مقدمة

الحديث عن دستور مدني لأي دولة في العالم، دون التطرق إلى علاقته بالدين السائد في المجتمع، أمرٌ في غاية الصعوبة، وخاصة في مجتمعنا السوري، لا سيّما أن معظم دساتير العالم قد تطرقت إلى هذه العلاقة، سواء بالحديث عن دين الدولة أو دين رئيسها، أم عند الحديث عن مصادر التشريع فيها.

ولكن يبقى التساؤل مطروحًا: أليس من الأفضل بيان المخرج الشرعي -إن وجد- الذي يوافق ما تذهب إليه مواد الدستور المدني؟ لا سيّما إذا كان الأمر قابلًا للاجتهاد، ولم يكن الباب مغلقًا بأي حال من الأحوال، ويكون الهدف من ذلك الخروج بموضوع دين رئيس الدولة، من خلال خلطة قانونية دستورية غير متعارضة مع الإرث الحضاري الإسلامي بشقيه الفقهي والسياسي.

منشأ الخلاف في موضوع تحديد دين رئيس الدولة

إن منشأ الخلاف في تحديد دين رئيس الدولة في الدستور يعود إلى أمرين: الأول الأسس والمرجعية التي يعتمد عليها شكل الدولة؛ والثاني المبررات التي يعتمد عليها مَن يصل إلى هذا المنصب.

أولًا: الأسس والمرجعية التي يعتمد عليها شكل الدولة

بالعودة إلى بيان مهمة رئيس الدولة، وبيان وتحديد دينه في الدستور؛ لا بد قبل ذلك من توضيح المقصود به، فمن هو رئيس الدولة؟

اختلفت تعاريف رئيس الدولة، بحسب النظرة العامة إلى شكل الدولة، فرئيس الدولة في النظام الإسلامي له ألقاب وأسماء عدة: الخليفة والإمام وأمير المؤمنين والسلطان. وجاء تعريفه عند بعض علماء المسلمين على النحو الاتي؛ قال الماوردي: (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا)[1]. وقال ابن خلدون: (خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا)[2]. وبيَّن ابن تيمية مكانة رئاسة الدولة بقوله: (إن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد عند الاجتماع من رأس يسوسهم، فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا وقربة، فيتقرب بها إلى الله، فإن التقرّب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من أفضل التقربات)[3]. وبالرغم أن مهمة رئيس الدولة، في تعريف كلٍ من الماوردي وابن خلدون وابن تيمية، تقتصر على حراسة الدين لا تشريعه، فإنهم منحوه صفة (السلطة المطلقة) الدينية والدنيوية وبشكل متلازم.

أما تعريف رئيس الدولة في الدولة المدنية، فإنه يختلف عن المقصود به في النظام الإسلامي، وخاصة في ما يتعلق بصلاحياته. ففي الدستور العراقي -على سبيل المثال- جاء مفهوم رئيس الجمهورية على أنه (هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن والممثل لسيادة البلاد، والساهر على ضمان الالتزام بالدستور، والمحافظة على استقلال وسيادة ووحدة سلامة أراضي العراق وفقًا لأحكام الدستور)[4].

وبمقارنة مفهوم رئيس الدولة بين الدولة الإسلامية، بخصوصيتها الدينية، والدولة المدنية؛ نلاحظ أن تعريف النظام الإسلامي لرئاسة الدولة يحتوي على ثلاثة عناصر هي:

  • المستند أو المرجع الذي تصدر عنه، وهو الشريعة.
  • المجال أو المدى الذي تغطيه، وهو خاصة الناس وعامتهم في أمورهم الدينية والدنيوية.
  • الكيان القائم بها، وهو فرد واحد لا يشركه في منزلته أحد، حتى وإن كان من يعيِّنه ويساعده، لأنه داخل تحت سلطته وطاعته[5].

