عنوان المادة الأصلي باللغة الإنكليزية:To Prevent Another Iran Disaster, Fix Nuclear Enforcement
اسم الكاتبEmily B. Landau, Shimon Stein

إميلي لاندو، شمعون شتاين

مصدر المادة الأصليThe National Interest
رابط المادةhttp://nationalinterest.org/feature/prevent-another-iran-disaster-fix-nuclear-enforcement-16516
تاريخ النشر 8 حزيران/ يونيو 2016

 

 

 

 

يواجه المجتمع الدولي، ولا سيما مجموعة 5+1، في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي الإيراني، تحديين رئيسين. يتجلى الأول في التطبيق الصارم لخطة العمل الشاملة المشتركة، بينما يتعلق الثاني بالدروس الأساسية التي يجب استخلاصها من الحالة الإيرانية، وتطبيقها في المرحلة القادمة؛ لتجنب “تجارب جديدة على الشاكلة الإيرانية”. فالهدف النهائي هو التقليل -إلى الحد الأدنى- من مسارات امتلاك قدرات نووية عسكرية، لدى كافة الدول غير النووية، الأعضاء في معاهدة منع الانتشار النووي.

فالبرنامج النووي الإيراني المتقدم أرخى بظلالٍ من الشك على كثيرين، إزاء قدرةِ خطة العمل الشاملة المشتركة، في مرحلة ما بعد الصفقة النووية الإيرانية، على توفير حل طويل الأجل للأزمة النووية الإيرانية؛ ففي الوقت الذي يتطلب إخضاعُ إيران للتفتيش المستمر جهودًا دولية مستدامة وحازمة، بدا -خلال الشهور الأحد عشر المنقضية- أن كبار اللاعبين الدوليين مهتمون بالعودة إلى إبرام الصفقات التجارية مع إيران، دون المخاطرة بالصفقة النووية، أكثر من اهتمامهم بالرد على التحركات العدوانية لإيران، وهنا يتساءل المرء عن مدى حزمهم وتصميمهم في ضمان عدم قدرة إيران على مفاجأة العالم في نهاية المطاف، بفرض نفسها قوةً نووية على أرض الواقع.

لكنْ بما أن إيران لن تكون -ربّما- آخر دولة ذات طموحات نووية عسكرية، فإنّ التحدي الإضافي الذي سيواجه المجتمع الدولي، وخاصةً الدول المورّدة للمواد النووية، يتمثل في العمل على تقليص احتمال أن تحذو دولٌ أخرى حذوَ إيران؛ إذن، لقد حان الوقت لتوجيه كلّ الاهتمام نحو البحث عن السبل الممكنة كافة؛ لضمان عدم تكرار الحالة الإيرانية،  بدءًا بانتهاكات إيران التزاماتها، المنصوص عليها في معاهدة منع الانتشار النووي، مرورًا بسنوات طويلة من المفاوضات؛ لإعادتها إلى حظيرة المعاهدة، وانتهاءًا بالصفقة النووية الإيرانية التي أبلغُ ما يقال عنها: إنها أقلّ من مُرضية.

 

من أين يجب أن تبدأ تلك الجهود؟ تنصبّ معظم الجهود الحالية لمنع الانتشار على حالة الانتشار نفسها، ومحاولة إلزام الدول محتملة الضلوع في الانتشار؛ للتخلي عن طموحاتها العسكرية، أي: الدول غير النووية، الأعضاء في معاهدة منع الانتشار، المشتبهة في انتهاك التزاماتها المنصوص عليها في المعاهدة، عبر العمل على تطوير قدرات عسكرية. ويوازي ذلك أهميةً الخطوات المتخذة؛ لتعزيز ضبط النفس لدى الدول المورّدة، والتي تطرح سؤالًا وجيهًا حول أسباب عدم بذل مزيدٍ من الجهود في هذا الإطار.

