أقرّت جماهير الجولان السوري المحتل الوثيقةَ الوطنية، في الخامس والعشرين من آذار/ مارس عام 1981، بوصفها الدستور الوطني والاجتماعي لسكان الجولان، التي حددت العلاقة مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وسُبل مواجهة إجراءات تغييب وطمس هويتهم الوطنية السورية، ومنحهم الجنسية الإسرائيلية، تحقيقًا لمصالح الدولة العبرية للاستحواذ على الأرض، وحسم مصيرها في أي تسوية سياسية مقبلة مع سورية.

ارتبط النضال الوطني السوري لسكان الجولان، بعد الاحتلال منذ حزيران/ يونيو1967، بإرث وموروث الشعب السوري وكفاحه، من أجل الحرية والاستقلال، كجزء لا يتجزأ من المشروع الوطني التحرري السوري، الذي يجسد أحلام وتطلعات السوريين في الحرية والاستقلال، حيث شكلت الهزيمة النكراء خيبة أمل كبيرة، لدى الغالبية العظمى من السوريين، إذ عدّوها وصمة عار في جبين التاريخ السوري. الأمر الذي حتّم على الرعيل الأول، من المناضلين السوريين في الأرض المحتلة، المبادرة إلى تأسيس خلايا المقاومة الوطنية، التي وضعت في أولوياتها الوطنية والاجتماعية التمسّك بالهوية السورية، والحفاظ عليها، ومنع تغييبها أو طمسها، في ظل الإجراءات الإسرائيلية التي سعت إلى سلخ السكان المتبقين عن وطنهم (عددهم آنذاك حوالي 6300 نسمة، من أصل 156 ألف نسمة)، وربطهم بالمنظومة الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية الإسرائيلية، كـأقليّة مذهبية، تحاكي الرؤية الإسرائيلية في تعاملها مع الشعب العربي، كمجموعة طوائف ومذاهب متحاربة وغير متجانسة.

ما بين مرحلة الستينيات والسبعينيات، واجه سكان الجولان المحتل هزائم وانكسارات وطنية عديدة، تجلت في تخلي النظام الرسمي عن واجباته الوطنية، تجاه الأرض السورية في الجولان، وتغييبها عن الأولوية والأجندات الوطنية والسياسية، بعد سنوات الهزيمة في العام 1967،وحرب تشرين/ أكتوبر 1973 التي أفضت إلى توقيع اتفاقية كيسنجر-الأسد، التي تم بموجبها استعادة 50 كم2 من مساحة الجولان الإجمالية المحتلة البالغة 1250 كم2، حيث وضع حدًا بخطابه الإعلامي، لقضية تحرير الأرض المحتلة، التي ادعى تحريرها بعد رفع العلم السوري في سماء القنيطرة، كاستحقاق سياسي وعسكري، يتيح له مواصلة لعب الدور المنوط به على الساحة الوطنية والإقليمية والدولية.

شكّل عقد الثمانينيات انعطافًا مهمًا في مقاومة سكان الجولان للاحتلال الإسرائيلي، الذي بدأ بالضغط عليهم لقبول اندماجهم بالمنظومة الإسرائيلية، وقبول الجنسية الإسرائيلية، والانخراط الطوعي للخدمة في صفوف الجيش الإسرائيلي، حيث جاء إصدار الوثيقة الوطنية، والإضراب التاريخي الكبير، في شباط/ فبراير 1982، تتويجًا لسلسة من النضال والكفاح الوطني السوري الذي جسد الموقف الشعبي، برفض قانون ضم الجولان إلى الدولة العبرية، ورفض كل قراراتها الهادفة إلى سلب الجولان هويته السورية. في الوقت التي تجاهل نظام الحكم في سورية هذه التحركات الشعبية والجماهيرية، وأغفلها وأسقطها من الخطاب الإعلامي الرسمي، حتى تمّ الكشف الرهيب عن مجزرة حماة، في شباط/ فبراير من عام 1982، حين شن النظام حملة عسكرية واسعة، ضد ما أسماه عصيان جماعة الإخوان المسلمين في المدينة، استمرت 27 يومًا، ارتكب خلالها مجازر عدة، ليقضي على عشرات الآلاف من المدنيين من أهالي المدينة. وخرج رأس النظام آنذاك (حافظ الأسد) في أول خطاب له، وتناول فيه لأول مرة قضية الجولان ورفض سكانه للإجراءات الإسرائيلية، وتحدث عن صمود الأهل في الجولان، بعد أن استغل نضالهم ومواقفهم للتحريض على الشعب السوري المنتفض في حماة وسائر المدن السورية، لتبرير حملته العسكرية ضد أهالي المدينة وسائر المدن السورية، والقضاء على كل صوت معارض، سواء أكان علمانيًا أم إسلاميًا.

