المفاهيم عادة هي قوالب فارغة، أجساد بلاد أعضاء، “بالمصطلح الدولوزي”، تتحدد وتتغير مضامينها تبعًا للزمن الذي تعيش فيه، وتبعًا للمشكلات الواقعية التي يواجهها الناس العيانيون في مرحلة زمنية وتاريخية معينة. وإبداع المفهوم هو بالأصل صياغة لمشكلة، وخلق لمشكلة، وفتح لباب جديد ومنظور جديد لرؤية العالم، وتحديد لموقع جديد بالعلاقة مع الراهن الذي نعيشه.

لقد تم ابتكار مفهوم العلمانية في أوروبا، مع صعود الدولة القومية والعلم الحديث، ليطرح إشكالية علاقة الدولة بالدين المسيحي المسيطر سابقًا ضمن الإمبراطوريات السابقة على الدول، وطرح المفهوم جاء لصياغة تلك الإشكالية التي احتاجت واقعيًا إلى تنظيم جديد ومختلف لعلاقة الدولة الجديدة بالدين القديم.

الدين في العصر الإمبراطوري هو السلطة المسيطرة بما هو مرجعية السلطة، ومنه تشتق القوانين والأعراف والقضاء والمحاكم والدساتير، وهو مندمج بالسلطة إلى درجة لا يمكن التمييز فيها بين حدود السلطتين السياسية والدينية. ولذلك فإنه مع صعود الدولة القومية (التي حلّت محل الإمبراطوريات الكبرى من جهة، والقبائل والطوائف الصغرى المتنازعة من جهة أخرى)، احتاجت الدولة إلى أن تفصل سلطتها عن سلطة الكنيسة ومرجعيتها الحاكمة، فجاء مفهوم العلمانية للتعبير عن هذا الفصل، وبالتضاد والمواجهة حصرًا مع سلطة الدين لصالح سلطة الدولة، أي أن العلمانية جاءت تحديدًا للفصل بين الدين بوصفه موضوعًا، وبوصفه جوهرًا أساسيًا للسلطة، وبين الدولة بوصفها محمولًا، وبوصفها تابعًا كان يشتق سلطته من السلطة العليا للدين “الله” فيما سبق، وبالتالي كان لا بد أن يستقل التابع والمحمول ليصبح جوهرًا مستقلًا بذاته، وينتج سلطته من ذاته، فالتابع الذي كان هو الدولة لا يمكن له الاستمرار إن لم يفصل نفسه ويستقل عن سلطة الدين وقوانينه وتشريعاته من جهة أولى، وإن لم يخلق قوانين وتشريعات ودساتير وأنماط سلطة دنيوية منفصلة ومستقلة عن سلطة الدين وخارج سلطته من جهة ثانية.

في العالم العربي، بدأ السؤال يصبح ملحًّا مع انهيار الإمبراطورية العثمانية التي انتهت معها الخلافة الإسلامية، واستمر ذلك السؤال مع تشكيل الدول العربية ورسم حدودها بالقلم والمسطرة، من قبل المستعمر الذي كان في عزّ قوة دولته القومية. لكن ذلك المستعمر جلب معه شروط تشكل دولته القومية كما هي تقريبًا إلينا، ووضع لنا الأصل القانوني لتشكل الدولة الحديثة ما بعد الإمبراطورية. والشكل القانوني هذا ترسّم وبقي لدينا بعد خروج ذلك الاستعمار، وهو ما صنع لنا شكل الدولة الحديثة بحدودها الجغرافية وأحكامها القانونية وترتيبها المؤسساتي وتركيبها السياسي، فترك لنا عند خروجه الأساسات الثلاث للدولة، وهي السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، بما تعنيه من برلمان وحكومة وقضاء وجيش وشرطة وأمن.

ما نريد قوله هنا هو أن الدولة العربية التي وُلدت أصلًا من الخارج كدول مستعمَرة، وليس بفعل نماء وصراع داخلي ضمن السلطنة، ولدت أيضًا دون مشكلة كبيرة مع المؤسسة الدينية الكبرى في الإسلام “الخلافة” تلك التي انهارت نهائيًا عام 1924، ليصنع أتاتورك دولة قومية علمانية قوية منفصلة عن الدين وخارج سيطرته المتّحدة والمندمجة سابقًا بالدولة ضمن الإمبراطورية العثمانية. وعندما حصلت الدول العربية على استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، كإحدى نتائجها، كانت فعليًا معظم مؤسسات الدولة وأجهزتها الرئيسية مُعلمنة “دنيوية”، وكانت المؤسسة الدينية هي إحدى مؤسسات الدولة الفرعية وليست المؤسسة الحاكمة أو المندغمة برأس السلطة، كما كان الحال في عهد الخلافة العثمانية، وإن بقي الدين الإسلامي حاضرًا في الدستور بوصفه مصدرًا أساسيًا من مصادر التشريع، إلا أن الحكم لم يتحول إلى شورى، والحاكم إلى خليفة الله على الأرض، والقضاء لم يتحول إلى مؤسسة دينية مرجعيتها القرآن والشريعة (إلا في ما خص الأحوال الشخصية، كالزواج والطلاق والميراث، وسوف نعود إلى هذا لاحقًا) بل مؤسسة قانونية مرجعيتها الدستور (الذي جاءت معظم مواده من الدستور الفرنسي في الحالة السورية)، إضافة إلى كتب القانون والتشريعات القانونية “الدنيوية” التي كتبها فلاسفة القانون في أوروبا، ورافقت صعود الدولة القومية الحديثة. أما البرلمان والتعليم والصحة والجيش والشرطة والبقية الباقية من مؤسسات الدولة، فقد كانت جميعها خارج إطار السيطرة الدينية موضوعيًا، ولم تأخذ السلطة الدينية أي موقع مركزي ضمن أجهزة الدولة، بل بقي الحضور الديني هامشيًا في مجال التعليم، مثلًا، حيث اقتصر على مادة واحدة “غير مرسّبة”، ضمن منهج كامل يقوم مركزيًا على مواد أخرى مثل الرياضيات والفيزياء والتاريخ والجغرافيا والأدب واللغة.

