بعد أن ظنّ العالم أن مسنّنات الماكينة الدولية عُطبت، بسبب الفظائع المرتكبة في سورية على مدار سنوات؛ رأى تلك المسننات تتحرّك أخيرًا، إذ اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا، بشأن الدّب الروسي الذي فتكت أسنانه بمئات الأبرياء في أوكرانيا، يقضي بتعليق عضوية موسكو في مجلس حقوق الإنسان، وقد نال القرار موافقة جلّ الدول، مع تمنّع بعضها، ورفض بعضها الآخر، ولكلٍّ منهم في موقفه المُتخذ مصالح وحجج.

يُحدد النظام الأساسي للجمعية العامة، لتمرير أيّ قرار، نسبة الثلثين من عدد الدول التي تصوّت بنعم أو لا، ولا تُحسب أصوات الدول التي تمتنع عن التصويت أو لم تصوّت. وبحسب وكالة (رويترز) فقد اعتمدت الجمعية العامة في نيويورك قرار التعليق بالأغلبية المطلوبة، حيث صوّتت لصالح القرار، في 7 نيسان/ أبريل الجاري 2022، (93) دولة، مقابل تصويت (24) دولة ضده، بينها سورية والجزائر وإيران، فيما تمنعت (54) دولة عن التصويت، منها (11) دولة عربية هي: السودان، مصر، الأردن، قطر، البحرين، الكويت، العراق، تونس، اليمن، الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان.

وهذه هي المرة الثانية التي تجمّد الجمعية العامة للأمم المتحدة عضوية دولة ما في مجلس حقوق الإنسان، الذي يفترض أن تستمر عضوية الدول فيه ثلاث سنوات، إذ سبق أن جمدت عضوية ليبيا عام 2011، وذلك عقب الانتهاكات التي مارسها نظام معمر القذافي بحق الشعب الليبي، وها هي اليوم تجمّد عضوية روسيا التي من المفترض أن تستمر حتى نهاية 2023.

اللافت للانتباه هذه المرة أن القرار الأممي لم يأتِ ضمن اجتماع دوري عادي للجمعية العامة، بل ضمن جلسة طارئة لها، ولم تُعقد منذ سنة 1950 سوى إحدى عشرة جلسة طارئة كانت هذه آخرها، ما يدلل على عظم القلق الدولي والغربي إزاء الاعتداء الروسي على أوكرانيا، وإزاء الوحشية المكتشفة عقب انسحاب روسيا من بعض مدن الأوكران وتغيير تكتيكها العسكري المتبع هناك.

قرار التعليق و المنظومة الدولية:

لا بدَّ في البداية من تثمين الخطوة التي قامت بها الأمم المتحدة بتعليق عضوية روسيا من مجلس حقوق الإنسان، وطرد كل دولة تنتهك مبادئ القانون الدولي الإنساني، بل لا بدَّ من المطالبة أن تشمل عقوبة الطرد كلَّ دولة تُسهّل أو تشترك في أعمال ترقى إلى حد وصفها بجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، فكيف تستوي العضوية في مجلس حقوق الإنسان مع امتهان انتهاك تلك الحقوق؟!.

إنّ هذا التثمين المشار إليه أعلاه من الناحية النظرية يحمل في طياته أبعادًا سياسية تُنبئ بتصاعد التحديات العالمية وانفجار الأوضاع بشكل دراماتيكي سيصعب معه على أي قوة عالمية لملمته، بمعنى آخر: ربما نستطيع اليوم أن نقرأ الفاتحة على نهاية النظام العالمي الحالي، والبدء بتكوين أولى مراحل النظام العالمي الجديد.

