مقدمة

قد تبدو العودة إلى ما قبل 2011 بالنسبة إلى كثيرين مضيعة وقت، بخاصة أن الكثير قد قيل من مختلف التيارات، وأن الوضع بات أكثر تعقيدًا وتشابكًا؛ لكن التاريخ والحاضر يقرران أنّ إعادة قراءة ما حصل في الماضي، وبخاصة في الماضي القريب المتصل بالحاضر، ضرورية لإيجاد حل لمشاكل الحاضر. وفي الوقت نفسه، تصبّ إعادة القراءة أيضًا في ما يُشاع ويُروج بشأن أن استمرار النظام الأسدي هو الحلّ الأكثر قبولًا لدى الدول المتورطة في سورية؛ فإعادة تثبيت الحقائق التي رافقت النظام الأسدي خلال 40 سنة من حكم سورية ستساهم في تبديد هذه الادعاءات، لسبب أساسي هو أنّ هذا النظام عاجز بنيويًا وذاتيًا، بغض النظر عمّا حدث بعد 2011، عن إدارة سورية وحكمها، حتى وفق أقل معايير الكفاءة بالنسبة إلى حكم الدول في القرن الحادي والعشرين، فضلًا عن أنّ جيلًا كاملًا قد كبر ووصل إلى مرحلة الشباب في السنوات اللاحقة لعام 2011  حاملين أسئلتهم الكبيرة حول سورية، خصوصًا أنهم لم يروا من بلدهم سوى الحرب والدمار واللجوء، ولذلك فإن حماية الحق الإنساني والقانوني للشعب السوري أمام الجيل الناشئ ضرورة وواجب أيضًا.

تهدف هذه القراءة إلى تحليل ما حصل في سورية، منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة في 1970 حتى عام 2011، واستقصاء الجواب بشأن سؤال: “هل ما حصل في سورية في 2011 كان نتيجة حتمية لتراكمات عقود الحكم الأسدي الأربعة وما قبلها من تاريخ طويل، أم كان مجرد حدث طارئ يمكن تفسيره بطرائق مختلفة”؟ قد يكون هناك آلاف الأسئلة والأجوبة، لكن إن بقي السؤال والجواب يدوران ضمن حدود اللحظة الحالية وفق مقولة “لندع الماضي الآن ونبحث عن حل للمستقبل”، فستدور الأسئلة والأجوبة ضمن فضاء عبثي لن يفيد أحدًا سوى من بنى الجواب مسبقًا، ثم انتقى الأسئلة التي تلائم جوابه، وستبقى الأزمة مشتعلة من دون أي حل حقيقي. لذلك فإن القراءة الموضوعية للعقود الأربعة التي سبقت ثورة 2011 هي الوحيدة القادرة على التجاوب الصحيح مع كل الأسئلة.

لن يدخل التحليل هنا في متاهات التفاصيل والخبرات الشخصية، ولا بوضع مساطر تقييم معدة سلفًا للأحداث، وفق أيديولوجية أو موقف فكري مسبق. هذه القراءة ستعتمد أولًا على المقارنة بالحقائق والأرقام، وثانيًا على المقارنة بدول الإقليم والعالم، ماضيًا وحاضرًا، وستكون المسطرة الوحيدة المستخدمة للمعايرة مسطرة حقوق الإنسان وفق الشرعة الدولية، ومعايير بناء دولة المواطنة الحديثة والتجارب الدولية المعاصرة.

للوصول إلى قراءة موضوعية للتاريخ القريب، سيخدم سؤالَ البحث الأساسي سؤالٌ مواز لا يقل أهمية، لكنه جزء من الأول ضمن الصيرورة التاريخية وهو: “هل كان بشار الأسد ونظام الحكم السوري يسير لإصلاح أخطاء الماضي، ومنه مرحلة حكم أبيه حافظ الأسد، أم كان مجرد استمرار لنظام الأب”؟ سيوصلنا التحليل وفق هذه المنهجية، أي مقارنة حكم الأب بحكم الابن، في المحصلة، إلى تكوين صورة موضوعية لحقيقة الوضع الذي وصلت إليه سورية في 2011، وإلى الإجابة عن سؤالنا الأساس.

قبل المضي في نقاشنا، من الواجب توضيح أن الموضوعية لا تعني أن الكاتب لا موقف له من أطراف الصراع وصنَّاع المأساة؛ فالموضوعية تعني أن أسباب اتخاذ موقف من طرف ما هي أسباب قائمة على الربط المنطقي بين الحقائق الموضوعية بعمقها، وليس وفق ما يراه المراقب على سطح الأحداث.

مدخل تاريخي حول المجتمع السوري

وقف المجتمع السوري في أواسط القرن العشرين، بعد الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، أمام سؤال تأسيس الدولة السورية الحديثة في مواجهة سؤال المستقبل الكبير؛ وفي الوقت نفسه كان يحمل حملًا تاريخيًا ضخمًا، فيه من الإشراقات الحضارية بقدر ما فيه من الكبوات والمآسي. لقد كان مجتمعًا محافظًا ومتديِّنًا عمومًا، لكنه في الوقت نفسه يملك كثيرًا من الديناميكية والقدرات الكامنة لولوج بوابات الحداثة؛ ويملك أيضًا طموحًا جامحًا لمستقبل مشرق، مثل أي مجتمع بشري يحلم بالأفضل.

ورث المجتمع السوري -كغيره من المجتمعات- سلوك التمييز بين البشر، بوصفهم مكونًا من مكونات الثقافة الموروثة السائدة التي نمت وسادت خلال قرون مثل كل مجتمع مركب وفق بنية سلطوية دكتاتورية. لقد كان من تقاليد المجتمع السوري، وما يمكن تسميته مجازًا “العقلية الجمعية”، منهج التمييز بين الناس وفق الدين، والطائفة، والعرق، والمنطقة، والمدينة والريف، والرجل والمرأة، والغني والفقير، وصاحب السلطة والخاضع للسلطة؛ ومن المهم هنا توضيح أن التمييز[1] يأتي بمعنى التصنيف وفق المعايير السابقة، مع وجود مستويات من الفصل والإقصاء اللذين كان يسودان كل المجتمعات البشرية، ولا يعني التمييز هنا المستوى الأكثر تطرفًا الذي يستخدم العنف باستمرار، مثلما حصل مثلًا ضد اليهود في أوروبا تاريخيًا.

كان المجتمع السوري، مثل أي مجتمع محافظ في الدول النامية، يحاول تأسيس دولته الوطنية في القرن العشرين، بعد الاستقلال عن الاستعمار الغربي. إلا أن هذا التشابه مع دول ومجتمعات أخرى يجب ألا يوقعنا في فخ التعميم السطحي، الذي يمكن توجيهه إلى خدمة أي فكرة مسبقة. فالمقارنة النسبية، بمعنى قياس مستوى قوة كل مركبات الثقافة والتقاليد والعقائد ومقارنتها بالمجتمعات الأخرى وببعضها، هي ضرورة أساسية لأي تحليل موضوعي. إن دراسة تاريخ سورية الممتد إلى أكثر من 10000 سنة من الحضارة والمدنية يؤكد أنه في كل تاريخها لم تنشب حروب تحت راية عرقية أو دينية أو طائفية في داخل سورية، بحجم ضخم نسبيًا يمكن مقارنته بالمناطق الأخرى، ولم يصل أي منها إلى مستوى موجات تطهير عرقي أو ديني أو طائفي.

لم يحصل في تاريخ سورية الطويل ما يمكن مقارنته بما حدث في أوروبا في العصور الوسطى وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، أو حتى بما حدث في بعض دول الجوار؛ ولم تختفِ أديان أو طوائف كاملة، مثلما اختفت المسيحية من تركيا وليبيا وتونس والجزائر والمغرب؛ ولا حصل انقلاب سريع لمذهب الناس، مثلما حصل مع مصر يوم انقلب مسلموها من الطائفة السنية إلى الشيعية الفاطمية، ثم إلى السنية خلال 300 سنة فقط، قبل الحكم الفاطمي[2] لمصر وخلاله وبعده.