ما نريد الوصول إليه هو أنه من بين جميع مؤسسات وأجهزة الدولة التي تحدثنا عنها، أخذت المؤسسة العسكرية مع بداية الانقلابات زمام المبادرة، وباتت جميع المؤسسات الأخرى هامشية؛ ومن ضمنها المؤسسة الدينية، وأصبحت الدولة وجهاز سلطتها بالكامل تحت السيطرة العسكرية، ولم تلبث أن باتت الدولة بما هي جهازًا للسلطة هي المشكلة، نتيجة لسيطرة العسكر عليها، وإبطال مفعول المؤسسات المكونة للدولة ذاتها أي التشريع والقضاء والتنفيذ، عبر إخضاعها جميعًا للسلطة التنفيذية التي خضعت بدورها للحكم العسكري/ الأمني. وهذا الواقع جعل حضور المؤسسة الدينية، أو التعليمية أو البرلمانية أو القضائية، حضورًا شكليًا وهامشيًا وتابعًا بالجملة لمركز واحد، هو السلطة السياسية التي أخذت اسمًا آخر هو الدولة.

وضمن هذا الواقع، بات الحديث عن فصل الدين عن الدولة باعتباره المشكلة الأساسية التي تحول أمام تطوّر(نا) وتقدّم(نا)، أو باعتباره هو “المشكلة”، بات يصبح كلامًا غنائيًا وثقافويًا منفصلًا عن قوى الواقع الفاعلة، ولا يعرف أين مكامن السلطة في المجتمع، وليس ذلك لأن الدين منفصل عن الدولة أو المجتمع، بل لأن الدين، بوصفه مؤسسة، كان تابعًا -مثله مثل مؤسسة القضاء والبرلمان والتعليم والصحة وجميع المؤسسات الأخرى- لجهاز مركزي واحد هو جهاز السلطة، أي الدولة، ولم يكن على الإطلاق مؤسسة حاكمة أو مستقلة أو مشاركة في الحكم. أما فصل الدين، بوصفه دينًا لا بوصفه مؤسسة، عن المجتمع، فقد كان كلامًا فاشيًا، قام بترديده بطريقة حالمة و”دونكيشوتية” أقصى غلاة العلمانية، وأتباع المقولة الماركسية الشهيرة “الدين أفيون الشعوب”.

علمانية ضد العلمانية…

عَنتْ العلمانية عند صعودها في أوروبا حرفيًا “فصل الدين عن الدولة”، تحرير الدولة من سلطة الدين واستقلالها عن سلطته العليا. أما ما يجب أن تعنيه في سياق العالم العربي اليوم، فهو العكس تمامًا، أي حرفيًا “فصل الدولة عن الدين”، وتحرير الدين من سلطة الدولة!

ليس الدين ما يحتاج إلى فصل عن الدولة، ولا يأخذ الدين موقعًا قياديًا في الحضور السياسي لسلطة الدولة، وليس الدين هو السلطة الموجهة للدولة والمجتمع في العالم العربي، بل العكس، السياسة هي الدينية، والنظام السياسي؛ سواء كان علمانيًا على الطريقة العسكرية التي استمرت منذ عبد الناصر إلى اليوم، أو على الطريقة الملكية الحاكمة في دول الخليج والمغرب، تلك السياسة ونظامها وأصحابها هي الدينية، تتشابك مع المقولات الدينية الواحدية، وتبني طروحاتها بآليات دينية عقائدية “أيديولوجية”، وتنصّب نفسها في الحكم بآليات دينية، ثابتة، وراثية، أبدية، هووية، طقوسية، رمزية (أي ترفع القادة إلى مستوى الرمز)، إشارية (أي مليئة بالإشارات السرّية حول الواقع ولا تتكلم بشكل مباشر عنه)، واحدية (أي أنها جميعًا تقوم على الحزب الواحد، أو السلالة الواحدة، وتنبذ التعدد في آليات الحكم). ولذلك كانت جميعها معادية جوهريًا للديمقراطية، وجميعها معادية “للعلمانية”، بالمعنى الذي نريد طرحه وتأسيسه.

في أوروبا، كانت الدولة صاعدة، والتعاليم الدينية تملأ الحياة العامة، السياسية، وكانت القوانين والأعراف والأحكام السائدة تغطي مجمل تفاصيل التعاملات التي تضبط الحياة العامة للناس، ولذلك كان لا بد من فصل الدين عن الدولة، لتأخذ الدولة نوعًا من الاستقلال الخاص بها، ككيان مستقل عن سلطة الكنيسة، وكمؤسسة عامة وجهاز للسلطة، يريد أن يأخذ المرجعية من الكنيسة وأن يصبح هو ذاته المرجعية.