فما إنْ قررت الأمم المتحدة تعليق عضوية روسيا حتى نهاية عام 2023، حتى سارع المندوب الروسي بالإعلان الفوري عن انسحاب بلاده من مجلس حقوق الإنسان، وهذا الإعلان، وإن كان هناك من يشكك بتوصيفه القانوني وقد جاء عقب قرار الطرد، يُمثّل قناعة روسيا المطلقة بأن النظام العالمي في شكله الحالي ذي القطبية الواحدة لم يعد ملائمًا، وهو ما أوضحه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أكثر من مناسبة، خلال اجتماعاته مع مجلس الأمن القومي الروسي.

وإذا أضفنا إلى قناعة موسكو الساعية لاستعادة دورها الدولي ومبدأ القطبية الثنائية، مطامح دول تسعى لأن تكون بمصاف الدول المؤثرة، امتعضت مرارًا من المنظومة الدولية الحالية وحصر القرار الأممي بأيدي دول خمس تملك حق الفيتو، ليس آخرها تركيا وألمانيا، فإننا نجد أن بنيان النظام العالمي يتعرض فعلًا لهزة حقيقية، يصعب التكهن حتى اللحظة بمآلاتها، أهي هدم وضياع ؟ أم أنه إعادة ترتيب وتنظيم يكسر الجمود الذي تتصف به الأنظمة القانونية لمنظومة الأمم وقد أثبتت حتى الساعة عجزها في معالجة الأزمات الإنسانية إذا ما تعارضت مع مصالح الدول القوية، فكانت جديرة بوصف بعضهم لها، بشبكة العنكبوت تلتقط الضيف، ويستطيع القوي الفرار منها.

وتجدر الإشارة إلى أن مجلس حقوق الإنسان هو هيئة فرعية للجمعية العامة، والجمعية العامة أحد الأجهزة الستة التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، وهي: الجمعية العامة، مجلس الأمن، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مجلس الوصاية، محكمة العدل الدولية، والأمانة العامة لهيئة الأمم المتحدة.

وعليه؛ فإن قرار طرد روسيا من مجلس حقوق الإنسان لا يعني إيقاف دورها في مجلس الأمن، ولا حقها في استخدام حق النقض الفيتو، الذي أسماه الرئيس الأوكراني “حق الموت”، وقال لمجلس الأمن في تسجيل مصور: “إما أن تستبعدوا روسيا باعتبارها بلدًا معتديًا ومبادرًا إلى الحرب حتى لا تعرقل القرارات المتعلقة بعدوانها، ثم نبذل كل ما في وسعنا لتحقيق السلام، أو إظهار أنه لا يمكننا القيام بإصلاح أو تغيير ليكون الخيار التالي هو حل أنفسكم”.

إنّ دعوة زيلنسكي وافقت إعلانًا بريطانيًا سابقًا، جاء على لسان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، وتصريحات عن الكونغرس الأميركي أوردها موقع” أكسيوس”، دعت إلى إخراج روسيا من مجلس الأمن لا حقوق الإنسان، لكنها لم توافق -بحسب قانونيين- الآليات القانونية لتعديل ميثاق الأمم المتحدة، فمجلس الأمن الذي أنشأ عقب الحرب العالمية الثانية، ويتألف من خمسة عشر عضوًا بينها خمس دول تتمتع بعضوية دائمة، هي الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية، يمنع إسقاط عضوية أي دولة فيه حتى لو لم تكن دائمة، وأي تعديل لهذا الميثاق يتطلب موافقة الدول الخمس الدائمة العضوية، ولا يمكن لروسيا أن تصوت على إقصاء نفسها عن مجلس الأمن، ما يجعل قرارًا كهذا، وفقًا للقانون الدولي المعمول به حاليًا، من باب المستحيل.

هذا ويمكن القول إنّ عملية إخراج روسيا من مجلس الأمن ستدفع الروس إلى الانفجار، وإلى تفجير العالم، وقد هدّد بوتين بذلك مرارًا وتكرارًا، فمسألة الوجود الروسي بمجلس الأمن مسألة وجود، ومسألة لن تلقى أذنًا طروبًا عند التنين الصيني الذي تلوّح منظمات حقوقية باستهدافه في مجلس حقوق الإنسان أيضًا، ولن يقبل تعديل هذا الموقف في مجلس الأمن، وابتعاد الحليف الروسي عنه، فتنقلب معه توازنات العالم لصالح الغرب، وإن كان عَدّل موقفه بشكل نسبي ضد الروس من جراء ما يجري في أوكرانيا.

