ترجمة علي كمخ

في المحطة الأخيرة التي وصلت إليها الأمور، اعترفت الولايات المتحدة وروسيا والعراق وسورية، بأن تنظيم (داعش) لم يتلق هزيمة بالمعنى الحقيقي، وأن التنظيم قد دخل في مرحلة ولادة من جديد. وذلك بعد أن ظهر في عام 2018 اعتقاد قوي، لدى الرأي العام الدولي، بتعرّض تنظيم (داعش) الإرهابي للهزيمة. وبُني هذا الاعتقاد على خطابات التحالف الدولي (الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية) وإيران، التي قُدّمت للرأي العام الدولي، من خلال الصورة التي قدمتها “الجهات الفاعلة الرئيسية في محاربة داعش”.  وكان من أكثر الأمثلة الملموسة على ذلك، الرسالة التي بعثها قاسم سليماني (قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني) عام 2017 إلى مرشد الثورة علي خامنئي، وأعلن فيها القضاء على (داعش)، ومن خلفها تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أعقاب مقتل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي.

غير أن هذا الاعتقاد (موضوع البحث) الذي تشكل لدى الرأي العام الدولي بدأ يهتز شيئًا فشيئًا، مع قيام التنظيم بمباشرة أعماله مرة ثانية في سورية والعراق. فقد أظهر هذا الوضع، مرة أخرى، أن عمليات مكافحة الإرهاب هي عمليات يجب تقييمها بما يتجاوز “المكاسب الظرفية”، أو “إنجازات” الجهات الفاعلة الآنية. وإن دخول داعش في مرحلة نشاط مكثف، في العراق وسورية ثانية، قد أعاد إلى الأذهان مجددًا أن الحرب ضد الإرهاب لها طبيعة أوسع وامتدادات أعمق. لذا؛ فإن هذا الوضع يفرض التركيز على الظروف التنظيمية والاجتماعية لديناميات العمليات التي توصف بأنها “ولادة جديدة” للتنظيمات الإرهابية.

مرحلة ولادة التنظيمات الإرهابية من جديد وظروفها

تتعرض التنظيمات الإرهابية نتيجة لعمليات مكافحة الإرهاب للضعف والهشاشة من نواحٍ كثيرة، إذ تعيش هذه التنظيمات هزات عنيفة، وتنتابها الصدمات الداخلية، نتيجة فاعلية وتأثير تلك العمليات. وتتجلى الهزائم التي لحقت بالتنظيمات الإرهابية في هذه العمليات في أبعاد مختلفة، يمكن تصنيفها بـفقدان السيطرة الميدانية، وفقدان العناصر المقاتلة، وفقدان القدرة على السلاح والقدرة المالية، والتشكيك في القيادة، وظهور الانشقاقات والإحباط بين العناصر داخل التنظيم. هذه الخسائر والآثار تسهم في بقاء هذه التنظيمات الإرهابية عديمة الحركة فترات طويلة. وعندما يضاف إلى هذا الوضع تحييد قادة التنظيمات بالاغتيالات أو القبض عليهم أحياء، تغدو التنظيمات الإرهابية مشلولة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ويتشكل تصور بإمكانية القضاء على التنظيمات وأنشطتها تمامًا.

لكن هذا التصور الذي يظهر نفسه، مع النتيجة التي أفرزها الصراع العسكري-المادي ضد الإرهاب، يشير إلى غلط كبير. فالقناعة القائلة بأن التنظيمات الإرهابية التي هُزمت، في السياق العسكري-المادي، قد قُضي عليها من جميع الجوانب، تتحول إلى قناعة عكسية نتيجة المحافظة على وجود مجموعة من الظروف الاجتماعية. إذ إن استمرار ودوام وجود الأوضاع السوسيولوجية الحالية يمهّد لانتعاش التنظيمات الإرهابية مجددًا في مدة قصيرة.

