وضع فيروس كورونا “الصيني”، كما يسميه ترامب، على كل شفة ولسان. ولا يخفى على أحد مقصد ترامب من إصراره على تسميته بالفيروس الصيني، فهو يعكس الأجواء المتوترة التي تنذر بحرب باردة قادمة بين الولايات المتحدة المتراجعة وبين الصين الصاعدة. أليس اتباع دول العالم الكبرى الديمقراطية للنهج الصيني، وهو الحجر شبه الشامل للأفراد والجماعات وتعطيل جزء كبير من الحياة، في مواجهة وباء فيروس كورونا، أليس هذا مؤشرًا ما على تصاعد تأثير الصين ودورها عالميًا؟

ولأن الحديث كثر ويكثر حول الصين وتجربتها في التنمية بجوانبها الموجبة والسالبة، فقد رغبت أن اشارك المهتمين بمقالات نشرتها حول الصين عقب زيارتي لها سنة 2016، خاصة وقد استفزني انتشار خبر مكتوب، والبعض شرحه في فيديوهات، مفاده أن تنمية الصين كانت لمجرد أن رئيس وزرائها سنة 1978 دينغ تشاو بنغ قد طلب خبيرًا من جامعة أوكسفورد، وأن هذا الخبير “الغربي من أصل عربي” قد وضع وصفة اتبعتها الصين فحققت نموها المذهل. وقد أسميت مروجي هذا الخبر ومصدقيه بأنهم أصحاب “عقل ساذج”، وشبهت هذا الخبر كمن ادعى أن حبة أسبرين لوجع الرأس تكفي لمواجهة فيروس كورونا.

هنا أقدم قدرًا من التحليلات والمعلومات التي تظهر عملية تنمية الصين كواحدة من أكبر وأهم تجارب التنمية عبر التاريخ، وأكثرها تعقيدًا.

الكاتب مع سفير الصين في الدوحة – تموز/ يوليو 2017

(1)
قفزات الصين

تتعارض الأسس التي قام عليها نمو الصين غير المسبوق مع كل الدروس التي يلقيها خبراء المنظمات الدولية، مثل البنك والصندوق الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، وأكاديميون محترمون واستشاريون مرموقون وغيرهم. لم تتبع الصين نصائح هذه المؤسسات الداعية إلى حرية السوق المطلقة والخصخصة والدولة النحيلة .. إلخ، بل لم تتبع أي نهج إيديولوجي ثابت، بل اتبعت نهجًا براغماتيًا، تقوده أهداف محددة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية دون السياسية.

ما كان للصين أن تحقق ما حققت، خلال قفزة ماوتسي تونغ الكبرى بين 1949 و1976، وأن تنهض من الجوع إلى الفقر، من دون الاعتماد على دولةٍ مركزيةٍ، تسيطر على الفائض وتخطيط صارم. لكن ذاك النموذج سرعان ما استنفد قدراته التنموية، فابتدأت الصين، عام 1987، إصلاحًا اقتصاديًا من دون إصلاح سياسي، وأخذت بمبادئ اقتصاد السوق تدريجيًا، وأدخلت التخطيط التأشيري إلى جانب المركزي الملزم، ومنحت شركات القطاع الحكومي مرونةً أكبر في توجيه أسعارها وأجورها واستثماراتها، وفق مؤشرات اقتصاد السوق، وأدخلت عامل المنافسة في جسم الاقتصاد، وفي المصلحة الفردية للمشتغلين في القطاع الحكومي. كل هذا مع الاحتفاظ بيد الدولة قويةً في توجيه الاقتصاد والاستثمارات والاستهلاك، وفعلت هذا كله بالتدريج، مع الاحتفاظ بالنظام السياسي وسيطرة الحزب الشيوعي من دون تغيير.

قفزت الصين، خلال فترة الإصلاح، من الفقر إلى الغنى، لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية، بفارق كبير بينها وبين اليابان التي تأتي بعدها، وأن يقفز ناتجها المحلي الإجمالي من ما يعادل 6% من ناتج الولايات المتحدة عام 1981 إلى أكثر من 60% في عام 2015، وهي ماضية في تقليص الفارق.

ليس أدل على مكانة الصين العالمية، اليوم، من القلق الذي يحدثه تباطؤ نموها الاقتصادي، بما له من تأثير كبير على النمو العالمي الذي يساهم به نمو الصين بنسبة الربع. إن تأثير تباطؤ نمو الصين يصيب بلدانًا كثيرة، تستورد منها الصين مواد ومعدات أو تصدر لها منتجات واستثمارات. وقد راهن الغرب على أن نمو الصين الانفجاري سيكون فقاعةً، يمكن التحكّم بها بأشكالٍ مختلفة. ولكن، يبدو أن الصين تربح الرهان اليوم.

نهج تنموي

اتبعت الصين نهجًا تدريجيًا في الإصلاح والانفتاح، والاشتباك مع الأسواق العالمية، والاقتصاد العالمي، وكلما تقدمت، وأصبحت أكثر قوةً، انفتحت أكثر وبشروطها. وبالتالي، تجنبت نهج الإصلاح بالصدمة الذي توصي به المؤسسات الغربية، والذي أوقع دول المعسكر الاشتراكي، وأدى إلى انهيار اقتصادياتها، ولم تحصد أية نتائج إيجابية تذكر حتى الآن.

شجعت الصين الادّخار، وابتعدت عن التنمية التي يقودها الاستهلاك على الطريقة الغربية. وساعدها هذا على أن تحقق أعلى معدلات استثمارٍ، يمكن تصورها، تجاوزت الـ50 في المئة من قيمة الناتج المحلي الإجمالي، ما شكل لديها فائضًا كبيرًا موّل الاستثمارات الداخلية والخارجية. لتعزيز القدرة على الادخار، كبحت الصين لعقود الميول الاستهلاكية الغربية. خلال كل هذه المراحل، كانت تنمية العلم والبحث والتطوير التي رعتها الدولة أساس تنمية قدرة الصين ورافعة نموها.

أدّى هذا النهج إلى بروز طبقات وسطى، ونخب غنية، ونمو رأسمالية صينية بقدرات كبيرة، لكن هذه الطبقات الجديدة انخرطت في المشروع التنموي القومي الصيني الذي تقوده الدولة ويهدف إلى بناء “صين قوية” تتطلع إلى قيادة العالم.

نجحت الصين لأنها استفادت من عوامل نجاح المجتمع الأوروبي التي درستها جيدًا، وفهمت لعبة السوق العالمية والاقتصاد العالمي.

عكس تجربة بلدان المعسكر الاشتراكي السابق خلال فترة حكمه، فتحت الصين الباب تدريجيًا، وعلى نحو مبكر ومتصاعد، أمام استثمارات القطاع الخاص الصيني، كما أنها فتحته أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وفي الوقت نفسه، لم تفتح أمامها الباب على مصراعيه، بل نظمت الاستثمارات وفق مصالحها، وعرفت كيف تستفيد منها في إيجاد فرص عمل، وتراكم ونقل معرفة صناعية لتعزيز التصنيع الموجه نحو التصدير (تنمية يقودها التصنيع الموجه نحو التصدير)، مستفيدةً من فرصة تخلّي الدول المتقدمة عن الصناعات، كثيفة العمالة والمستهلكة للطاقة والملوثة للبيئة، منذ سبعينات القرن العشرين، وتصديرها إلى العالم الثالث. ووجدت الدول المتقدمة في الصين العملاقة ساحة واسعة قادرة على تزويدها بكل ما تحتاجه من سلع كثيفة العمالة، فكانت شراكة مربحة للطرفين. قدمت الصين للاستثمارات الأجنبية المباشرة شروطًا مناسبةً من يدٍ عاملةٍ رخيصةٍ منضبطةٍ بدون إضرابات، وبدون توقف عن العمل، تأتي من فائض كبير في الأرياف، وقد أمنت الدولة الصينية التعليم والتدريب لتلبية احتياجات الاستثمارات الجديدة في الصناعات الخفيفة أولًا، ثم الصناعات الأكثر تطورًا.