قرار الطرد رسائل دولية متنوعة إلى الروس:

يمكن النظر إلى التحرك الأممي تجاه روسيا التي طالما لوحت بـ “عصا الفيتو” ضدّ أي قرار يدين جرائم النظام السوري منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، واستخدمته عدة مرات، أنه يوجّه رسائل سياسية وحقوقية لموسكو، إحداها أنها كُسرت كدولة عظمى تتصرف بعقلية العصابة والإجرام العابر للحدود، وأن المجتمع الدولي يقف في وجهها بشكل جدي، وأنّ عليها مراجعة سياستها والعودة إلى قواعد النظام الدولي والالتزام به، وأنها ستُحاسب على جرائم الحرب التي ترتكبها.

القيادة الأوكرانية التي جاء القرار مساندًا لها شعرت بالامتنان لتضامن الشركاء معها، وقالت: “لنُجبر روسيا على السعي إلى تحقيق السلام معًا”. وبينما قالت منظمة (هيومن رايتس ووتش) إن “الجمعية العامة وجهت رسالة شديدة الوضوح إلى القيادة الروسية، مفادها أن الحكومة التي يرتكب جيشها بشكل روتيني انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان لا علاقة لها بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة”، رأت واشنطن أن تعليق عضوية روسيا في المجلس يزيد “عزلة” موسكو على الساحة الدولية منذ غزوها أوكرانيا في 24 شباط/ فبراير لهذا العام.

بحسب (رويترز)، حذرت روسيا الدول أن أي تصويت بنعم أو الامتناع عن التصويت يعدّ “بادرة غير ودّية”، لها ما بعدها من عواقب على العلاقات الثنائية، وهو ما كرّس حالة الاصطفاف الدولي بشكل أوضح، وقال سفير الصين لدى الأمم المتحدة، تشانغ جون، الذي رفضت بلاده القرار: إن “مثل هذه الخطوة المتسرعة في الجمعية العامة، والتي تجبر الدول على اختيار جانب واحد، ستزيد من حدة الانقسام بين الدول الأعضاء وتكثف المواجهة بين الأطراف المعنية، إنها مثل صبّ الزيت على النار”.

البرازيل، المكسيك، الهند، و دول إفريقية، امتنعت عن التصويت على الرغم من التهديد الروسي، وسبب امتناعها أنه يجب أن يسبقة قرار لجنة تحقيق. لكنّ التساؤل الأبرز: لماذا امتنعت الدول العربية عن التصويت، وهي على اطلاع واضح بجرائم الحرب التي ترتكبها روسيا في سورية وفي أوكرانيا؟! والجواب هو أن الدول العربية منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية اتخذت موقفًا أقرب للحياد، لأنها لا تثق لا بالأميركان ولا الروس؛ فآثرت اتخاذ موقف متوازن يحافظ على مصالحها، إن هذه الدول لا طاقة لها بتحمّل آثار هذه الحرب، لا سياسيًا ولا اقتصاديًا، لذلك نجدها تستخدم “الامتناع عن التصويت”، كوسيلة للتعبير عن هذا الموقف، باستثناء النظام السوري الذي أعلن وقوفه بكل وقاحة مع بوتين.