كما نلاحظ أن مهمة رئيس الدولة في النظام المدني لا تتعدى كونه موظفًا لدى الدولة، بصلاحياته المحددة بالدستور، والطابع العام لمهامه يندرج تحت مفهوم تطبيق القانون وإدارة سياسة الدولة، محليًا وعالميًا، أما رئيس الدولة في النظام الإسلامي، فمهمته -إضافة إلى تطبيق القانون والعدالة- حراسة الدين.

ثانيًا: المبررات لتحديد دين رئيس الدولة في الدستور

القائلون بضرورة ذكر وتحديد دين رئيس الدولة يحتجون بمبررات:

الأول: أن الدولة لا بد من أن تحدد في الدستور هويتها، وكيانها الاعتقادي والثقافي الذي يدين به الغالبية العظمى للشعب، مع مراعاة الحرية الاعتقادية للمكونات الأخرى، هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى يُعدّ هذا الأمر عاملًا للاستقرار وعدم إثارة قضايا الاعتقاد في مواجهة إرضاء قلةٍ، لا يُخشى منها عند ضمان حقوقها وعدم الاعتداء عليها.

الثاني: وهو الذي تلجأ إليه السلطات في الدولة التي تفتقر إلى الديمقراطية وتداول السلطة بطرقها السليمة، فغالبًا ما يؤرقهم الدّين والمعتقد أو المذهب، ويرون في إثباته أو الأكثر تدينًا الخطر الأكبر على استمراريتهم في السلطة، ومن هنا؛ يسعون جاهدين لاتخاذ المعتقد وسيلة لحشد جهود أتباعهم من نفس الدين والمذهب، سواء كان علمانيًا أو إسلاميًا، لتقوية وجودهم في السلطة، وإن انتهى الأمر لنزاع ديني ومذهبي، بل إن بعض الدكتاتوريات تحرص على إثارة مثل هذه النزاعات كوسيلة للاحتفاظ بالسلطة أو الاستمرار فيها[6].

الثالث: وهم أصحاب التوجه والأيديولوجية الإسلامية حصرًا، حيث يقولون: إن تحديد دين رئيس الدولة يحتم عليه واجبًا شرعيًا احترامَ عقيدة الآخر (كتابيًا كان يحكم الاعتراف بأصل الديانة) أو ديانة غير سماوية (بحكم منع الاعتداء على معتقده) لقوله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)، وكذلك الدعوة إلى حسن المعاملة والمداراة بأمر شرعي، وما يقوِّي دليلهم هذا -بحسب رأيهم- أن العكس غير موجود!

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن القوانين الدولية جاءت وحثت جميع الدول على تنظيم وضمان حرية المعتقد، إلا أن المبررات التي ذكرناها آنفًا تحول دون تحقيق ذلك على الوجه المطلوب.

دين رئيس الدولة في الدساتير السورية

في دراسة لدساتير أكثر من 25 دولة، هي: مصر، تونس، تركيا، موريتانيا، ليبيا، اليمن، الكويت، العراق، الجزائر، البحرين، ساحل العاج، المغرب، فرنسا، قطر، السودان، الإمارات العربية المتحدة، الأردن، لبنان، السعودية، إيران، أمريكا، باكستان، إيطاليا، اندونيسيا؛ كانت المفاجئة أن الدستور الوحيد الذي حُدد فيه دين رئيس الدولة هو سورية، بالرغم أنها لم تحدد دين الدولة[7]، فقد نصت في المادة (١/٣) من دستور 2012 على أن (دين رئيس الجمهورية الإسلام).  ولم يكن ما في هذه المادة بدعًا في دستور 2012، حيث بدأ الخلاف على دين رئيس الدولة في دستور 1950. فبعد أن انتهت لجنة إعداد الدستور من عملها في 15 نيسان/ أبريل 1950، بدأت الجمعية مناقشة مسوَّدة الدستور في دورتها الصيفية، في 22 تموز/ يوليو من العام نفسه. وخرج الدستور أخيرًا بصيغته النهائية من 166 مادة، وكانت أكثر الموضوعات التي احتدم عليها النقاش آنذاك موضوع إعلان: هل الإسلام دين الدولة؟ أو أن دين رئيس الدولة هو الإسلام؟ وانتهى الأمر بعد نقاش طويل إلى المحافظة على صيغة دستور 1930 بكون دين رئيس الدولة هو الإسلام[8].