على الرغم من أن هذا التبادل الذي أقامته الصين مع العالم يعد “تبادلًا غير متكافئ”، لكنه كان الطريق الوحيد إلى تنمية هادفة، عبر اجتذاب استثمارات كبيرة تخلق فرص عمل كثيرة، ونقل للمعرفة “KNOW HOW”، فقد ساعدتها الاستثمارات الأجنبية في أن ترتفع بجزء كبير من منتجاتها في سلم القيم المضافة، لترفع نسبة صناعة الآلات والتجهيزات والمعدات الثقيلة في منتجاتها وصادراتها، فالصين اليوم تكاد تصنع كل شيء، وإن لم تكن متفوقة بعد في بعض الصناعات، أو تنتجها بجودة وكفاءة أدنى، غير أن منتجاتها ذات التقنية العالية تحصد نسبًا متزايدة في السوق العالمية.

لم تصب الصين بمرض استبداد العائلات الذي أصيبت به السلطات الانقلابية العسكرية في البلدان العربية مثلًا، حيث تحولت السلطة فيها إلى احتكار سلطة الفرد أو الأسر الحاكمة، كما لم تسر الصين على نهج المعسكر الاشتراكي السابق، حيث تبقى القيادات حتى الممات، فقد تم ترتيب النظام الصيني، بعد وفاة ماوتسي تونغ، بحيث ترك الباب مفتوحًا، لتغيير القيادات بين فترة وأخرى. وبالتالي، تغيير العقول التي تدير، والأعين التي ترى. وبالتالي، رؤية نقاط الضعف والقدرة على النقد وتعديل السياسات وتغيير النهج برمته، حيث يتطلب الحال، ما يبقي المنافسة قائمة بين متنافسين أقوياء، يسعى كل منهم إلى أن يقدم أفكارًا وحلولًا أفضل لإثبات نفسه، ما منح القيادة الصينية ديناميكية كبيرة، وقد انسحب هذا المبدأ على مستويات القيادة الأدنى.
تتلخص التجربة الصينية في أنها اعتمدت نهج الإصلاح الاقتصادي، من دون السياسي، ومنحت مرونة أكبر للشركات الاقتصادية، وأدخلت المنافسة والمصلحة المادية للفاعلين الاقتصاديين، وأبقت دور الدولة مركزيًا وقياديًا، فنجحت في إدارة التحول، من دون مخاطر مصيرية.

نجاح الصين برمته هو قصة نجاح لدور الدولة الفعال، وإدارتها الاستراتيجية التي صممت هذا النموذج للنمو، وإدارته بكفاءة، وليس لدور “الدولة النحيلة”، وهذا لا يعني أن النجاح حليف دائم لإدارة الدولة، فقد فشلت الدولة في بلدان عديدة، أكثر بكثير مما نجحت.

للتجربة عيوبها

تزايدت الفروق بين الطبقات والفئات في مجتمع يجهر بشيوعيته، وتضخمت الفروق بين مناطق النمو الحديثة على السواحل، وبين الأرياف الداخلية الفقيرة للدخل والخدمات، وارتفعت معدلات الفساد ومعدلات تلويث البيئة. وبالمختصر، تحولت الصين إلى دولةٍ بنظامين، سياسي شيوعي، واقتصادي رأسمالي، وبدأت الميول الاستهلاكية تنتصر، مع ارتفاع مستويات الدخول، ونمو طبقات وسطى ورأسمالية كبيرة، وأصبحت معدلات الاستهلاك تنمو بأسرع من معدلات نمو الناتج المحلي، ومعدلات الاستثمار، وتتباطأ معدلات نمو الناتج المحلي، وهبط نمو الناتج من مستويات تزيد على 10 في المئة إلى مستويات دون الـ 7 في المئة، وأصبحت الصين تعاني من طاقاتٍ إنتاجيةٍ صناعيةٍ فائضة.

أمام مرحلة جديدة

تقف الصين، اليوم، على أعتاب مرحلة جديدة، بعد أن برزت مظاهر جديدة، وفرضت ضرورات التغيير. وتتجه الصين، الآن، إلى تعديل نهجها الاقتصادي باتجاه الانفتاح أكثر على اقتصاد السوق، والانخراط في الاقتصاد العالمي، لتصبح لاعبًا رئيسيًا، وفق قواعد اقتصاد السوق الرأسمالي. وينعكس هذا في خطتها الخمسية الثالثة عشرة، 2016 – 2020.

ستركز الصين، في خطتها الخمسية هذه، على توجهات جديدة هي:

1) الابتكار والبحث والتطوير، 2) التنمية الخضراء والحفاظ على البيئة، 3) التنمية المنفتحة وإدماج الصين أكثر بالاقتصاد العالمي، 4) التنمية العادلة التي تضمن وصول منافع التنمية إلى جميع السكان، لتقليص التفاوت. ستجد هذه الأسس انعكاسها في تقليص دور الدولة التدخلي المباشر في الاقتصاد والاستثمار والإنتاج وتوسيع دورها في الاستهلاك، ومنح السوق مساحة أكبر، وتعهيد دور الابتكار إلى الشركات والسوق، على أن توفر الحكومة المناخ المشجع وإنشاء صناديق دعم للبحث والتطوير R&D وزيادة مشاركة الاستثمار الأجنبي فيه. لكن الصين ليست مع الدولة النحيلة.

وتثبت تجربة الصين أن طريق النمو ليس واحدًا، وأن النموذج الليبرالي المصمم في مخابر المؤسسات الغربية، والمصممة وفق مصالح مصمميها وتجاربهم الناجحة، ليس الوصفة الناجعة الوحيدة. بل إن معظم دول العالم تأخذ بالوصفة الليبرالية اليوم، بينما غالبها لا يحقق أي نجاح يذكر.

لا شك في أن الصين نجحت، بسبب النهج الذي وصفناه أعلاه، لكنها نجحت، لأنها استفادت من عوامل نجاح المجتمع الأوروبي التي درستها جيدًا، وفهمت لعبة السوق العالمية والاقتصاد العالمي، وأجادتها وأخضعت كل شيء لمصلحة النمو الاقتصادي، فالاقتصاد سلاح الصين الفعال. وفي الأحوال كافة، لا يمكن حصر النجاح بأية وصفة، فالأمر أعقد بكثير، وعوامله كثيرة.