في عالمنا العربي، المسألة معكوسة، الدولة تم إنشاؤها أصلًا من الخارج، الاستعمار الأوروبي تحديدًا في مرحلته الكولونيالية التوسعية، كما قلنا سابقًا، وجهاز السلطة كاملًا، بما فيه الدستور والقوانين الخارجة منه، والسلطات الثلاث الرئيسية؛ التشريعية والتنفيذية والقضائية، جميعها جاءت كرزمة واحدة مع تأسيس الدولة خلال المرحلة الاستعمارية، وبنظرة واحدة على الدستور السوري، مثلًا، يمكن أن نرى أنه مبني بثلاثة أرباع مواده على الدستور الفرنسي..

المؤسسات الدينية ذاتها في العالم العربي كانت تابعة بالعموم، في القرارات والتوسعات والالتزامات، للسلطة ذاتها. يتم توظيفها من قبل السلطة، واستخدامها في السيطرة الاجتماعية لصالح السلطة، وإعطاؤها المد الثقافي الاجتماعي أو حجبه تبعًا لمصالح السلطة في البقاء والاستمرار، وليس تبعًا لأي شيء آخر.

وعلى اعتبار الدولة نشأت من الخارج، من حيث رسم الحدود، والتسليح، وبناء الجيش ومرجعيات القضاء القانونية، وأسس البرلمان، والحكومة ووزاراتها، والتعليم الذي فصل المدرسة والجامعة عن الجامع، ووضع المؤسسة التعليمية كلها تحت رعاية الدولة وبروباغندا المعرفة والحقيقة التي تريدها وتحافظ على استمرارها، فإن ذلك كله كان مفارقًا وبعيدًا تمامًا عن الاحتواء الديني للتعليم والمناهج والسيطرة السابقة على الدولة.

تفترض تلك الاعتبارات أن يصبح معنى العلمانية المطلوبة اليوم وهنا مقلوبًا، فليس الدين هو الموضوع والدولة هي المحمول، في جملة “الفصل بين الدين والدولة”، بل العكس تمامًا، الموضوع هو الدولة، وهو السياسة، وهو السلطة، وهو السيادة، والمحمول هو الدين. وبذلك تصبح العلمانية هي فصل “الدولة” عن “الدين”. الدين هو التابع للدولة، وليس الدولة هي التابعة للدين.. الدولة هي الموضوع الذي نحتاج إلى فصله عن تديّنه الخاص من جهة، أي عن وجوده كدين للشعب؛ حيث تكون الدولة هي دين الشعب الذي يحلّ مكان الدين كإطار عام جامع وقامع للشعب الداخل ضمن نطاقها. وفصلها من جهة أخرى عن الدين، الرسمي والشعبي عبر منعها من وضع الدين تحت جناحها، السيطرة عليه واستغلاله لصالح جهاز سلطتها. أما كيفية حضور الدين في الحياة العامة، فيحدده المجتمع عبر البرلمان الذي يجب أن يمثّل الشعب فعليًا، ويسن القوانين التي تحكمه. هذا ما يسمى حكم الشعب لنفسه. ومن هنا، تصبح مقولة جورج طرابيشي على ضرورة تلازم العلمانية والديمقراطية صحيحةً تمامًا، وإن كنا لا نوافق على كيفية فهم الطرابيشي للعلمانية بالمجمل.

لقد تموقعت العلمانية دائمًا في عملية الفصل التي تطالب بها، بالضد من الدين، باعتبار أن الدين هو السلطة التي يجب أن تستقل الدولة عنه لكي تكون علمانية، بينما المطلوب اليوم هو تموقع العلمانية ضد الدولة، باعتبار أن الدولة هي مصدر السلطة، وهي من يملك دينها الخاص؛ أي الدولة كدين، وهي الراعي الرسمي للدين الذي يطلب شرعيته من الدولة وجهاز سلطتها.

إذا نظرنا الآن إلى أكثر الأشياء التي يناقشها علمانويو اليوم على أنها مسائل دينية، فسنرى أنها جميعها مسائل يمكن نقاشها عبر القانون وبعيدًا عن الدين، فمثلًا، ارتداء الحجاب هو مسألة دينية بحتة، ولا يجب أن تتدخل الدولة في هذه الأصل الديني والمحاكمة الدينية للموضوع، لكن مسألة ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، الوظائف، الجامعات، المدارس.. إلخ، تلك مسائل قانونية وليست دينية، يتم نقاشها ضمن البرلمان، لا في الجامع ولا في “وزارة الأوقاف”، وكذلك بخصوص زواج القاصر، أو تعنيف الزوجة، أو ضرب الأطفال، أو حتى شرعة الزواج من أربع نساء، فعلى الرغم من ظهور تلك الأشياء على أنها أشياء دينية، و”هي جميعها ذات مصادر دينية”، فإن نقاشها الحقيقي لا علاقة له بالإصلاح الديني على الإطلاق؛ وذلك مجال آخر، بل الإصلاح القانوني وفلسفة القانون، فما يجب الاهتمام به ليس إن كان الشرع قد حلل الزواج من أربعة، فتلك مسألة تخص الفقهاء والمشايخ ولا تخص العلمانيين إلا من باب الرأي، بل ما يجب نقاشه وتنصيبه هو صياغة قوانين تحمي حقوق المرأة والطفل والقاصر والزوجة وهكذا.. فعندما يكون هناك حق قانوني للمرأة في الطلاق وتقاسم الإرث والأملاك مناصفة مع الزوج، وقانون ينصفها بالحقوق الكاملة والمتساوية مع الرجل، ويسمح بمنح الجنسية لأطفالها، وقانون يعاقب الجاني في حال تعرضت للضرب أو الإهانة أو الاغتصاب أو غيره، ساعتها سيكون حرًا من يتزوج بأربعة نساء تبعًا لتعاليم دينه، وستكون المرأة حرة إن اختارت أن تتزوج بالتشارك مع أخرى أو أخريات، ما دام هناك قانون سيحميها بتحصيل حقوقها كاملة، إن غيّرت قرارها واختيارها.