لا بدّ، في تقييمنا للحالة، من أن ننطلق من مجموعة الدول المورّدة للمواد النووية؛ ذلك أنّ الاتفاق بينها استهدف تطبيق المبادئ التوجيهية الخاصة بالصادرات النووية، وما يتصل بها؛ في سبيل الإسهام في الجهد الرامي إلى وقف الانتشار النووي؛ ففي عام 1974، كان عدد هذه الدول سبعًا (7)، لكنه نما؛ ليصير اليوم 48 دولة. والمشكلة في هذه المجموعة أنها تشجع أعضاءها على اعتماد حُسن التقدير في عمليات نقل المواد التي تشوبها إشكاليات، بدلاً من منعها منعًا باتًا من القيام بذلك، والأسوأ من ذلك أن الدول الثماني والأربعين تتضارب مصالحها الوطنية في هذا الشأن؛ ما يعني أن حُسن التقدير ليس السبيل الأمثل لتشديد الإجراءات الرقابية ذات الصلة، عوضًا عن ذلك، لابدّ من أن ينصبّ التركيز على الدول الست المورّدة لمفاعلات الطاقة النووية، ألا وهي روسيا وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة؛ إذ يتعين على هذه الدول أن تكون قادرةً على التحكم ببيع المفاعلات بطريقة، لا تمكّن الدول المشترية من تحويل المواد المستعملة. وبما أن مصدر القلق الأكبر، في مسألة الانتشار، هو التحكم بدورة الوقود النووي؛ فإن هذا يستلزم قيام الدول الست بمنع توريد العناصر الأساسية؛ لتكوين البنية التحتية لدورة الوقود.

بناءً عليه، يجب أن يتفق الموردون -فيما بينهم- على أن يقدموا صفقة محددة المعالم، للدول الراغبة في الشراء، صفقة لا تتضمن بيع مفاعل الطاقة فحسب، بل وتوفير الوقود اللازم لتشغيله، وهذا سيشكل حافزًا اقتصاديًا إضافيًا للدولة المورّدة. وفي مقابل الالتزام ببيع الوقود، يتعين أن تصرّ الدولة المورّدة على ألا تتدخل الدولة المشترية في دورة الوقود، وأن تعيد كافة الوقود المستعمل إلى الدولة الموردة (وهو أفضل خيار)، أو الموافقة على أن تقوم الدولة المشترية بالتنسيق الكامل معها، حول أشكال التصرّف بالوقود المستعمل. وفي حال لم توافق أي دولة على هذه الشروط، تُعتبر الصفقة لاغية، ولا يتم توقيعها؛ فعلى سبيل الذكر، لا تبدي مصر والأردن وإيران اليوم رغبةً في الالتزام بهذه الشروط، ولكنْ لو كان هناك اتفاقٌ بهذا الشأن بين الدول الموردة؛ لما أمكن تلك الدول أن تعترض، ولو تم تزويد كل منشأة طاقة، لدى الدول الأعضاء في معاهدة منع الانتشار، وفق ضوابط صارمة تتعلق بمصير الوقود المستعمل، لقطعنا شوطًا كبيرًا في الحدّ من مخاوف الانتشار، بصرف النظر عن سلوك الدولة المشترية.

من الجليّ أن أحد الأسباب الرئيسة لعدم قيام الدول الموردة بأي خطوة على هذا الصعيد، هو الفوائد الاقتصادية التي تجنيها من بيع التكنولوجيا النووية، وعناصرها المختلفة. ومثلما درجت العادة في جهد ضبط التسلح على تقليص حركة الدول الموردة، يبدو جليًا وجودُ تناقضٍ بين الفوائد الاقتصادية التي تجنيها من عمليات البيع، واهتماماتها الأمنية في وقف عمليات البيع الخطرة، وبما أن الفوائد الاقتصادية هي التي على المحك، لن يكون يسيرًا إقناعُ الدول الموردة بأنّ اتباعَ قواعد جديدة، أو مدونة سلوك، لكبح الانتشار النووي؛ إنما هو في مصلحتها، مع أنه في كل الأحوال جهدٌ قيّم ومشكور.

ولعلّ الجانب الآخر الذي ينبغي توجيهُ الجهد إليه في المسعى؛ لتقليل احتمالاتِ استنساخِ التجربة النووية الإيرانية في المستقبل، وفي الوقت ذاته، لاستمرارِ مراقبة الأنشطة الإيرانية، يكمن في التفويض الممنوح للوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ إذ يتعين تحسينُ ظروف عمل الوكالة، كي تتمكن من القيام بواجباتها، على نحوٍ أكثر فاعلية، ففي عالم اليوم لا يمكن أن يقتصر عمل الوكالة على ضمان أن “كل شيء على ما يرام”، على أساس أن كل شيء -تقريبًا- بخير؛ فبعد انكشاف ملابسات انتهاكات بعضهم معاهدة منع الانتشار، في العقود الأخيرة، بات لزامًا تشجيعُ مفتشي الوكالة لتطوير صندوق حيَل؛ لكشف الانتهاكات، وبعبارةٍ أخرى، لم يعدْ يجدي الافتراضُ السائد بأن الدول -ربّما- تلتزم بالمعاهدة؛ أي: لابدّ من تبني نهجٍ أكثر تشكيكًا، لا يمنح الدول صكّ براءةٍ على بياض، وهذا سيستلزم -دون شك- تغييرَ الثقافة الهيكلية داخل الوكالة، وإعادة تدريب مفتشيها.