وفي هذا الصدد، يقول الدكتور علي أبو عواد، وهو أحد طلبة جامعة دمشق الذين استطاعوا دخول سورية لمواصلة التعليم في جامعة دمشق: “دأب النظام في سني احتلال الجولان الأولى على تغييبنا من المشهد، قبل أن تخزق أصواتنا أذنيه عام 1982، الأمر الذي جعل المرحوم شاكر الفحام، وزير التربية والتعليم في الحكومة السورية، يصرّح لنا عندما اجتازت دفعتنا الأولى -كطلاب جولانيين- خط وقف إطلاق النار، بعد جهود مضنية للحصول على حقنا بالالتحاق بالجامعات السورية، بأن قولوا عني ما شئتم، فإني لأول مرة أعلم أن هنالك عربًا سوريين متبقين تحت الاحتلال”، يومها أراد النظام السوري التسويق أن الجولان تحرر برفع العلم السوري في القنيطرة، وأن من تبقوا هناك مجموعة قليلة العدد من الدروز الخونة!

بعد ذلك، انتقل النظام إلى القيام بلعبة معاكسة، بعد أن ظهر صوتنا المتمسك بانتمائه، وبات من الصعب عليه إخفاؤه، فقد حاول ركوب الموجة واستخدام صوتنا لمصلحة نظامه، مع العمل على تخريب أسس موقفنا، وتغييب صوت أكثرية الجولانيين ممن نالهم التشرد، إذ لم يسمح حتى لسكان القنيطرة بالعودة إليها، بعد انسحاب الاحتلال منها، وكانت وما زالت حتى الزيارات لا تتم إلا بتصاريح أمنية!

الوثيقة الوطنية لسكان الجولان انطلاقة لمشروع وطني

سبق قرار الكنيست الإسرائيلي، بضم الجولان في كانون الأول/ ديسمبر 1981، خطوات فعلية، أبرزها وضع السكان تحت إدارة الحكم العسكري الذي بدأ بتنفيذ خطوات عدة، فور احتلال الجولان، أبرزها: استبدال المناهج التربوية السورية، واستخدام مناهج إسرائيلية؛ ملاحقة الوطنيين السوريين والتضييق عليهم؛ منع دخول الصحافة العربية إلى الهضبة؛ محاسبة المخالف بالسجن وبالغرامات المالية؛ فرض مجالس محلية ومذهبية تتلقى تعليماتها المباشرة من السلطة المحتلة؛ مصادرة الأراضي ومحاربة السكان اقتصاديًا؛ منع قيام الجمعيات الخيرية والنوادي، وبالمقابل محاولة فرض نوادي للهستدروت، ومحاولة تنظيم السكان في المؤسسات الإسرائيلية؛ الطلب من العملاء أن يطالبوا بضم الجولان، وتشويه موقف الوطنيين والأسرى المعتقلين من خلايا المقاومة الوطنية السورية، والتحريض عليهم بادعاء أنهم خونة يحاولون ضعضعة أوضاع السكان الاقتصادية والمعيشية والأمنية، وكان الهدف الواضح هو محاولة “دمج” السكان السوريين بالمجتمع الإسرائيلي تمهيدًا لضم الجولان، وكانت السلطات المحتلة الممثلة بالحاكم العسكري تلقى معارضة شديدة من السكان، في كل خطوة عملية تخطوها.

