كم ستكون مقاربة الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن لسياسة بلاده الخارجية مختلفة ومغايرة عن سياسة سلفه؟ هذا ما يتعين علينا مراقبته ورصده، ليس بوصفه «ترفًا سياسيًا»، بقدر ما يُفترض أن يكون مقدّمة للبناء عليه، واختيار الطريق الأسلم والأنسب، من جهة المعنيين بالتعامل مع الإدارة الجديدة.

تصريحات بايدن حول استعداد بلاده للقيادة مجددًا على الساحة الدولية، وطي صفحة السياسات التي اتبعها سلفه التي «أدّت إلى الإضرار بمصالح الولايات المتحدة وتراجع مكانتها وتقوّيض تحالفاتها الدولية»، كما أعلن غير مرة، تشير إلى حجم الاختلاف ومداه الممكن في سياسات الرجلين الخارجية.

دعا الرئيس الجديد إلى تعزيز الدبلوماسية (وليس الغطرسة والعنجهية، كما فعل ترامب)، بوصفها أداة لقيادة الحلفاء عبر مؤسسات دولية عريقة. ووعد بأنّ إدارته ستعيد التشديد على أهمية حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وستعود إلى الانضمام إلى اتفاقية باريس للمناخ، ومنظمة الصحة العالمية. وستتراجع عن شن حروب تجارية (غير حكيمة)، وصولًا إلى احتمال معاودة العمل بالاتفاق النووي الإيراني وفق شروط محدّدة.

ومع أنه أكّد غير مرة أنّ ولايته لن تكون «ولاية ثالثة» لباراك أوباما، إلا أنّ سياساته المعلنة، والأدوار التي لعبها المرشحون الأبرز الذين يعتزم تعيينهم في إدارته، (مثل أنتوني بلينكن للخارجية، وجيك سوليفان، كمستشار للأمن القومي)، أثارت آمالًا ومخاوف متضاربة في غير عاصمة عربية وإقليمية. كلّها تأمل -أو تخشى- أن تكون سياساته مطابقة أو مشابهة لسياسات الرئيس الديمقراطي أوباما.

يُذكر أن بلينكن كان المساعد الأول لوزير الخارجية الأسبق جون كيري، وهو يدافع عن الاتفاق النووي مع إيران، وعمل ضمن الفريق المفاوض للوصول إليه. وكان سوليفان من أوائل المسؤولين الذين أجروا محادثات أميركية خفية مع طهران في سلطنة عمان. كما سيعود كيري إلى البيت الأبيض بصفة مبعوث خاص للرئيس لشؤون المناخ؛ ما يعني أنّ احتمالات استمرار سياسات إدارة أوباما السابقة، تفوق احتمالات حدوث تغيير فيها.

عقيدة أوباما

حريٌّ بالحديث عن ولاية ثالثة لأوباما أن يعيدنا إلى البحث في ما أطلق عليه «عقيدة أوباما»، وخصوصًا ما إذا كانت هذه «العقيدة» هي استراتيجية رئيس وإدارة فقط، أم استراتيجية للحزب الديمقراطي ككل؟.

وفي الواقع فإنّ «عقيدة أوباما»، كما عرضها جيفري غولدبرغ في مقالته المطوّلة في «ذي أتلانتيك» (10/3/2016)، تنمّ عن ثقافة رفيعة يمتلكها الرجل، مشفوعة برؤية فكرية وحضارية تستند إلى معايير قيميّة وأخلاقية قلّ نظيرها على مستوى رؤساء وزعماء العالم الآخرين، ولا صلة كبيرة لها بقواعد السياسة التقليدية، والمصالح المتعارف عليها التي تشغل عادة الدول الكبرى في العالم، وفي مقدّمها الولايات المتحدة الأميركية.

ويُلاحَظ أن سياسات أوباما الخارجية حافظت على نسق محدّد، اتسم باعتماد الديبلوماسية وحدها لإنهاء عهود من العلاقات الباردة أو المتوترة مع عدد من الدول، (بصرف النظر عن موقفنا منها ومشاعرنا تجاهها). وتجلى ذلك خصوصًا بما فعله مع كل من كوبا وإيران، إذ تفاخر مرارًا بطي صفحة العداء مع الدولتين كلتيهما بعد عقود من الخصومة معهما.