غير أن إحدى العقبات الكأداء، أمام كبحِ منتهكي المعاهدة المحتملين، لا تزال المادة الرابعة من نصّ المعاهدة، التي تضمن للدول الأعضاء غير النووية الحق في امتلاك برامج نووية مدنية، ولكنها تلتزم الصمت حيال مشكلة دورة الوقود النووي، وهذا بالضبط ما حدا بإيران إلى تفسير هذا الصمت على أنه حقٌ في تخصيب اليورانيوم، في إطار حقها بامتلاك برنامج نووي مدني، مع أن الدول الموردة تستوعبُ مقدار ما ينطوي عليه الأمر من خطورة. حاولت الولايات المتحدة تصحيح الوضع عبر سنِّ “معيار ذهبي” للتعاون النووي، فكان على الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، أن تلتزم بعدم تخصيب اليورانيوم كي تبرمَ صفقة مع الولايات المتحدة في العام 2009. بيدَ أن هذه الجهود تعرّضت لانتكاسةٍ كبرى في شروط الصفقة النووية الإيرانية، التي آلت فعليًا إلى شرعنة أنشطة تخصيب اليورانيوم الإيرانية. لابدّ أنْ يُصحّح هذا الوضع المؤسف، ولن يكون كافيًا البندُ في خطة العمل الشاملة المشتركة، الذي ينصّ على أن شروط الصفقة لا تشكّل سابقةً لحالاتٍ مشابهة في المستقبل؛ فالدول الأخرى ستعترض على فكرة أن إيران –الدولة المنتهكة للمعاهدة– مُنحت رخصةً لتخصيب اليورانيوم، في حين أنها –وهي الدول الملتزمة– لم تُمنح هذا الحق. صحيحٌ أنه لن يكون سهلًا تصحيحُ الخلل، لكنْ يتحتم معالجته أولاً؛ للحدّ من خطر تكرار المأزق الإيراني مرةً أخرى، وفي هذا السياق، سيكون مفيدًا -قطعًا- إبرام اتفاقٍ بين الدول الموردة الست.

أما الجانب الأخير الذي يتعين معالجته، فهو شكل ومضمون العملية السياسية التي سينتهجها كبار اللاعبين الدوليين في التعامل مع دولةٍ، يُشكّ في انتهاكها المعاهدة؛ فباستثناء تحويل المسألة إلى مجلس الأمن الدولي، لفرض عقوبات على الطرف المنتهك، لا تنص المعاهدة على أي مبادئ توجيهية، تحكمُ العملية السياسية، وقد درجت العادة على تحويل كل قضية نووية إلى ساحة السياسات الدولية، وانتهج كلٌّ منها مسارًا مختلفًا عن الأخريات. فقد رأينا -على سبيل المثال- أن التعامل مع الحالة الإيرانية ابتدأ بمفاوضات مجموعة الثلاثة الأوروبية مع إيران؛ لتنتهي بمجموعة 5+1 التي قادت المجتمع الدولي في المحادثات مع إيران. أما في الأزمة النووية الكورية الشمالية، التي اندلعت مرة ثانية في العام 2002، بالتوازي مع الأزمة الإيرانية؛ فقد اختير اللاعبون وفق معايير مناطقية، مهّدت، فيما بعد، الأرضية لعقد المحادثات السداسية. وهكذا، وفي غياب مبادئ توجيهية تحكم العملية السياسية، وفي ظل وجود مصالح سياسية مختلفة للدول المعنية، يمكن أن يتوه في متاهاتِ السياسة التركيزُ على هدف إعادة الطرف المنتهك إلى احترام التزاماته، المنصوص عليها في المعاهدة، دون تقديم الكثير من التنازلات. وفي المقابل، سيكون للإفراط في تنظيم العملية السياسية آثاره السلبية أيضًا، إذ سيُفضي إلى تباطؤ بيروقراطي، من شأنه أن يقوّض الهدف، المتمثل في اتخاذ إجراءٍ حازم بحقّ أي طرفٍ منتهك، في مرحلة مبكرة جدًا.