ما نجده في تاريخ سورية هو بعض الفتن والحوادث هنا وهناك، بين مكونات المقيمين على أرض سورية بامتدادها الطبيعي. ففي القرن التاسع عشر، حصلت اعتداءات دموية استهدفت المسيحيين في دمشق في 1860، وعُرفت تلك الاعتداءات باسم “طوشة النصارى” التي أدّت إلى مقتل أكثر من 5000 مسيحي في دمشق[3]، وكانت امتدادًا لحرب أهلية أوسع بدأت في لبنان وامتدت إلى سورية بين الموارنة من جهة والدروز والمسلمين من جهة أخرى. لكن معظم القراءات التاريخية ترى أن تلك الحرب المؤلمة لم تكن بسبب التنوع الطائفي وحده، بل كانت أيضًا بسبب طبيعة الحكم العثماني الذي كان قد بدأ الدخول في مرحلة الانهيار والتخبط، بخاصة منذ الصدام الكبير مع دولة محمد علي باشا في مصر في بدايات القرن التاسع عشر، إضافة إلى تدخل القوى الأوروبية وروسيا في الولايات التابعة للعثمانيين، والجميع كان يعمل باسم دعم الطوائف المسيحية في المنطقة.

يمكننا الزعم أن سورية لا تملك تاريخًا مؤثرًا نسبيًا، من ناحية العداء الطائفي أو العرقي أو الديني، كما حصل في البلاد الأخرى. وهذا لا يعود طبعًا إلى تفوق جيني أو عقلي لدى السوريين، بل يعود إلى قانون الجغرافية؛ إذ أجبر موقع سورية في قلب العالم القديم المتحضر على أن تستقبل الغريب، سواء كان تاجرًا أم غازيًا أم لاجئًا أم حتى محتلًا. وأجبر الموقع الجغرافي في وسط العالم القديم، وربما وفرة الموارد الطبيعية أيضًا، سكان سورية على أن يكونوا منفتحين على التعدد البشري بكل أشكاله تاريخيًا؛ وأجبر هذا التوسط السوريين على التعامل مع توسعات الإمبراطوريات المجاورة، سواء القادمة من شرق الفرات ومناطق إيران الحالية، أم من أوروبا عبر هضبة الأناضول، أم من مصر، بديناميكية عالية مكنتهم من استيعاب الجميع. وإنّ ما حصل في لبنان منذ القرن التاسع عشر من حروب أهلية يضيف عاملًا آخر حمى سورية الحالية من حروب شبيهة، وهو تركّز الصراع الجيوسياسي بين السلطنة العثمانية والقوى الأوروبية في القرن التاسع عشر، من خلال جبل لبنان وما يُعرف الآن بلبنان، حيث وجد الفرنسيون والأوروبيون أن المدخل الأهم لشرق المتوسط، بعد أن كانوا قد سيطروا على شمال مصر والجزائر وامتلكوا أدوات سيطرة على كامل شمال أفريقيا، كان من خلال لبنان بحجة حماية المسيحيين هناك، ومن ثم كسب منافذ نفوذ في خاصرة السلطنة العثمانية التي كانت تعاني مرحلة شيخوخة وضعف.

أثبت المجتمع السوري، مثل عدد من مجتمعات المنطقة، حركية ومرونة كبيرة في الإقبال على معطيات الحضارة الحديثة، بدءًا من أربعينيات القرن العشرين، وماج المجتمع السوري في الخمسينيات بالحركات السياسية والفكرية، وأيضًا تحرك بسرعة في المجالات التجارية والصناعية والتعليمية، إلا أنه مثل كل دول المنطقة سرعان ما وقع تحت حكم دكتاتوري شمولي إقصائي لجم بدوره وقمع هذا الحراك الطبيعي قبل أن يؤتي ثماره، ودفن طاقته الحركية عميقًا في سجون القمع الأمني السلطوي. هذا ما بدأ مع مرحلة الوحدة السورية المصرية التي أسست لنظام الحكم المركزي الشمولي وإجهاض الحياة السياسية وحلّ الأحزاب السياسية، ثم ترسخ هذا النظام الشمولي للحكم بشكل أقسى، بعد انقلاب 8 آذار/ مارس 1963 بقيادة عدد من الضباط العسكريين المنتسبين إلى حزب البعث العربي الاشتراكي[4] الذي أجبر المجتمع السوري بالحديد والنار على الارتداد إلى حالة السلبية والاستسلام إلى السلطة الدكتاتورية، وعلى الغرق في التفسير المؤامراتي والطائفي والقومي والغيبي؛ ما أدخل المجتمع السوري في حالة جمود قسرية على كل المستويات؛ فأُجهِضَ مخاض الانتقال إلى عصر الحداثة والديمقراطية والحرية، ومن ثم أُجهِضَ  تأسيس الدولة الوطنية الحديثة.

السياسة الاقتصادية بين الأسدَين[1] 

عاني الاقتصاد السوري القمع مع سياسات حزب البعث منذ عام 1963، وخسر كثيرًا من فعالياته الاقتصادية التي هربت إلى خارج سورية. ولم تتغير السياسة الاقتصادية جوهريًا بعد انقلاب حافظ الأسد على رفاقه في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 إلا في تراجعه عن تطرف الرؤية اليسارية التي سادت قبله؛ ما أعطى الرأسمال السوري الخاص بعض المجالات ليتحرك فيها. لكن التنمية الاقتصادية بقيت متعثرة وتراوح مكانها ولا تتناسب مع موارد سورية السكانية والطبيعية. وفي سبيل تعزيز سلطته وقوته، أدار حافظ الأسد بمهارة ما يمكن تسميته “بنية الفساد” التي رسخت مرضًا عضالًا في الإدارة والاقتصاد السوريين؛ هو بنية الفساد التي أصبحت إحدى أدوات الحكم الدكتاتوري الأكثر نجاحًا لحماية الدكتاتور، فمشاركة المكاسب مع طبقة محدودة من الأغنياء والمسؤولين الكبار في الدولة وضعت الحاكم الفرد في موقع الحامي، وفي الوقت نفسه الجلاد الذي يستطيع في أي لحظة ضرب مصالح من يُشتبه بتمرده على السلطة المركزية. بكل الأحوال، كان حافظ الأسد مستقبلًا لسياسات المعسكر السوفييتي الاقتصادية والإدارية التي أثبت الزمن والواقع أنها كانت فاشلة في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام في كل دولة طبقتها.

في فترة التسعينيات والانفتاح الاقتصادي بين حافظ وبشار الأسد، لم يكن بشار الأسد من بدأ ما يُسمّى سياسة الانفتاح الاقتصادي، بل كان قرارًا اتخذه حافظ الأسد في بداية التسعينيات، استجابة للتغيرات العالمية بعد سقوط السوفييت. فمع ذلك السقوط انهار الحلف السياسي الاقتصادي الذي كان يؤمن الحماية والاستمرار للدول ذات النهج الاقتصادي المركزي المقيّد والمتحالف مع المعسكر السوفييتي؛ ومن ثم كان لزامًا على غالبية الدول الداخلة في ما كان يُسمى حلفاء المعسكر السوفييتي أن تعدّل سياساتها الاقتصادية، لتلائم قوانين اللعبة الجديدة التي فرضها القطب العالمي المنتصر، وهو المعسكر الغربي الرأسمالي الليبرالي.

إضافة إلى ذلك، ساعدت حربُ تحرير الكويت في بداية التسعينيات، وتداعياتها السياسية التي حدثت بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، حافظ الأسد على فتح صفحة جديدة في علاقاته مع دول الخليج العربي والدول الغربية، ومن ثم انتهت مرحلة الحصار الاقتصادي التي واجهت سورية خلال الثمانينيات.