ولمجرد أن نقول إن جميع المسائل السابقة يمكن نقاشها قانونيًا “وهذا هو الواقع”، فنحن إذًا أصبحنا في حقل الدولة، لا في حقل الدين. حيث يتم نقاش تلك الأشياء من قبل لجان تشريعية تعبّر عن صوت الشعب بشكل حقيقي، وتتفاوض وتتكاتل أو تبتكر حلولًا أو تجد حلولًا وسطى بين المختلفين والمتخاصمين، لكي تتمكن من تمرير قانون معين. وبالمحصلة، يبقى الموضوع مفتوحًا ما دام البشر هم من يصوغون القانون، ويعيدون النظر فيه، ويبتكرون حلولًا إبداعية لقضاياهم القائمة. المسألة برمتها إذًا فلسفة قانون، لا فلسفة لاهوت، ولا قضايا دينية.

ليست مشكلة مجتمعاتنا الأساسية هي مع الدين، إنما هي مع الدولة ومع القوانين (بالطبع هناك مشاكل دينية، ومشاكل مع الدين، وهي مشاكل مستمرة وستبقى، ولكن تلك مسألة أخرى). إن تحديد المشكلة العربية على أنها مشكلة موجهة ضد الدين هو تزوير للواقع، (ولم يكفّ المفكرون والمثقفون العرب عن المشاركة في ذلك التزوير وإعادة صياغته وتكراره، منذ عصر النهضة العربية إلى اليوم) بل هو ليس تزويرًا للواقع فحسب، بل مشاركة في العمل على تثبيت سلطة الأقوياء على الضعفاء، والدولة، من حيث إنها جهاز للسلطة، هي القوة التي يجب الحد من سيطرتها، عبر تفتيت تلك السيطرة وتجزيئها إلى عدد كبير من السلطات. الدولة هي الأقوى، ورجال الدين الذين تستتبعهم الدولة هم جزءٌ من جهاز السلطة، جزء من الأقوياء، وجزء من قوة الدولة، التي لا بدّ من تفتيتها، وأحد أشكال تفتيتها طردُ رجال الدين من تحت قبتها وعباءتها ومن تحت حمايتها، تحديدًا بوصفهم رجال دين، حيث تبدو المؤسسة الدينية التابعة للدولة العربية مؤسسة فاسدة مثل جميع المؤسسات الأخرى، بل هي منظمة أقرب إلى جهاز أمن، تنطق بما تريده السلطة، وتخرج الفتاوى الدينية تبعًا لحاجة السلطة، وتمنع أو تسمح أو تخطب في الناس بالجوامع، تبعًا لإشارات السلطة وحاجاتها.

إن القول بأن العلمانية هي فصل الدولة عن الدين، وليس العكس، هو قلب معرفي وإدراكي للعلاقة بين الدولة والدين، وليس مجرد وضع كلمة مكان الأخرى. والقلب المعرفي يضع كامل ثقله في التركيز على الدولة وخصائص الدولة وليس على الدين، كما هي حال الثقافة العربية الآنتي-دينية السائدة. ونرى ذلك بوصفه بديلًا عن التموقع بالتقابل مع الدين، وجعل الصراع الأساسي للثقافة والاجتماع والسياسة في العالم العربي صراعًا ضد الدين، وهو ما سينتهي بتزوير الواقع وعدم التأثير الفعلي بقواه. بينما يقوم القلب المعرفي والإدراكي المُقترح هنا بقلبٍ جوهري لإدراك المشكلة، بحيث يصبح الدين مسألة “جانبية” أو “تابعة” وليس “هو المسألة” في ذلك الصراع القائم بشكل أساسي ضد سيطرة الدولة الواحدية وشكل سياستها وحدود سيادتها. ومن هنا يصبح نقد السلطة هو أساس كل نقد وليس نقد الدين، كما قال ماركس وأتباعه.

إن نقد السلطة هو الأساس المعياري لكلّ نقد، ومن خلاله يُنقد الدين باعتباره سلطة، وعندما يتمركز في السلطة، لا باعتباره أسلوبًا في الحياة ولا بوصفه طريقة في فهم العالم.

