ترجمة: أحمد عيشة

في كل انتخابات رئاسية أميركية، منذ هجمات 11 أيلول/ سبتمبر الإرهابية، كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من أهم قضايا السياسة الخارجية. وانتخابات 2020 الرئاسية لا تختلف عما سبقها، حيث تميزت الولاية الأولى للرئيس دونالد ج. ترامب باغتيال قاسم سليماني، الجنرال الإيراني، وأبو بكر البغدادي، زعيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، واستمرار انسحاب القوات الأميركية من العراق، وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، والتطبيع بين إسرائيل وبعض دول الخليج العربية.

في ما يلي الأسئلة الخمسة الرئيسية التي تواجه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، مع اقتراب الانتخابات الأميركية، وقد أجاب عليها كبار خبراء المجلس الأطلسي:

1 – هل يجب أن تنسحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط؟

بالنسبة إلى كثيرين، يبدو أن الشرق الأوسط منطقة يسودها العنف المستمر والمشكلات التي تبدو مستعصية على الحل، ومن المرجح أن يبقى الأمر كذلك دائمًا. هذا الرأي، المدعوم بسلسلة من المبادرات الدبلوماسية العديدة الفاشلة على مدى العقود السبعة الماضية على الأقل، والعديد من الصراعات الإقليمية، وحظر النفط ضد الغرب، يمكن أن يجعل قرار الانسحاب من المنطقة خيارًا جذابًا. في الولايات المتحدة، يضاف الاعتقاد بأن البلاد الآن “مستقلة نفطيًا”، وإدراك أنها منخرطة في منافسة بين القوى العظمى مع روسيا والصين، إلى قائمة الأسباب المتزايدة التي تدعو للانسحاب.

في هذه الحقبة المتجددة من التنافس بين القوى العظمى، يتزايد التحدي المتمثل في توفير قوات عسكرية كافية في الوقت نفسه في المحيط الهادئ لمواجهة الصين، وفي المحيط الأطلسي وشرق البحر الأبيض المتوسط المضطرب بشكل متزايد لمواجهة روسيا. بينما يبدو أن سحب القوات العسكرية من الشرق الأوسط، من أجل إرسالها إلى النقاط الساخنة المتنامية في أماكن أخرى، هو الحل، فإن القيام بذلك يوفر الفرصة للصين أو لروسيا لتوسيع نفوذهما في منطقة الخليج، ومن المحتمل أن يودي ذلك بأمن موارد البترول العالمية إلى أيدي الصينيين أو الروس، على حساب الولايات المتحدة وحلفائها. بينما الوجود العسكري الأميركي في المنطقة حاليًا هو أقل من المستوى الأمثل، ونظرًا للتهديد الإيراني المستمر للاستقرار الإقليمي، فإن المجهود الدبلوماسي والاقتصادي والمزايا الاستخباراتية التي لم تُفهم بالكامل تشكل حجة جيدة، لاستمرار التدخل الأميركي في المنطقة، وجعل أميركا وحلفاءها أكثر أمانًا وازدهارًا.

إن انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط سيمنح انتصارات لكلّ خصوم الولايات المتحدة تقريبًا. حيث ستكون كلّ من الصين وروسيا وإيران والجماعات المتطرفة سعداء بملء الفراغ في كل جانب، من دون توفير الأمن. ولن توافق أي جهة أخرى على تأمين العالم العربي من تهديدات، مثل الإرهاب ووكلاء إيران المسلحين. وستواجه المنطقة مصيرها بمفردها، وهي ليست مستعدة لذلك. إن عقودًا من برامج التدريب والتجهيز الأميركية في المنطقة لم تُنتج شركاء مكتفين ذاتيًا. وعلى حين أن الانسحاب لن يكون إستراتيجيًا، فإن ما هو ضروري هو تقييم الجدوى (عائدات الاستثمار) التي تحققها الولايات المتحدة من نموذجها الحالي في المشاركة، والتفكير الإبداعي في كيفية تقويم “التوفيق” بين هدفين للولايات المتحدة، يبدوان على تناقض في المنطقة: تقليل أثر الولايات المتحدة والموارد المخصصة للشرق الأوسط بسبب المتطلبات المتزايدة في أماكن أخرى؛ والحفاظ على أولوية الشراكة مع دول الشرق الأوسط أكثر من روسيا والصين وإيران، مع زيادة قدرات قطاع الأمن في المنطقة وإمكانية التشغيل البيني مع الولايات المتحدة.