ولكن ليس هذا هو ما يهمّنا الآن وهنا، في هذه المنطقة من العالم المسماة بالشرق الأوسط. فبصرف النظر عن الدوافع، وصحّة المنطلقات المعرفية والمنظومات القيمية -التي صدرت عنها توجهات أوباما السياسية ومواقفه- أو خطئها، فإنّ ما يعنينا في الحصيلة هو انعكاس تلك المواقف والسياسات المتخذة على منطقتنا ودولنا والنتائج التي قادت إليها.

الشرق الأوسط العصيّ

كان الرئيس السابق أوباما قد خلص -بحسب مقالة غولدبرغ- إلى افتراض أن الشرق الأوسط عصيّ المسار، ومنطقة حروب الجميع ضد الجميع، ولذا ينبغي عدم إدراجه في أولويات الاهتمام الأميركي، وخصوصًا في ظلّ وجود مصادر جديدة للطاقة، وتطلّعه إلى الاهتمام أكثر بآسيا حيث يكمن «مستقبل العالم»، ويجب التركيز على صعود الصين وضرورة العمل على كبح جماحها والحدّ من سعيها المتزايد للسيطرة.

وحفلت المقالة (وهي حصيلة مقابلات عدة أجراها الكاتب مع الرئيس أوباما ومسؤولين آخرين في إدارته. وكانت مرافعة كاملة عن حصاد سياساته في خلال ولايتيه الرئاسيتين)، بانتقادات واضحة لدول أوروبية وخليجية حليفة لأميركا، لكنها تسعى -بحسب قول أوباما- إلى «جرّ الولايات المتحدة إلى التدخل واستخدام قوتها العسكرية لتسوية حسابات وصراعات ذات طابع طائفي، لا تخدم المصالح الأميركية أو مصالح الدول الإقليمية»(1). وينقل غولدبرغ عن أوباما ما معناه أنه عندما يتعلق الأمر باستخدام القوة، فهناك «كتاب إرشادات» في واشنطن يجب على الرؤساء اتباعه، حتى لو أدى ذلك إلى قرارات خاطئة، أو الوقوع في فخٍّ ما.

شكل هذا الفهم مرجعية موقف أوباما في الشأن السوري، وخصوصًا قراره بشأن «الخط الأحمر» الذي وضعه في حال استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيمياوية، (كما حصل في الغوطة صيف 2013). إذ أعلن بصريح العبارة أنه «غير نادم على تراجعه عن الضربات العسكرية التي خطط لها»، قبل أن يضيف: «كان القرار الأصعب الذي اتخذته. كنت أعرف أنه يكلفني سياسيًا، ولكن أعتقد في نهاية المطاف أنه كان القرار الصحيح»(2).

ويضيف غولدبرغ أنّ ما أدهشه هو أنه، حتى مع ضغوطات وزير خارجيته وتحذيراته من عدم اتخاذ خطوات عملية، والتأثير الكارثي للأزمة السورية على أوروبا، فإن أوباما لم يعترف بأن الحرب الأهلية السورية كانت بمنزلة «تهديد أمني من الدرجة الأولى». بل يعتقد أنه قدّم لبلده خدمة كبيرة بإبعادها عن العاصفة، ويرى أنّ المؤرخين سيقولون أنه كان حكيمًا بفعله ذلك.

الخطأ الكارثي

وفقًا لغولدبرغ، فإن أوباما امتنع عن ارتكاب «الخطأ الكارثي» الذي ترك الرئيس الروسي ليرتكبه. فهو لطالما أراد أن يتفادى انزلاقه إلى حرب في سورية شبيهة بحرب العراق. فبعد أكثر من عقد من الحروب، ومع الالتزامات التي ما زالت مترتبة على الجيش الأميركي في أفغانستان والعراق، فأيّ رئيس عميق التفكير سيتردد بشأن اتخاذ أي التزام جديد في المنطقة نفسها، واحتمالية النتائج غير المرضية نفسها. راهن أوباما -كما يقول غولدبرغ- على أنّ ثمن العمل الأميركي المباشر في سورية سيكون أعلى من ثمن التقاعس عنه. أما قرار بوتين في القتال لمصلحة الأسد، فقد عدّه أوباما «خطأً كارثيًا».

