المحتوى

أولًا: مقدمة

ثانيًا: تتبّع خمسين سنة من التحول

ثالثًا: الوصول إلى ترامب

رابعًا: الغضب الذي أنتج ترامب لن ينتهي قريبًا

عنوان المادة الأصلي باللغة الإنكليزية:Trump’s Rise Didn’t Come out of Nowhere
اسم الكاتبLee Drutman  لي دروتمان
مصدر المادة الأصليNew America
رابط المادةرابط المادة
تاريخ النشرAug. 11, 2016
المترجموحدة الترجمة في مركز حرمون – مروان زكريا

أولًا: مقدمة

يُعدّ دونالد ترامب نوعًا مختلفًا من المرشحين الرئاسيين؛ إذ لم نشهد في السابق أحدًا تحطم أفعاله أنماطَ السلوك المقبول، كما يفعل ترامب، هو الذي يقترب تسلطه ومنهجه، في إشاعة الخوف من سلوك ديكتاتوري فاشي مهووس.

ولكن، إذا كان نمط ترامب هذا جديدًا؛ فليست القنوات التي تغذيه بالاستياء والتطرف بالجديدة؛ فقد وُجدت تلك القنوات منذ زمن طويل، إنّما المختلف الآن هو تركّز حَمَلة ذلك الاستياء، واجتماعهم في حزب سياسي واحد، وأصبح هذا التركيز شديدًا إلى درجة أتاحت لمنصة الاستياء، ترامب، أن تصعد في ذلك الحزب. ومن الصعب أن نشهد زوال ذلك الاستياء في وقت قريب. وسوف يواجه الجمهوريون “مشكلة ترامب” طوال العقد المقبل ، على الأقل، إن لم يكن لمدة أطول من ذلك.

وسيصبح الارتباك الحاصل في ترشيحات 2016، الرئاسية، مفهومًا أكثر إن أدركنا أن تلك الترشيحات لم تأتِ من العدم، بل إن علينا رؤية صعود ترامب، على أنها نتيجة تراكمات خمسين عامًا من انتقال المصوّتين من فئة العمال، من الحزب الديمقراطي إلى الحزب الجمهوري، وتزامن ذلك مع الانتقال المعاكس للمهنيين من ذوي التعليم العالي، من الحزب الجمهوري إلى الحزب الديمقراطي. وإذ غيرت تلك الدوائر من ولائها الحزبي؛ فقد شدّت ودفعت بالحزبين نحو اتجاهات شديدة الاختلاف، وكانت هذه الانتخابات النتيجة الطبيعية لذلك.

وتزامن ذلك التحول مع مؤثرات اقتصادية قوية، كذلك (مثل العولمة الاقتصادية، والتغير الكبير في التكنولوجيا) وأدى ذلك إلى تركيز النمو الاقتصادي، بشكل متزايد في الأماكن المدنية، إذ يوجد الديمقراطيون بشكل أقوى؛ بينما تضرّرت الصناعات القديمة، ومنتجات الأماكن الريفية، حيث يحصل الجمهوريون على معظم أصواتهم. وتزامن ذلك، أيضًا، مع فترة اتصفت فيها أميركا، بمزيد من التنوع الإثني والثقافي، وشهد المسيحيون البيض تراجع سيطرتهم الثقافية، وكذلك إتاحة المجال لقوى جديدة مختلفة.

وحيث لا تُظهر هذه القوى، أي إشارات للتراجع، على المدى القريب؛ فسوف يتضح المزيد من الانقسام في حملة 2016 الانتخابية، وتشتد حدته، وكثافته، لتمتد إلى بضع دورات انتخابية مقبلة، وخصوصًا أن الأجندات السياسية للحزبين تتباعد بشكل أوضح، مع تباعد توجهات المصوتين لهم. ولكن سيعاني كلا الحزبين من انشقاقات زمر عنهما، وباستمرار ذلك التحول؛ فستشعل تلك الزمر المنشقة صراعات قوية، وقد يؤدي ذلك إلى فترة خلّاقة ومنتجة، في الحياة السياسية الأميركية، ولكن إن أجدنا التعامل معها.