مشكلتنا ليست مع الدين بوصفه دينًا، بل مع الدولة. وعندما نضع أنفسنا؛ بوصفنا علمانيين، في تقابل مع الدولة وليس مع الدين، فنحن نخلق علاقة مساواة مع المتدينين، ونخرج من التعالي الذي مارسه دائمًا العلمانيون على المتدينين، من موقع الاستقواء بالحضارة والتحضر والحضور في العصر، بعيدًا عن التخلف الذي يمثله المتدين أو الذي وُضع المتدين في خانته. هذا من جهة، ومن الجهة الثانية، نخرج بذلك من الموقع الذي وضعنا فيه المثقفين والمفكرين منذ نشوء الدولة العربية المعاصرة، ولا سيما أولئك المثقفين العلمانيين الذين كانت حربهم الأساسية حربًا ثقافية في مواجهة الدين. فعلى الرغم من أهمية طروحاتهم فإنها لم تنتج إلا زيادة في التحشيد المتبادل بين العلمانيين والإسلاميين، وتوسيعًا في الشرخ الاجتماعي بين المتدينين وغير المتدينين، وتغييبًا للمشكلة الحقيقية التي تكمن في فضح مكامن السلطة في الدولة والمجتمع، وهو ما نتج عنه تغلغل السلطة في جميع نواحي الحياة وسيطرة جهاز السلطة؛ أي الدولة، على العلمانيين والإسلاميين معًا، وطغيانها على المجتمع كاملًا، بمتدينيه وغير متدينيه، بعد إزاحة كلا الفريقين بأحزابهم ومنظماتهم وحركاتهم وحراكاتهم عن مواقع السلطة الحقيقية؛ بالأحرى، اللعب بالجميع لكي تبقى المنافسة خارج السلطة الحقيقية.

 العلمانية إذًا هي فصل مضاعف، فصل الدولة عن دينها الخاص، وفصلها عن السيطرة على الدين، حيث لا يجب أن يكون للدولة دين ولا هي ذاتها دين. فصلها عن تديينها العام الذي تفرضه سلطتها، وفصلها عن حضورها في حياة مواطنيها كدين، يعاقب كل من لا يؤمن به بالخيانة، بدل التكفير القديم الذي ارتبط بالدين، ويعاقب المرتد عن واحدية الدولة، أو الكافر بواحدية سلطتها برميه بالسجون المؤبدة، أو جعله منبوذًا خارج القانون الذي لوت عنقه وأبطلت مفعوله الدولة الواحدية لكي تحمي سلطتها.

لقد سحبت الدولة السلطة من الدين، وبات الدين هو أحد مؤسسات الدولة القمعية والتسلطية، وليس العنصر المؤسس للدولة، ولذلك كانت السلطات سعيدة جدًا بنخبها العلمانية التي لم تكفّ عن نقد الدين، باعتباره القوة الأساسية للسيطرة الاجتماعية والسياسية، فنقد إحدى مؤسسات الدولة “الدين” هو مسألة مهمة لا نغفل عن أهميتها، ولا يمكن التقليل من أهمية ذلك النقد، ونقد الدين بشكل عام، لا بوصفه مؤسسة، يحتفظ أيضًا بأهميته الفلسفية والتاريخية والثقافية، لكن ما حصل في الواقع هو أن ذلك النقد بوجهيه كان يُستغل من السلطة، وكان يساعد السلطة ذاتها في إبقاء سيطرتها على تلك المؤسسة الاجتماعية التقليدية، في الوقت الذي تسيطر فيه ببساطة على تلك النخب، وتسكتها حينما تشاء وتضبّها كلها وترميها في السجون لمجرد الاقتراب من السلطة الحقيقة للدولة، أي سلطة النظام السياسي وجهاز الدولة الخاضع للسيطرة الأمنية.

أن تنتقد الدين، أو تعارض المؤسسة الدينية في سورية، مثلًا، كان يشبه إلى حد بعيد معارضتك للمؤسسة القضائية، هناك سقف للمسألة، ولكنها تبقى مفتوحة للنقد ولا تشكل خطورة على أحد، ولطالما استخدم النظام السوري تناقضات تلك المؤسسات ونقدها البيني ليسيطر على الجميع ويستخدم حجج الجميع ضد بعضهم البعض، ويبقى فوقهم جميعًا ممنوعًا من المس.

المؤسسة الدينية هي مؤسسة فاسدة في الدولة العربية، لكنها في ذلك لا تختلف عن غيرها من “مؤسسات” الدولة، فهي في ذلك مثلها مثل القضاء، البرلمان، الشرطة والجيش، التعليم، الصحة.. إلخ. لكن جميع هذه المؤسسات هي مؤسسات بمعنى ما شكليّة وجانبية، جميعها تقبع تحت سلطة كليّة عليا هي سلطة الدولة. وعلى الرغم من أن تلك الأجزاء “المؤسسات” هي ما يشكّل الكل “الدولة”، فمن الواضح أنه لا يمكن تغيير تلك الأجزاء إلا بعملية تشمل الكل الذي يحتويها ويؤسسها وينتصب فوقها، كحام يشرف على استمرارها وعلى فسادها وعلى تبعيتها.

العلمانيون والإسلاميون والشعب..

لقد تعامل معظم العلمانيين مع الإسلاميين بوصفهم العدو الأول، بينما تعاملوا مع النظام المستبد بوصفه خصمًا سياسيًا، وهو ما جعل الخصوم تتلاقى في حربها ضد “العدو”. ولذلك رأينا كيف تحول أولئك العلمانيون إلى “عملاء للاستبداد” (وهو وصف للمنصف المرزوقي في إحدى مقابلاته الأخيرة)، ومدافعين عن الاستبداد ضد الثورات التي وسمت بالإسلامية، وقد رأينا ذلك عند أدونيس ونوال السعداوي ونزيه أبو عفش وكثر غيرهم، لكن تلك العداوة تحولت فعليًا إلى عداوة للشعب، ومعتقدات الشعب، وإلى تعال على الشعب ووصاية عليه من الأعلى تمامًا مثل حال الاستبداد.