بمقارنة الأرقام المتعلقة بالحركة الاقتصادية، نجد أن النمو الاقتصادي الذي حصل في سورية منذ نهاية التسعينيات حتى 2007، أي إلى ما قبل الأزمة المالية العالمية، كان نتيجة حتمية لتغير بنية وقوانين السوق العالمي، وانتصار اتفاقيات تحرير التجارة العالمية، وحرية حركة الاستثمارات بين الدول؛ وليس بسبب سياسة متفوقة للنظام السوري كما يجري الترويج لذلك؛ فوسطي نمو الناتج المحلي الإجمالي السوري ما بين عامي 2000 و2007 كان حوالى 4.8 بالمئة، وهو أقل من مثيله في تركيا حيث كان 5.4 بالمئة، ومن الأردن 6.6 بالمئة، ومن مجمل الدول العربية 4.9 بالمئة؛ لكنه كان أعلى من تونس 4.5 بالمئة، ومصر 4.6 بالمئة، واليمن 4.2 بالمئة[5]، أي أن ما يُنسب إعلاميًا إلى ما سماه إعلام النظام السوري “حكمة القائد” من نمو اقتصادي، كان في الواقع نموًا نتج عن موجة نمو اجتاحت عددًا من بلدان العالم النامي نتيجة للنمو الاقتصادي على المستوى العالمي بعد توسع اتفاقيات تحرير التجارة وحرية حركة الاستثمارات؛ فتدفقت إلى سورية الاستثمارات الأجنبية والتبادلات البنكية، بخاصة بعد فتح الاقتصاد السوري، وهذا ما تؤكده المقارنة بين الاقتصاد السوري ودول المنطقة ودول العالم النامي.

مع ذلك، لا بدّ من التنبيه إلى أن تأثر سورية بسيطرة النظام العالمي الاقتصادي الجديد لا يعني أن سورية أصبحت مهبطًا مفضلًا للاستثمارات الأجنبية؛ فبحسب مؤشرات أداء الأعمال Doing Business Indicators في 2009، كانت سورية في المرتبة 136 من أصل 181 دولة[6]، وهي مرتبة متأخرة عالميًا، بينما كانت تركيا تحتل المرتبة 78، والأردن المرتبة 106، ومصر المرتبة 109.

قد يُقال: “لكن مؤشرًا اقتصاديًا واحدًا لا يكفي لتقييم السياسة الاقتصادية لأي بلد”، وهذا كلام صحيح عمومًا، لكن لتجنب الإطالة في التفاصيل الاقتصادية، يكفي إلقاء نظرة على مؤشر الفساد في سورية. لأن مؤشر الفساد لا يقيس فقط حجم المعاملات غير القانونية في بلد ما، بل يقيس أيضًا صحة ونجاح الخطط والسياسات الاقتصادية والتنموية للحكومات؛ فلا يمكن أن يزداد معدل الفساد في بلد، وبسرعة كبيرة، إن كانت حكومة هذا البلد تملك رؤية وخططًا استراتيجية تنموية صحيحة. ما تبرزه الدراسات في سورية أن معدل الفساد قد زاد بسرعة كبيرة نسبيًا خلال مرحلة النمو الاقتصادي نفسها مع حكم بشار الأسد، ما يؤكد أن النمو حصل بصورة فوضوية، تجاوبًا مع ازدهار حركة التجارة العالمية، ولم يحصل وفق خطط استراتيجية مدروسة متوسطة وبعيدة المدى تؤسس لاقتصاد قوي متماسك مستدام، إنما حصل بوصفه نسخًا عشوائيًا لتجارب الدول الأخرى ضمن للقطاع الخاص صعودًا سريعًا في سورية، بسبب ترسخ بنية الفساد والفوضى الإدارية. فوفق بيانات منظمة الشفافية العالمية، تراجع مؤشر مدركات الفساد[7] في سورية من 34 في 2003، إلى 26 في 2010، كما تراجع ترتيبها من المركز 66 في 2003 إلى المركز 127 بين دول العالم[8] في 2010. وللمقارنة نجد أن مؤشر مدركات الفساد في تركيا خلال المرحلة نفسها تحسن من 31 إلى 44، وانتقلت تركيا من المركز 77 إلى المركز 56 بين دول العالم؛ أما الأردن فقد حافظت تقريبًا على المعدل نفسه، أي حوالى 46، وقرب المركز 50 عالميًا؛ أما تونس ومصر فقد عانتا تقريبًا من مشكلة سورية نفسها في ازدياد معدلات الفساد.

من المؤشرات الأخرى التي تثبت ضخامة حجم الفساد والفوضى في بنية الدولة، إضافة إلى مؤشر الفساد المذكور سابقًا، ما ورد في مسح الشركات لعام 2009 في العالم، حيث ذكر أن العقبات الثلاث الأساس التي تواجه الاستثمار في سورية كانت الفساد، وضعف مستوى تأهيل القوى العاملة، وعدم وثوقية التزويد بالطاقة الكهربائية؛ وبالمقارنة بالدول الإقليمية، أضاف المسح أن 80 بالمئة من الشركات ذكرت أنها مضطرة إلى تقديم “الهدايا للقطاع العام”، كي تتمكن من إنجاز أعمالها، مقارنة بـ 37 بالمئة إقليميًا[9].

أما بالنسبة إلى مشاكل الفقر والعطالة عن العمل، فعلى الرغم من أن السوريين يعرفونها من خلال حياتهم اليومية، تدلل الإحصائيات والقياسات المختصة عليها بما يتجاوز الأخطاء التي قد يقع بها الأفراد. فبعد أن انخفضت نسبة الفقر في سورية، ما بين 1996 و2003، من 15 إلى 11 بالمئة؛ عادت وارتفعت إلى 12.5 بالمئة في 2007، لكن العبء الأكبر تحمله الريف، حيث وصل معدل الفقر إلى 15 بالمئة، بينما في المدن كان حوالى 10 بالمئة في 2007. إضافة إلى ذلك لم تتراجع نسبة العاطلين عن العمل بين السوريين منذ 1996 إلى 2007، حيث وصلت إلى 18 بالمئة عمومًا، وإلى 22 بالمئة بين الشباب[10] (الشكل 1).

الشكل 1، تغيّر معدلات الفقر والبطالة في سورية من عام 1997 إلى عام 2007. يبين الخط الأزرق معدل الفقر الوسطي، والخط الأحمر المنقط معدل الفقر في الأرياف، والخط الأسود معدل الفقر في المدن، والخط البنفسجي معدل البطالة. من الواضح أن معدلات الفقر كانت تتراجع حتى عام 2004 إلا أنها عادت للتزايد بعد ذلك، أما معدل البطالة فبقي في ازدياد مستمر، وإن تباطأت سرعة التزايد بعد عام 2004

إذا كانت سورية في 2010 تبدو في حالة اقتصادية جيدة من حيث الشكل؛ فقد كان يمكن بسهولة ملاحظة دخول أموال الاستثمار ومظاهر البذخ والأبنية الحديثة والأسواق؛ لكن هذه المظاهر لم تكن خاصة بسورية، فحتى في أفقر دول العالم يمكن للسائح التمتع ببذخ الأبنية الفارهة، والخدمات الراقية، وأحدث السيارات والمنشآت، لكن المعيار الحقيقي يتمثل في تغير المؤشرات الاقتصادية ومعدلات الفساد في الدولة مقارنة بالمحيط الإقليمي والدولي. ولعل معدلات الفساد هي الأكثر تعبيرًا عن حقيقة النمو الاقتصادي واستدامته، لأن تزايده يؤكد أن توزيع الثروة ظالم، يترك فئات ضخمة من الشعب في حالة أفقر وأصعب، ويزيد الهوة بين الفقراء والأغنياء، بين المدن والريف، بين المتنفذين ضمن السلطة والآخرين.

كان العامل المهم أيضًا اختلاف سياسة بشار الأسد عن سياسة أبيه؛ إذ كان حافظ الأسد حريصًا على خلق توازن بين القوى الاقتصادية، متمثلة بالرأسمالية الدمشقية والحلبية التقليدية والقوى الأمنية والعسكرية، والقوى الإدارية، كما سيرد لاحقًا. ضمن هذا السياق، كان فتح بشار الأسد لهذه الحواجز واختلاط مراكز السلطة الأمنية والعسكرية والإدارية مع الرأسمال والقطاع الاقتصادي ترسيخًا لأزمة الفساد والفوضى الإدارية خصوصًا، مع الصعود الصاروخي لابن خاله محمد مخلوف.