ثانيًا: تتبّع خمسين سنة من التحول

يبدأ التاريخ المرتبط بالحاضر الأميركي، منذ ظهور قوانين الحقوق المدنية، التي صدرت في ستينيات القرن الماضي. فقبل الستينيات من القرن الماضي، سيطر الديمقراطيون على الجنوب لقرن من الزمان؛ حيث كان الجمهوريون هم: حزب لينكولن و”العدوان الشمالي”، ولكن، وبدعم الحقوق المدنية؛ فقد خسر الديمقراطيون الجنوب، وعزلوا البيض عن الطبقة الوسطى، في كل مكان متأثرٍ بإلغاء التمييز العنصري.

في عام 1968، اغتنم نيكسون فرصة سياسية كبيرة، وتقدم إلى الرئاسة على أنه مرشح “القانون والنظام”، وفي الوقت الذي عمت المدن مخاوف الفوضى، على طول البلاد وعرضها، بدأ بكسب أصوات البيض غير المتأثرين بالجملة، وخاصة في الجنوب، وربح نيكسون بفارق بسيط في انتخابات عام 1968، بينما كسب جورج والاس، محافظ ولاية ألاباما في حينها، عديد الولايات الجنوبية كمرشح ثالث.

وفي انتخابات 1972، وبغياب والاس، كسب نيكسون ولايته الثانية بسهولة، واستفاد حينها من ترشيح الديمقراطيين لـ جورج ماكغوفرن، الذي حدت سياساته الليبرالية من فرصه، لكن ماكغوفرن كان منبر جيل جديد من الليبراليين، أسس لتحالف جديد للمصوّتين من الأقليات، وطلاب الجامعات، والليبراليين البيض القاطنين في المناطق الساحلية وفي المدن، وكانت بداية سياسة تقدمية جديدة. في 1972 لم يكن ذلك تحالفًا رابحًا، ولكن بحلول 2008 ربما يكون كذلك.

لكننا نقفز عن حقائق مهمة، إن لم نذكر تفوق الجمهوريين في تلك الفترة من القرن الماضي؛ إذ استمر كسب الجمهوريين للرئاسة منذ عام 1968 وحتى عام 1988 لخمس مرات، من أصل ست مع استثناء وحيد عام 1976، كان سببه الأساسي فضائح ووترجيت. وفي 1980 و1984 تمكن رونالد ريغان من تعزيز المكاسب، التي حققها نيكسون بين صفوف الطبقة العاملة من البيض، وهي مجموعة باتت تعرف فيما بعد بـ “ديمقراطيي ريغان” وجمع تحالف ريغان بين قيم تقليدية مختلفة: اقتصاديات السوق الحر، وسياسيات خارجية نيوليبرالية. كانت تلك سياسة رابحة في بداية الثمانينيات، خاصة مع طبيعة مزاج البلاد حينها ومع الديموغرافيات الداعمة لها.

وفي الوقت نفسه، كان التحالف الديمقراطي يتجه إلى المزيد من الليبرالية، وحقق الديمقراطيون المكاسب في أوساط المهن عالية التعليم، خاصة ممن اهتمّوا بمسائل مثل البيئة، والإجهاض، ومخاطر الأسلحة النووية. وانتقل الديمقراطيون إلى اليسار من ناحية المسائل الاجتماعية، خاصة مع تراجع المحافظين في الحزب، ممن كانت لهم وجهات نظر مخالفة.

أوقفت فترة بيل كلينتون الرئاسية هجرة العمال البيض، إلى خارج الحزب الديمقراطي. وعلى عكس الأرستقراطي جورج بوش الأب، كان بيل كلينتون رجلًا عمليًا من الجنوب وممن يحبون “ماكدونالدز”، وعلى خلاف الديمقراطيين القدامى، لم يحاول كلينتون الإصرار على الاتحادات العمالية، وقد كانت تلك تتقلص على أي حال، ووقف في وجه القوى الماكغوفرنية لللبرلة الاجتماعية، بريادة مشاريع مثل “إنهاء الرخاء كما نعرفه”، ولباس المدارس الموحد؛ الأمر الذي أتاح له استرجاع الكثير من الولايات الجنوبية، التي خسرها الديمقراطيون في المعارك الانتخابية على مستوى الرئاسة.

ولكن بعد فترة كلينتون الرئاسية، عاد الديمقراطيون إلى ترشيح منافسين رئاسيين مثل (آل جور، وكيري) ممن ظهروا كنخبويّين ليبراليين، وعاد جورج بوش الابن إلى تعزيز مكاسب الجمهوريين ضمن العمال البيض.