إن الظروف الاجتماعية المعنية يمكن تفسيرها في الإطار الذي أنشأه عالم الاجتماع يوهان غالتونغ، بما يتعلق بمفاهيم العنف البنيوي والسلام السلبي والإيجابي. فالعنف البنيوي مفهومٌ يعبّر عن مجموعة واسعة من الاعتداءات الجسدية، والتمييز وعدم المساواة الممارسة ضد شرائح اجتماعية معينة في مجتمع ما. أما مفهوم السلام السلبي، فهو يعبر عن تعميق التوترات، والتمييز الذهني والتمييز على الهوية، والتهميش والإقصاء الناجم عن هذا الوضع الاجتماعي، ولكنه يفصح عن البيئة التي لا تشكل فيها هذه الممارسات عملًا عنيفًا في الظاهر. وأما مفهوم السلام الإيجابي فهو يُعرَّف بأنه بيئة سلام حقيقية، حيث يتم حل جميع أنواع الانقسامات والتوترات والتناقضات السائدة في المجتمع.

فعند تناول عمليات الولادة من جديد للتنظيمات الإرهابية، ضمن هذا الإطار، يصبح من الممكن لهذه التنظيمات أن تتفاعل وتكتسب مكانة في البنى الاجتماعية التي يتواصل فيها العنف البنيوي والسلام السلبي. ذلك بأن التنظيمات الإرهابية تعمل على تقوية وتعزيز سردياتها التنظيمية ومهاراتها الدعائية في هذه البنى الاجتماعية، ولا تواجه مشكلات خطيرة من حيث التنظيم والتجنيد. وعندما يضاف هذا الوضع إلى الفراغات التي تحدث في السلطة، في البلدان التي تعمل فيها هذه التنظيمات، تظهر أرضية مناسبة وأساس صالح لمرحلة الولادة من جديد.

فالتنظيمات الإرهابية، كما في مراحل النمو والتطور، ترى في أعمال العنف والشدة التي تبدأها انطلاقًا من هذه الأرضية (عند مرحلة الولادة من جديد)، وسيلة للتذكير بذاتها وإثبات وجودها. ولذلك، كثيرًا ما تتم ملاحظة أعمال إرهابية واسعة النطاق في بداية هذه المرحلة. وبالتوازي مع الضعف الذي يعانيه التنظيم من حيث القابلية والقدرات، فإن أعمال العنف في عمليات الولادة من جديد تتحول إلى أعمال تخريبية على شكل قصف أو هجمات مسلحة، عبر مجموعات صغيرة وعدد أقل من الأشخاص الذين يولون للسرية والخصوصية بالغ الاهتمام.

من جانب آخر، في عملية الولادة من جديد، تخاطب التنظيمات الإرهابية بشكل أساسي كوادر التنظيم الموجودة والمجاهدين والمتعاطفين معها، إذ يحاولون التغلب على حالة الغموض وعدم اليقين، والهزيمة النفسية التي تتجلى داخل التنظيم. وبعد تأسيس هذا الوضع، تركز هذه التنظيمات جهودها على التجنيد وكسب العناصر بالمعنى التقليدي، وعلى الأنشطة الدعائية التي تستهدف الجماهير. ويمكن في هذا الإطار وصف السيطرة الميدانية بأنها “نجاح”، شريطة أن يكون التنظيم قد حقق سيطرة ميدانية في السابق. ففي هذه النقطة، يتم التعبير عن فقدان السيطرة الميدانية من قبل التنظيم على أنه “غصب للمكاسب”، يجلب معه الشعور بالانتقام. وبناءً على رواية “النجاحات السابقة” للتنظيم، فإن الشعور بالانتقام يجعل المواقع التي كانت سببًا في خسارة هذه المكاسب أهدافًا. وإن كان قد تم تحييد زعيم التنظيم، فإن خطاب الانتقام في هذه العمليات يشمل الانتقام للزعيم أيضًا. إذ إن التنظيمات، بالتوازي مع تصور الانتقام، تضع قدرتها على الوصول إلى النجاحات أو الإنجازات السابقة، على رأس خطاباتها المؤثرة، من خلال الرسائل التي يتم إيصالها إلى كوادر التنظيم والمتعاطفين معها، والتي تفيد بأن نضال التنظيم هو عملية طويلة الأمد، وأن الهزيمة ليست سوى جزء صغير من هذه العملية. وأخيرًا، فإن أهم الأسس التي تستند إليها التنظيمات، في سردها لعمليات الولادة من جديد، هي الرسائل المتعلقة بالدروس المستقاة من الهزائم والأخطاء، والتطورات التي حدثت خلال فترة الخمول والتي تبرر أحقية التنظيم وتعزز أسباب وجوده.