إن ترسيخ مكانة الولايات المتحدة، باعتبارها الشريك المفضل لدول المنطقة، هو في الغالب مهمة ثنائية. ومع ذلك، فإن تحسين قدرة المنطقة على الدفاع عن نفسها، والعمل مع نظرائها الأميركيين في أوقات التخطيط وأوقات الصراع، يمكن تحقيقه بشكل أكثر كفاءة وفاعلية، من حيث الموارد، من خلال تقوية المنطقة ككتلة. والعقبات التي تحول دون ذلك هي النزاعات الإقليمية. تمامًا كما أنه لن يكون من الممكن الحفاظ على تأمين كل ولاية أميركية بشكل مستقل، من دون الموارد المشتركة التي تشكل الحرس الوطني والجيش الأميركي وإنفاذ القانون الفيدرالي، فإنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تؤمن كل دولة في الشرق الأوسط، من دون قاعدة على مستوى المنطقة لمقدرة الشريك. لا يمكن للولايات المتحدة أن تبني قوات برية وجوية وبحرية وقوات خاصة وطنية، في كل دولة من دول المنطقة، تكون قادرة على تأمين تلك الدولة بشكل مستقل. ويجب أن يُطلب من دول الشرق الأوسط العمل مع الولايات المتحدة على ترسيخ بناء على مستوى المنطقة، مثل اتفاقية العيون الخمس (Five Eyes) [تحالف مخابراتي يشمل كل من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا] لتشارك المعلومات واستراتيجيات الدفاع الصاروخي ومكافحة الإرهاب وأمن الحدود وقابلية التشغيل البيني التقني، وتوحيد التدريب الذي سيحسن قدرة أميركا على بناء الاكتفاء الذاتي للمنطقة في حقبة الموارد المحدودة المستمرة.

2 – هل ينبغي للولايات المتحدة أن تعاود المشاركة في سورية أم تترك الأمر لروسيا وتركيا لحله؟

لم تترك الولايات المتحدة سورية، وقد تمكنت، من خلال استمرار مشاركتها بقدرة محدودة، من منع انتصار بشار الأسد، ومن عودة داعش، ومن سيطرة إيران في شمال شرق سورية، وكلها عوامل مزعزعة للاستقرار في المنطقة. وقد أجبر الوجود الأميركي في الشمال الشرقي روسيا على التردد في شن هجوم شامل على محافظة إدلب، التي توفر ملاذًا آمنًا هشًا لأربعة ملايين مدني سوري.

لقد تعلمنا مرارًا وتكرارًا أن ما يحدث في سورية لن يبقى في سورية. على الرغم من وجود محاولة لتخفيف أثر الولايات المتحدة على مستوى العالم، فإن القيام بذلك لا يمكن أن يتم إلا إذا كان من الممكن الوثوق بالحلفاء لضمان مصالحنا الكاملة. وفي الوقت الحالي، مثل هذا الشريك غير موجود، لا في تركيا ولا في روسيا. علاوة على ذلك، لا ينبغي التخلي عن الحلفاء الذين قاتلوا معنا في معركة هزيمة داعش، ولا أن نتركهم عرضة لهجمات داعش ونظام الأسد وروسيا وإيران. بينما استثمرت روسيا وتركيا برأسمال دبلوماسي وعسكري كبير في سورية، ليس لدى أي منهما استراتيجية شاملة -فضلًا عن عدم القدرة- للوفاء بقضايا متوسطة إلى طويلة الأجل، مثل حماية المدنيين، ووصول المساعدات الإنسانية، ومكافحة الإرهاب. إن الحل الدائم في سورية، الذي يحمي المصالح الأميركية، يستلزم أن تستمر الولايات المتحدة في الاحتفاظ بنفوذها.