وفي 2008، انتُخب الرئيس باراك حسين أوباما، وأُعيد انتخابه في 2012. وأصبح تحالف ماكغوفرن لعام 1972 – للناخبين في سن الشباب، والأقليات، والليبراليين البيض – تحالفًا رابحًا الآن، على الأقل على المستوى الرئاسي. وأصبحت أميركا أكثر تعليمًا، وتنوعًا؛ فبحلول عام 2012، كان ربع الناخبين تقريبًا من الملونين، ونال الديمقراطيون نحو نصف أصواتهم منهم.

وطوال سنوات الفترتين الرئاسيتين لأوباما، نما الديمقراطيون مع ارتياح أكبر لتحالفهم الجديد، متكئين بشكل كامل على التنوع الثقافي كقيمة أساسية -يكفي النظر إلى اجتماعهم الأخير- حيث تبنوا زواج المثليين، والرقابة على انتشار السلاح، وبرامج إصلاح العدالة الجنائية بطرائق لم يكن أحد ليفكر بها عام 1996. في عام 1996 كان لدى الديمقراطيين كثير من المحافظين الجنوبيين بممثليهم في الكونغرس، ولم يكن الديمقراطيون قادرين على استبعاد المصوتين البيض من الطبقة الوسطى. ولكن بعد سيطرة الجمهوريين على الكونغرس عام 2010، تم الاستغناء عن الباقين من البيض الجنوبيين بين التمثيل الديمقراطي في الكونغرس. وعنى ذلك أن معظم الممثلين الديمقراطيين في الكونغرس احتلوا أماكن ليبرالية اجتماعية؛ أي لا مزيد من المقاعد الضعيفة التي عليه حمايتها، ولا مزيد من الأصوات المخالفة منذ ذلك الوقت.

ومثل مسألة الحقوق المدنية في ستينيات القرن الماضي؛ فقد أدى التفات الديمقراطيين نحو الليبرالية، إلى إثارة دوامة من الاعتراضات بين البيض، ذوي الثقافة الأكثر محافظة، وكذلك أثار حصول رجل أسود على زعامة الحزب، والبلاد، موجة من الاعتراضات بين البيض الأكثر حساسية لمركزهم الاجتماعي، مظهرين مشاعرهم العنصرية بصورة أوضح، وعلى خلاف ما حدث في الستينيات، حين كان انتقال المصوّتين قليلًا نسبيًا؛ فحصة المواليد الأميركيين من آباء أجانب بلغت أعلى نسبة لها منذ عشرينيات القرن المنصرم، ما أثار حفيظة البيض كذلك.

والأمر متعلق أيضًا بالاقتصاد؛ فموجة الاعتراض على التجارة الحرة، في أوساط الكثير من المصوتين الجمهوريين، تصنف ضمن موجة استياء أوسع، ضد تحول اقتصادي طويل، يحدث منذ عقود، وكان من شأنه الإضرار بمصالح كثيرٍ من داعمي الجمهوريين، من الطبقة الوسطى، والذين تحولوا عن دعم الديمقراطيين في وقت سابق؛ حيث تحوّل من اعتاد على الفخر بالقيام بعمل شاق، إلى شخص لا يجد اليوم عملًا جيدًا إلا بصعوبة.

ولكن، بينما كسب الجمهوريون معظم مواقعهم، في الأماكن التي تزايد إهمالها في فترة ما بعد الاقتصاد الصناعي، والذي يقسو أكثر من أي وقت سابق على الناس، الذين لم يحصلوا على شهادات أكاديمية عالية؛ كسب الديمقراطيون مواقعهم أكثر فأكثر، بين الفئات عالية التعليم، والمجمعات المدنية، حيث تتركّز معظم المكاسب الاقتصادية، في الوقت الحالي، أي إن الديمقراطيين، الآن، هم الحزب المفضل عند أثرياء أميركا.