وللتوضيح أكثر في هذه المسألة الملتبسة، لا بد من القول: لا شك في أن هناك محاولة دائمة ورغبة لدى الأحزاب والحركات الإسلامية في تحويل الدين إلى دولة، وجعل سلطة الدين هي ذاتها سلطة الدولة، هذا ما حاول فعله الإخوان المسلمون في مصر، وداعش والنصرة في سورية، لكن من الضروري جدًا أن نتذكر أن من أسقط محمد مرسي والإخوان المسلمين في مصر قبل السيسي هو الشعب، الشعب المصري الذي يُعدُّ من أكثر شعوب المنطقة العربية تدينًا، هو الذي أسقط محاولة الإخوان المسلمين تحويل الدين إلى دولة، وتديين الدولة، وأخونة الدولة، ثم جاء السيسي ليركب هذه الموجة ويؤسس حكمه الطغياني. وفي الوقت الذي استطاع فيه الشعب المصري الخروج بما قيل عنه إنه أعلى نسبة تظاهر في التاريخ “13 مليون مصري حسب التقديرات”، ضد الحكم الإخواني، لم يستطع بعدها الخروج للتظاهر مرة واحدة دون أن يتم قمعه وارتكاب المجازر بحقه من النظام العلماني السيسوي. ولذلك فإن المقصود هنا، وما يجب أن يفهمه العلمانيون قبل غيرهم، هو أن تحويل الدين إلى دولة لم يعد مقبولًا من قبل الشعب ذاته، ولم يعد ممكنًا قياسًا بالعصر ذاته، وأن إمكانيته التي تحققت لفترة وجيزة مع (داعش)، وما زالت بشكل أو بآخر مع النصرة، تحققت أولًا بقوة السيف وبشرط استبدادي مطلق، وثانيًا ضمن شرط استثنائي هو شرط الثورة والقمع الدموي الذي تلقته من قبل النظام، وثالثًا خارج اختيار وقدرة المجتمع المحلي على مقاومة الجميع دفعة واحدة، ووجود عدو أكبر هو النظام، ورابعًا إن موقف الناس العاديين ضمن شرط سلمي وبحدود دنيا للديمقراطية، لا يختلف عن موقف العلمانيين أنفسهم في رفض تحول الدين إلى دولة، مثلما أثبت المصريون ودفعوا ثمنًا باهظًا لذلك الرفض، ومثلما فعل التونسيون، ومثلما حاول الناس في إدلب السورية فعله، عندما لم يتوقفوا عن التظاهر ومحاولة التظاهر ضد النصرة، بالرغم من عدائهم الكامل للنظام، وبالرغم من التعقيد والتشابك الدولي والمحلي هناك، ومن الحيف والظلم والشروط اللاإنسانية التي يعيشها الناس في تلك البقعة المنكوبة من العالم.  

تعاريف العلمانية..

لقد تم تعريف العلمانية في العالم العربي بطرق متنوعة، لكنها تصب جميعها ضمن المبدأ ذاته، وهو وضع الدين كموضوع وجوهر أساسي، وفصل الأشياء عنه.

التعريف الأول والشائع هو فصل الدين عن الدولة، وقد بينّا أعلاه لماذا يجب أن يكون العكس، ولماذا يجب قلب هذا التعريف رأسًا على عقب، لكي يصبح معبّرًا عن قوى الواقع.

والتعريف الثاني هو فصل الدين عن السياسة، وهو ما نراه عند الميسري، وبشكل غير مباشر عند الجابري الذي اعتبر العلمانية مشكلة زائفة اخترعها مسيحيو الشرق، ثم عاد ليؤكد ضرورة فصل الدين عن السياسة، بما تمليه العقلانية السياسية التي كانت هي ذاتها مشروعه الفكري “الإبستمولوجي”، والذي انتهى كمشروع أيديولوجي. والإشكالية الناتجة عن هذا التعريف هي أولًا تركيزها على الدين كموضوع، وليس على السياسة، تمامًا كحال “فصل الدين عن الدولة”. مرة أخرى ليس موضوعنا هنا هو الدين، بل السياسة، فالسياسة هي التي تلبّست شكلًا وموقعًا دينيًا، عندما تحولت إلى عقائد مغلقة ودوغمائية لا يمكن اختراقها وفتحها للنقاش العام دون كسر رموزها وتراتبيتها وجمودها. وهذا ما يحتاج إلى عملية قلب تجعل رأس المشكلة في السياسة وليس في الدين. والثانية هي أنه واقعيًا لا يمكن فصل السياسة عن الدين بمعناه العام. ما يمكن ويحتاج إلى فصل هو السياسة عن المؤسسة الدينية، بوصفها إحدى مؤسسات الدولة، وأما فصل السياسة عن الدين بوصفه دينًا فهو غير ممكن واقعيًا، ولا سيما أن كثيرًا من المواضيع السياسية التي لا بد للسياسي من نقاشها في المجال العام وتحت قبة البرلمان هي مواضيع ذات أصول دينية، مثلًا أن تكون الشريعة الإسلامية مصدرًا من مصادر التشريع هو موضوع سياسي ويتم نقاشه سياسيًا، ومسألة قانون الأحوال الشخصية، ودخول التربية الدينية في مناهج التعليم، ومسألة تمويل الجوامع والمرافق الدينية.. إلخ، هذه جميعها مواضيع سياسية متشابكة مع الدين والعقائد الدينية، ولكن حلّها لا يأتي بقرار وصائي من المؤسسة الدينية ومن الشريعة ذاتها، ولا بقرار وصائي من العلمانيين والأحزاب العلمانية، بل بقرار سياسي يتم نقاشه والتفاوض عليه والتصويت له تحت قبة البرلمان، ولا يحق لا للمؤسسة الدينية ولا لغيرها التدخل في القرارات السياسية التي يصدرها من يمثل الناس.