جدلية شرط الإسلام في رئيس الدولة

شروط رئيس الدولة في الأنظمة المدنية المعاصرة لا تتجاوز أمورًا أقرب إلى الشكلية ونوعًا من الروتينية، لكنها بالمقابل في النظام الإسلامي أكثر تشددًا، لموضوعيتها التي توصف بدقة الصورة التي ينبغي أن يكون عليها رئيس الدولة. فعلى سبيل المثال، نجد أن أغلب الدساتير المدنية تشترط السن الذي لا يقل عن الأربعين، وتمتع المرشح بجنسية البلد الذي يطمح لرئاسته، وكذلك التمتع بممارسة الحقوق السياسية فلا يكون محرومًا منها. فهذه الشروط لا تكفل بتقليد الصالح لمنصب رئيس الدولة، بالرغم من أن بعض الدول تشترط ألا يكون المرشح قد أدين بجريمة تتعلق بالأمانة أو الفساد الأخلاقي، في الوقت الذي لا تضع تلك الدول ضوابط لمصطلحات الأمانة والأخلاق![9].

وفي المقابل، نجد أن الشروط المطلوبة في النظام الإسلامي تتجاوز هذه الشروط الشكلية إلى الشروط الموضوعية الأكثر دقة، كما أسلفنا، ويتبين على أساسها مدى أحقية الشخص لهذا المنصب، وهي شروط تؤهلة للقيام بوظيفته حتى يتمكن من تحقيق الأهداف والغايات المطلوبة منه[10].

وقد أورد الماوردي هذه الشروط وأجلها على النحو الآتي: (وأما أهل الإمامة، فالشروط المعتبرة فيهم سبعة: أحدها: العدالة على شروطها الجامعة، والثاني: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها، والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض، والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو، السابع: النسب وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه)[11].

وزاد البعض شرط الإسلام والعقل صراحة، كالقاضي عياض[12]، كذلك إجماع العلماء الذي أورده ابن المنذر كما نقل عنه ابن القيم الجوزية[13]، بالرغم ان الماوردي لم يذكرها في نصِّه صراحة، وإن كانت مشارة إليها ضمنًا داخل شرط العدالة. ومع أن هذه الشروط باتت من المسلّمات في تاريخ المسلمين، نجد أن اشتراط الإسلام في رئيس الدولة لم يُذكر في دساتير البلاد الإسلامية، باستثناء دستور سورية! ولا أريد هنا أن أتطرق إلى أقوال الفقهاء واجتهاداتهم في هذه المسألة، ولكن يمكن مناقشة من يرفض إلغاء تحديد دين رئيس الدولة واشتراط كونه مسلمًا.

أولًا: لا خلاف، إذا كانت الدولة قد تأسست على أساس إسلامي تحكمه منظومة الشريعة في كل مفاصلها، في أن رئيس الدولة مهما كانت صفته يجب أن يكون مسلمًا، ولا أتصور أن يختلف في هذا حتى غير المسلم من رعايا هذه الدولة.

ثانيًا: الحديث في إمكانية تولي غير المسلم منصب رئيس الدولة في الدولة ذات الطابع المدني، ويمكن مناقشة هذه الإمكانية من خلال ما يأتي:

ذهب بعض الفقهاء وعلماء السياسة الشرعية إلى جواز تولي غير المسلم مناصب تنفيذية، حتى في الدولة الإسلامية بطابعها الديني، فقد قال الماوردي بعد أن ذكر شروط من يتقلد منصب وزارة التنفيذ: ( ويجوز أن يكون هذا الوزير من أهل الذمة)[14].وفي معرض بيان الفرق بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ يقول: (إن الإسلام معتبر في وزارة التفويض وغير معتبر في وزارة التنفيذ)[15]. فما المانع إذا تحول منصب رئيس الدولة بالنسبة للبرلمان كمنصب وزير التنفيذ بالنسبة للإمام أن يتقلدها غير المسلم؟!