العلاقات الدولية بين الأسدين

كما أشرنا سابقًا، شكل انتهاء الحرب العراقية الإيرانية في نهاية الثمانينيات، وحرب تحرير الكويت في بداية التسعينيات، وسقوط السوفييت في تلك المرحلة نفسها، وظهور الغرب بوصفه قطبًا عالميًا أوحد، دافعًا أساسًا لحافظ الأسد لفتح صفحة جديدة مع الدول العربية والغرب وحتى إسرائيل. وعندما أتى بشار بعد أبيه سار على النهج نفسه في الانفتاح الكامل على الجميع وإرضاء الدول كافة؛ فهو لم يبدع أيضًا في السياسة الدولية. في الواقع، تشير كثير من التقارير، وكثير من لقاءاته السابقة واللاحقة لتوليه المنصب، إلى أن علاقاته الدولية كانت ميراثًا كاملًا من أبيه، باستثناء العلاقات مع تركيا التي تحرك على خطها بشار الأسد بتسارع أكبر من أبيه، وهذا يعود أساسًا إلى وصول رجب طيب أردوغان وحزبه إلى السلطة في تركيا، مع استراتيجية واضحة بالانفتاح شرقًا وجنوبًا وسياسة الصفر مشاكل، وليس إلى مهارة دبلوماسية فذة لدى بشار الأسد، فالمبادرة إلى تحسين العلاقات وترك الماضي أتت من تركيا لا من سورية. وعمومًا يمكن القول إن بشار الأسد بدأ بالانفتاح سياسيًا ودبلوماسيًا لتأسيس علاقات مع عدد من دول الإقليم والعالم، لكن مع ذلك لم يكن مساره ثابًتا وواضحًا عنده بصفته استراتيجية أكثر مما كان عملية انسجام مع الحالة الدولية السائدة، في بداية الألفية الثالثة التي شهدت عمومًا تحسنًا بالعلاقات السياسية الدولية توازيًا مع اتفاقيات تحرير التجارة العالمية.

ظهر تعثر سياسة بشار الأسد الدولية وضبابيتها بسرعة نسبيًا؛ إذ إنه لم يستطع تعلم اكتساب خبرات أبيه الدبلوماسية في حساب موازين القوى والربح والخسارة. فارتكب، بالتشارك مع “حزب الله”، أخطاء كبيرة في لبنان، أهمها تورطهما في اغتيال الرئيس رفيق الحريري[11]، وهو رجل السعودية الأقرب والأهم. وبعد ذلك تهورهما في التسبب باشتعال حرب تموز/ يوليو 2006، بحسب ما قال حسن نصر الله نفسه بعد الحرب في اعتراف غير مباشر بالتهور[12]. فتلك الحرب سبّبت دمارًا هائلًا في لبنان، وأدت أيضًا إلى توتر كبير مع السعودية، بسبب طيش ما قاله بشار الأسد بعد الحرب، بطريقة غير معهودة بالعلاقات السياسية، ساخرًا وغامزًا من ناحية الموقف السعودي[13].

 كذلك دخل بشار بمقامرات خطيرة مع الأميركيين في العراق، عندما فتح الباب أمام المقاتلين السلفيين الجهاديين للدخول إلى العراق، وتأسيس ما عُرف لاحقًا باسم “الدولة الإسلامية في العراق”[14]. هذه الجريمة بحق الشعب العراقي ارتدت سريعًا على الشعب السوري، عندما توسعت “الدولة الإسلامية” في العراق خلال السنوات الأخيرة، لتصبح “الدولة الإسلامية في العراق والشام”/ داعش.

الحكم الشمولي المخابراتي بين الأسدين

زاد حافظ الأسد بسرعة قوة القهر الأمني والمخابراتي في سورية، مقارنة بمرحلة حكم حزب البعث ما بين 1963 و1970، وذلك للتخلص أولًا من منافسيه في المناصب العليا العسكرية والتنفيذية والحزبية، ولضمان أن يكون هو مركز الحكم المطلق في سورية. وتزايدت قوة هذا الحكم الشمولي المخابراتي بصورة كبيرة في مرحلة الثمانينيات، بعد أن قرر حافظ الأسد استغلال الصدام الذي حصل مع الإخوان المسلمين في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات. فمن الثابت أن حافظ الأسد استخدم القوة والعنف المفرطين، وارتكب مع رجالات دولته جرائم ضد الإنسانية بحجة محاربة الإخوان المسلمين؛ فعلى الرغم من أنه في 1982 كان قد قضى على وجود حركة الإخوان المسلمين في سورية، تابع التخلص من كل من يُشتبه أنه قد يفكر بمعارضة السلطة، بما في ذلك أخوه رفعت الأسد[15] وأتباعه من مسؤولين وضباط.

في مرحلة الثمانينيات، كان حافظ الأسد قد أكمل شكل الحكم المطلق في سورية، معتمدًا بصورة أساس على منح الأجهزة المخابراتية والأمنية السلطة العليا[16]، ومن ثم السلطة العسكرية، ومن ثم السلطة الإدارية لمسؤولي الدولة الكبار، ورسخ تحالفه مع الطبقات الأغنى، ومع طبقة رجال الدين من كل الأديان والطوائف. وفي تلك المرحلة، لفرض هذه البنية السلطوية والخلاص من كلّ المناوئين، استعان حافظ الأسد بالأجهزة الأمنية الرسمية، كما استعان بتشكيلات شبه أمنية تعتمد على ميليشيات أشد بطشًا. وهنا تجدر الإشارة إلى أن مصطلح “الشبيحة” في سورية ظهر في تلك المرحلة، وأطلق على عصابات ومافيات أسستها شخصيات قوية من عائلة الأسد القريبة، مارست تجارة التهريب غير القانونية والإرهاب ضد السوريين، بخاصة في منطقة الساحل وجبال الساحل. وعلى الرغم من أن السلطة كانت قد تخلصت من كل المعارضين لحافظ الأسد في نهاية 1984، كانت أدوات القمع من خلال الأجهزة الأمنية وميليشيات القمع تطلب المكافأة. وفعلًا استمرت سورية في حالة القمع الشديد للأنفاس والأفكار إلى بداية التسعينيات. مع بداية التسعينيات بدأ حافظ الأسد بإجراءات شكلية لتحسين الصورة الخارجية لسورية بعد سقوط حلفائه السوفييت واضطراره للانتقال إلى تحسين علاقاته مع الغرب ودول الإقليم، لكن جوهر الهيكلية الحاكمة لم يتغير، وسيطرة الأجهزة الأمنية لم تتراجع.

في المحصلة، دخل المجتمع السوري إلى مرحلة التسعينيات، وهي مرحلة نشوء ما يُسمى النظام العالمي الجديد، مقموعًا وحاملًا رعبًا وخوفًا كبيرين من بطش السلطة الحاكمة بعد عقود من الحكم الشمولي.

توهم أو تمنى كثير من السوريين عام 2000 أن قدوم رئيس شاب يبدو، من حيث الشكل، مسالمًا وهادئًا، سيوفر مساحة أكبر من الحرية، وسيطلق سياسة إصلاحات شاملة. فازدهر ربيع دمشق عام 2000، وانطلقت المنتديات الحوارية الهادفة والرزينة، بشأن الإصلاح وسبل النهوض بالواقع السوري، ولم تتجاوز مطالبها إجراء الإصلاحات من داخل النظام، ولم تصل مطلقًا إلى المساس بمنصب رئيس الجمهورية. ولأن بشار الأسد ونظامه مجرد استمرار لنظام أبيه الشمولي المخابراتي، لم يعش الربيع سوى شهور عدة، إذ قُمِع بسرعة، وسُجن كثيرون ممن ساهموا في انطلاقته من دون أي مبررات قانونية، وأي مراعاة لحقوق المواطن السوري أو للمرحلة التاريخية التي كانت تهز العالم كله. فمع نهاية 2002، كانت غالبية المنابر الإعلامية التي حاولت فتح بعض هامش الحرية قد قُمعت[17]، وبالكاد بقي منتدى جمال الأتاسي بوصفه منتدى معارضًا، وعاد السوريون إلى حالهم قبل وصول بشار إلى السلطة.