التعريف الثالث والأخير هو اقتراح ياسين الحاج صالح، وهو أن العلمانية هي فصل الدين عن السيادة، وهو تعريف يسير على الخطوط السابقة ذاتها، فالمشكلة تكمن -بتقديرنا- في إعادة تعريف السيادة وصياغة حدود وشكل السيادة، وفي إنتاج مفهوم جديد للسيادة الوطنية، وفصلها عن حدود الدين وسيادة الدين وليس العكس، فليس الدين هو القابع في موقع السيادة، ولا هو من يهتم بالحدود ولا هو من يفصل الدولة عن غيرها من الدول، ولا هو المشرف على أجهزة الدولة، ولا هو من يقدم الحماية للمواطنين مقابل ولائهم. على العموم، لم يخترق الدين يومًا حدود السيادة الوطنية ليشكّل هو تلك الحدود إلا تحت حكم (داعش) المؤقت، وقد اخترقه بوصفه دولة “خلافة” جديدة، لا بوصفه دينًا. لم يرسم الدين حدود الدولة العربية الحديثة، ولم يصغ الاتفاقات الدولية مع الدول المجاورة أو غيرها، ولم يأخذ مكانًا سياديًا في تشكيل السيادة الوطنية أو الهوية الوطنية في الدولة الحديثة، ولم تُرسم حدود الدول على أساس ديني عند تشكيل تلك الدول، ولا يمكن واقعيًا فعل ذلك، لأن التنوع الديني هو واقع معظم الدول، ولا سيما دول المشرق العربي.

 في ما يخص الدولة والسياسة والسيادة، نلاحظ أنه لا بد من قلب الأشياء على رأسها لتصبح واضحة، وتصبح معبرة بشكل حقيقي عن حاجة المجتمع بجميع أطيافه؛ الدينية وغير الدينية، بمعنى أنه لا بد من مواجهة وتثبيت حقيقة أن السلطة، سلطة الدولة، هي الأساس، ولا بد من نزع سيطرة الدولة على الدين. فالدولة هي الكيان الرمزي القوي الذي حل محل كيان رمزي سابق وآخر، هو الله، والدين يأخذ سلطته اليوم من الدولة وليس العكس، وليس هناك دين خارج حدود؛ أو ما تحدده، الدولة، بمعنى خارج سيطرتها، فالكلمة العليا في المجتمع هي للدولة، ومنها يستمد الدين شرعيته، وغالبًا توجهاته ضمن المجتمع.

لا يعود الدين إذًا ضمن تلك الاعتبارات في موقع الدفاع عن نفسه، بل في موقع من يحتاج إلى حماية، وليس الدين هو المركز الذي يصبح بحاجة إلى نقد وتقويض وتحديد وإعادة صياغة (وهذه أيضًا مسألة أخرى تتعلق بالمصلحين والفقهاء والمشايخ وغيرهم) بل الدولة والسياسة والسيادة.

العلمانية والأخلاق..

هناك مشكلة أخلاقية في المسألة العلمانية كما تجلت حتى اليوم في العالم العربي، والغربي أحيانًا، وهي أن العلمانية أرادت أن تطرح نفسها كبديل أخلاقي عن الدين، بمعنى أن هناك أخلاقًا علمانية مرتبطة بنمط الحياة والتفكير واللباس والتصرف والتعامل بين الناس، لا بد أن تحلّ محل الأخلاق الدينية العامة والمرتبطة بالشرائع السماوية وغير السماوية. ونلاحظ هنا أنه لمجرد أن تقدّم العلمانية نفسها كبديل أخلاقي للدين، تتحول هي ذاتها إلى دين يحدد أخلاق المنتسبين إليه وعاداتهم وطرق حياتهم، وليس بعيدًا عن ذلك ما نراه من تعلق شرس ودفاع أشرس للعلمانيين بمعتقدهم وبدفاعهم عن ذلك المعتقد، وصراعهم الذي لا يكلّ ولا يمل مع الأديان ومع المتدينين. 