(2)

إلى أين تتجه الصين؟

تشعر الصين، كل يوم، أنها أقوى، وتعتقد أن أزمة 2008 العميقة تدلل، مرة أخرى، على أزمة القوى الغربية التي لم تعد قادرةً على التحكم بالعالم، كما كان من قبل، ما يمنحها فرصة أكبر لتعزّز دورها الاقتصادي على المسرح العالمي، من دون أن تغير من نهجها السياسي الذي يتسم بالحرص على عدم الاصطدام السياسي مع الغرب، ثقةً منها بأن تعزيز قوتها الاقتصادية هو ما سيمنحها، مستقبلًا، دورًا سياسيًا رئيسًا على الساحة العالمية، عندما يصبح اقتصادها أكبر، ودورها الاقتصادي أكبر، وهو الآن كبير كفاية، حيث يزيد ناتجها المحلي عن عشرة آلاف مليار دولار، مقابل دخل الولايات المتحدة الذي يزيد عن 17 ألف مليار دولار، وهي ثاني أكبر اقتصاد في العالم اليوم بفارق كبير عمن يليها في الترتيب. ويعبر المشروع الكبير الذي تطرحه تحت مسمى “مشروع الحزام والطريق” عن طموحها هذا في المجال الاقتصادي، والذي تعزّزه بقدرتها التكنولوجية، وإطلاق أول مركبة فضائية مأهولة صينية في يونيو/ حزيران عام 2013، وبقدرتها العسكرية، وتدشين أول حاملة طائرات صينية في أغسطس/ آب 2013. ولكن، يبقى موقفها حازمًا فيما يتعلق بحياضها، أي مجالها الحيوي في بحر الصين، وإعادة توحيد الصين، بما فيها إعادة ضم هونغ كونغ ومكاو تايوان إلى البر الصيني بشكل نهائي.
هذا هو الانطباع الذي تعزز لدي في زيارتي الصين، عشرة أيام، بدعوةٍ من الحزب الشيوعي الصيني، للمشاركة في مؤتمر الحوار بين الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب العربية ممثلًا للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهو الرأي الذي يستند إلى اهتمامي القديم بالصين والسياسة الصينية والاقتصاد الصيني، وقد بحثت وكتبت أكثر من دراسة، وأصدرت كتابًا عن الموضوع. وفي مقالة سابقة نشرت في “العربي الجديد” (12إبريل/ 2016)، قدمت رؤية حول تجربة الصين، وطريقها الخاص والفريد في تحقيق التنمية الاقتصادية. وأكمل هنا عن توجهات الصين الاقتصادية الجديدة.

الصين مستمرة اليوم بما قرّرته منذ السبعينيات، أي أن تلعب دورًا سياسيًا ثانويًا على المستوى الدولي، مقابل أن تفتح لها دول الغرب أسواقه لمنتجاتها الخفيفة، واستقبال استثمارات أجنبية في الصين، تسهم في تنميتها. وكان هذا الطريق الوحيد أمامها للنمو، وقد لعبت اللعبة بذكاء. واليوم، أصبحت قوة اقتصادية منافسة للقوى الغربية، وتسعى إلى أن تنضم إلى نادي الكبار بشروطهم نفسها، ولا تسعى إلى تغيير قواعد لعبة الكبار الآن، فهذه القواعد موضوعة لمصلحة الكبار. والصين اليوم أصبحت من الكبار. لذا، تحرص على هذه القواعد، لكنها تطلب دورًا أكبر، إنها تقول: “أصبحت قوية مثلكم وأريد حصتي”. وهذا يذكّر بما فعلته ألمانيا وإيطاليا القادمتان الجديدتان للثورة الصناعية، أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تطالبان بحصتيهما من غنيمة تقاسم العالم. وعندما رفضت القوى المسيطرة آنذاك، بريطانيا وفرنسا، منحهما حصة مرضية، دخلتا في حربين عالميتين أولى وثانية، لكن الصين اليوم لا تبحث عن أي دخول في حروب ساخنة مكلفة، ولا تلجأ إلى المواجهة، ولا تحب أن تلعب لعبة الاقتحام والالتحام على طريقة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بل تود أن تأتي خلسةً، من دون ضجيج، عبر المنافسة بأدوات اقتصادية وتجارية، ما يمنحها قوة أكبر مستقبلًا، بما في ذلك قوة عسكرية وسياسية كافية، لتحقيق مصالحها وفرضها على الآخرين. لذلك، انتسبت الصين لكل تلك المؤسسات، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، ومنظمة التجارة العالمية. وتطالب بزيادة حصتها ودورها فيها.

ولكن، إن كانت الصين اليوم قد سعت إلى الانضمام لهذه المؤسسات، لما فيها من فائدة، فمن الطبيعي أن تملك، في الوقت نفسه، رغبة دفينة في تغيير أدوار المؤسسات التي شكلتها الولايات المتحدة في اتفاقيات بريتون وودز، أواسط أربعينيات القرن العشرين، بعد الحرب العالمية الثانية، فالصين تعلم أن التاجر الأكبر في السوق هو من يضع قواعد عمل السوق، وأن تلك القواعد وضعت لصالح الأميركان. وتطمح الصين إلى فائدة أكبر،

من خلال تشكيل مؤسسات جديدة، تلعب هي فيها الدور الموجه، وليس مجرد إصلاح المؤسسات القديمة. وقد ساهمت، مبكرًا، بتأسيس منظمة شنغهاي للتعاون منذ 2001، والتي تضم روسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، والتي تهدف إلى تعزيز التعاون بين هذه الدول في كل المجالات، وتحديدًا في “دفع تأسيس نظام دولي ديمقراطي عادل وعقلاني”. وتعمل مع شركاء “البريكس” على تأسيس مؤسساتٍ جديدة، فقد أسست بنك الاستثمار الآسيوي وصندوق الحزام والطريق، وشاركت في مجموعة البريكس التي تضم أيضًا الهند وروسيا وجنوب إفريقيا والبرازيل، كما طرحت عملتها اليوان لتكون عالمية، وتسعى إلى توسيع استخدامها، ما يخلق لها منافع ريعية هائلة، مثلما خلقت وتخلق العملات الأخرى “الصعبة” لدولها منافع ريعية كبيرة، مثل الدولار الأميركي والجنيه الإسترليني واليورو والفرنك السويسري والين الياباني.

يتوقع خبراء أن شهر العسل الصيني الأميركي، والغربي عمومًا، قارب على نهاياته، وقد استمر بينهما عندما بدأت الصين تزود الدول الغربية بسلع استهلاكية رخيصة، تعتمد على عمالة كثيفة بأجور منخفضة، لكن الصين التي قبلت المعادلة سعت، في الوقت نفسه، وضمن نهج مرسوم بدقة، وينفذ بصرامة ونجاح كبير، سعت إلى أن ترتفع في سلم القيم المضافة، وتنتقل من تصنيع سلع خفيفة، تعود عليها بعائد منخفض إلى تصنيع سلع كهروميكانيكية، ثم إلكترونية، أي دخلت حقل المنافسة مع المنتجات التي تصنعها الدول الغربية نفسها، وهذا يعني خسارة الغرب مزيدًا من فرص العمل المرتفعة الأجور. وقد يؤدي هذا إلى ارتفاع حرارة “حرب باردة اقتصادية” بين الصين والدول الغربية، ولا تعرف نتائجها بعد. ويعكس هجوم المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية، دونالد ترامب، على الصين، في تجمع ضم أنصاره في ولاية أنديانا، قلق دولة مثل الولايات المتحدة من نمو الصين الاقتصادي، معربًا عن رأيه بكلمات قوية إنه “لا يمكن الاستمرار في السماح للصين باغتصاب أميركا تجاريًا”. وعلى الرغم من أنه هجوم انتخابي، لكنه يعكس وجود رغبة أميركية واسعة، لسماع هذا الرأي، وهو مطلب نقابي قديم، يرتفع كلما تم إغلاق مصانع أميركية أو أوروبية أو يابانية بسبب نقلها إلى الصين، حيث تجد الشركات نفسها مضطرةً للذهاب إلى الصين، وإغلاق مصانعها في أوروبا وأميركا واليابان، وحتى في كوريا والمكسيك، وتسريح عمالتها، والأمثلة كثيرة، ففي نهاية 2003، أعلن المدير التنفيذي لشركة فيليبس الهولندية العملاقة، جيرارد كلايسترلي، بشكل درامي، أنه ينبغي الانتقال إلى الصين أو الغلق. وفي النهاية، انتقلت “فيليبس” إلى الصين، وأغلقت معاملها في أوروبا، واستبدلتها بنحو 30 موقع تصنيع في الصين. واليوم، فإن لدى أكثر من 400 شركة من بين أكبر 500 شركة في العالم مراكز إنتاج واختبار وبحث وتطوير في الصين.
إن عجزًا تجاريًا في ميزان أميركا التجاري مع الصين، والذي بلغ عام 2015 نحو 365.7 مليار دولار، ليس رقمًا هينًا، ومن الصعب على أميركا أن تستمر في تحمّله، على الرغم من أن الصين تعوضها عبر ميزان المدفوعات، عندما تشتري سندات خزينة أميركية بمبالغ كبيرة من جهة. ومن جهةٍ أخرى، فإن نمو الصين يخلق طلبًا أكبر على الدولار الأميركي، ما يمنح الولايات المتحدة فوائد ريعية كبيرة أخرى. ولكن هذه الفوائد تتقلص مع توسيع استخدام اليوان الصيني في التجارة الدولية، كما أن بعض القواعد الأساسية الناظمة للعلاقة الآن قد تتغير مستقبلًا لأكثر من سبب من أي من الطرفين، ما قد يؤدي إلى ارتفاع المطالبة بفرض ضرائب على الواردات الأميركية أو الأوروبية من الصين، بحجة مكافحة الإغراق لحماية الصناعة الوطنية، و هو الإجراء الأسهل. وقد يتخذ الأمر أبعادًا أكثر من ذلك، وقد تتجه نحو “حرب باردة اقتصادية جديدة” كما ذكرنا. لكن، يبدو أن الصينيين مطمئنون لعدم تفاقم الأمور إلى هذا المستوى، وأن ثمة حلولًا أخرى، معتمدين على مصلحة الشركات المتنافسة في الحفاظ على علاقات تجارية عادية مع الصين.