وبينما لم يستغرب البعض رفض الجزائر الساعية لإعادة الأسد إلى أروقة الجامعة العربية قرار طرد روسيا من مجلس حقوق الإنسان، كان من اللافت انتقاد مندوب مصر القرار، وقد قال: “كم من المرّات تم الاكتفاء بقرارات أقلّ حسمًا وأكثر تساهلًا إزاء انتهاكات لحقوق الإنسان واضحة في ماضٍ ليس بالبعيد!”، وفيما استند المندوب المصري إلى حجة ازدواجية المعايير الدولية بانتقاد القرار، قال مراقبون إن رفضنا ازدواجية المعايير الدولية لا يُبرر بحال انتقاد قرار يدين مجرم، فإجرام البعض لا يمكن أن يبرر بحال إجرام آخرين.

السوريون والأسد وقرار الطرد الروسي:

لا شكّ في أن السوريين فرحون بالقرار الأممي المتخذ، وقد تجرّعوا سمّ الآلة الحربية الروسية على مدار سنوات، لكنّ كثيرًا منهم يرون أنّ هذه الخطوة جاءت متأخرة، وأنه كان من المفترض أن يتحرك المجلس منذ التدخل الروسي العسكري في سورية 2015، وتسببه في قتل وتشريد وتهجير مئات الآلاف من السوريين، وفي إفراغ المدن من ساكنيها خدمة لمصالح النظام وقواته وميليشياته، إضافة إلى سياسة الأرض المحروقة التي أبادت كل شيء.

إن المتصفح لأسباب القرار الأممي بإخراج روسيا من مجلس حقوق الإنسان، عقب غزوها أوكرانيا، يُفصح عن وجه قبيح لازدواجية المعايير الدولية، فالقرار يستند إلى الفقرة الثامنة من قرار الجمعية العامة رقم 251/60، المؤرخ في 15 من آذار/ مارس2006، والذي يجيز للجمعية تعليق حقوق العضوية بمجلس حقوق الإنسان للدولة العضو التي ترتكب انتهاكات جسيمة ومنهجية لحقوق الإنسان.

وفيما يتابع القرار ذكر الأسباب، وأنها تستند إلى تقارير حقوقية تفيد بوقوع انتهاكات جسيمة من قبل الاتحاد الروسي خلال عدوانه على أوكرانيا، وإلى قلق عميق من الأمين العام للأمم المتحدة تجاه انتهاكات القانون الدولي الإنساني، وإلى قرار بعثة مراقبة حقوق الإنسان في أوكرانيا. تعود للذاكرة فورًا تلك الانتهاكات التي استمرت لسنوات ضد السوريين ووثقتها كل منظمات الأمم، وأقر بها الجاني نفسه، وهو بوتين الذي اعتبر سورية حقل تجارب ناجحًا لأسلحة الدمار الذي يمتلكها الروس، ويعود للذاكرة قلق الأمين العام المستمر منذ أحد عشر عامًا تجاه ماكينة قتل الأسد وروسيا وإيران التي عملت عملها برقاب السوريين على مسمع من العالم وبصر، ويعود كذلك قرارات البعثات الأممية التي لم يستطع جلها الوصول إلى أماكن القتل وإلى مسالخ الأسد، فيما وصل آخر ووثق استخدام الأسد لسلحه الكيمياوي ضد الشعب الأعزل، ومع كل تلك الصور، وبالنظر إلى تماثل أسباب القرار بشكل أفظع في سورية، يحق للسوريين أن يتساءلوا: هل الدم المراق الذي يستوجب العقاب يُشترط له لون أو عرق أو دين.

 إن العقوبة وقعت على الروس في قضية أوكرانيا لا القضية السورية، وكان الأحرى أن يجمع القرار بين السببين في العقوبة، وألا يُمعنَ المجتمع الدولي في استهتاره بالدم السوري. ومع ذلك، ألا يحق لنا التساؤل: لماذا يبقى نظام الأسد حتى الآن في مجلس حقوق الإنسان، وهو الذي أجرم وأثخن، ووقف في اختباره الأخير وفي تصويته إلى جانب المجرم الروسي، أليس الحريُّ بالمجتمع الدولي طرده من مجلس اسمه “مجلس حقوق الإنسان”!!

سورية بعد طرد روسيا ليست كما قبلها!!