ويتابع أنّ أوباما كان يعرف أن عدم توجيه الضربة سيثير غضب حلفاء أميركا، وخصوصًا من قادة الدول الخليجية والعربية الذين سبق ووصفهم أوباما بـ«ما يسمى حلفاء أميركا»، وينقل عن الملك الأردني عبدالله الثاني، أنه كان يعرب في مجالسه الخاصة عن استغرابه «رغبة أوباما غير المنطقية في إبعاد الولايات المتحدة عن حلفائها السنّة التقليديين، وخلق تحالف جديد مع إيران». وبأنه كان «يؤمن بالقوة الأميركية أكثر من أوباما نفسه»(3).

وفي المقابل، يؤكد الرئيس الأميركي أنّ هناك حدودًا للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه الولايات المتحدة لحماية المنطقة. موضحًا أن مصالح بلاده تقتضي إخراج الولايات المتحدة من الصراعات الدموية في الشرق الأوسط، حتى يتسنى لها التركيز بصورة أكبر على أجزاء أخرى في العالم، مثل آسيا وأميركا اللاتينية.

ويعرب أوباما عن اعتقاده أنّ الشرق الأوسط يمرّ بمرحلة انتقالية متجذرة في نزاعات منذ ألف سنة، ويحتاج تجاوزها إلى وقت طويل. وأنّ ما قام به ينسجم مع رؤية لزعامة أميركية من نوع مختلف عن النوع الذي سعى إليه الرئيس السابق جورج دبليو بوش، والمؤسسات الإمبراطورية الأميركية وعمالقة المحافظين الجدد. مفترضًا أنّ ما يهدّد أمن العالم مستقبلا ليس صراع الإمبراطوريات والدول العظمى، بل الدول الفاشلة التي يتزايد عددها. إضافة إلى مشكلات الهجرات الواسعة، وإرهاب المنظمات والجماعات المتشدّدة، وانتشار الثقافة العنصرية المتطرفة، كما جاء في غير خطاب أو مقابلة معه.

وينقل غولدبرغ عن أوباما أن واحدة من أكثر القوى التدميرية في الشرق الاوسط، ومصدر أغلب مشكلاته، هي «القبلية»، وهي قوة لا يمكن لأي رئيس أميركي أن يلغيها. وتتجلى بلجوء المواطنين اليائسين في الدول الفاشلة إلى الطائفة، أو العقيدة، أو العشيرة. الخ. وكان تحدث عن أنّ حلفاء الولايات المتحدة المفترضين في الشرق الأوسط، (مثل السعودية ومصر)، «لا يكفّون عن اضطهاد شعوبهم واضطهاد المعارضة، وعن قبول الفساد وعدم المساواة».

ومما كشفه غولدبرغ أيضًا أن أوباما ذكر في بعض أحاديثه الخاصة أنه «لن يكون هناك حل شامل للإرهاب الإسلامي إلا بتصالح الإسلام نفسه مع الحداثة، ومروره ببعض الإصلاحات التي غيّرت المسيحية».

وبحسب غولدبرغ، فقد وجّه أوباما انتقادات قاسية إلى السعودية، وشكّك في كونها «حليفًا استراتيجيًا» لبلاده. واتهمها بـ«تأجيج الصراع الطائفي ونشر التطرف الديني، وأنَّها لا تعمل بما فيه الكفاية لتحقيق الاستقرار في المنطقة»(4).

وفي مقالة غولدبرغ تفاصيل أخرى حول حرب ليبيا، حيث يلقي الرئيس الأميركي باللوم على الحلفاء الأوروبيين، مفترضًا أن دعمه للتدخل العسكري الذي شنَّه حلف شمال الأطلسي في ليبيا كان خطأً، نتج في جزء منه من اعتقاده المغلوط بأن بريطانيا وفرنسا ستتحملان مزيدًا من عبء العملية. في حين إن إطاحة نظام القذافي أدّت إلى انهيار الدولة الليبية، وأفسح في المجال أمام مليشيات مسلحة متنافسة لتتناحر على السلطة، وفي الأثناء استفاد تنظيم «داعش» ووسّع نفوذه هناك.