يبدو أن وضع الصين جيد، فالدول المتقدمة ما زالت تسبقها علميًا وتكنولوجيًا بعقدين أو ثلاثة، بينما تقف دول العالم الثالث خلفها بتفاوت، فيكون موقعها الآن في الوسط. وهي تسعى إلى تغيير قواعد ارتباطها السابق بالغرب، واعتمادها عليه، وقد سعت إلى إقامة شراكات جديدة ومؤسسات جديدة كما ذكرنا، وهي تبدي اهتمامها بدول أواسط آسيا وأفريقيا، فهي تعتقد أن هذه المناطق ما زالت مناطق نمو واعدة، وهي توجه كثيرًا من استثماراتها، أخيرًا، لهذه البلدان، وتستمر بتقديم نفسها على أنها من العالم الثالث، وليست من الدول الكبرى ذات الماضي الاستعماري، والتي تحب الهيمنة، مقابل الصين التي ليس لها ماضٍ استعماري، وتسعى إلى “الربح المشترك”، حسب تعبيراتهم. وقد أطلقت مشروعها “الكبير “مشروع الحزام والطريق”.

(3)

مشروع الحزام والطريق ودور العرب

يمثل مشروع “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، وطريق الحرير البحري في القرن الحادي والعشرين”، والذي يعرف اختصارًا بـ”مشروع الحزام والطريق”، قفزة أخرى إلى الأمام في تعزيز دور الصين على ساحة الاقتصاد الدولي. وتسعى القيادة الصينية إلى ترويج مشروعها الاستراتيجي الذي طرحه الرئيس الصيني، شي جين بينغ، في عام 2013، وهو يحتل اليوم موقعًا مركزيًا في نشاطات الصين الدبلوماسية والاقتصادية الدولية، ويبنون عليه آمالًا، على الرغم من أنه مازال في خطواته الأولى. ويروج الصينيون أن للعرب، وخصوصًا دول مجلس التعاون، دورًا مميزًا فيه. وقد شكل الحوار حول المشروع المادة الرئيس في مؤتمر الحوار بين الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب العربية الذي عقد في الصين في 21 و 22 إبريل/ نيسان 2016.

يتضمن المشروع، حسب التصورات الصينية، ثلاثة أحزمة اقتصادية، تمتد على طول طرق الحرير البرية الثلاثة، وهي حزام طريق حرير الشمال الممتد من الصين إلى أوروبا عبر سيبيريا وبقية روسيا باتجاه بحر البلطيق شمالًا، حزام طريق الحرير الأوسط الممتد من الصين عبر وسط آسيا فإيران حتى شبه الجزيرة العربية ثم أوروبا، حزام طريق حرير الجنوب الممتد من مقاطعة سيشوان في الصين إلى جنوب آسيا ثم الهند. وستتكون تلك الأحزمة من طرق برية وخطوط سكك حديد فائقة السرعة ومناطق لوجستية لتخديم التجارة ومناطق استثمار على طول هذه الخطوط. ويبلغ عدد السكان في مسار مناطق المشروع نحو ثلاثة مليارات نسمة.

أما طريق الحرير البحري فله مساران، الأول الخط البحري الغربي الممتد من بحر الصين باتجاه المحيط الهندي وبحر العرب والبحر الأبيض المتوسط فأوروبا، ثم الخط البحري الجنوبي الممتد من بحر الصين الجنوبي باتجاه أستراليا وجنوب المحيط الهادئ.

يؤكد الصينيون أن مبادرة “الحزام والطريق” تلتزم بمفاهيم التعاون والانفتاح والمنفعة المتبادلة والفوز المشترك، وأنها ليست عزفًا صينيًا منفردًا.

الغايات الصينية

على المستوى الداخلي، تشهد الصين مرحلة تحول هيكلي في اقتصادها، حيث يشهد تفوقها بالتكلفة المنخفضة تراجعًا، فقد استنفدت الجزء الأكبر من يدها العاملة الرخيصة، ونمت الطبقة الوسطى، وارتفعت تكاليف المعيشة والأجور، وبالتالي تكاليف الإنتاج، ما يعني هروب الصناعات كثيفة العمالة إلى دولٍ أخرى، مثل فيتنام وإندونيسيا، وتتحول الصين اليوم إلى إنتاج سلع كثيفة المعرفة، وكثيفة رأس المال، وهذا سيؤدي إلى ارتفاع حدّة الصراع مع القوى الاقتصادية الكبرى في العالم، لدخول الصين حقل منتجات تلك الدول نفسه، ما يتطلب تعزيز دورها أكثر، وهذا يجعل الاقتصاد الصيني بحاجة ماسّة اليوم لمحركاتٍ جديدةٍ لمواجهة ضغوط تراجع نموها الاقتصادي، مع استمرار آثار أزمة 2008، وتراجع الطلب العالمي. وقد أصبح لدى الصين فيض في القدرة الإنتاجية في الصناعات التقليدية، وفي قطاعاتٍ مثل إنتاج الصلب والحديد والإسمنت وبناء السفن وغيرها. وبالتالي، بدأ تطورها الاقتصادي يواجه تحدياتٍ جديدة تتطلب تفوقًا في قطاعات جديدة في المنافسة المتصاعدة، على الرغم من أن الصين تخطط لتنمية الطلب المحلي، ليكون محفزًا للنمو، لكن هذا يحتاج إلى وقت طويل، كي يصبح هو محرك النمو.