عندما أنهت القوات الأميركية والكردية السورية الأميركية سيطرة داعش على الأراضي، أعلن الرئيس ترامب أنه سيسحب القوات الأميركية من سورية. وقد شجعت هذه الخطوة أنقرة على إرسال القوات التركية لإبعاد القوات الكردية السورية عن الحدود. ثم عرضت روسيا التوسط في اتفاق بين الأكراد السوريين ونظام الأسد كان سيؤدي إلى عودة نفوذ الحكومة السورية على الأراضي الكردية السورية التي فقدتها في وقت سابق من الحرب. زادت هذه الواقعة من التوترات بين موسكو وأنقرة، كما زادت من الدعم العسكري الروسي لجهود نظام الأسد لاستعادة مناطق في محافظة إدلب من قوات المعارضة المدعومة من تركيا. وإضافة إلى ذلك، بعد انسحاب القوات الأميركية (وهو ما جعل القوات الكردية السورية تزيد تركيزها على صراعها مع الأتراك)، تمكنت داعش من تحقيق شكل من العودة، بالرغم من أنها لم تعد تسيطر على الأراضي.

لدى الولايات المتحدة خلافاتها الخاصة مع تركيا -ومن ضمنها ما يتعلق بشرائها أنظمة الدفاع الجوي الروسية (إس -400)- ولا تريد التورط في أي صراع بين تركيا والقوات السورية المدعومة من روسيا داخل سورية. من ناحية أخرى، قد يؤدي استيلاء الحكومة السورية على إدلب إلى تدفق اللاجئين إلى تركيا، على أمل الانتقال من هناك إلى أوروبا، وهو أمر تود كل من تركيا والحكومات الأوروبية تجنبه. وقد يكون من المغري السماح لروسيا وتركيا بترتيب خلافاتهما وحلها، إلا أن هناك مخاطرة حقيقية في عدم قدرتهما على القيام بذلك. لا يريد الديمقراطيون ولا الجمهوريون رؤية تدخل عسكري أميركي أكبر في سورية، لكن يجب على الولايات المتحدة زيادة مشاركتها الدبلوماسية هناك. قد لا تكون الدبلوماسية الأميركية قادرة على حل العديد من الصراعات الدائرة داخل تركيا، لكنها قد تكون قادرة على منعها من التصاعد. هذا وحده سيكون إنجازًا مهمًا.

لدى الولايات المتحدة فرصة لتصحيح خطأ فادح وخطير، وإعادة المشاركة في سورية في وقت مصيري للحفاظ على السلام والاستقرار الحساسين القابلين للكسر في إدلب، آخر معقل للمعارضة السورية، وقيادة الطريق نحو تسوية سياسية نهائية. يواصل الأسد، مع حلفائه الروس والإيرانيين، المناورة والاستعداد لمجابهة حتمية في إدلب، ويخلق هذا الأمر بيئة خطرة جدًا ومتقلبة بالإضافة إلى كارثة إنسانية محتملة. يبدو أن النظام وحلفاؤه الذين لا يزالون عاقدي العزم على تحقيق نصر عسكري، مستعدون للقيام بالتقدير الخاطئ الذي قاموا به في وقت سابق من هذا العام، عندما قللوا من عزم تركيا على الدفاع عن خطوطها الحمراء، الأمر الذي أدى إلى تصعيد خطير للوضع.