سياسة فرق تسد، واستغلال التنوع الطائفي والقومي في سورية بين الأسدين

تعد سياسة “فرق تسد” أحد أهم أدوات الحكم، بخاصة في الحكم الدكتاتوري، وفي حال احتلال دولة لدولة أخرى. فتفريق صف الأعداء الموجودين أو المحتملين هو أشد الأسلحة فعالية. وفي حال الحكم الدكتاتوري، يحرص الديكتاتور على تفريق القوة الشعبية وتقسيمها من ناحية، كما يحرص على توزيع السلطة في المستويات العليا لمصلحته، ليكون في الحالين هو المتحكم في الجميع، فيبدو بحسب الحالة إما حاميًا أم قامعًا لهذه المجموعة أو تلك من الناس أو ضمن الهرم السلطوي.

حرص حافظ الأسد على ترسيخ مبدأ (فرّق تسد) في بناء هرم السلطة الأسدي، فحرص على أن تكون مصالح المستوى الثاني من السلطة، وهم رؤساء الأجهزة الأمنية والعسكرية والإدارية والحزبية، متناقضة فيما بينها، بحيث يضمن أنهم لن يستطيعوا الاجتماع والتوحد ضده، كما فعل هو وضباط البعث في انقلاب 1963، أو كما فعل في انقلاب 1970. فمثلًا لم يجمع القوة المخابراتية في سورية ضمن جهاز واحد مركزي، بل حرص على توزيعها بين عدة أجهزة مخابراتية وأمنية، وعلى إبقائها بسلطة متقاربة تمنع أحدها من أن يتغلب على الباقي.

في المنحى الآخر، تعلّم حافظ الأسد من خبراته السابقة ومن تجربته ضرورة تنوع البنية الدينية والطائفية والقومية للمجتمع السوري، وثقافة التمييز المنتشرة بين الناس وفق هذا التنوع (راجع فقرة: مدخل تاريخي حول المجتمع السوري). لقد وزع النظام الأسدي المناصب ومراكز السلطة بين مركبات الشعب السوري وفق شبكة معقدة من نقاط القوة، بحيث تجد كل طائفة أو قومية أو قبيلة أو منطقة نفسها مضطرة إلى استخدام مراكز القوة الممنوحة لها؛ فما كان لغالبية الناس أن يستمروا في العيش والعمل إن لم يكن لهم منفذ ما إلى السلطة، أي “واسطة” بالعرف السوري الشائع. هذا التوزيع لمراكز ومزايا السلطة، وفي مجتمع متدين ومحافظ عمومًا مثل المجتمع السوري، أدى إلى زيادة انتشار وترسيخ رؤية شعبية تقسم سورية طائفيًا وقوميًا ومناطقيًا وقبليًا وسياسيًا، وباتت كل جماعة تقيس نفسها بعدد المسؤولين في الدولة المنتسبين إليها.

هذه السياسة أدت إلى انتشار رؤية شعبية للنظام الحاكم في سورية قائمة على وهم “النظام الحاكم نظام علوي”، التي خلقت وهمًا أكبر مفاده أن سبب كل المشاكل والظلم والفساد يتمثل في الطائفة العلوية “التي أخذت ما لا حق لها به”. بالتوازي مع ذلك، تضخمت رؤية شعبية تقوم أيضًا على وهم “أن العرب هم الحاكمون”، عند القوميات السورية الأخرى وبخاصة الأكراد، وأيضًا على وهم “أن المسلمين يحكمون” عند المسيحيين. في الجهة المقابلة، أدت الأوهام السابقة إلى ترسيخ قناعة في اللاوعي الجمعي لأوهام مضادة، مثل “حافظ وبشار الأسد هم ضمان حماية العلويين من غضب السنة”، أو “النظام الأسدي هو ضمان حماية المسيحيين من الإسلام الأصولي والمتطرف الصاعد في المنطقة”، أو “استرداد المسلمين السنة لحقهم العددي بالحكم غير ممكن بوجود الأسد العلوي”. كانت هذه الأوهام المركبة لدى عامة الشعب السوري، ولدى غالبية من نخبه ومثقفيه بمختلف مشاربهم، من أهم أدوات التحكم التي أتقن النظام الأسدي استخدامها؛ وواقع الحال يقول إن هذه السياسة لم يخلُ منها نظام دكتاتوري في المنطقة أو في العالم.

لم تختلف سياسة بشار الأسد عن سياسة أبيه جوهريًا بالاعتماد على سياسة (فرق تسد). واستمر في قمع ومنع أي نقاش مجتمعي وإعلامي لمناقشة المشكلة الطائفية والقومية وغيرها من مشاكل يحملها كل مجتمع بشري، بل استمر في سياسة أبيه في إنكار وجود المشكلة، مع الاستمرار في تأجيجها تحت السطح.

لعل بشار الأسد خير من يبرهن كلامنا هنا، إذ قال، ففي 2010، في لقاء مع جريدة الحياة في 26 تشرين الأول/ أكتوبر، إنه مدرك لخطر المشكلة الطائفية، لكن قلقه إيجابي لأنه يتعامل معها بحذر. ومن ثم، بحسب ادعائه، كان مدركًا للمخاطر ولم “يُؤخذ على حين غرة”. ثم أكد في 2013، في لقاء مع الإخبارية السورية بتاريخ 17 نيسان/ أبريل، أن لا قلق على السوريين بسبب المشكلة الطائفية، وأن هذه المشكلة كانت منتهية وقت المقابلة. إلا أنه في خطاب له عام 2017، بتاريخ 20 آب/ أغسطس، اعترف أن الطائفية كانت نارًا تحت الرماد، وأشار بشكل غير مباشر إلى أنه من حسن حظ السوريين أن هذه الحرب في سورية حصلت مبكرًا، وإلا لكانت النتائج أخطر بكثير[18]، على الرغم من أنه عاد وجمّل الكلام بشعارات مكررة حول “لا طائفية بين الشعب السوري العظيم”[19].

إذًا استغلّ نظام الأسدين كل الأسباب التي تساعد على تفرقة الشعب السوري ليسهل عليه حكمه، مثل أي دكتاتور شمولي، وأسهل أدوات التفريق كانت العمل على الاختلاف الديني والطائفي، ثم القومي والعرقي. لكن هذا لا يعني بأي شكل أن انتماء الحاكم إلى الأكثرية العرقية والطائفية كان سيؤدي إلى سياسة حكم لا تعتمد على تفرقة الشارع السوري؛ فواقع الدول العربية والإسلامية وغيرها من دول دكتاتورية يؤكد أن انتماء السلطة إلى الجماعة الأكثر عددًا لم يلغ سياسة “فرّق تسد”. مثلًا، لم يلغ حكم مصر من طرف حاكم ينتمي إلى الأكثرية العربية المسلمة السنية الشروخ الطائفية التاريخية بين المسلمين والمسيحيين، بل أصبحت أعمق بكثير كما اتضح خلال العقدين الماضيين.

استغلال القضية الفلسطينية بين الأسدين

تستخدم أشكال الحكم والسلطة كلّها الخوف من العدو الشرير لترسيخ حكمها، حتى في عصرنا هذا وعند النظم الديمقراطية، لكن هذا الاستخدام أكثر أهمية ومحورية في النظم الشمولية الدكتاتورية. فيوم يطمئن الناس إلى أن ما من عدو خارجي يهددهم، يبدؤون بالتساؤل والمطالبة بحقوقهم بوصفهم مواطنين؛ الأمر الذي يهدد أسس السلطة القائمة.