وبصرف النظر عن بنية العملية السياسية، سيتعين على الجهود المبذولة؛ لإدارة، ومن ثم حلّ، أي قضية انتشار نووي في المستقبل، أنْ تتضمن مبادئ توجيهية، أو تفاهماتٍ لتوجيه العملية؛ فإذا تقرّر الشروعُ في مفاوضاتٍ مع الطرف المنتهك، لابدّ من أن يكون جليًا أن بنية العملية التفاوضية، لن تكون العملية نفسها التي تُتّبع؛ لفضّ خلافٍ سياسي بين دولتين. بعبارةٍ أخرى، ينبغي ألا ينطوي استخدام مصطلح “مفاوضات” -بالضرورة- على عملية الشدّ والجذب الدارجة بين طرفين متساويين، يعملان لتحقيق مصالحهما المشتركة؛ بل يتعين أن يفضي إلى إعادة الطرف المنتهك إلى الحظيرة الدولية، عبر الدبلوماسية بدلاً من القوة العسكرية. وهكذا نضمن وجود عنصرِ الإلزام. وفي حال تجاهله، كما حدث مرارًا وتكرارًا في الحالة الإيرانية، سيكون من السهل السقوط في فخ الاعتقاد بأن المفاوضين الدوليين يتحملون مسؤولية متساوية عن تقديم تنازلات للطرف المنتهك، مع ما يرافقها من إضعافٍ الفعالية والسيطرة المفروضة عليه.

خلاصة القول، وعلى شاكلة خطة العمل الشاملة المشتركة المثيرة للجدل، فإن التنفيذ الكامل، وغير المشروط، للصفقة، بوصفها خطوة أولى، شرطٌ أساسي لمستقبل المعاهدة ونظام منع الانتشار، لكنه غير كافٍ؛ ففي واقع الأمر، لا ينبغي أن تشكل العملية السياسية التي انتُهِجت مع إيران، ولا خطة العمل الشاملة المشتركة نفسها، نموذجًا للتعامل مع أي طرف منتهك في المستقبل؛ بل ينبغي ألا يسمح المجتمع الدولي -مستقبلًا- لأي طرف منتهك الوصول إلى ما وصلت إليه إيران، وإذا كان ثمّة درسٌ يُستخلص -هنا- فهو أن الجهود الدولية الفعالة؛ لكبح أي طرف منتهك محتمل، يجب أن تُبذل في مرحلة مبكرة جدًا؛ فكلما كان المنتهك قادرًا على التقدم، شحّت الفرص لوقف تقدمه بفعالية.

ولأن خطة العمل الشاملة المشتركة لا ينبغي أن تكون نموذجًا يُحتذى للتعامل مع المنتهكين المستقبليين، الذين قد تسوّل لهم أنفسُهم المضيَّ في المسار الإيراني، وحصدَ الاعتراف الدولي، وجنيَ الفوائد التي جنتها إيران. يتعين على مجموعة 5+1، والدول الموردة، أن تلتزم ببياناتها الصريحة عن ضرورة كبح الانتشار النووي. ولتحقيق ذلك، يجب عليها اتخاذ تدابير جديدة، من شأنها أن تعالج المشكلات الصارخة التي اتضحت في مرحلة ما قبل الصفقة النووية، ومنع الدول الأخرى من السير على الطريق نفسه.

كما ينبغي إيلاء الأولوية المطلقة للمبادرات الإضافية التي هي قيد الدراسة الآن، ومن بينها التخلص التدريجي من استعمال اليورانيوم عالي التخصيب في العمليات التجارية المدنية، والتحكم بإنتاج اليورانيوم المخصّب، وتحسين الأمن النووي. وقد باتت الحاجة لاستخلاص هذه الدروس أكثر إلحاحًا، على خلفية الجهد الذي يبذله عددٌ متزايد من دول الشرق الأوسط؛ لتنويع مصادر الطاقة لديها، عبر تطوير برامج نووية للأغراض المدنية.

 

  • إميلي لاندو زميل أبحاث أول في معهد دراسات الأمن الوطني، ورئيس برنامج الحدّ من الأسلحة والأمن الإقليمي.
  • شمعون شتاين زميل أبحاث أول في معهد دراسات الأمن الوطني، وسفير سابق لإسرائيل في ألمانيا بين عامي 2001 و2007.