في العام 1992، لم يكن هنالك أية علاقة بين كون المصوت يدعم مرشحًا رئاسيًا جمهوريًا، ودرجة المصوّت التعليمية، بينما ظهر الارتباط جليًا في العام 2012؛ فقد حصل الديمقراطيون على أصوات أعلى بشكل واضح، بين ذوي التعليم العالي. ولا ترتبط الدرجة التعليمية العالية بدرجة المكاسب المالية فحسب، بل كذلك بقيم كوزموبوليتانية عامة، بما في ذلك انخفاض حالة “الفخر الأميركي”.

 

ثالثًا: الوصول إلى ترامب

خاض الحزب الجمهوري صراعًا داخليًا، دار حول كيفية مواجهة الانقسام، بين نخبته التي مازالت ذات توجه عولمي بوجه عام، ومصوتيه الشعبويين، وفي ما يتعلق بالهجرة، فالمسألة المهمة في الانتخابات، فإنّ نخب الحزب نزعت نحو تأييد الهجرة، لتأكيد قيم العالمية من جهة -تلاؤمًا مع خط الجهات المانحة- ولأنهم يستطيعون النظر إلى التوقعات الديموغرافية ويرون أن الحزب الذي يلبي احتياجات الطبقة الوسطى، من المصوّتين البيض المعمرين، لن يكون طرفًا في مستقبل أميركا البعيد.

غير أن كسب الانتخابات يتم خلال فترة قصيرة، وإستراتيجية الربح قصير المدى تهدف إلى مهاجمة الديمقراطيين بقوة، وتقويض سيطرتهم، كما تتيح هذه الاستراتيجية انتعاشَ غضبِ الجناح اليميني القومي الشعبوي المعادي للنخبة، وتفجير طاقاته، ليعزز بذلك النظرية الصحيحة التي تجلب الناخبين إلى صناديق الاقتراع، فضلًا عن أن إستراتيجية الربح قصير المدى تتجاهل المخاوف الاقتصادية، لأولئك المصوتين، وتدعو بدلًا من ذلك إلى نشر الاقتطاعات الضريبية، ورفع القيود، وحرية الأسواق، وتلقي باللوم على مقولة الديمقراطيين حول “قتل الوظائف”، والتحميل المجاني للمستفيدين من الرعاية الاجتماعية، مع إبقاء المكاسب الاقتصادية، في حالة صعود نحو الذروة.

ولعل أهم “مؤسسة” يعتقد الجمهوريون أن بإمكانهم التحكم فيها هي الغضب الذي سعوا له، وقد نجحوا بذلك التحكم في بعض الأحيان، غير أن المشكلة تكمن في أنهم -بسماحهم بانتشار الغضب، وتوسعه، وعدم فعل شيء لحل مشكلته حلًا مستدامًا- سوف يجد أنصار هذه المؤسسة من الجمهوريين أنفسهم، الآن، قلة في الحزب، ولهذا السبب كان ترامب وكروز آخر الرجال الواقفين، في الانتخابات التمهيدية في الحزب الجمهوري.

أكمل ترامب “الإستراتيجية الجنوبية” التي كان نيكسون قد بدأها، وجمهوريو اليوم هم بالضبط حزب الطبقة الوسطى البيضاء الساخطة، وهؤلاء هم المصوتون الذين استمالهم الجمهوريون بعيدًا عن الديمقراطيين بشكل مطرد، على مدى نصف القرن الماضي، من خلال اللعب على ” القانون والنظام”، والاستياء من العرقية الضمنية.

المشكلة أنهم قد كسبوا الآن هؤلاء المصوّتين، لكن المشكلة الأكبر أن هؤلاء المصوتين، هم الذين يكسبون الحزب الجمهوري على ما يبدو. هؤلاء هم المصوتون الذين أعطوا الحزب الحمهوري لدونالد ترامب، وفي كل يوم من حملات ترامب، يقوم بإيصال معلومات للمصوّتين حول معنى أن تكون جمهوريًا، وفي نظر معظم المصوتين الجمهوريين، الذين يهتمون بالهوية الحزبية أكثر من اهتمامهم بالإيديولوجية الجذرية، غيّرت هذه التعاريف الجديدة من رؤيتهم إلى العالم، الأمر الذي قد يؤدي إلى عواقب تتجاوز عام 2016.   