تأمل الصين أن تساعد مبادرة الحزام والطريق على نمو صادراتها، ما يخفف تداعيات تراجع نموها وآثاره السلبية على الاقتصاد الصيني، ويحافظ على التشغيل، وتوسيع الطلب المحلي، وتسريع التحول الصناعي، وتحويل الهيكل الاقتصادي الصيني، وتعديل نمط النمو. وأن تساعد هذه المبادرة على تناسق تنمية المناطق الصينية الداخلية، وهي غير متناسقة الآن، فالمناطق الشرقية الجنوبية غنية، أما الغربية الشمالية فما تزال فقيرةً، وتشكل نقطة ضعف للتنمية الصينية، ومشروع الحزام والطريق يربط المناطق الداخلية والسهول الوسطى والمجريين الأعلى والأوسط لنهر اليانغتسي مع منطقة الفولغا الروسية، كما يربط غربي الصين وجنوبها الأوسط بالدول المجاورة وجنوبي آسيا والتيبيت ونيبال، ويربط مختلف مناطق الصين مع أوروبا.
على المستوى العالمي، يرى الصينيون أن الأزمة المالية لعام 2008 أظهرت ضعف الاقتصاد الذي تتحكّم به القوى الغربية، ما يشجع الصين على لعب دورٍ أبرز على صعيد الاقتصاد العالمي. وأن آسيا الوسطى بقيت متخلفةً، على الرغم من امتلاكها الموارد، وتحل، بالتالي، طاقات نمو كبيرة، خصوصًا مع نمو إيرادات النفط لدول وسط آسيا في العقود الأخيرة، ومشروع الحزام والطريق يهدف لتنمية هذه المناطق، إضافة إلى مناطق أخرى في آسيا وأفريقيا. وتطمح الصين إلى بناء رابطة عالمية مستجدّة، بديلًا عن النظام الدولي الحالي الذي يسيطر عليه الإرثان الاستعماريّ والإمْبِريالي، وتساعد في تعديل التحكم الغربي في قواعد التجارة والاقتصاد العالمي، وتعزّز تعدّد القطبية، وتجعل الصين شريكًا رئيسًا في هذا التحكم، ويساعد التبادل الحر والمنظم للموارد وتوزيعها ونمو الأسواق والاستفادة  المتبادلة بين الحضارات. ولا تسعى الصين إلى تغيير في قواعد السوق العالمي، بقدر ما تسعى لتعظيم دورها، على الرغم من تأكيدها على التشاور، والبناء المشترك، والكسب المشترك والمنفعة المتبادلة، والانفتاح والتسامح والتعلم، وبناء وحدة المصير. 

أسس المشروع

يقوم مشروع الحزام والطريق على جملة من الأسس منها:

أولًا: تعزيز تنسيق استراتيجيات التنمية الاقتصادية والاندماج الاقتصادي الإقليمي، وتنسيق السياسات التجارية والجمركية والضريبية والمالية وسياسات النقل والبيئة والقياس والإحصاء وغيرها.
ثانيًا: تعزيز ربط منشآت البنية التحتية للدول المشاركة، وربط الطرق البرية لتستكمل الشبكات  القائمة، وتفتح مناطق الاختناق وطرق قطارات فائقة السرعة، وتعزيز خطوط الطيران وخطوط النقل البحري والموانئ البحرية والجوية، وبناء شبكة مواصلات واتصالات ومد كابلات ألياف ضوئية برية وبحرية (طريق حرير معلوماتي) وأفكار صناعية (خطوط معلومات جوية)، تربط شرقي آسيا وغربها وجنوبها تدريجيًا، وتربط شبكات نقل الطاقة والنفط والغاز، من أجل تسهيل النقل وتسريعه وخفض تكاليفه، وإحداث ممر كبير للشحن من المحيط الهادئ إلى أوروبا.

ثالثًا: تسهيل انسياب التجارة في البضائع والخدمات والاستثمار وإزالة الحواجز من أمامها، وبناء مناطق حرة للاستثمارات الصناعية والخدمية، وتسهيل الإجراءات الجمركية والفحص وإجراءات الحجر الصحي وتبادل المعلومات وإقامة مناطق صناعية وخدمات تجارية ولوجستية على طول مسارات طرق الأحزمة البرية الثلاثة والطريق البحري، وتوحيد المعايير والفحص والحجر ومعايير القياس والإحصاء وشهادات المنشأ وحماية الملكية الفكرية والتحكيم التجاري وحماية البيئة، وإقامة مشروعات التعاون في مجالات البحث العلمي والتطوير والإنتاج والتسويق وغيرها.

رابعًا: تسهيل التمويل والاستثمار وتبادل العملات وتنسيق أسواق السندات، وإنشاء بنك الاستثمار الآسيوي وهيئة التمويل التابعة لمنظمة شنغهاي للتعاون، وتشغيل صندوق طريق الحرير والتعاون في قضايا الاستثمار والتصنيف الائتماني، وتعزيز التداول النقدي بالعملة المحلية وتسوية الحساب الجاري وحساب رأس المال بالعملة المحلية، بما يخفض كلفة التداول، ويقلّص المخاطر المالية، ويرفع القدرة التنافسية للاقتصاد الإقليمي، والأهم يعزّز دور اليوان الصيني عملة عالمية رئيسية، ما يمنح الصين دورًا أكبر، ويحقق لها أرباحًا ريعية هائلة.

خامسًا: تعزيز التبادل الثقافي ومِنَح التعليم والتبادل الأكاديمي ووفود الشباب وترويج السياحة وتوأمة المدن وحماية البيئة وغيرها على طرفي الطريق، أي “ربط القلوب بالجيوب”.

حتى الآن، أبرمت الصين أكثر من مائة عقد لإقامة مشاريع على مسار مشروع الحزام والطريق، مثل بناء موانئ في اليونان وجيبوتي، وطرق سكك حديد فائق السرعة في شرق أوروبا وتركيا، وتشارك الصين في مناقصات المشروعات التي تطرحها تلك الدول، على أساس تجاري، إن وجدت المشروع يتناسب مع مشروع الحزام والطريق ومصالح الصين. وسيشكل المشروع، في حال نجاحه، جسرًا يربط جنوب آسيا وشرقها بآسيا الداخلية وبجنوب المحيط الهادئ وبأفريقيا وأوروبا، وخصوصًا بآسيا الداخلية وأفريقيا التي مازالت تحمل طاقات نمو هائلة، ويجعل البضائع الصينية تصل إلى كل مناطق مسارات الأحزمة خلال أيام، بدلًا من أسابيع، فتصل إلى الخليج العربي خلال 48 ساعة فقط، عبر القطارات فائقة السرعة، وتوفر في تكاليف النقل، ما يجعل آسيا مركزًا للتجارة العالمية. إن نجح المشروع في رفع حصة التجارة البرية إلى 10%، وربما 20%، بدلًا من نسبتها الحالية التي لا تزيد عن 5%، فهذا يعني كميات وقيمًا هائلة وسوقًا ضخمًا تفتح سوقًا كبيرة للمنتجات الصينية.

موضوع للتنافس الدولي

المشروع كبير وطموح، بحجم الصين وطموحاتها، وسيواجه، بالتالي، مهام كبيرة وتعقيدات وصعوبات كثيرة، وهو يقتحم العالم بالقوة التي تريدها الصين. ومن جهةٍ أخرى، فهو موضوع للتنافس الدولي حول من سيلعب دورًا أكبر في مناطق آسيا، وأول من طرح فكرة المشروع هي الأمم المتحدة (مشروع طريق الحرير الاقتصادي الجديد). تطرح الولايات المتحدة مشروعها للمنطقة، وهي تسيطر على أواسط آسيا، والهند مع إيران تطرح مشروعًا آخر منافسًا، وروسيا مع أوروبا تطرح مثل هذا المشروع، وحتى اليابان ليست مرتاحة كثيرًا لصعود الصين. ويعلم الصينيون أن الولايات المتحدة ليست مرتاحة لمشروع الحزام والطريق، لكنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة وأوروبا لا تملكان القدرة الكافية لمعارضته، فلكل بلد شؤونه، ولن تستطيع القوى العظمى أن تسيطر على كل شيء، وخصوصًا بعد أزمة 2008 من جهة، ورغبة الدول على جانبي الحزام والطريق المشاركة في المشروع. وفي النهاية، لا تستطيع أية قوة مسيطرة أن تبقى مسيطرة دائمًا.