وينتهي غولدبرغ إلى أنّ أوباما وصل إلى عدد من الاستنتاجات بشأن القضايا العالمية، أهمها:

1– الشرق الأوسط لم يعد مهمًا جدًا للمصالح الأميركية.

2– حتى لو كان الشرق الأوسط مهمًا، سيظل هناك قليل مما يمكن لرئيس أميركي أن يفعله لجعله مكانًا أفضل.

3– الانخراط في حروب الشرق الأوسط يؤدي إلى مقتل الجنود الأميركيين، وإلى التشكيك في صدقية الولايات المتحدة ونياتها.

انتقادات بالجملة

وُجّهت انتقادات حادّة للرئيس أوباما في عدد من عواصم المنطقة. وجاءت أهمها من أولئك الذين وجّه انتقادات مباشرة إلى دولهم، إضافة إلى المتضرّرين من سياساته حيال إيران، ورهانه عليها بوصفها شريكًا محوريًا في المنطقة. وذهب بعضهم إلى حد اعتبار أن مواقف أوباما في هذا الشأن مثلت «انقلابًا» على عواصمهم، وبخاصة أنّ الاتفاق النووي الموقّع معها لم يشمل نفوذها الإقليمي ونشاطها الصاروخي الذي يراه هؤلاء مُهددًا لاستقرار دولهم، والاستقرار الإقليمي بعامة. مشيرين إلى أنّ إيران كانت المستفيد الأول من حربي أفغانستان والعراق، ووظفتهما لتعزيز مكانتها الإقليمية، في وقت يصنفها فيه البيت الأبيض «زعيمة لمحور الشر».

ورأى بعضهم أنّ «انسحاب» إدارة أوباما من المنطقة ينطوي على نوع من الانحياز، ويتغاضى عن سياسات واشنطن في الإقليم منذ عقود ودورها في تحديد وجهة ومسار النزاعات فيها. من قبيل إخفاق الإدارات الأميركية المتعاقبة في ملف القضية الفلسطينية.

وكذلك اختزال تعاملها مع كثير من التطورات والتحولات الجارية، من منطلق الحفاظ على أمن إسرائيل ومصالحها، وأولوية «الحرب على الإرهاب»، مع تناسي الدور الأميركي في دعم «الجهاد الأفغاني»، وتمهيد الطريق أمام صعود البعد الديني في صراعات المنطقة والعلاقات الإقليمية والدولية.

ومن الأمثلة البارزة التي ساقها منتقدو أوباما حجم التراجع عن بعض سياساته ومواقفه المعلنة في المنطقة، مثل خطابه الشهير في القاهرة الذي أعرب فيه عن عزمه على إيجاد حل للنزاع العربي – الإسرائيلي، ثم سرعة تخليه عن ذلك، معلنًا «عجزه واستسلامه» أمام التعنت والصلف الإسرائيلي.

وخلص آخرون إلى أنّ تعامل أوباما «اللامبالي» مع كثير من مآسي المنطقة لن يعفيه من مسؤولياته، وسيلعب دورًا أكيدًا في حكم التاريخ عليه. مشيرين على وجه الخصوص إلى مسؤوليته السياسية والأخلاقية عن مئات آلاف من الضحايا المدنيين، كثمن لسياسة «النأي بالنفس» التي اتبعها. هذا فضلًا عن نزوع الرئيس/ المنظّر أوباما إلى إلقاء اللوم على الآخرين فقط، من دون الإقرار بأي أخطاء محتملة ارتكبها في سياساته الاستراتيجية، وساهمت في تعقيد كثير من الأزمات، ومنها الأزمة السورية.

ورأى هؤلاء في تردّده وتناقضاته ورهاناته العاثرة تجاه المأساة السورية، من البدء في بيع الأوهام عن أيام الأسد المعدودة، إلى التهكّم على الثوار السوريين «المزارعين وأطباء الأسنان»، وصولًا إلى الغياب شبه الكامل والاكتفاء بموقع المتفرج على الكارثة الحاصلة، نموذجًا لفشل ما يصفه المدافعون عن سياساته بـ«الواقعية العقلانية الأوبامية». وأضاف هؤلاء أن سياسات أوباما أعطت بعض الدول الإقليمية مفاتيح النفوذ والهيمنة إقليميًا، فضلًا عن إفساحه المجال أمام روسيا لتدخل مجددًا الحلبة الدولية بوصفها منافسًا رئيسيًا للولايات المتحدة.