إذا تُرك الحل في سورية لروسيا وتركيا، فقد يطول الصراع، وقد لا يتم حله أبدًا. تركيا مصممة على الحفاظ على الوضع الراهن حتى يتم العثور على حل سياسي لإنهاء الحرب، بينما تقوم ببناء قدرة الحكم الذاتي لإدلب، وفي الوقت نفسه، تعالج بشكل متزايد العناصر المتطرفة وحدها. العلاقات التركية الروسية معقدة ومتعددة الأبعاد، وتتركب من مواضيع عدة، وسورية واحد من هذه المواضيع ليس إلا. وللحصول على فرصة أفضل بالنجاح، يجب أن تركز الجهود المبذولة لتحقيق تسوية، على سورية. لذلك يمكن أن تلعب المشاركة الدبلوماسية الأميركية دورًا في إخراج سورية من الأجندة المعقدة للعلاقات الواسعة بين روسيا وتركيا. ويمكن أن يساعد هذا أيضًا في تحقيق التقارب بين السياسات التركية والأميركية.

إن إعادة مشاركة الولايات المتحدة على الأرض يمكن أن تشكل رادعًا واضحًا ضدّ أي عمل يمكن أن يعرض السلام الهش للخطر، ويحمي السكان المهجرين داخليًا، الذين لم يبق لهم مكان يفرّون إليه، حيث تتحمل تركيا العبء الأكبر في ذلك. يمكن للولايات المتحدة التي تعاملت مع سورية منذ عام 2014 في المقام الأول، من منظور مكافحة الإرهاب، أن تلعب دورًا نشطًا، بالتعاون مع تركيا، في إعادة آلاف المتطرفين الأجانب المحتشدين الآن في إدلب إلى بلادهم، وهم يشكلون مصدر خطر أمني إقليميًا، إن لم تكن عالميًا. ولدى أميركا فرصة لتصحيح الخطأ، وذلك من خلال إظهار التضامن مع تركيا، الحليفة في الناتو، التي واجهت تهديدات وأعباءً كبرى ناتجة من سورية منذ بداية الحرب أكثر من أي دولة أخرى. إذا لم تتصرف الولايات المتحدة، فإن أكبر الرابحين بكل تأكيد هما روسيا وإيران، الأكثر جرأة وتحمسًا.

خلال الربيع العربي عام 2011، حاولت الولايات المتحدة دعم التحولات الديمقراطية، حيثما أمكن ذلك، ولكن في سورية، كان صمت أميركا يصم الآذان، وقد تركت فراغًا كانت كل من روسيا وإيران وتركيا حريصين جدًا على ملئه. أدى تردد أميركا عن التورط في صراع “آخر” في الشرق الأوسط، إلى نفوذ روسي ضخم في سورية، الأمر الذي أنقذ نظام بشار الأسد من زوال محقق في عام 2015؛ لقد كانت التكلفة البشرية للتدخل الروسي منذ ذلك الحين مذهلة. وبالمثل، فإن الانسحاب الأميركي من شمال شرق سورية في عام 2018 مهّد الطريق لتوغل تركي قلب حياة الآلاف من السكان في الشمال. من جانبها، استغلت إيران عدم اهتمام الولايات المتحدة بسورية لتوسيع نفوذها فيها، من زيادة الدعم للحكومة السورية إلى استخدام الوكلاء الشيعة إلى انتشار “القوة الناعمة”، من خلال المبادرات والمؤسسات الثقافية.