أدرك مواطنو الجولان خطورة السياسة الإسرائيلية الرامية إلى سلخهم عن انتمائهم الوطني والقومي، وتجريدهم من جنسيتهم السورية الموروثة من الآباء والأجداد، وأعلنوا رفضهم القاطع استلام الجنسية الإسرائيلية، ودعت الهيئات الوطنية إلى اجتماع عام تقرر فيه مقاومة المشروع الإسرائيلي، وأدواته المأجورين من العملاء الذين حملوا السلاح إلى جانب قوات الأمن الإسرائيلية، في أثناء مداهمة البيوت وحملات الاعتقال والتفتيش وعلى الحواجز العسكرية، وساهموا في تشويه إرادة مواطني الجولان إعلاميًا، وقرر المجتمعون بالإجماع المقاطعة الاجتماعية والدينية والاقتصادية الكاملة “لكل من تسوّل له نفسه استلام الجنسية الإسرائيلية، ومقاطعة العملاء ومحلاتهم التجارية، ومنع التزاوج منهم، وحظر المشاركة في أفراحهم وأحزانهم، وعدم التحدث معهم، ورفض أي تعامل معهم”. وأصدر المجتمعون “الوثيقة الوطنية لمواطني الجولان” التي تضمنت قرارات تدعو إلى مقاومة محاولات تطبيق القانون الإسرائيلي على الجولان، أرضًا وشعبًا، وقد تحولت الوثيقة إلى قانون مُقدّس، ينظم العلاقات الداخلية لمواطني الجولان، لصون الوحدة الوطنية أولًا، وإلى ركيزة للعمل المقاوم ضد المحتل ثانيًا. وقد ورد في نص “الوثيقة الوطنية “ما يلي:

“نحن -المواطنين السوريين في الجولان المحتل- نرى لزامًا علينا أن نعلن لكل الجهات الرسمية والشعبية في العالم أجمع، ولمنظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها، وللرأي العام العالمي والإسرائيلي”، أن (1)

  • “هضبة الجولان المحتلة هي جزء لا يتجزأ من سورية العربية.
  • الجنسية العربية السورية صفة ملازمة لنا لا تزال، وهي تنتقل من الآباء إلى الأبناء.
  • أراضينا هي ملكية مقدسة لأبناء مجتمعنا السوريين، وكل مواطن تسول له نفسه أن يبيع أو يتنازل أو يتخلى عن شبر منها للمحتلين الإسرائيليين، يقترف جريمة كبرى بحق مجتمعنا وخيانة وطنية لا تغتفر.
  • لا نعترف بأي قرار تصدره إسرائيل، من أجل ضمنا للكيان الإسرائيلي، ونرفض رفضًا قاطعًا قرارات الحكومة الإسرائيلية الهادفة إلى سلبنا شخصيتنا العربية السورية.
  • لا نعترف بشرعية المجالس المحلية والمذهبية، لأنها عُينت من قبل الحكم العسكري الإسرائيلي وتتلقى تعليماتها منه، وإن رؤساء وأعضاء هذه المجالس لا يمثلوننا بأي حال من الأحوال.
  • إن الأشخاص الرافضين للاحتلال من خلال مواقفهم الملموسة، والذين هم من كافة قطاعاتنا الاجتماعية، هم الجديرون والمؤهلون بالتعبير عمّا يختلج في ضمائر نفوس أبناء مجتمعهم.
  • كل شخص من هضبة الجولان السورية المحتلة تسوّل له نفسه استبدال جنسيته بالجنسية الإسرائيلية، يسيء إلى كرامتنا العامة وإلى شرفنا الوطني وإلى انتمائنا القومي وإلى ديننا وتقاليدنا، ويعدّ خائنًا لبلادنا.
  • قررنا قرارًا لا رجعة فيه وهو: كل من يتجنس الجنسية الإسرائيلية، أو يخرج عن مضمون هذه الوثيقة، يكون مجحودًا ومطرودًا من ديننا ومن ترابطنا الاجتماعي، ويحرم التعامل معه أو مشاركته أفراحه وأحزانه أو التزاوج معه، إلى أن يقرّ بذنبه، ويرجع عن خطئه، ويطلب السماح من مجتمعه ويستعيد اعتباره وجنسيته الحقيقية.
  • اعتمدنا هذه الوثيقة مستمدين العزم من تراثنا الروحي والقومي والإنساني الأصيل، الذي يحضنا على حفظ الإخوان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوفاء العميق للوطن”.

وقد وقع على هذه الوثيقة ثلاثون زعيمًا من زعماء وممثلي أهالي الجولان المحتل.