ولم تقتصر الانتقادات الموجهة إلى عهد أوباما على أبناء المنطقة فقط، بل امتدّت إلى غير مكان، وشهدنا انقساما كبيرًا في آراء المراقبين تجاه ما أقدمت عليه إدارته من مواقف وسياسات عملية في أكثر من مكان. وفي سياق ردّه على ما أورده غولدبرغ، قال الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي: إن الدول الكبرى «حين تضع حدودًا، ثم يتم تخطيها ولا تفعل شيئًا، فهذه ليست علامة جيدة». معتبرًا أنّ مفهوم أوباما بشأن «القيادة من خلف»، أمر لا وجود له في الواقع. فـ«إما أن تكون قائدًا، أو لا تكون»(5).

الاهتمام بالداخل الأميركي

ولكن هذه الانتقادات والاعتراضات كلها، بما فيها تلك التي وجهت من بعض أركان إدارته، لم تثنِ الرئيس أوباما عن مواصلة سياساته حتى نهاية ولايته الثانية. وليس هذا فحسب، بل لقد ثمّن المدافعون عنه معظم مواقفه ومبادئه، ورأوا فيها وسيلة ناجعة لإبعاد الولايات المتحدة عن التورط في الحروب، وتمكّينها من التركيز على القضايا الداخلية بالغة الأهمية، مثل إنجاز التأمين الصحي المسمّى «أوباما كير»، والعمل على تجاوز الأزمة المالية التي شهدتها بلادهم. ورأى هؤلاء أنّ أوباما ورث «تركة ثقيلة» عن سلفه الجمهوري المغامر، فضلًا عن عقود من سياسات فرض السيطرة «الإمبراطورية»، ونهج التدخل العسكري الفظّ للوصول إلى حلول للمشكلات الدولية وتأمين المصالح الأميركية.

وسجّل هؤلاء لأوباما سلسلة من الإنجازات من أهمها، أنه أحسن قراءة مزاج الرأي العام الأميركي ولبّى طلباته، وأبرزها الانسحاب من الحروب التي خاضها الرئيس بوش انتقامًا من الإرهاب الذي ضرب الولايات المتحدة في 11 أيلول/ سبتمبر 2001. ورغبة الأكثرية الأميركية في عدم التورط في «حروب الآخرين»، ومقاومة النزوع نحو دخول حلبة حروب جديدة أينما كانت.

وفي هذا الصدد، علّق الصحافي الأميركي ديفيد ريمنيك في حديثه المطول مع أوباما («نيويوركر»، 27 كانون الثاني/ يناير 2014)، بأنه «إذا كانت السياسة الخارجية لجورج بوش الابن ردّة فعل على 11 أيلول/ سبتمبر، فالسياسة الخارجية لأوباما هي ردة فعل على ردة الفعل هذه»(6).

ووضع بعضهم أعذارًا لأوباما في الطابع الانتقالي المعقد والملتبس الذي تمر به منطقة الشرق الأوسط وصراعاتها الداخلية والبينية المزمنة التي تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع العوامل الدينية والمذهبية والإثنية، وسط عجز أنظمة الحكم فيها الجليّ والفاضح عن بناء وإقامة دول وطنية حديثة، ونماذج حكم رشيدة وملائمة.

استراتيجية إدارة أم حزب؟

وفي ضوء ذلك كلّه، تبرز أهمية السؤال الواجب طرحه وتفحصّه؛ هل «عقيدة أوباما» استراتيجية خاصة بالرئيس أوباما وإدارته فقط، أم أنها استراتيجية وبرنامج للحزب الديمقراطي عمومًا، وستبقى سارية المفعول في عهد الرئيس الديمقراطي الجديد؟.