عندما يتعلق الأمر بالسياسة، فإن الإدراك المتأخر دائمًا هو 20/20. ومع ذلك، ليس من الصعب تخيل توازن قوى مختلف تمامًا في الشرق الأوسط -وحياة ملايين السوريين وسبل عيشهم سليمة محمية- لو استخدمت الولايات المتحدة ثقلها الدبلوماسي الكبير، في وقت مبكر، لمنعت حكومة الأسد من استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين السلميين. إذا استمرت الولايات المتحدة في اتباع نهج عدم التدخل إلى حد كبير في سورية، فسوف توفر لإيران وروسيا المزيد من الفرص، لاستخدام البلاد وشعبها كوكلاء وبيادق في طموحاتهما الإقليمية، وسيؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار جيران سورية، وترك الباب مفتوحًا أمام عودة ظهور الجماعات المتطرفة العنيفة. ستفوت الولايات المتحدة فرصة لاستخدام علاقتها مع تركيا لتهدئة التوترات مع قوات سوريا الديمقراطية المتحالفة مع الولايات المتحدة في الشمال، فضلًا عن إجبار قوات سوريا الديمقراطية على أن تصبح أكثر رحابة في حكمها في ما يتعلق بالمجتمعات العربية المحلية. وستراقب متفرجة مع بقية العالم المزيد من السوريين الأبرياء وهم يعانون الجوع والتعذيب والتشريد. ببساطة، من الصعب تخيل سيناريو تعيد فيه الولايات المتحدة ممارسة مكانتها الأخلاقية والدبلوماسية في العالم، من دون إعادة الانخراط في سورية.

3 – هل ستتفاوض إيران مع الولايات المتحدة لإعادة التفاوض على اتفاقية نووية جديدة؟

كان الموقف الإيراني واضحًا جدًا: يجب على الولايات المتحدة العودة إلى الامتثال لخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) قبل إجراء أي مفاوضات جديدة. بعد ذلك، ستتحدث إيران مع الولايات المتحدة في إطار متعدد الأطراف، يُفترض أن تكون اللجنة المشتركة المشكلة لمراقبة تنفيذ خطة العمل الشاملة مشتركة. لكن ليس من الواضح -بأي حال من الأحوال- أن إيران ستوسع أو تغير بطريقة أخرى امتيازاتها لعام 2015 على الجبهة النووية، من دون حوافز جديدة مهمة تتعلق بتخفيف العقوبات الأميركية.

كانت تجربة خطة العمل الشاملة المشتركة بأكملها صادمةً للغاية بالنسبة إلى إيران، وقد تقوضت الثقة في الوعود الأميركية (التي لم تكن عالية أصلًا) بشدة، بسبب قرار إدارة ترامب الانسحاب من جانب واحد، بينما كانت إيران في حالة امتثال كامل. لقد اتجهت إيران بشكل أكثر حسمًا تجاه الصين وروسيا وجيرانها المباشرين، وأصبحت أقلّ اعتمادًا على صادرات النفط والتجارة والاستثمار مع أوروبا ممّا كانت عليه قبل أربع أعوام. سيكون من الصعب عكس هذه التوجهات، حتى في ظل إدارة بايدن.

4 – كيف سيبدو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في السنوات الأربع المقبلة؟

تغيّر مشهد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني تغيرًا جذريًا منذ عام 2016. وتبخرت آمال الإحياء الفوري للمحادثات المحتضرة بالفعل، بين الطرفين، في كانون الأول/ ديسمبر 2017، عندما اعترف الرئيس ترامب رسميًا بالقدس عاصمةً لإسرائيل، حيث علّقت القيادة الفلسطينية اتصالاتها مع الوسطاء الأميركيين. أدت سلسلة من الإجراءات اللاحقة، من ضمنها وقف التبرعات الأميركية لـ (أونروا) وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، إلى تعميق الخلاف بين واشنطن ورام الله. في الفترة الأخيرة، في كانون الثاني/ يناير، رحب بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بتقديم ترامب لخطة “السلام من أجل الازدهار” التي انتقدها بشدة محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية. سدّ التنسيق الدقيق ذلك الفراغ المطلق، بين ترامب ونتنياهو، وفي أعقاب موجة التطبيع في العلاقات بين إسرائيل والممالك السنية في الخليج الفارسي، دُفع المسار الفلسطيني إلى أبعد حدود العزلة عن اهتمام العالم.