العرب ومشروع الحزام والطريق

يؤكد الصينيون أن مبادرة “الحزام والطريق” تلتزم بمفاهيم التعاون والانفتاح والمنفعة المتبادلة والفوز المشترك، وأنها ليست عزفًا صينيًا منفردًا، وإنما سيمفونية تعزفها الدول والمناطق على طول “الحزام والطريق”، غير أن الواقع لا يسير بالضرورة وفق هذا الكلام الجميل، بل وفق المصالح والصراع حولها.

بلغ التبادل التجاري بين العرب والصين عام 2015 نحو 202 مليار دولار، 70% منها مع دول مجلس التعاون، حيث يشكل النفط معظم قيمتها، ويتطلع الصينيون إلى ارتفاع حجم التجارة بين الصين والعالم العربي إلى 600 مليار دولار في العقد المقبل، وأن ترتفع الاستثمارات من 10 مليارات دولار الآن إلى 60 مليار دولار خلال عقد.
ينقسم العرب، من وجهة نظر الصين، إلى مجموعتين. الأولى دول مجلس التعاون الخليجي التي تملك المال، ويرون فيها مصدرًا للاستثمارات، وسوقًا كبيرة بقدرة شرائية مرتفعة، تتطلب سلعًا بجودة عالية. والثانية هي بقية الدول العربية، ويرون فيها سوقًا واسعة للسلع الصينية، ذات الجودة الأدنى، تضم عدة مئات من ملايين البشر.
يمكن أن يشكل مشروع الحزام والطريق فرصة كبيرة أو صغيرة للعرب، فالمنطقة العربية تحتل، برًا وبحرًا، موقعًا مركزيًا في المشروع. يمكن أن تقتصر استفادة الدول العربية من المشروع بأن تكون مجرد منصةٍ لتوسيع أقنية تصريف المنتجات الصينية في الأسواق العربية، وتعهد تنفيذ مشاريع، وأن تكون البلدان العربية محطة عبورٍ لمنتجات صينية في طريقها إلى بلدانٍ أخرى. لكن، يمكن أن يكون المشروع مناسبةً لترجمةٍ فعلية لحديث الصينيين عن مساعدة الدول العربية في رسم السياسات وتصميم الإدارة وإقامة شراكةٍ في ميادين البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا وتنمية التصنيع والطاقات الجديدة والطاقة النووية ومشاريع البنية التحتية والاتصالات، وصناعات الفولاذ والمعادن وتنمية صناعات في مجلس التعاون ذات كثافة رأسمالية وقيم مضافة عالية، وصناعات خفيفة كثيفة العمالة في البلدان العربية ذات الكثافة السكانية المرتفعة، وخصوصًا بعد ارتفاع مستويات الأجور في الصين، وتقيم الصين الآن مناطق صناعية في خليج السويس في مصر، وفي منطقة جيزان في السعودية وفي عُمان.

يتوقف جعل مشروع الحزام والطريق والعلاقة مع الصين فرصة للبلدان العربية على البلدان العربية نفسها أكثر مما يتوقف على الصينيين، ويتوقف على مدى امتلاك الدول العربية رؤية وخطة، وقيادات واعية لديها مشروع وطني للتنمية، وتوفير مستلزمات نجاحه وتنفيذه بثبات، كما فعل و يفعل الصينيون. وقبل هذا كله، تنسيق وتعاون فيما بينهم. ويمكن للعرب المناورة بما لديهم من إمكانات بشرية ورؤوس أموال واستخدام ورقة التعامل باليوان الصيني، وورقة التنافس الصيني الأوروبي الأميركي لتحسين شروط التعاون مع الصين، وإلا تبقى فوائد المشروع محدودة. لكن، يمر العرب اليوم في أصعب لحظات تاريخهم الحديث، فكيف سيتصرّفون؟

(4)

صورة الصين عن قرب

ارتبط اسم الصين، في التاريخ الحديث، باسم ماوتسي تونغ والشيوعية والثورة الثقافية. وفي العقود الأخيرة، كان النمو الاقتصادي المدهش هو الفكرة المرتبطة باسم الصين، فلا يوجد بيت في العالم، اليوم، لا توجد فيه منتجاتٌ صينية. 

أعطتني زيارتي قبل شهر ونيف الصين صورة حية عن تناقضاتها، فمطار بكين لا يختلف عن أي مطار حديث في أية عاصمة غربية، بل كانت دعايات السيارات والسلع الاستهلاكية الأخرى تملأ المطار أكثر بكثير مما تجد في لندن وباريس ودبي والدوحة، ولولا وجوه الصينيين لما رأيت شيئًا مختلفًا.

في طريقنا إلى الفندق وسط بكين، والذي استغرق نحو ساعة، شاهدنا الشوارع تكتظ بماركات السيارات الغربية: فولكس فاكن وأودي ومرسيدس وبي إم دبليو وتويوتا وهيونداي وشيفروليه وفورد وبيجو ورينو وغيرها، مع عددٍ أقل من ماركات السيارات الصينية. قال مرافقنا إن ماركات السيارات العالمية المصنوعة في الصين تشكل نحو 60% من السيارات التي تسير في شوارع الصين. لكن ما لفت انتباهنا أن سيارات الدفع الرباعي تشبه بكثافتها ما نراه في مدن الخليج، وأكثر بكثير مما نراه في مدن أوروبا، ما يشير إلى نمو النزعة الاستهلاكية.
والمولات التي زرناها تشبه المولات في أي بلد رأسمالي، السلع نفسها والماركات نفسها وطريقة العرض نفسها التي تراها في أوروبا الغربية أو مدن الخليج، بل ومستويات الأسعار نفسها، وهذا ما فاجأنا، إذ كنا نتوقع أن تكون الأسعار أقل بكثير.

قال لنا مرافقنا: غدًا سنأخذكم إلى المول الشعبي، وهناك أشياء رخيصة الثمن. وبالفعل، كانت الصورة مختلفة، فالباعة هناك يعترضون طريقك، ليدخلوك إلى محالهم، عارضين عليك بضاعتهم، لتدخل في عملية مساومة على السعر، بما ذكّرني بسوق المدينة في حلب أيام زمان. وهذا ما حصل، عندما اشترى صديقي حقيبةً كان سعرها الأول، حسب البائع 4800 يوان، لكنه حصل عليها بـ800 فقط. وأطرف من ذلك هو “شطارات” البائعين، وطرق شرح مزايا السلعة وإقناع الزبون، فهي مسرحية تشبه مسرحيات البيع والشراء في أي سوق شرقي شعبي.

لا تختلف شوارع بكين أو ينشوان، المدينة الأخرى التي زرناها في وسط الصين، عن شوارع أي مدينة عالمية، أبراج وعمارات وطرازات معمارية حديثة، لا يميّزها سوى اللغة الصينية. في بكين، يمكنك أن ترى العلامات الخاصة بكبريات الشركات العالمية الغربية واليابانية والكورية، وكذلك الشركات الصينية، فلنحو 400 من أصل أكبر 500 شركة عالمية مراكز في الصين. وأصبحت بكين مركزًا تجاريًا عالميًا ضخمًا، وقد أخبرنا مرافقنا بأن أسعار الشقق في وسط بكين ارتفعت لتصبح خيالية، إذ وصل سعر المتر المربع الطابقي إلى 15 ألف دولار، بينما هو في أطراف بكين نحو 3000 دولار.

الولع بالاستهلاك ينمو في الصين، ويبدو أنه سيستمر في النمو، حتى يتم إشباع الصينيين قبل أن تصل إليهم العقلانية الأوروبية، فهم، حتى الآن، مولعون باستخدام سياراتهم حتى للذهاب إلى الأماكن القريبة. ويهتم أغنياؤهم بإقامة حفلاتٍ باذخةٍ على الطريقة الغربية.