بات النظام السوري يعتقد بأن حليفه الروسي أصبح اليوم في مأزق؛ ولذلك سوف نجده يبحث عن حلفاء جدد دون أن يقطع علاقته به، وذلك من خلال تشبيك علاقات جديدة مع الدول العربية، وفقًا لمتطلبات المرحلة، لكنّ النظامين متهمين بقضايا انتهاك حقوق الإنسان، سواء في سورية أو في أوكرانيا.

وأيضًا بات النظام السوري يتلمّس أي متغير قد يتضرر من إمكانية استثمار قدرة نفوذه على الضغط على المنظمات الدولية (مجلس الأمن – مجلس حقوق الإنسان) والملفات ذات الصلة المعنية في مراقبة جرائم النظام السوري، وقدرة حليفه على منحه غطاء شرعنة تلك الجرائم عبر البوابة الروسية وقدرتها على تعطيل مقررات مجلس الأمن.

كلُّ ذلك -بلا شك- سيكون له انعكاسات وارتفاع في مستوى القدرة على اتخاذ القرارات الأممية المعنية بالملف السوري، ولا شك أنّ النظام السوري بدأ يلحظ تلك العزلة الدولية بشكل كبير، لا سيما بعد أن أقدمت روسيا على سحب العديد من مرتزقتها في صفوف ميليشيا (فاغنر) في سورية، وقد شهدنا سحب كثير من قطاعاتهم العسكرية المنتشرة في سورية، لكنّ الفراغ الذي تركته تلك الميليشيات، في ظل غياب الحل السياسي السوري وعودة الشرعية للشعب وتنفيذ القرارات الدولية، له تداعيات أكبر من مخاطر نفوذها، لا سيما أن تلك المخاطر تتمثل باستقدام الميليشيات الرديفة التي تقاتل في صفوف النظام السوري وخارج نطاق سيطرته، وهنا الحديث بوجه التحديد عن محيط البادية السورية، وعلى وجه التخصيص، عن مستودعات مهين التي كانت تسيطر عليها (فاغنر) والتي تسابقت على الوصول إليها ميليشيا “فيلق القدس” الإيراني و”حزب الله” اللبناني والعراقي في المرحلة الأولى، وهم يُعتبرون ضمن الكتلة الصلبة التي تُسهم في تقديم الدعم الميليشياوي لمشروع طهران في المنطقة العربية، وهي التي تتخذ من سورية بوابة للضغط على إسرائيل في مباحثاتها في الملف النووي، وتعتبر نقطة متقدمة نجحت من خلالها جزئيًا في توظيفها تجاه الحد من رفع سقف التفاوض الأميركي حول ملفات النووي والباليستي والمسيرات في النقاط المتقدمة لها على الجبهات السورية.

هنا يبرز تساؤل آخر: هل سنرى تسمين الغرب لدبّ جديد هو الدّب الإيراني، وإيصاله إلى حد قريب من الشبع، ثم التمرد والانقلاب على المجتمع الدولي، ليتم عندها التضييق عليه وضربه؟ وإلى ذلك الحين، تتجرع الدول الضعية زعاف سمه، أم أن تحجيم إيران سيكون قريبًا، وسيكون هناك توازنات مختلفة في المنطقة، وستصدق الوعود الأميركية هذه المرة، في أن الهدف الرئيس لواشنطن في منطقتنا هو تحجيم دور إيران.

لا شك في أن خطوة طرد الروس من مجلس حقوق الإنسان تصبّ في تحقيق جزء من العدالة الإنسانية، لكن يبقى المجتمع الدولي اليوم بحاجة إلى مزيد من الخطوات تجاه محاصرة الدول المارقة، وهنا الحديث عن الحلف الروسي. أمّا لماذا يُنظر إلى هذه الخطوة الأممية على أنها متأخرة؟ ولماذا لم تتم دعمًا للسوريين الذين ثاروا بوجه النظام في سورية منذ سنوات؟ فالجواب هو أنه لا يمكن التعويل على ذلك كثيرًا، كونه لا خطوة دولية قريبة باتجاه محاسبة النظام، ولا نيّة للغرب أصلًا في فتح ملف جرائم الحرب في سورية حتى الآن.