ثالثًا: إن أساس الحكم هو العدالة، وتحقيق الأمن والاستقرار، والرسول صلى الله عليه وسلم قد أرسل أصحابه مرتين إلى الحبشة لكي يحتكموا بملكها النجاشي، وأكد أن سبب اختياره له أن لا يظلم عنده أحد. وكذلك أكد ابن تيمية أن ديمومة الدول منوطة بإقامة العدالة بقوله: (فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى: اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً، وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً)[16]. أما بخصوص الأمن والاستقرار فقال الإمام الذهبي: (قُلْتُ: فَرِحنَا بِمَصِيْرِ الأَمْرِ إِلَيْهِم، وَلَكِنْ -وَاللهِ- سَاءنَا مَا جَرَى؛ لِمَا جَرَى مِنْ سُيُولِ الدِّمَاءِ، وَالسَّبْيِ وَالنَّهْبِ. فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ، فَالدَّولَةُ الظَّالِمَةُ مَعَ الأَمنِ وَحَقنِ الدِّمَاءِ، وَلاَ دَوْلَةً عَادلَةً تُنتَهَكُ دُوْنَهَا المَحَارِمُ)[17].

رابعًا: ما دام أن الشعب سيلجأ إلى اختيار الرئيس عبر صناديق الاقتراع مباشرة، أو بعد انتخابه لممثليه في البرلمانات، فهذا يعني أن الغالبية والأكثرية من الشعب سيختارون من ينتمي إليهم، إذا كان أهلًا لهذا المنصب بحسب إيمانهم به وبكفاءته، فما الداعي إلى تحديد دينه بالإسلام، إذا كان المسلمون يشكلون الغالبية العظمى من الشعب؟!

خامسًا: أن بنية وأساس الدولة قد تغيرت، وبات مفهوم الرعية ضربًا من الماضي ما خلا مضمونه، وحل بدلًا منه مفهوم المواطنة التي لا تبقى فيها قيمة لمصطلح الأقليات على أسس الدين والمعتقد والمذهب والطائفة والعرق والإثنية واللون، فكل من اكتسب حق المواطنة يتساوى مع غيره في الحقوق والواجبات، وعلى هذا الأساس ليس من العدل والانصاف تحديد دين أي منصب من مناصب الدولة، وجعلها حكرًا على أحد حتى لو كان منصب رئيس الدولة.

وبناء على ما سبق ذكره؛ أرى أن عدم تحديد دين رئيس الدولة في الدستور المأمول، وذلك شريطة أن يستمر الحوار بين مختلف التوجهات للوصول إلى المقاصد العامة للشريعة، من تعيين الرئيس في الدولة، وهي تحقيق العدالة ومصالح المواطنين وحراسة الدستور.

الاتجاهات المختلفة لعلاقة الدين بالدساتير

أولًا: اتجاهات تنظيم علاقة الدين بالدولة ورئيسها في الدساتير العربية

يُعدّ الإسلام الدين السائد في أغلب البلاد العربية، باستثناء لبنان، حيث إن باقي الأديان لا تشكل سوى أقلية قياسًا إلى الإسلام. وجاءت علاقة دساتير الدول العربية بالدين وتنظيمه، في أربعة اتجاهات، على النحو الآتي[18]:

الاتجاه الأول: الدساتير إلى أفردت نصًا خاصًا لدين الدولة، كالدستور الصومالي المادة (1/3) لسنة 1961، والمادة (5) الموريتاني لسنة 1991، والجزائري لسنة 1996.