 دور المؤسسات الوطنية في حماية المشروع الوطني السوري في الجولان المحتل

أحدثت التجربة النضالية الجماهيرية والوطنية لسكان الجولان، على مدار أكثر من نصف قرن من الاحتلال الإسرائيلي، تغييرات جوهرية على البنية والعلاقات الاجتماعية الجولانية، تميزت باللحمة الداخلية، وتطلعاتهم وآمالهم المشتركة في التخلص من نظام الاحتلال. وساهمت المؤسسات الوطنية، والأطر الثقافية، والأندية الرياضية والنسائية، في سنوات الثمانينيات، وما نتج عنهما من أنشطة وفعاليات وبرامج، في حماية التطلعات الوطنية للسوريين في الجولان، ضمن الإمكانات المتواضعة والمحدودة، حيث أفرزت نهجًا سياسيًا ووطنيًا يرفض الاحتلال الإسرائيلي من جهة، ويدعو لحماية وصون الهوية الوطنية والثقافية من الجهة الأخرى، كترجمات عملية للمشروع الوطني السوري، في مواجهة المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني، في ظل غياب الأداة والرؤيا السياسية لنظام الحكم في سورية، وتخليه عن واجباته في تحقيق المشروع الوطني، لقضية تحرير الجولان، وتعزيز مقومات صموده، وتهميش وتغييب المنجزات الوطنية والاجتماعية التي أفرزتها سنوات النضال الشعبي والسرّي لسكان الجولان، والتي استثمرها النظام السوري، في خطابه الاستهلاكي والإعلامي، في الوقت الذي عملت الأجهزة الأمنية والاستخبارية على تجريد الوطنيين من رصيدهم النضالي، وتشويهه، والتشكيك في انتمائهم الوطني، وفق مقاييس الولاء الأعمى للنظام، في الوقت الذي استمر النظام في دوره كحامي الحدود الأمنية لإسرائيل.

في كل تلك المراحل، كان غياب الدولة السورية الرسمية واضحًا وملموسًا، فضلًا عن الدور الخفي الذي قامت به أجهزة الاستخبارات السورية، للسيطرة على الحالة الجولانية، بشكل يتناسب وسياستها بوضع الإملاءات والأولويات والطقوس والشعارات، وأحيانًا ساهم ترهيب وتخويف الأهالي من الأقارب والعائلات في الداخل السوري، في التأثير على الواقع الجولاني، من خلال الضغط على الناشطين بتقديم الولاء لنيل صكوك الغفران من قبل الدولة.

إجمالًا، تطورت العملية النضالية في الجولان، حتى العام 1990، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى الإخفاقات التي رافقت المسيرة النضالية، والتي انعكست على الحياة السياسية في الجولان، ومنها: بروز الخلافات السياسية والفكرية بين المؤسسات الوطنية وانعكاسها على جماهيرنا وبقاؤها من دون حلول مدة طويلة، وهذا ما أدى إلى انخفاض مستوى العمل الوطني ومستوى النضال، نتيجة غلو البعض في ولائه للنظام السوري، ورفضه العمل الوحدوي الجماعي القائم على التنسيق والتشاور، وصياغة البرامج التي تساهم في صيانة الهوية الوطنية السورية في ظل الاحتلال، وغياب الدولة السورية.

مفاوضات السلام السورية الإسرائيلية وتلاعب الأجهزة الأمنية بشؤون الجولان

حتى مؤتمر مدريد للسلام الذي أعقب حرب الخليج الثانية عام 1991، واشتراك سورية في تحالف دولي قادته أميركا لطرد القوات العراقية من دولة الكويت، كانت شؤون الجولان المحتل بعيدة جدًا من الاهتمام الرسمي السوري. وظلت محادثات السلام تتأسس، من وجهة النظر الإسرائيلية، خلال أكثر من عشرين عامًا، على الاستعداد لإجراء تسوية سياسية مع سورية بخصوص الجولان، إذا التزمت سورية ببعض الشروط، من ضمنها عدم العودة إلى حدود الرابع من حزيران، أو القبول بإجراء مفاوضات حول الحدود، وترتيبات أمنية ومائية، أو تأجير أراض في الجولان.