استقلت البلدان العربية كلّها بعد اغتصاب فلسطين وتأسيس الكيان الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه؛ فكانت القضية الفلسطينية بالنسبة إلى الحكام العرب أهم أداة استخدموها في تعبئة الشارع، وتشتيت انتباهه عن ضرورات بناء الدولة الحديثة، وترسيخ أسس المواطنة. ومن هذه الأنظمة، كان النظام البعثي ثم الأسدي في سورية، الذي تطرف في استغلال القضية الفلسطينية أكثر من الأنظمة الحاكمة العربية كلها. لقد صمّم نظام الأسدين مسطرة تقييم تناسب سلطته باستخدام شعار القضية الفلسطينية ونصرتها، إذ أخضع كل الكلام والأفعال وحتى المشاعر لهذه المسطرة، فكل نقد أو شبهة اعتراض على السلطة الأسدية هو بالضرورة خيانة وطنية وعمالة لإسرائيل. وإضافة إلى ذلك، كانت شعارات المقاومة والممانعة والاستعداد للحرب مع إسرائيل مبررًا إعلاميًا وشعبويًا لم يتوقف نظام الأسدين عن استخدامه لتبرير ضعف الأداء الاقتصادي، وتزايد انتشار الفقر، وتأجيل أي اصلاح ديمقراطي تحت حجة أن المعركة لا تسمح.

شكلت المعركة المفترضة أو الحرب المنتظرة مع إسرائيل أهمّ أدوات نظام الأسدين والبعث في تقديم شرعية كاذبة لهذا الحكم المتجبر؛ وتحت نفس اليافطة كان تبرير التركيز على تقوية الأجهزة الأمنية، والتركيز على الجيش والقوات المسلحة. لكن واقع التاريخ يؤكد أن نظام البعث خسر خسارة مذلة في حرب 1967 أمام إسرائيل؛ واستطاع في اللحظة الأخيرة انتزاع ما سمّاه انتصارًا عسكريًا في حرب 1973، بعد تدخلات دولية قوية من جانب الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي. ومنذ تلك الحرب، لم يُقحم الجيش السوري وأجهزة المخابرات إلا في أتون الحرب الأهلية في لبنان، وفي الحرب المفتعلة ضد المعارضين في سورية في فترة الثمانينيات، وبقيت سورية طوال هذا الوقت مفتوحة أمام الطيران الإسرائيلي للقيام بالاعتداءات، بحسب ما تراه الحكومات الإسرائيلية.

لكن نظام الأسد لم يقدّم أيّ جهد لبناء أهم أدوات الصراع مع أيّ عدو خارجي، المتمثلة في تأسيس الدولة الحديثة القوية المستقرة المتطورة، للاستفادة من المصادر البشرية والطبيعية المتوفرة في سورية، الذي لن يتحقق إلا من خلال تأسيس دولة المؤسسات القائمة على الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

الاختباء خلف نظرية المؤامرة الكبرى بين الأسدين

لتبرير فشله في تأسيس الدولة العصرية التي تضمن لمواطنيها المستوى الاقتصادي الجيد، والمساواة أمام القانون، والتطور العلمي، لجأ النظام الأسدي، مثل غيره من النظم العربية، إلى نظرية المؤامرة الكونية؛ فكل فشل أو هزيمة أو صعوبة تواجه سورية سببها المؤامرة الإمبريالية الصهيونية الماسونية، والمتحالفة مع مؤامرة النظم العربية الحاكمة الرجعية؛ وكل تقدّم أو تحسّن أو تطور مهما كان صغيرًا يعود إلى حكمة وشجاعة “القيادة الخالدة” للأسدين.

تاريخ النظام الأسدي والبعثي مع نظرية المؤامرة طويل ممتلئ، ولعل من أشهر المسرحيات العبثية السوداء كانت يوم ادعى حزب البعث، بعد نكسة 1967 وضياع الجولان، أنها لم تكن كما تبدو هزيمة عسكرية، وخسارة أرض سورية، وتهجير مئات آلاف السوريين والفلسطينيين؛ بل كانت بعمقها انتصارًا، لأن هدف المؤامرة كان إسقاط القيادة البعثية السورية المقاومة. وتابع حافظ وبشار الأسد النهج نفسه بعد أن فسّرا نظرية المؤامرة بأنها تهدف إلى إسقاطهما شخصيًا، لأنهما يهددان الوجود الإسرائيلي من أساسه، بما يملكانه “من حكمة وممانعة وصفات قيادية”.

إن الكلام وفق منهج نظرية المؤامرة في خطابات حافظ وبشار الأسد[20]، أكثر من أن يحصى. ولعلنا نكتفي هنا بالتدليل على أهمية نظرية المؤامرة في تكوين النظام الأسدي، بما قامت عليه سياسة بشار الأسد منذ ثورة 2011 في سورية، بوصفها أساسًا في معركتها الطويلة، وهي “أنها مؤامرة كونية كبرى” ضد سورية، والتي تعني، قياسًا على بنية النظام الأسدي، أنها مؤامرة كونية ضد بشار الأسد نفسه ونظامه[21]. فقد قال في واحدة من كلماته في 2011، في خطاب موجه إلى القوات المسلحة: “إذا كان قدر سورية أن تكون في موقع القلب لهذه المنطقة الجيوستراتيجية … فإننا قادرون بوعي شعبنا وبوحدتنا الوطنية أن نسقط هذا الفصل الجديد من المؤامرة التي نسجت خيوطها بدقة وإحكام بهدف تفتيت … وقد فات أولئك أن لسورية خصوصيتها الذاتية العصية على كل المؤامرات والمتآمرين”[22].

الفصل بين مراكز السلطة بين الأسدين

كان أهمّ تغيير حصل مع بشار الأسد، مقارنة بحكم أبيه، عجزه عن المحافظة على الفصل الحاد الذي أنشأه أبوه بين مكونات السلطة في سورية. فحافظ الأسد أسّس جدرانًا عازلة بين مكونات السلطة الأساسية: القيادات العسكرية، والأجهزة المخابراتية والأمنية، والرأسماليين وطبقة الأغنياء، وطبقة رجال الدين، والسلطة التنفيذية للدولة؛ أي الحكومة ومؤسساتها المدنية. حيث وضع حافظ الأسد هذه الحدود بين مكونات السلطة الخمسة[23]، ومنعهم من التشارك أو التداخل، منعًا لنشوء قوة ضاربة تشكل تهديدًا لسلطته المطلقة. وبما أنّ حافظ الأسد ابن المؤسسة العسكرية، وبفضلها وصل إلى السلطة، فقد اعتمد بصورة أساس على السلطة العسكرية والأمنية، لكنه أيضًا استطاع ضمن هذين القطاعين ترسيخ انقسامات بين مراكزها القوية، ووزع القوة والسلطة ضمن قطاع السلطة الأمنية، فأوجد أربعة أجهزة أمنية تفرعت عنها عشرات الفروع التابعة له مباشرة، لكنها كانت مع ذلك متصارعة فيما بينها[24]؛ وربما يكون للدرس الذي تعلمه من محاولة انقلاب أخيه رفعت الأسد عليه، في بداية ثمانينيات القرن الماضي، أبلغ الأثر في سياسة توزيع القوى ضمن الجيش والأمن.

لكن بشار الأسد، بسبب ضعفه الواضح في بدايات حكمه، وقلّة خبرته في العمل السلطوي والسياسي، وبسبب تداعيات انتقال النظام الاقتصادي إلى السوق المفتوح والتجارة الحرة، أهمل هذه التقسيمات الحادة؛ فتداخلت في عهده مراكز السلطة في سورية، وانتقل ضباط الجيش والأمن إلى مصاف الرأسماليين، وعقدوا التحالفات مع الأجهزة التنفيذية، ومع السلطة الدينية التي حرص بشار الأسد على إرضائها؛ وهذا ما يبرزه بوضوح ارتفاع معدلات الفساد إلى مستويات قياسية حتى بالنسبة إلى سورية أيام أبيه. لعل ما حدث مع ابن خال بشار الأسد، محمد مخلوف، الذي صعد بسرعة صاروخية ليكون أغنى أغنياء سورية، يبين هذا التداخل الفوضوي مقارنة بما كان أيام أبيه؛ فمخلوف بنى إمبراطوريته الاقتصادية اعتمادًا على صلاحيات واسعة أخذها باسم بشار الأسد، استخدمها بالاستفادة من الفساد الإداري المتمكن من أجهزة الدولة، وبعقد شراكات مع ضباط الجيش والمخابرات ورجال الأعمال.

