صفة “الإرهابيين”.

بعد ذلك، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه يوجد 130000 سجين في مراكز الاعتقال السورية، تحسب المنظمة غير الحكومية أنه وفق إيقاع مراسيم العفو (سبعة عشر مرسوم منذ 2011)، لابد من انتظار ثلاث سنوات من أجل تفريغ السجون. وهذا من دون الأخذ بالحسبان أن الاعتقالات التعسفية تستمر (بلغ عدد المعتقلين 665 منذ مرسوم العفو الصادر في 15 أيلول/سبتمبر 2019)، وبلغ عددالموتى بفعل التعذيب (116، وثقت وفاتهم من قبل المنظمة غير الحكومية).

إذن، ماذا عن فيروس الكورونا… “العائلات على حق بأن تخاف” يؤكد الدكتور مثنّى، سجين سابق يقيم الآن ببرلين. الأسد أسوأ من الإيرانيين الذين أفرجوا عن آلاف السجناء تحت ضغط فيروس كورونا. أما هو، فلن يفعل شيئًا كي يوفر المعتقلين. على العكس! يمكن لكورونا أن يتيح له الفرصة للتخلص من كل المنشقين.”

يكشف آخر تقرير للمنظمة غير الحكومية هشاشة البلد القصوى في المجال الصحي، وضعف عدد المستشفيات التي تسير سيرًا حسناً، والنقص الخطير في المعدات وفي العاملين في المجال الصحي بما أن 70 بالمائة من الطاقم الطبي هربوا إلى الخارج. ويؤكد أيضًا أن قوى النظام قتلت 669 من مقدمي الرعاية الطبية منذ آذار/مارس 2011، منهم 83 باستخدام التعذيب، وأنها لا تزال تعتقل 3327 منهم في معتقلاتها.

عنوان المقال: En Syrie, le virus du silence

الكاتب:         Annick Cojean

المترجم:          بدرالدين عرودكي

تاريخ النشر: 15 آذار/مارس 2020

رابط المقال:

https://www.lemonde.fr/international/article/2020/05/15/en-syrie-les-familles-de-prisonniers-face-au-virus-du-silence_6039713_3210.html

عدد الكلمات: 2114