 ومن وجهة النظر السورية، كانت المفاوضات تهدف إلى الوصول إلى الانسحاب الكامل من الجولان حتى حدود الرابع من حزيران 1967، مقابل إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، واتفاقية سلام في المنظور البعيد. خلال هذا الوقت، كانت أجهزة الأمن والمخابرات السورية تحاول جاهدة إثبات حضورها داخل الجولان المحتل، من خلال إنشاء علاقة مع بعض سكان الجولان المحسوبين مع خط النظام، وهم من بقايا الخلايا الحزبية، تلك العلاقات خضعت بقوة لمعيار الولاء للقيادة والنظام في الدرجة الأساسية. فطلبت قوائم بأسماء المعارضين والناشطين، وتدخلت بمختلف الجوانب الاجتماعية والوطنية، من خلال وكلاء النظام الذين قدموا الطاعة العمياء، من خلال تزويد أجهزة الأمن السورية بمعلومات عن فعاليات اجتماعية وأشخاص، أحيانًا كانت كيدية، حيث خضعت وطنية الناس في الجولان لمعايير الأجهزة الأمنية، ومدى رضا القيادة والمسؤولين أو عدمه منهم. وتعامل النظام بالتهديد والوعيد، وحظر التعامل مع الفئات الاجتماعية التي رفضت هذه العلاقة، الأمر الذي انعكس على أحلام الناس وتطلعاتهم وشكلت خيبة أمل كبيرة، بالرغم من سعي النظام دوليًا وعبر قوات الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي، بموافقة إسرائيل، لتقديم تسهيلات ومنح لطلبة الجولان للتعلم في الجامعات السورية، التي استمرت منذ العام 1994 إلى ما قبل سنوات عدة، قبل سيطرة المعارضة المسلحة على معبر القنيطرة في العام 2013، واستقبال رجال دين من الجولان، لزيارة الأماكن الدينية، وزيارة الأقارب، إلا أنّ تدخل الأجهزة الأمنية في شؤون الجولان أدى إلى حالة نفور وغضب لدى غالبية السكان، خاصة بعد أن أفشل النظام عددًا من المشاريع الاقتصادية والصحية، كمشروع المستشفى لخدمة الأهالي الذي تعهدت منظمة الصليب الأحمر الدولي بتمويله، بقيمة سبعة ملايين دولار، واعترضت الخارجية السورية على المشروع، بذريعة المسّ بالسيادة السورية في الجولان، في اليوم المقرر فيه وضع حجر الأساس للمشروع. لكن الأمر في الحقيقة كان يتمثل بتخوف المحسوبين على النظام من تسليم إدارة المستشفى، إلى الفئات والأطر والشخصيات المهنية والأكاديمية، التي رفضت أن تكون علاقة الدولة السورية مع أبناء الجولان، من خلال أجهزة الأمن، وسعت إلى استبعادهم تحت حجج سخيفة وغير مبررة، وهم من طليعة المناضلين في العمل الوطني والاجتماعي والتخصصي في الجولان المحتل، إلا أن معظمهم كانوا من معارضي النظام، بحسب معادلات الولاء.

الثورة السورية أنتم الصوت ونحن صداه

أحدثت الثورة السورية تحولات وتغيرات جذرية في العلاقات السياسية والاجتماعية، بين أبناء الجولان المحتل، وانقسم الشارع الجولاني بحدة، بين مؤيد ومعارض للنظام، وأدى ذلك في نهاية الأمر إلى حدوث شرخ اجتماعي، نتيجة لهذا الانقسام السياسي، خاصة بعد أن أصدر مواطنون سوريون، بيانًا بعنوان “أنتم الصوت ونحن صداه”، بعد أيام قليلة من انطلاقة الأحداث في درعا في آذار/ مارس 2011، ومما جاء فيه: “لأننا جزء لا يتجزأ مِن وطننا السوري ونسيجه الاجتماعي، لنا ما له وعلينا ما عليه، نعتقد جازمين (…) أن كل مَن يعتدي على شعبنا السوري، قتلًا أو بطشًا أو اعتقالًا أو تعذيبًا أو تشريدًا أو نهبًا، هو بمثابة عدوّ، لا يختلف عن الاحتلال الإسرائيلي قيد أنملة، كائنًا من كان هذا الأحد!(2). وكان مؤيدو الثورة في الجولان يخرجون كل أسبوع، تزامنًا مع أيام الجمع التي كانت تحددها التنسيقيات داخل الوطن السوري حتى العام 2013. الأمر الذي قوبل بالشجب والإدانة والانزعاج من قبل الأجهزة الأمنية السورية ووكلائها في الجولان المحتل، وأدى إلى تصادمات عنيفة في الشارع الجولاني، وسعت تلك الأجهزة لنشر أسماء ما يزيد عن 150-200 ناشط، في قوائم المطلوبين للأفرع الأمنية السورية المختلفة، وقوبل ذلك بالسخرية والتهكم، وقد ساهم ذلك في تعميق التوتر في العلاقات بين الجولانيين أنفسهم، وتعميق الانهيارات البنيوية للنسيج الاجتماعي الجولاني، مع استغلال العنصر الإسرائيلي هامش الصراع السوري السوري، بتوسيع نطاق مشاريع الأسرلة، في الوقت الذي ازدادت فيه مطالب اليمين الإسرائيلي المتطرف بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، بحكم أن سورية التي نعرفها لم تعد موجودة. وتوج هذا المطلب باعتراف الإدارة الأميركية بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، في آذار/ مارس 2019.