يزداد عدد الطبقة الوسطى في الصين، وتبلغ قرابة مائة مليون، متفوقة على نظيرتها الأميركية التي لا تزيد عن 90 مليونا، وينعكس هذا في عزوف رجال ونساء كثيرين عن الزواج، وفي المدن الكبرى ظاهرة النساء الثريات العازبات، غير أن العلاقات الجنسية مفتوحة بدون أي قيود. وينتشر نمط الحياة الغربي في كل مكان، وتنتشر مئات ملاعب الغولف، وهي رياضة الأغنياء، ما يشير إلى ضخامة الفئات الوسطى والثرية، ويُعجب الصينيون بالأميركان.
تنتشر في الصين مطاعم الوجبات السريعة والمقاهي العالمية المعروفة، مطاعم ماكدونالد ومقاهي ستاربكس وغيرها. الملاهي والبارات والأندية الليلية كلها على الطراز الغربي في أماكن النخبة الكبيرة المعولمة، حيث يحتسي الشباب بيرة هاينكن وشراب الشوكولا الإيرلندي الساخن ويشرب الإسبريسو والكافي لاتيه والمكياتا، ويرتدي سراويل الجينز العسكرية، ويرقصون على أنغام أغانٍ يديرها “دي جي”.

ماركات ملابس وعطور وساعات وأطعمة ومشروبات غازية، كما في أية مدينة أوروبية، صور الإعلانات والدعايات مصممة وفق الطراز العالمي نفسه بالأفكار نفسها، والفارق البسيط أنهم يستخدمون صور رجال ونساء من الصين، ويكتبون بالصينية. وعلى عكس الهند، لا ترى في الصين الأزياء التقليدية، إلاّ في الأعمال الفنية، فالجميع يرتدي اللباس الحديث، نساءً ورجالًا.

تغيب الصين القديمة عن أنظارك، وأنت تتجول في المدن الكبرى. ولكن، يكفي أن تبتعد بضع عشرات الكيلومترات في الأرياف، لكي تشاهد الصين القديمة والبيوت البسيطة والمزارعين الصينيين الفقراء المقتصدين في حياتهم إلى حد بعيد.

أصبح التفاوت الاجتماعي كبيرًا جدًا، ويشبه أي بلد في العالم الرأسمالي والعالم الثالث، وتنتشر البطالة والفقر إلى جانب الغنى الفاحش. وتأتي الصين في المرتبة الثانية بعدد المليارديرات لعام 2016 (213 مليارديرا) بعد الولايات المتحدة (536 مليارديرا).

التلوث في بكين هو الأعلى في العالم، وهذا بسبب الصناعة، كما بسبب العواصف الرملية التي تهب على بكين بمعدل 14 مرة في العام، إذ إن ربع مساحة الصين صحارى، وهي تتوسع بسبب الجفاف وسوء الاستخدام وقطع الأشجار. ويعلم الصينيون أنهم لوّثوا البيئة كثيرًا، لكنهم يردّدون: “الدول الكبرى لوثت من قبل أكثر مما لوثنا، ونحن الآن أصبحنا أغنياء، وأصبحت لدينا القدرة المادية، وسنهتم أكثر بالبيئة والحفاظ عليها”.
في الصين، مازالت الرقابة صارمة، وحريات التنظيم والتعبير غائبة، وتسيطر الدولة على الإعلام، وسياسة الحجب واسعة الانتشار، وحتى جريدة “العربي الجديد” محجوبة في الصين. وعندما طلبنا كلمة السر في المطار، لربط هواتفنا الذكية بشبكة الإنترنت، طلبوا أن نذهب إلى جهاز، ونعمل تصويرًا لجوازات سفرنا، كي نحصل على كلمة السر الخاصة بكلٍّ منا، بما يتيح لهم معرفة ماذا فعل. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي غير مسموحة عدا “الواتس أب”، وقد أطلقت الصين برنامجًا منافسًا لـ”فيسبوك”، لكن الصينيين لا يعدمون طرقًا لكسر الحظر والوصول إلى “فيسبوك”، وهو منتشر بين الشباب.

ما تزال الصين تبدو متناقضة، بين اسم الحزب الشيوعي وأيديولوجيته الرأسمالية، فاقتصادها اليوم أكثر ليبرالية من اقتصاد الولايات المتحدة. لكن، بدون النظام السياسي الديمقراطي، وبدون الحريات العامة وحقوق الإنسان المعهودة في الدول الغربية أو اليابان أو حتى تايوان. وثمّة سؤال يتكرر: هل سيبقى 1.33 مليار نسمة يرزحون تحت حكم شمولي، يقمع حريات التعبير والتنظيم وحقوق الإنسان.. إلخ؟

ما حقّقه الحزب الشيوعي الصيني يمنحه مشروعية ورضى الصينيين وثقتهم. لذا، هم في المجمل راضون، وهم يدركون مخاطر التغيير السياسي المستعجل، وقد أعطتهم التجربة الروسية درسًا قاسيًا، كما أن الطبقة الوسطى والغنية الجديدة من الصينيين تكوّنت بفعل سياسات الحزب الشيوعي منذ 1978، كما فتح الحزب الشيوعي أبوابه أمام هذه الطبقات، وأصبح غالبية المنتسبين الشباب إلى الحزب هم من الفئات الوسطى والغنية، وأصبحت هذه الفئات تشكل الجزء الأكبر من قاعدته الاجتماعية الفاعلة. ولكن، بدأت هذه الطبقات تشكل ضغطًا أكبر على الحزب باتجاه مزيدٍ من الانفتاح، ومزيد من المشاركة في القرار. وقد راهن خبراء غربيون كثيرون على انفجار المطالبة بالحريات العامة، مع ارتفاع مستويات الدخل، ونمو الطبقات الوسطى والغنية، وإدخال الصين، بالتالي، في صراعاتٍ داخليةٍ تعرقل صعودها. ولكن، أي من رهاناتهم لم يتحقق حتى الآن.
لعل منطقة زينتياندي تعبّر اليوم ببلاغةٍ عن الصين الحديثة، فهي تقع وسط شنغهاي، وهي منطقة للنخبة، تعج بالمطاعم والحانات الراقية والمتاجر الكبرى الفاخرة، حيث ترى الصينيين حديثي الثراء قادمين إليها في المساءات. لكن “زينتياندي” نفسها كانت مهد الحزب الشيوعي الصيني، فهنا قام الشاب ماوتسي تونغ مع 11 من رفاقه بتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، في 23 يوليو/تموز 1921، وأصبح ذلك المكان الثوري محاطًا بتلك الأماكن الفاخرة، معبرًا ببلاغةٍ عن وضع الصين اليوم.

(5)

“الصينوفوبيا” محل “الإسلاموفوبيا”

أدى سقوط “العدو الشيوعي” في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، والذي شكل خطرًا، وطرح نفسه -على مدى 70 عامًا- نظامًا بديلًا عن النظام الرأسمالي العالمي القائم، أدى إلى زوال “العدو الخارجي” الذي كانت تستعمله قوى الرأسمال الغربي خطرًا و”فزاعة” خارجية؛ لضبط الداخل، ومع زواله، باتت تلك القوى المسيطرة في الدول الغربية الكبرى بحاجة إلى عدو خارجي آخر، وكان الخطر البديل هو “الإسلاموفوبيا”، فالعدو الخارجي حاجة أساسية لإحكام السيطرة على الداخل، فلا يتوجه الاحتجاج نحو الداخل ضد التفاوت الهائل في مركزة الثروة والسلطة واحتكارها من نخبة صغيرة من المجتمع، وتمركزها وتركزها في يدها، بما قد يخلقه من احتجاج على النظام الرأسمالي الذي ينتج هذا التفاوت ويحميه.