وقبل المضي قدمًا في مقاربة الإجابة عن هذا السؤال، يجدر بنا أن نتذكر أنّ القيادة على المسرح العالمي لم تكن تاريخيًا جزءًا من التقليد الأميركي في السياسة الخارجية، وخصوصًا ما قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية التي كانت نقطة تحول في هذه السياسة، إذ قادت إدارة الرئيس هاري ترومان في 1945، عملية تشكيل نظام عالمي جديد يقوم على قواعد محدّدة لمواجهة «تهديد الاتحاد السوفياتي»، عبر مجموعة من الخطط والوسائل؛ مثل «مشروع مارشال» للنهوض بأوروبا المنهارة ما بعد الحرب، إضافة إلى تأسيس حلف الناتو وما عرف بـ«مبدأ ترومان»، وإبرام اتفاق أمني مع اليابان، وإنشاء المؤسسات والهيئات المالية الدولية القائمة على مبادئ «بريتون وودز»، انطلاقًا من أن بلاده أخذت تحتل موقع الهيمنة على الاقتصاد الغربي والعالمي.

ولقد استمر الحال على هذا المنوال عقودًا، وأخذ شكل الانفراد الأميركي بقيادة العالم ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. لكن الحروب المتتالية التي انخرطت فيها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وتكاليفها الباهظة اقتصاديًا وبشريًا، ومن ثم بروز الأزمة المالية في 2008 – 2009، كلّها تضافرت لتطرح أسئلة أساسية داخل الرأي العام الأميركي ومراكز القرار في واشنطن، حول دور الولايات المتحدة في العالم، والأعباء المفرطة التي تتحملها.

أغلب الظن أن الرئيس باراك أوباما كان يعتقد أن القيادة الأميركية ما تزال مطلوبة دوليًا، لكنّ ما ميزه عن سابقيه (وخصوصًا بعد «فورة» سلفه بوش ومحافظيه الجدد) هو إدراكه للقيود الحقيقية التي باتت مفروضة، وأخذت تحدّ من قوة اندفاع بلاده على المسرح العالمي، (أقلّه عسكريًا)، في ظلّ التكاليف المهولة لحروبها وتدخلاتها في غير مكان.

وفي ضوء ما سبق كلّه، يمكننا أن نخلص إلى القول إنّ الرئيس بايدن سيُعيد «سيرة» الرئيس الديمقراطي أوباما وسياساته في الشرق الأوسط التي ستكون على الأرجح سياسات للحزب الديمقراطي بعامة، وليس له ولإدارته فحسب. وعلى ذلك، سيسارع إلى إعادة تقييم نهج ترامب وسياساته الخارجية بمجملها؛ ومنها تلك المتعلقة بمنطقتنا، (مثل العقوبات المفروضة على إيران). أما في سورية فيلاحظ منذ الآن أنّ توجهات بايدن والنصائح المقدّمة له بشأن الملف السوري، لا تخرج بمجملها عن العناوين العامة التي حدّدت ورسمت في عهد أوباما، ومن أبرزها التحلي بمبدأ «الصبر الاستراتيجي».

وعلى سبيل المثال، جرى الحديث عن ضرورة التركيز في الوقت الحالي على تأكيد المواقف المشتركة وتنسيقها مع المجموعة المصغرة (أميركا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، مصر، الأردن، السعودية)، بدلًا من محاولة «صياغة استراتيجية جديدة كبرى لسورية». كما جاء في وصايا قدمها أخيرًا «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، يؤكد فيها أنه «لا بد من تسوية بين الولايات المتحدة وروسيا لتحقيق نتيجة في سورية»(7).

ويرد ذلك بعنوان؛ العمل «من أجل إجبار روسيا ونظام الأسد على قبول الحل السياسي». لكن بالمقارنة مع جدوى «اللجان والمجموعات المشكلة عمومًا من أجل سورية» وفاعليتها، وما أثمرت عنه سابقًا، فإن ذلك لا يشي بأي أمل أو اطمئنان.

……………………………..

1. مقالة غولدبرغ «عقيدة أوباما»، كما وردت مترجمة في «مركز إدارك للدراسات والاستشارات»/ ترجمة: عبیدة عامر/ (27/03/2016).

2. المصدر السابق.

3 + 4. المصدر السابق نفسه.

5. «وكالات» / من مقابلة تلفزيونية مع الرئيس ساركوزي بتاريخ: 19/ 3/ 2016.

6. نقلًا عن خالد الدخيل/ الحياة: 4/ 1/ 2015.

7. من الموقع الالكتروني للمعهد: (أجندة دبلوماسية قصيرة المدى لِلُغز السوري/ تشارلز ثيبوت: 22‏/ 12‏/ 2020).