صعود (داعش) في سورية والعراق

باتت العراق وسورية في موقع أصبحا فيه، عبر نموذج (داعش)، مسرحًا لولادة وانتعاش التنظيمات الإرهابية مرة أخرى. ولهذا السبب، يجب تقييم البلدين المعنيين ضمن الإطار الذي تجري محاولة شرحه وإيضاحه. فبالنظر إلى الوضع الاجتماعي-السياسي، في كل من العراق وسورية، فإن السمة المشتركة الأولى التي تبرز نفسها هي وجود فراغ في السلطة والقوى في كلا البلدين. وهذا ما يظهر لوحة جغرافية، تسيطر فيها دول مختلفة، وتنظيمات مسلحة متمردة ومارقة على الدولة، على المنطقة. ونتيجة لذلك، تمكن تنظيم (داعش) من إعادة تنظيم نفسه مجددًا، ومن تنفيذ الأعمال بالإمكانات والفرص التي خلّفها فراغ السلطة والنفوذ. ومع أن هذه الأعمال كثيفة ومتكررة، لكنها صغيرة الحجم. ثانيًا، يبدو أنه لا توجد تحولات جدية حقيقية في الظروف الاجتماعية التي أدت إلى ظهور (داعش) واكتسابها قوة في كل من العراق وسورية؛ فالاضطرابات والانقسامات والتناقضات الفاعلة، على المستويين الطائفي والعرقي في العراق، ما تزال قائمة ومتواصلة، إضافة إلى أن تحوّل العراق إلى ساحةٍ لانعكاس التوترات والخلافات الأميركية الإيرانية، يضيف أبعادًا جديدة إلى هذه الاضطرابات. أما في سورية، فإن وجود تنظيم PYD/ YPG الإرهابي وروسيا وإيران والولايات المتحدة التي تفرض سيطرتها الميدانية على شمال البلاد، يؤثر في المساقات الاجتماعية؛ العرقية والطائفية.

واستنادًا إلى هذه العوامل، تمكن (داعش) من إيجاد مجالات عمل له وإعادة تنظيم نفسه ثانية، إذ إن حالة الغموض والضبابية، ومشكلة التنسيق التي ظهرت بين الجهات الفاعلة الرئيسية والشرعية في محاربة (داعش) في البلدين، أفسحت المجال للتنظيم ليقوم بتقييم الثغرات والفجوات في هذه المرحلة. إضافة إلى أن التنظيم ما يزال يواصل استثمار التوترات والتناقضات الطائفية والعرقية التي لا تزال سائدة في البلدين، كقاعدة للدعاية والتجنيد وحشد المقاتلين. ويروي (داعش) فقدان السيطرة الميدانية على الأراضي التي اكتسبها في سورية والعراق، على أنه “عملية غصب للمكاسب”، ويضع “الانتقام والعودة إلى الماضي” أهدافًا جديدة له. ويعِد في الوقت نفسه مقاتليه المعتقلين في السجون العراقية والسورية بـ “تحريرهم من الأسر”، ويسعى إلى تلافي الانهيار النفسي داخل بنية التنظيم.

في المحطة الأخيرة التي وصلت إليها الأمور، اعترفت الولايات المتحدة وروسيا والعراق وسورية.. بأن تنظيم (داعش) لم يتلق هزيمة بالمعني الحقيقي، وأن التنظيم قد دخل في مرحلة ولادة من جديد. وعليه، فإن تنظيم (داعش) لا يزال يشكل أهم التهديدات الأمنية في نظر هذه الدول وفي سياق نهجها. يضاف إلى ذلك أن الإستراتيجية التي سيتبعها تنظيم (داعش) في مرحلة الولادة من جديد، وبشكل مختلف عن الماضي، هي موضع تساؤل واهتمام! فالاستراتيجية التي سيتم الاستناد إليها، كأساس في هذه العملية، ستؤدي عبر تحول اجتماعي، إما إلى إنهاء نفوذ (داعش) بالمعنى الحقيقي، وإما إلى إعادة إنتاج التنظيم نفسه من جديد.

اسم المادة الأصليIrak ve Suriye’de DEAŞ’ın Yükselişi
الكاتبتشاغتاي بالجي- Çağatay Balcı
المصدر وتاريخ النشرمركز الدراسات الإيرانية- İRAM. 02.09.2020
رابط المادةhttps://bit.ly/3mo2Kqj
المترجمقسم الترجمة- علي كمخ
عدد الكلمات1078- 1329