لكن الأخلاق العلمانية ليست أخلاقًا صالحة للجميع، ولا يجب أن تفرض نفسها على الجميع، بل لا بد أن تتخلص من فكرتها “الجمعية” وأحكامها الأخلاقية الكلية، لكي تتخلص من فاشيتها. الأخلاق بمعنى morality أو tradition هي دائمًا مسألة خاصة بفرد أو جماعة أو قبيلة أو فئة أو طائفة أو دين أو ثقافة معينة من الناس، فليس هناك أخلاق عليا لدولة، ولا يجب أن يكون، فما تعنيه وتتضمنه المعاني المشار إليها أعلاه للأخلاق هو أنها جملة أحكام معيارية، تقول ما يجب أن يكونه أو يتصرف على أساسه فرد أو جماعة، وتحدد ما هو مقبول وما هو غير مقبول لتلك الجماعة أو ذلك الفرد، وما تهتم به تلك الأخلاق هو الترتيب والتراتب القيمي، حيث تخضع الأفعال على نحو دائم لأحكام أخلاقية تصنفها إلى ما هو فضيلة وما هو رذيلة، ما هو أعلى وما هو أدنى، ما هو شر وما هو خير.. إلخ. وما يجب التركيز عليه -بالضد من الأخلاق العلمانية والأخلاق الدينية معًا- هو الأخلاق بمعنى الإيتيقا ethics، وعند التدقيق في الفارق بين الإيتيقا والأخلاق، سنجد فارقًا نوعيًا لا يمكن اختزاله، فما يعني الإيتيقا هو التركيب وليس الترتيب، بمعنى أنه لا تقول لنا الإيتيقا ما يجب وما لا يجب، قياسًا إلى مبدأ متعال، إلهي أو علماني، بل قياسًا إلى القانون، قانون يقوم على المصلحة العامة ومرجعيته قضائية، وينطبق على جميع الأديان وجميع المتدينين وغير المتدينين ضمن مجتمع ودولة واحدة، مثلًا يكون القتل ممنوعًا ضمن مجتمع ما، ليس لأنه إحدى الكبائر فقط، ولا لأنه يخالف الشرع فحسب، بل لأنه يضر بالمصلحة العامة للمجتمع، وبالتعاون والتشارك الاجتماعي، وهذا ما سيفصل بين الثأر وتطبيق القانون، وكذلك في ما يخص السرقة التي لا يعود مرجعها الحرام والحلال والشرائع السماوية التي شرّعت قطع اليد مثلًا، بل القانون الموضوعي المفصّل لكل حالة على حدة. وبالقياس الإيتيقي لا ينطق القاضي حكمه تبعًا لأحكام أخلاقية أو عرفية، بل تبعًا لشروط ارتكاب القتل أو السرقة أو غيرها، وهو ما يزيل ويستبعد الجرائم المسمّاة بجرائم “الشرف” من القانون بشكل كامل، تلك الجرائم التي ارتبطت تاريخيًا في العالم العربي بالأعراف والتقاليد والثأر والانتقام وغيرها.

إذا كانت الأخلاق الدينية تريد أن تفرض الحجاب، على سبيل المثال، في مجتمع معين، فإن الأخلاق العلمانية تريد أن تفرض عدم ارتدائه، وكلا السلطتين الفاشيتين تنسب نفسها إلى مرجع متعال، الله في الحالة الأولى، والإنسان في الحالة الثانية، والفاشية الثانية هي مشكلة أساسية ضمن هذا السياق، باعتبارها تريد أن تعرّف الإنسان بمعناه المجرد المتعالي دون النظر في الإنسان المشخص ضمن مجتمع محدد، فإذا كان المتدينون يريدون فرض أخلاقهم على الجميع تبعًا لفرض أعلى وإلهي، فإن العلمانيين يريدون فرض أخلاقهم ضمن متعالي جديد هو الإنسان، ولكن أين هو ذلك الإنسان؟ إنه إنسان مجرّد يختارون نموذجه من فرنسا أو أميركا أو ألمانيا، وليس بالتأكيد من أي دولة هامشية، ثم يريدون فرضه كمتعال ضمن المجتمع المحلي. ما يتناساه أولئك العلمانيون هو البشر أنفسهم في مجتمعهم، والذين تقع على عاتقهم وحدهم انتخاب ممثليهم، ويقع على عاتق ممثليهم صياغة القوانين في البرلمان، وما يتناسونه أيضًا هو المواطن؛ فالمواطن هو التعيّن الفعلي والأساسي للإنسان، المواطن هو ما يوجد ضمن مجتمع سياسي وضمن دولة محددة، وليس الإنسان بمعناه المتعالي المجرّد، المواطن هو من له حقوق محددة في القانون، القانون الذي يصوغه ذلك المواطن نفسه أو ممثلوه، دون الحاجة إلى المتعالي “سواء أكان إنسانًا أو إلهًا”. وبهذا المعنى؛ يحق للمتدين، عندما يصل إلى البرلمان، أن يستعين بالله كمرجعية، مثلما يحق للعلماني أن يستعين بالإنسان كمرجعية عليا، ولكن ما يفصل بين الإنسان والله هنا هو المواطن، والمواطن هو الشخص الذي تصبح مرجعيته معينة ومشخّصة وإيتيقية وقانونية وواضحة ويمكن قياسها والحكم عليها، وليس الإنسان المجرّد.

أخيرًا، تحتاج تلك الطروحات بوجه عام إلى نقاش أوسع، وتدقيق وتفصيل أكثر، لكن ملاقاة التغيير الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي بدأ مع ثورات الربيع العربي، تحتاج إلى تأسيس وعي جديد، وطرق إدراك جديدة للمشكلات المستعصية التي واجهتها الأجيال القديمة وما زالت قائمة اليوم، وإحدى طرق المواجهة هي تغيير أدواتنا وآليات فهمنا وإدراكنا للمشكلات ذاتها، بدل الاستمرار اللانهائي في طرق الأبواب الصدئة ذاتها، بالأدوات ذاتها والأسلوب ذاته وآليات التفكير نفسها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بإشكالات الثقافة والمشكلات الثقافية التي حملت دائمًا وجهًا سياسيًا، وارتبطت دائمًا بالاستعصاء السياسي، وانتهت دائمًا بنتائج سياسية.