الاتجاه الثاني: الدساتير التي نظمت دين الدولة مع مسائل الأخرى، حيث أشار هذا الاتجاه الغالب من الدساتير العربية إلى دين الدولة، في معرض تنظيمه لمسائل الأخرى. وذلك مثل الإشارة إلى النص على الدين صراحة كاللغة ومصادر التشريع، وتبنى هذا الاتجاه كل من الدستور السعودي والعراقي والتونسي والسوداني والأردني والإماراتي والبحريني والقطري والعماني والكويتي والمغربي واليمني والمصري.

وتبنت الدساتير العربية التي لم تفرد نصًا خاصًا لتنظيم دين الدولة اتجاهات عدة: اتجاه نظم دين الدولة مع ممارسة الشعائر الدينية، وتبنى هذا الاتجاه الدستور السوداني في المادة (1): (دولة السودان وطن جامع تتألف فيه الأعراف والثقافات وتتسامح الديانات، والإسلام دين غالبية السكان، وللمسيحية والمعتقدات العرقية أتباع معتبرون).

الدستور المغربي في المادة (3): (الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية). ونص الاتجاه الثاني من الدساتير على دين الدولة، وعده مصدرًا أساسًا للتشريع، وأخذ بهذا الاتجاه كل من الدستور الكويتي في المادة (2): (دين الدولة الإسلام والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع). وأشار اتجاه ثالث من الدساتير إلى دين الدولة مع اللغة العربية، وبهذا الاتجاه أخذ كل من الدستور الأردني في المادة (2): (الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية). والدستور اليمني في المادة (2): (الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية). ونظم اتجاه رابع دين الدولة مع أكثر من مسألة، وتبنى هذا الاتجاه كل من الدستور الإماراتي في المادة (7): (الإسلام هو الدين الرسمي للاتحاد والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع فيه، ولغة الاتحاد الرسمية هي اللغة العربية). والدستور التونسي والدستور القطري والدستور المصري والدستور الفلسطيني.

الاتجاه الثالث: الدساتير التي نصت على دين رئيس الدولة، كما أسلفنا وقلنا، انفرد الدستور السوري لسنة 2012، من بين الدساتير العربية في النص على دين رئيس الدولة، فقد نصت المادة (3/1) على أن (دين رئيس الجمهورية الإسلام) في الوقت الذي ذهب فيه الاتجاه الغالب من الدساتير العربية إلى النص على دين الدولة (الإسلام) مع الإشارة إلى أن المسلمين في كل البلاد العربية يمثلون غالبية شعب الدولة، ما يعني بالضرورة أن دين رئيس الدولة لا بد من أن يكون من دين الدولة الإسلام.

الاتجاه الرابع: الدساتير التي لم تنص على دين الدولة ولا دين رئيسها. لم ينص كل من الدستور اللبناني والجيبوتي ودستور جزر القمر على دين الدولة أو دين رئيسها. والملاحظ أن الإسلام في الدول الثلاثة يمثل دين غالبية السكان، بل إنه يمثل دين الأغلبية الساحقة في كل من جزر القمر وجيبوتي، ففي لبنان يشكل المسلمون قرابة 55% من مجموع السكان.

ثانيًا: دين رئيس الدولة في الدساتير الأجنبية

يظن كثيرون أن العلمانية مبدأ لصيق بالدولة الأجنبية (غير الإسلامية) من خلال التزام شعوبها والحرية الدينية التي يتمتعون بها، فالمفهوم السائد أن لا التزام دينيًا إلا في الدولة العربية والإسلامية التي تتخذ من الإسلام دينًا رسميًا لها! والواقع أن دور الدين لا يمكن إنكاره بحال من الأحوال في أي دولة في العالم، بصرف النظر عن الدين السائد فيها، فالإنسان يولد له اسم ودين ومذهب مثلما له انحدار وعنصر وقومية، وغالبًا ما يتقدم اعتبار الدين والمذهب في الأولوية على العنصر القومي.