سورية عام 2011

وصلت سورية إلى عام 2011، مثل بقية دول المنطقة، محكومة من نظام دكتاتوري مخابراتي فاسد وعاجز عن أي تغيير أو إصلاح يلائم العصر الحديث. فالانتفاضة والتمرد على النظام الأسدي كانا نتيجة حتمية لا مناص منها، لأن دوافع الانتفاضة بين السوريين كانت تغلي، ولأن النظام الحاكم كان مريضًا وعاجزًا عن إصلاح حتى نفسه، كما ثبت حتى الآن. ويكفي للدلالة على عجزه أنه على الرغم من كل ما حصل في سورية، ما زال يسير وفق الاستراتيجيات نفسها التي وضعها حافظ الأسد منذ أربعة عقود، التي تتمحور حول خطين أساسيين: الأول عبادة وتقديس الرئيس بشخصه ومركزه، وتقزيم الوطن والدولة على مقياس الولاء له، وضمان ذلك باستخدام كل الأساليب المخابراتية والعنفية المتوفرة، والثاني الانتهازية السياسية والسلطوية، ما بين مصالح حلفائه في روسيا وإيران من جهة، والغرب من جهة أخرى، ما بين العلمانية الشكلانية[25] من جهة، والدينية الطائفية من جهة ثانية، ما بين التطرف بالعنف ضد المعارضين من جهة، وإبقاء خيار السلامة بشرط الاستسلام المطلق لسلطة نظام الأسد من جهة.

إن السلطة المرعبة التي امتلكتها المخابرات الأسدية في سورية، والقمع الشديد لكل الأفكار والآراء، وترسيخ رعب جماعي من الاشتباك مع أجهزة الأمن الأسدي، كانت من أهم أسباب الاحتقان لدى الشباب السوري الذي لم يعاصر مرحلة القمع المخابراتي التي عاناها السوريون في الثمانينيات، ومن ثم كان هذا الجيل غير محبوس في دائرة الرعب نفسها التي ترسخت في سورية خلال الثمانينيات. هو جيل لم يشهد بعينه قمع الثمانينيات، لكنه سمع عنها وعانى نتائجها وورث أيضًا الخوف منها، سواء الخوف من القمع السلطوي الأمني، أم الخوف على انهيار البلد لكن بشكل أقل من الأجيال السابقة؛ ومع ذلك كانت بذور التمرد لتأمين مستقبل أفضل تنمو بسرعة في داخل جيل الشباب السوري.

من ناحية ثانية، كان تحوّل العالم إلى قرية كونية على أرض الواقع، من خلال شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي، فضلًا عن عولمة الأسواق والأموال، ذا أثر كبير وعميق في جيل الشباب حول العالم، حيث حرك الطموح للأحسن عبر كل العالم عند الشعوب وشبابها؛ فأن يرى الناس بعيونهم ويتواصلوا مع دول ومجتمعات تتحقق فيها الحداثة والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان أبعدُ أثرًا وأكثر تحريضًا من أن يسمع الناس مجرد أخبار كما اعتادوا خلال القرن الماضي.

لكن في سورية 2010 كان الشباب ما زالوا يقفون أمام أفق مسدود؛ فالفساد مستشر في كل مناحي الدولة، والمحسوبيات والواسطة هي الرافعة التي لا مناص منها، والفقر يتزايد مع الأيام، والخدمات العامة تتراجع وتصبح مصدرًا للربح السريع من جانب شركات أخطبوطيه خاصة متحالفة مع السلطة، وحتى السفر إلى الخارج بقصد العمل أصبح أصعب وأقلّ مردودًا، وفوق كل ذلك كان ممنوعًا على الشباب السوري إعلان ضيقه أو تذمره من سياسة السلطة، وإلا كانت أقبية المخابرات الأسدية بكل جحيمها المشهور في انتظاره. ثم كان الربيع العربي الذي تفجر في تونس، للأسباب الجوهرية نفسها التي زرعت بذور الثورة والتمرد في سورية، فكانت تلك الشرارة، وروح الطموح والشوق للحرية في سورية أقوى من ألا تدخل سورية وتشعل الثورة السورية عام 2011.

خاتمة

لم تكن سياسة وعقلية النظام الأسدي في سورية، من إبداعه الخاص، بقدر ما كانت تطورًا لبنية النظام الدكتاتوري في الدول النامية بعد الحرب العالمية الثانية، أضاف إليها الدكتاتور الأب كثيرًا لحماية سلطته المطلقة، وتأمين الأرضية اللازمة لاستمرار ابنه في الحكم. لكن كلا الأسدين، على الرغم من طول مدة الخبرة، لم يستطيعا فهم العصر الحديث، بسبب تحوّل السلطة إلى مرض الهوس بالسلطة، فكانت النتيجة هذه المأساة التي يعيشها السوريون منذ 11 سنة.

تناولت هذه الورقة الأمور العامة الأساسية التي لا خلاف حولها، وتجنبت التفاصيل؛ فالتفاصيل يمكنها أحيانًا أن تحجب ضوء الشمس في واضحة النهار. أما مفصل الاختبار بشأن صحة النتيجة فيتوقف على قناعة المتلقي بخصوص سؤال أساس، لا يشمل سورية فقط، بل كل دول العالم حاضرًا وماضيًا، وهو: “يوم تسوء أحوال دولة ما، فمن يتحمل المسؤولية: هل يتحملها صانع القرار وصاحب السلطة، أم عامة الشعب”؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التحدي الحقيقي أمام أي قراءة لحركة التاريخ، وهو سؤال أساس يتصاعد الآن حتى في الدول الغربية التي تقوم بعملية مراجعة ونقد ذاتي، على الرغم من امتلاكها مصادر القوة والحداثة كلها والعلم والغنى المادي والفكري.

لقد اعتاد الناس عبر آلاف السنين التي سيطر خلالها الحكم الشمولي الدكتاتوري على كل دول العالم أن يتحولوا إلى “مازوشيين جماعيين”، بمعنى لوم بعضهم، فيوم ينتشر الفساد، تنتشر معه مقولات “نحن الفاسدون”، ويوم ينتشر العنف “نحن العنيفون”، وغير ذلك، فيصلون إلى نتيجة تلائم السلطة، وهي أن “هذه الناس بحاجة إلى هذا الحاكم القاهر القاسي”. أول من أسقط هذه الأفكار كانت المجتمعات الأوروبية الغربية بعد أن دفعت كثيرًا لتأسيس النظم الديمقراطية، وعلى ما يبدو الآن أن هذه الراية تنتقل، على الرغم من المآسي كلها، إلى بقية دول العالم، وربما تكون سورية هي الرافعة، على الرغم من الثمن الباهظ الذي دفعته، لتعيد تثبيت حقيقة أن الانهيار في الدولة لم يكن ولن يكون بسبب الشعب والمجتمع، بل المسؤول عنه هم صنّاع القرار السياسي والاقتصادي والإعلامي والتعليمي والاجتماعي.


[1] قضية “أخطاء التفسير الطائفي.. مقدمة في الطائفية” – علاء الدين الخطيب – مركز حرمون – 03 حزيران/يونيو 2022

https://bit.ly/3Vc7hx7

[2] حكم الفاطميون مصر حوالى 200 سنة بين القرنين العاشر والثاني عشر ميلادي.

[3] نكبة نصارى الشام، سامي مروان مبيض، عن دار رياض الريس للكتب والنشر، 01/01/2020، ISBN: 9789953217260

[4] يرجع عدد من المؤرخين والمحللين سيطرة الديكتاتورية الشمولية إلى مرحلة الوحدة السورية المصرية بين عامي 1958 و1962، ولكن هذا الاختلاف يؤدي بنا إلى النتيجة نفسها.