تمثل الانتخابات الأميركية مفترق طرق. يكاد يكون من المؤكد أن فوز ترامب سيبشر باستمرار الاتجاهات الحالية التي كانت لمصلحة إسرائيل إلى حد كبير، وأحبطت التطلعات السياسية الفلسطينية. من المحتمل أن يمنح ترامب نتنياهو الضوء الأخضر الذي سعى إليه من جانب واحد، لتوسيع تطبيق القانون الإسرائيلي في الضفة الغربية. في المقابل، من المرجح أن تقوم رئاسة بايدن بمحاولة لإعادة تأهيل مكانة “الوسيط النزيه” لأميركا، وإطلاق شرارة استئناف الجهود لإعادة الإسرائيليين والفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات، ولكن من دون افتراض قلبٍ كامل للواقع الحالي. على سبيل المثال، قد يسعى بايدن إلى تسوية فرص متكافئة، من خلال إعادة تعيين قنصلية عامة أميركية مميزة في القدس لإدارة العلاقات الأميركية مع الفلسطينيين. أما بالنسبة إلى النفوذ الفلسطيني لتسريع التقارب بين إسرائيل والعالم العربي، شريطة إحراز تقدم نحو السلام الإسرائيلي الفلسطيني، فإن نجاح مثل هذه الحملة يجب أن يتوقع أن يكون لها تأثير ضئيل فقط مع استمرار الحكومات الإقليمية في السعي لتحقيق مصالحها الخاصة، بغض النظر عن الاعتراضات الفلسطينية.

بعد عقود من الركود، تغيرت علاقات إسرائيل مع العالم العربي جذريًا، ولكن من المرجح أن تظل ملامح الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من دون تغيير. سوف تستمر التوترات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية تغلي على نار هادئة، وسيعتمد الفلسطينيون بشكل كبير على المجتمع الدولي للخلاص، وهم مستعدون لتصعيد جهودهم لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي في المحافل الدولية، في كل من الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية. بينما تسعى إسرائيل إلى توسيع علاقاتها الجديدة الدافئة مع الخليج والمحافظة عليها، فمن المرجح أن تمتنع عن أي عمل يتصدر عناوين الصحف تجاه الفلسطينيين. وسيبقى احتمال الضم غير مطروح على الطاولة، بينما من المرجح أن تستمر عمليات التوغل الأصغر، مثل البناء المحدود للمستوطنات، على قدم وساق. أما قطاع غزة فهو مستعد لمواصلة دورته ما بين الهدوء النسبي والصراع.

يمكن لأي حدثٍ زعزعة الوضع الراهن، كانهيار السلطة الفلسطينية، أو اندلاع حرب كبرى مع جماعة حماس المسلحة في غزة، أو حتى اتفاق سلام بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية. إن أي جهود من جانب إيران لمغازلة الفلسطينيين أو ملء الفراغ في غزة يمكن أن تكون مزعزعة للاستقرار. تتجه كل من إسرائيل والضفة الغربية لتغييرات القيادة في السنوات المقبلة -محمود عباس هو من بين أقدم القادة في العالم، وما زالت المشاكل القانونية التي يعانيها بنيامين نتنياهو تعصف به- لكن لم تصبح أي من الدولتين جاهزة لتحول سياسي كبير في المدى القريب. في حين أن الإدارة الأميركية بقيادة ديمقراطي يمكن أن تؤدي إلى بعض المكاسب الصغيرة للفلسطينيين، من ضمنها استئناف محادثات السلام أو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومن غير المرجح أن ترى إسرائيل مكاسبها تحت إدارة ترامب معكوسة. ستبقى السفارة الأميركية في القدس، وستحتفظ إسرائيل بالسيادة على مرتفعات الجولان، بغض النظر عن الفائز في تشرين الثاني/ نوفمبر.