 

رابعًا: الغضب الذي أنتج ترامب لن ينتهي قريبًا

ربما يخسر ترامب بشكل كبير، إلى درجة تدعو الجمهوريين إلى اختيار منهج مختلف، في المرة المقبلة، وترشيح أشخاص مثل بول ريان، أو ماركو روبيو. لكن ليس من المرجح، أن يحدث ذلك، ليس لأن ترامب غير معنيٍّ أن تكون جمهوريًا فحسب، بل في نظر الكثيرين، هو يحقق مكاسب بمحاكاته التيار السائد، يزداد تنوع أميركا مع ليبراليتها، الأمر الذي يرفع من تهديداته في وجه البيض، ويزيد من خطورة الأوضاع بشكل عام، وسيصبح ذلك التهديد أكثر ترويعًا، إذا استمرت الهجمات الإرهابية لداعش، أو جماعات مرتبطة بها. وما من شيء يشير إلى ظروف اقتصادية أفضل، في الأماكن التي يلقى فيها ترامب أكبر الدعم. كل ذلك سوف يساهم في خلق المزيد من الغضب والاستياء، وسيكون الناخب الجمهوري للحملة الانتخابية المقبلة، في عام 2020، أكثر اقترابًا وشبهًا بناخب ترامب اليوم، وليس أقل منه؛ إلا إن حدث تحول ما غير متوقع.

وفي الوقت ذاته، سيتابع الديمقراطيون على الأرجح مسيرتهم نحو اليسار في ما يخص القضايا الثقافية والاجتماعية، بالنظر إلى قوة الدوائر الانتخابية الرئيسة التي تدعم الحزب.

ومع ذلك، ولأن الديمقراطيين، الآن، يجتذبون أكثر فأكثر الفئات ذات التعليم الأعلى، والدخل الأعلى إلى دوائرهم الداعمة، وإذ يلعب هؤلاء دورًا أسياسيًا في تمويل الحملات الانتخابية؛ سوف يكون من الصعب على الديمقراطيين، الاتجاه نحو اليسار في الميدان الاقتصادي، كما يريد لهم كثير من الداعمين المصوتين لهم أن يفعلوا؛ إذ سيحرّض ذلك صراعات داخلية بين المؤسسة التي تتبع كلينتون، وتلك التي تتبع ساندرز ضمن الحزب نفسه.

وسيبقى الجمهوريون، كذلك، في حالة من الانقسام الداخلي، في المستقبل القريب؛ حيث يحاول الجمهوريون من المدرسة التقليدية، بذل جهد كبير لاسترجاع سيطرتهم على الحزب، ومعظمهم لا يمكنه سبر غور معنى أن تكون من الديمقراطيين.

والأمر الوحيد الذي يدعو إلى التفاؤل هنا، هو أن تدفع تلك الخلافات الداخلية، قياداتِ الكونغرس إلى المزيد من اللامركزية، الأمر الذي قد يتيح المزيد من المجال، أمام بعض التحالفات الجديدة التي بدورها قد تُنقص من الاستقطاب الأرستقراطي في الكونغرس، وكذلك أن تؤدي إلى التوصل إلى تسوية غير منتظرة، في ما يتعلق بالمسائل الاقتصادية، ضمن أشكال تقلل من عدم المساواة، وتستعيد شيئًا من مظهر “الطبقة الوسطى”، إلى الولايات المتحدة الأميركية، إن تسنّى لذلك أن يحدث، فلربما ينخفض مقدار خامة الانقسام والاستياء، فسيكون ذلك الأمر أصغر من أن يصلح المشكلات كلها، لكن الفشل في فعل ذلك سينتج مشهدًا بشعًا؛ مجتمع منقسم بعمق، ضمن أشكال متزايدة من العنف وعدم الاستقرار.

وعلى الرغم من أنه لا يمكن التنبؤ بالمستقبل بشكل مؤكد على الدوام، إلا أن أمرًا واحدًا يبدو شديد الوضوح؛ إذ تشي انتخابات عام 2016 بشكل التوازن الحاصل، حيث يميل الديمقراطيون إلى كونهم حزبًا يتصف بأنه ليبرالي/نيوليبرالي، مدني، متعدّد الثقافات، وكذلك كوزموبوليتاني؛ بينما يتصف الحزب الجمهوري، بكونه حزب القوميين الشعبويين البيض. لا تزال التحالفات منقسمة، وفي حالة من التحول، هذه هي حال السياسة الأميركية واتجاهاتها، إلا إن حدث تدخل غير متوقع.