اليوم، وبحسب تقرير بنك “كريدي سويس” السويسري، فإن 0.7 بالمئة من سكان العالم، أي أقل من 1 بالمئة، يملكون 116.6 تريليون دولار من ثروة العالم البالغة 255 تريليون دولار، أي 45.7 بالمئة. وقد تضاعف عدد الأثرياء، منذ 2010 حتى 2016، كما تضاعف -في المقابل- عدد الفقراء.

وقع اختيار قوى رأس المال الغربي على “الإسلاموفوبيا” ليكون “العدو الخارجي”، وقد كانت بعض العناصر اللازمة للإسلاموفوبيا قد بدأت بالتبلور، وخاصة مع انتهاء حرب أفغانستان وخروج السوفيات منها، وتخلي الغرب والأميركان عنها، تاركين وراءهم تنظيمات جهادية كبيرة، دربوها وأمدوها بالسلاح والمال والرجال، واكتسبت خبرة قتالية كبيرة عبر ما خاضته من معارك خلال الحرب في أفغانستان.

هنا؛ تحوّلت سياسة الدول الغربية الكبرى من “التحالف مع الإسلام” إلى عدّه عدوًا. فمن قبل، وبشعار “تحالف المؤمنين من مسيحيين ومسلمين، ضد الكفرة والملحدين الشيوعيين”؛ عملت القوى الغربية وقوى الإسلام السياسي على تحريض جموع المسلمين ضد المعسكر الاشتراكي “الكافر”، ودفع الغربيون بقوى الإسلام السياسي للقتال ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان منذ 1979، فكان أداة في خدمة استراتيجية الدول الغربية. ولكن عندما سقط المعسكر الاشتراكي، ولم يعد هو العدو الذي يخيفون شعوبهم به، وباتوا بحاجة لعدو آخر جديد، وقع اختيارهم على الإسلام، وهنا تغير الدور الذي يريدون للإسلام أن يلعبه، فأصبح هو “العدو”، وبدأ الترويج لفكرة “الخطر الإسلامي القادم” كي يكون “فزاعة لضبط الداخل” والحصان الذي تمتطيه قوى اليمين في الدول الغربية؛ للوصول إلى السلطة، مستغلين الأعمال الإرهابية التي تقوم بها القاعدة من قبل، وتنظيم (داعش) في ما بعد، وروّجت بفعالية عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي؛ لتضخيم حجم الخوف. وهنا لا نقلل من مخاطر الأعمال الإرهابية التي تمارس ضد الدول الغربية، ولكن هذه الأعمال والحركات الجهادية برمتها لا تشكل خطرًا وجوديًا على النظام الرأسمالي، كما كانت الشيوعية.

من هنا يمكننا تفسير موقف أميركا من الصراع في العراق من قبل، فقد غزت العراق ورتبت قيام حكم طائفي مذهبي متطرف عدواني تجاه الآخر، ينتج -بالضرورة- ردة فعل متطرفة، وتفسير موقفها تجاه الصراع في سورية، وليبيا واليمن من بعدها، إذ نظمت التدخل عبر وضع خطوط خضر وحمر، بحيث لا ينتصر أي طرف ولا ينهزم، بما يعني توليد مزيد من الصور والفيديوهات والأخبار التي تضخ إلى الداخل الأميركي والأوروبي، ومن هنا يمكن أن نفهم -أيضًا- خطاب أوباما بعد سيطرة تنظيم (داعش) على الموصل في آب/ أغسطس 2014، بأن الولايات المتحدة ستُحارب داعش في العراق، وستحتويها في سورية، وها قد مر عامان ونيف على بدء تشكل حلف دولي لمحاربتها، بينما مازالت “الدولة الإسلامية باقية”، وإن قضوا عليها اليوم، فستظهر بثوب آخر؛ لأن عوامل إنتاج التطرف ما تزال قائمة.

أفولالإسلاموفوبيا” وصعود “الصينوفوبيا

في الواقع لا يشكل الإسلام أي خطر وجودي على بلدان الغرب، والغرب يعلم ذلك، صحيح أن الأعمال الإرهابية التي تقوم بها منظمات إسلامية، بين فينة وأخرى، في المدن الغربية تخلق بعض الإزعاج لحكوماتهم، وتخلق ضغطًا على أجهزة أمنهم، ولكنهم يعلمون أن جميع البلدان الإسلامية، وهي بلدان متفرقة، حتى ولو اجتمعت، لا ولن تشكل أي خطر يهدد بلدانهم وسيطرتهم، فاقتصاد البلدان الإسلامية ضعيف، ولا تمتلك أي تقدم علمي وتكنولوجي ذي قيمة، ولا تمتلك اقتصاديات قوية، وهي بلدان مستهلكة تستورد كل ما تحتاجه من “بلدان الكفر”، سواء أكانت مسيحية أم شنتوية أم بوذية أم غيرها، ولا دور سياسي لها، بل إن تأثير إسرائيل واللوبي الصهيوني في العالم يفوق تأثير مليار ونصف المليار مسلم في العالم.

نعتقد أنه من غير الممكن تصعيد الإسلاموفوبيا أكثر من ذلك في الدول الغربية، بعد أن أدت دورها في الدول الغربية، فقد أدى تصعيدها إلى صعود اليمين المتطرف الأميركي والأوروبي؛ ما يستفز جميع قوى المجتمعات الغربية، من قوى يمين معتدل، وقوى الوسط واليسار؛ لتتحد ضد يمين متطرف، يهدد أسس القيم التي بنيت عليها مجتمعاتهم، ومن جهة أخرى، ستضطر المجموعات الإسلامية المتمظهرة بمظهر إسلامي فاقع لأن تخفف من تمظهرها، وستخفف من انجرارها خلف المتطرفين من دعاة الإسلام السياسي، بسبب الضغوط الكبيرة التي بدأت تمارس على المسلمين في البلدان الغربية، وسيمارس ضغط أكبر على الجهات الراعية والممولة للمجموعات المتطرفة. لكن هذا لا يعني أن التطرف سينتهي؛ فمازالت عوامل إنتاجه المحلية موجودة.

أعتقد أن استخدام “الإسلاموفوبيا” لن يطول، وسيتم استبداله بالخوف من التنين الصيني، الذي يكبر ويكبر كل يوم، وهو خطر حقيقي يكاد يتحول إلى داهم، وقد “سرقت” الصين عشرات ملايين فرص العمل من الدول الغربية، وتسببت صناعاتها بإقفال عشرات آلاف المصانع، وشركات الخدمات، وارتفعت معدلات البطالة في الغرب، وتصبح منتجات الصين منافسًا لمنتجات الدول الغربية، وتنمو قوتها العسكرية وينمو دورها السياسي بالتدريج. وسيتحول التنين الصيني إلى خطر حقيقي داهم بالنسبة للقوى الغربية وسيطرتها، ما سيدفعها لتصعيد مواجهتها للصين، بالوسائل كافة، وحينها سيفقد الإسلام دور “العدو”، وستفقد “الإسلاموفوبيا” دورها؛ ليحل محلها “الصينوفوبيا”، وسنرى تنافس الصين مع الدول الغربية على التقرب من الإسلام، والتحالف مع الدول الإسلامية. غير أن “الصينوفوبيا” قد تشكل خطرًا حقيقيًا مستقبليًا على سيطرة الدول الغربية، ولا سيما أن الصين استطاعت أن تعزز قوتها وشبكة علاقاتها العالمية، وتقود تحالفًا عالميًا، تعمل بدأب صامت لبنائه.