[5] بيانات البنك الدولي لعام 2018
http://databank.worldbank.org/data/source/world-development-indicators/preview/on#

[6] تقرير “اقتصاد الأزمة السورية” – صندوق النقد الدولي – حزيران/ يونيو 2016

[7] مؤشر مدركات الفساد Corruption Perceptions Index وفق منظمة الشفافية العالمية هو مؤشر إساءة استغلال السلطة من أجل المصلحة الشخصية. وهو مؤشر مكون من عشر مستويات: من 0 إلى 100؛ فكلما انخفضت قيمة المؤشر ازداد الفساد، وكلما ارتفعت قيمة المؤشر قلّ الفساد. مثلا كانت نيوزيلندا في 2017 الدولة الأقل فسادًا بمعدل 89 وفي الترتيب الأول عالميًا، وكانت الصومال الدولة الأكثر فسادًا بمعدل 9 وفي الترتيب 180 عالميًا.

[8] منظمة الشفافية العالمية

www.transparency.org/cpi

[9] “مسح الشركات Enterprise Surveys” – البنك الدولي – 2009

https://www.enterprisesurveys.org/en/enterprisesurveys

[10] المرجع (5)

[11] رفيق الحريري رجل أعمال وسياسي لبناني، برز اسمه بعد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، فاستلم رئاسة عدة حكومات لبنانية حتى اغتيل في 14 شباط/ فبراير 2005، حيث دلت كل التحقيقات الدولية على تورط حزب الله ونظام الأسد في الاغتيال.

[12] قال حسن نصر الله، في مقابلة تلفزيونية مع تلفزيون الجديد بعد حرب تموز، معلنًا ندمه وسوء تقديره: “إن قيادة حزب الله لم تتوقع ولو واحدًا بالمئة أن عملية الأسر ستؤدي إلى حرب بهذه السعة وبهذا الحجم؛ لأنه وبتاريخ الحروب هذا لم يحصل.. لو علمت أن عملية الأسر كانت ستقود إلى هذه النتيجة لما قمنا بها قطعًا”.

[13] قال بشار الأسد في خطابه أمام مؤتمر الصحفيين، في دمشق في آب/ أغسطس 2006: “لم يكن هناك من إمكان لحلول وسط. هذه الحرب أسقطت أصحاب أنصاف المواقف أو أنصاف الرجال وأسقطت كل المواقف المتأخرة”، حيث فُسّرَت عبارة “أنصاف الرجال” على أنها موجهة إلى الحكومة السعودية. لكن نائبه فاروق الشرع عاد بعد سنة، وفي مؤتمر صحفي أعقب لقاءه مع الرئيس المصري حسني مبارك في بداية 2007، ونفى أن يكون مصطلح أنصاف الرجال موجهًا إلى أي حاكم عربي، فقال في معرض رد على سؤال حول ذلك الإشكال: “لم يكن يقصد أيًا من القادة العرب”.

[14] تقرير للجزيرة بعنوان “مفتي سوريا يدعو لتنفيذ عمليات استشهادية ضد الغزاة” – 27/03/2003

https://bit.ly/3FBYb64

تقرير للنيويورك تايمز بعنوان “سورية، علمانية طويلة بلا رحمة، انبعاث المد الإسلامي Syria, Long Ruthlessly Secular, Sees Fervent Islamic Resurgence” – 24/10/2003- يتراجع به ابن أحمد كفتارو عن فتوى أبيه بعض التنديد الدولي. اللافت للنظر أن هذا التقرير يسمى النظام السوري علمانيًا، مع أنه يذكر ضمن التقرير تواؤم وانسجام النظام الأسدي مع دعوات كفتارو، ومع الشيخ محمد قول أغاسي المعروف بكنية “أبو القعقاع السوري”، وتأييد هذا الشيخ الذي له كان تواصل ثابت مع قاعدة العراق وأفغانستان، لمصلحة النظام الأسدي.

تقرير لموقع بوابة سان فرانسيسكو – “Syrians told to prepare for fight with U.S. / Iraq war is just the beginning, leaders say” – 31/03/2003

https://bit.ly/3YP5pg6

[15] رفعت الأسد، 1937، الشقيق الأصغر لحافظ الأسد، كان اليد اليمنى لحافظ الأسد والرجل الثاني في السلطة الأسدية حتى عام 1984، حيث حاول الانقلاب على أخيه، فنفاه حافظ الأسد إلى خارج سورية مع أموال هائلة كان رفعت الأسد قد راكمها خلال حكم أخيه. تؤكد كل التقارير على مسؤوليته عن مجزرة حماة 1982 التي أودت بحياة عشرات الآلاف.

[16] المخابرات السورية: الأصول والتطور، أندرو راثميل/ ترجمة أحمد عيشة، مركز حرمون للدراسات، 18/10/2021

[17] من أشهر الدوريات التي ظهرت في بداية عام 2001 دورية “الدومري”، التي أطلقها فنان الكاريكاتير السوري علي فرزات. لكن مع بداية عام 2003 أُغلِقَت . وحققت الدورية خلال حياتها مبيعات عالية جدًا حيث كانت أول صحيفة خاصة ظهرت في سورية خلال أربعة عقود.

[18] كلمة بشار الأسد أمام مؤتمر المغتربين بتاريخ 20/08/2017. ورد فيها ما نصه “المرحلة الأخطر كانت في السنة الأولى من الحرب، لأن البعد الطائفي كان موجودًا في النفوس قبل الحرب كالنار تحت الرماد ولكن إلى حد معين ربما لو انتظرنا سنوات وتغلغل هذا البعد أكثر في نفوس السوريين واندلعت هذه الحرب ربما كنا رأينا واقعًا مختلفًا أخطر بكثير”.

[19] “عندما يتفلسف بشار الأسد” – علاء الدين الخطيب – 21/08/2017

https://www.infosalam.com/syria/assad-regime/assad-smartass

[20] على سبيل المثال، راجع خطاب حافظ الأسد في المؤتمر الرابع لاتحاد شبيبة الثورة ‏15/‏‏4/‏‏1985، حيث كانت “مؤامرة الرجعية العربية” أساس خطابه. وكلمته في ‏1/‏‏8/‏‏1982‏ حين تكلم عن “المؤامرة الكبرى التي تستهدف تصفية القضية وفرض الاستسلام على الأمة”. وكلمته في ‏8/‏‏3/‏‏1981‏ حين قال “هو دحر المؤامرة الكبيرة، دحر المؤامرة الكبيرة التي تعرض لها هذا القطر، والتي لم تعرف لها سورية مثيلا من قبل”.

[21] قال بشار الأسد في معرض رده على من لم يقتنع بالمؤامرة، خلال مقابلته مع تلفزيون الدنيا في 29/08/2012، “فعندما ألقيت خطابي الأول في مجلس الشعب وتحدثت عن مؤامرة ومواجهة تساءل كثيرون أي مؤامرة وأي مواجهة.. واتهمونا بأننا نقول عن كل شيء بأنه مؤامرة واعتبروا أن ما يحصل حالة انفعالية فقط كما ذكرت سابقًا.. وأنه لو قال الرئيس بضع كلمات طيبة وعاطفية لكانت حلت المشكلة.. قلت لهم المشكلة لم تبدأ بعواطف ولن تنتهي بعواطف.. هناك مخطط وهناك أدوات داخلية.. فإذًا نحن من البداية أخذنا قرارًا بالحسم لأن الصورة واضحة لكن أسلوب الحسم يختلف باختلاف مراحل الأزمة.”

[22] خطاب وجهه بشار الأسد إلى القوات المسلحة نشر في مجلة «الجيش الشعبي»، 31/07/2011

[23] قلما نجد بين كبار الأغنياء والرأسماليين في سورية إبان حكم حافظ الأسد بروز أسماء عسكرية أو مسؤولين سياسيين كبار، باستثناء أولاد ثلاثة أشخاص هم: عبد الحليم الخدام، مصطفى طلاس، حكمت الشهابي.

[24] “كيف تتحكم مخابرات الأسد بالشعب السوري” – مرصد مينا – 07/09/2018

https://bit.ly/3Vtbig9

[25] “الكذبة الكبرى؛ علمانية‏ نظام الأسد” – مرصد مينا – 18/11/2018

https://bit.ly/3BQJrQ1