إن الانعطافات الحادة التي شهدها الجولان، في العلاقة مع الدولة السورية التي تعرضت لانهيارات بنيوية وسياسية، وسيادية، وفي العلاقة مع الدولة العبرية (سلطة الاحتلال) ساهمت في استمرار وتواصل إغفال الجولان من الأجندة الوطنية السورية، وإسقاط الجولان، ومن خطاب التيارات السياسية المعارضة للنظام، في الوقت الذي مطلوبًا من هذه التيارات إعادة تشييد رؤيا اجتماعية وسياسية، تتجاوز الخشبية في الخطاب، وإعادة الاعتبار للوثيقة الوطنية، كركيزة وطنية جامعة، وكعقد اجتماعي ووطني، تراعي المتغيرات والتطورات التي حصلت منذ إصدارها، وتعزيز الحوار الداخلي ضمن المتفق والمختلف، بأدوات ووسائل عمل، تتناغم وتتوافق مع المتغيرات داخل المجتمع الجولاني، والواقع السوري، بحكم “أن قضية الجولان المحتل هي قضية وطنية سوريّة كبرى، لا يجوز العبث بها، وهي من مسؤولية جميع السوريين، وليس أبناء الجولان فحسب، فالجولان جزء لا يتجزأ من التراب السوري، بمقدراته البشرية والجغرافية والطبيعية والاقتصادية”. (بيان صالون الجولان-مركز حرمون للدراسات 29-7-2017)

في المحصلة النهائية، نجد أن العلاقة المباشرة التي فُرضت على الجولان مع دولة الاحتلال والنظام السوري، على حد سواء، قد ترهلت وضعفت وشهدت انتكاسات كبيرة، في ظل تعالي برامج غير إستراتيجية، تدعو إلى التسليم بالأمر الواقع، تتناقض مع الوطنية السورية، بسبب خيبات الأمل، واستدخال روح الهزيمة واليأس لدى شرائح عديدة من المجتمع الجولاني، وانفصالها عن رصيدها الثقافي والفكري والسياسي والاجتماعي في سلوكها العملي، واستعدادها لتحمّل المزيد من الطاقات والإمكانات والتضحيات، بعد أن خضع الوطن، الذي شكّل أحد أحلامهم الوطنية إلى نظام لصوصي، استبدادي فاشي، استباح كامل الأرض السورية، وأخضع سورية بأكملها لاحتلالات أجنبية عدة، للحفاظ على مصالحه ونزعته الإجرامية في الحكم.

خلاصة القول أنّ الحركة الوطنية الجماهيرية في الجولان المحتل ما زالت أكثر الحركات شعبية وقبولًا، وما زالت -على ضعفها- مستمرة في العطاء، رغم المندرجين في مشاريع الأسرلة، والمندمجين مع السلطة المحتلة، ورغم ابتعاد موالي سلطة الاستبداد في سورية عن الواقع والتعامل بعقلانية مع الكارثة الوطنية السورية، وتمسكهم الأعمى بخيار النظام وخطابه، حيث يساهمون في صناعة الأوهام، لمصير ومستقبل يسير بالجولانيين نحو الضياع. وإن العنتريات الوطنية والثورية، والقصائد الحماسية والرومنسيات العاطفية، والنخوات الدون كيشوتية، والتزاحم على تقديم طقوس الطاعة والولاء، أصبحت نوعًا من النفاق الرديء جدًا، ولا يمكنها أن تبني إستراتيجيات وبرامج تحرير، وإنما تساهم في صناعة المزيد من التخريب والضياع.