وكذلك تتباين المجتمعات الأجنبية في درجة التزامها، وربما كانت الولايات المتحدة الأميركية تأتي في مقدمة الدول الأجنبية الأقلّ التزامًا دينيًا، ومع ذلك أثار دين رئيس الدولة ومدى التزامه الديني، نقاشًا عند الناخب الأميركي في أكثر من مناسبة انتخابية رئاسية.

جاءت علاقة الدول الأجنبية وتعاطي دساتيرها مع الدين على اتجاهين[19]:

الاتجاه الأول: عدم النص على دين الدولة.

العلمانية مصطلح عربي مستحدث مشتق من العالم، لا من العِلم، نقيضها الإكليريكية (نسبة الى الإكليروس طبقة رجال الدين) وهو مذهب يقول بضرورة تدخل الكهنوت في الشؤون العامة، في حين تمثل العلمانية مذهبًا قانونيًا سياسيًا يؤكد إقصاء النفوذ الديني على الدولة، ولهذا المذهب جانب نظري فلسفي بوصفه نتاجًا للنظر العقلي، وله جانب عملي بوصفه ينشأ عن جملة من الممارسات والإشكالات التي تتصل بالعلاقة بين الدين والدولة[20]. وتاريخيًا، تُعد إشكالية العلمانية غربية وفي المقام الأول فرنسية، فقد جاء على مفهوم العلمانية في المادة العاشرة، من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لسنة 1789 (لا ينبغي أن يخشى أحدٌ من آرائه حتى الدينية، إلا إذا كان إعلانها يسبب اضطراب النظام العام الذي يبينه القانون).

الاتجاه الثاني: النص على دين الدولة.

قد يبدو للوهلة الأولى، وتحديدًا لغير المتتبع لشأن الدين وآثاره في السياسة خارج العالم الإسلامي، أن لا أثر للدين في الدولة وفي السياسة، إذ يتجه الناخب إلى الإدلاء بصوته للحزب والمرشح الأكثر إقناعًا، والصحيح أن هذا التصور بعيد تمامًا عن الواقع وعما يجري على الأرض، فبعيدًا عن توجهات الناخب، قننت بعض الدساتير الأجنبية دين الدول ورئيسها، بل إنها ذهبت أبعد من مذهب الدساتير العربية ودساتير العالم الإسلامي، حيث نصت على مذهب الدولة ومذهب رئيسها، وبهذا الاتجاه ذهب الدستور السويدي في المادة (4): (يجب أن يكون الملك من أتباع المذهب الإنجيلي الخالص). وكذلك الدستور الإسباني في المادة (9): (يجب أن يكون رئيس الدولة من رعايا الكنيسة الكاثوليكية)، ونصت المادة (6) من الدستور نفسه على أن (على الدولة رسميًا حماية اعتناق وممارسة شعائر المذهب الكاثوليكي، باعتباره المذهب الرسمي لها)، والدستور الدنماركي في المادة (5): (يجب أن يكون الملك من أتباع الكنيسة الإنجيلية اللوثرية).

الخاتمة

بحمد الله تعالى، تم الحديث في هذه المسألة، وهي تحديد رئيس دين رئيس الدولة في الدستور، والرأي الذي نراه مناسبًا، ويوافق النظرة المعاصرة للدولة، شكلًا وكيانًا، ويتوافق مع التطور الهائل في النظم السياسية، هو أن:

  • لا داعي لتحديد دين رئيس الدولة، خاصة إذا تمت الإشارة إلى دين غالبية الشعب بأي اعتبار كان.
  • إذا وصل غير المسلم إلى منصب رئيس الدولة، من خلال المحاصصة الطائفية والعرقية؛ فهو شخص غير مقبول، لأن وجوده سيؤدي إلى عدم الاستقرار، وإن كان وجوده مؤقتًا، أما إذا جاء بالانتخاب، بسبب كفاءته واستحقاقه وثقة الناس به، فهو مقبول.
  • أما من يحتج بأن الدول المتقدمة، كالدول الأوروبية، تحدد دين رئيسها ومذهبه الضيّق، فيُردّ عليه بالقول: إن العلمانية أبعدت الدينَ عن كل مفاصل الحياة، وقد تمسكت هذه الدول بالحفاظ على كيان مجتمعاتها، أما في دول العالم الإسلامي، ومنها سورية، فما زال الدين هو الحاكم الفعلي للشعب، يحتكمون إليه في تصرفاتهم، إلا ما ندر، وكذلك فإن أكثر المواد القانونية لهذه الدول مستمدة من الشريعة الإسلامية.

أما التوصية التي أودّ ذكرها هنا، فهي رفع هذا المقترح إلى اللجنة الدستورية لصياغة الدستور الجديد لسورية، وتعديل بل إلغاء م (3/1)، مع مراعاة الإشارة إلى دين غالبية الشعب، والأفضل عند الحديث عن مصادر التشريع اعتبارها مصدرًا رئيسًا من تلك المصادر.


[1] – الماوردي، علي بن محمد البصري، الأحكام السلطانية، القاهرة، دار الحديث، ط سنة 2006، ص15.

[2] – ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، المقدمة، بيروت، دار العودة، ط سنة 1981، ص151.

[3] – ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، السعودية، ط 1418هـ، ص 129.

[4] – انظر: المادة (67) من الدستور العراقي (من مواد الباب الثالث/ السلطة الاتحادية، الفصل الثالث/ السلطة التنفيذية، الفرع الأول/ رئيس الجمهورية.

[5] – الشريف، محمد بن شاكر، رئاسة الدولة بين الأنظمة الوضعية والأحكام الشرعية، موقع صيد الفوائد، (ي ت) على الرابط: https://www.saaid.net/Doat/alsharef/63.htm

[6] – الشكري، علي يوسف، دين رئيس الدولة، مجلة الكوفة للعلوم القانونية والسياسية، المجلد 7، العدد 18 آذار/ مارس 2014، ص 8.

[7] – انظر: أحمد، عائشة، دين الدولة ودور الدين كمصدر للتشريع، موقع المركز الفلسطيني للدراسات، على الرابط: http://www.pcpsr.org/ar/node/287

[8] – عيسى، حبيب، من دستور 1950 إلى دساتير الانقلابات، شبكة جيرون الإعلامية، بتاريخ: 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، على الرابط: https://geiroon.net/archives/68803

[9] – الشريف، محمد بن شاكر، رئاسة الدولة بين الأنظمة الوضعية والأحكام الشرعية، مرجع سابق، على الرابط: https://www.saaid.net/Doat/alsharef/63.htm

[10] – المرجع السابق.

[11] – الماوردي، علي بن محمد البصري، الأحكام السلطانية، ص20.

[12] – انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ج 12، ص 229.

[13] – انظر: الجوزية، ابن القيم، أحكام أهل الذمة، بيروت، دار الكتب العلمية، (ب ت ب ط) ج 1، ص465.

[14] – الماوردي، علي بن محمد البصري، الأحكام السلطانية، ص 58.

[15] – المرجع السابق، ص 59.

[16] – ابن تيمية، مجموع الفتاوى رسالة في الحسبة، ج 28، ص 63.

[17] – الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 2 سنة 1982، ج 6، ص 58.

[18] – الشكري، علي يوسف، دين رئيس الدولة، مجلة الكوفة للعلوم القانونية والسياسية، المجلد 7، العدد 18 آذار 2014، ص 14.

[19] – المصدر السابق ص 18.

[20] – بولاد، هنري، الإنسان والكون والتطور بين العلم والدين، بيروت، دار المشرق، ط 4 سنة 2008، ص 201.

_____

(*) بحث غير منشور مقدم إلى ندوة “التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تحتاج إليه سورية المستقبل” التي عقدها مركز حرمون للدراسات المعاصرة في مدينة إسطنبول في 19 و20 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.