وربّما يكون وهن الموقف العربي أحد أهم الأسباب المؤدية إلى هذا الواقع أو تأخر الخطوات تجاه محاسبة روسيا على ما فعلته في سورية، وربّما يكون تغوّل السلطة الروسية في مركز القرار في سورية، وتخوف الدول العربية من متغيرات الموقف الأميركي قد أدّيا إلى تلك النتائج. لكنّ الجرائم الروسية التي حصلت في سورية وأوكرانيا لن تزول بالتقادم، ولربما نشهد مزيدًا من المواقف الدولية، بأن يتم تجميد عضوية روسيا في مجلس الأمن وذلك وفقًا للتقارير الأممية ذات الصلة.

نقطة تحول :

لا شك في أن هذه الخطوة ستزيد من عزلة روسيا دوليًا وسياسيًا، وبات الآن واضحًا أن النهج الذي تتبعه الولايات المتحدة ومن خلفها القوى الأوروبية هو إنهاك روسيا في المستنقع الأوكراني، والعمل على تفتيتها اقتصاديًا وصولًا إلى تغيير النظام الروسي، وهنا يجب الإشارة إلى زلة الرئيس الأميركي جو بايدن اللفظية، بأن هذا الرجل لا يصلح في هذا المكان، ثم استدرك لاحقًا بأنه لا يقصد تغيير النظام الروسي، ولكنه بزلته تلك كشف النيّات وفضح المستور.

ما حصل في الجمعية العامة للأمم المتحدة سيكون نقطة تحول في سياسة روسيا الخارجية في تعاملها مع المجتمع الدولي، أو مع ما تسمّيه روسيا بالدول غير الصديقة، بمعنى أكثر وضوحًا: كلما ازداد الخناق على روسيا أكثر، كان بوتين أشد عدوانية في تعاطيه مع القضايا التي تمسّ الأمن القومي الروسي.

من خلال كل تلك الأحداث المتسارعة، يتبيّن أن القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني بحاجة إلى إعادة ضبط، كي لا يتمكن المجرم الدولي من الفرار بجريمته. وعلى الأمم المتحدة والدول التي صوّتت لطرد روسيا بصفتها دولة مرتكبة لجرائم ضد الإنسانية، إذا كانت قادرة ومنصفة، أن تُجرّم ما فعله النظام السوري بحق السوريين، وأن تطرده من مجلس حقوق الإنسان، وأن تفعل ذلك مع الولايات المتحدة، عندما غزت العراق وأفغانستان وأرجعتهما ألفي سنة إلى الوراء، وقتلت من المدنيين أكثر مما قتل بوتين في أوكرانيا، وعندما قصفت ملجأ العامرية في بغداد، وأزهقت أرواح أكثر من 400 مدنيّ بين طفل وامرأة وشيخ.

فهل يكون ذلك قريبًا يا ترى؟ وهل يمكن لصوت الإنسانية أن يصدح وأن يحقق العدالة للجميع، فلا تكون عاقبة الجرائم على أساس نوع المجرم؛ إن كان شريفًا وقويًا ومن الدول التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية تُرك، وإن كان ضعيفًا عوقب! ولا يكون الإنصاف كذلك تبعًا لنوع الضحية، فإن كانت أوروبية استنفر العالم لأجلها، وإن كانت غير ذلك فدمُها رخيص! هل يمكن أن نرى ذلك حقًا أم أننا نحلم بدولة أفلاطونية لا وجود لها في هذه الدنيا، ولن تكون الجريمة ضد الإنسانية -بالنسبة إلى الدول العظمى- أكثر من مخالفة مرور!!