5 – هل سيكون للصين موطئ قدم أكبر في الشرق الأوسط؟

لدى الصين مجموعة واسعة من المصالح في الشرق الأوسط، ومجموعة من الآليات المحددة بوضوح لمحاولة تحقيقها، ويتقبل العديد من قادة الشرق الأوسط الانخراط الصيني. فرعان من مبادرة الحزام والطريق الهائلة -طريق الحرير الرقمي وطريق الحرير الصحي- يجذبان بشكل خاص القادة الذين يتطلعون إلى بناء اقتصادات قائمة على المعرفة أثناء العبور بين ويلات فيروس (كوفيد -19). فقد تمكنت الصين من ربط مقاربة البيانات الضخمة الخاص بها بالتكنولوجيات الجديدة، وخلقت فرصًا لتعاون رقمي أعمق. كما أن قدرة الصين على إدارة أسوأ ما في جائحة فيروس (كوفيد -19) في الوقت الحالي، إضافة إلى الدعم المادي لشركائها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تعزز مكانتها المتنامية في جميع أنحاء المنطقة.

حتى الآن، لم تقدّم إدارة ترامب سوى القليل من الحوافز الإيجابية لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لتقليل التعاون مع الصين، وبدلًا من ذلك حذرت حلفاءها وشركائها من أخطار العمل مع الصين، ثم أنذرتهم. في الوقت نفسه، لم تكن هناك لدى إدارة ترامب سياسة متماسكة تجاه الشرق الأوسط، وقد ترك ذلك فراغًا كانت تملؤه القيادة الأميركية. من المرجح أن تؤدي إدارة ترامب الثانية التي تتبع النموذج الأول، إلى نظام إقليمي أكثر مرونة في الشرق الأوسط، حيث تلعب الصين فيه دورًا أكبر، إلى جانب العديد من القوى الأخرى ذات المصالح التي لا تتوافق بالضرورة مع أولويات واشنطن لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. السيناريو ليس نظامًا تهيمن عليه الصين -بكين ليست قادرة أو مهتمة بأن تصبح قوة مهيمنة في الشرق الأوسط- بل منطقة تتميز بتنافس العديد من القوى المحلية والخارجية، في بيئة غير مستقرة.

اسم المقالة الأصليFive big questions as America votes: Middle East
الكاتب*مجموعة خبراء
مكان النشر وتاريخهالمجلس الأطلسي،Atlantic Council، 29 أيلول/ سبتمبر 2020
رابط المقالةhttps://bit.ly/2Gq4O0L
عدد الكلمات2917
ترجمةقسم الترجمة/ أحمد عيشة

* جون ميللر: (متقاعد) نائب أميرال، قائد سابق للأسطول الأميركي الخامس في البحرين وباحث أول غير مقيم.

كيرستن فونتينروز: مديرة مبادرة سكوكروفت الأمنية للشرق الأوسط.

جمانة قدور: تترأس الملف السوري في مركز رفيق الحريري وبرامج الشرق الأوسط وهي زميلة أولى غير مقيمة.

مارك ن. كاتز: أستاذ الحكومة والسياسة بجامعة جورج ميسون وزميل أقدم غير مقيم.

دفني أرسلان: مديرة المجلس الأطلسي في تركيا ومقره إسطنبول.

ياسمين الجمل: مستشارة سابقة لشؤون الشرق الأوسط في مكتب وزير الدفاع لسياسة الشرق الأوسط من 2008-2013 وزميلة أولى غير مقيمة.

باربرا سلافين: مديرة مبادرة مستقبل إيران وزميلة أولى غير مقيمة.

شالوم ليبنر: خدم في مكتب رئيس الوزراء في القدس طيلة عهود سبعة رؤساء وزراء إسرائيليين متتاليين، وهو زميل أول غير مقيم.

كرمييل أربيت: كان سابقًا مدير المشاركة الاستراتيجية في مكتب الشؤون الحكومية والسياسة في (آيباك) في واشنطن وهو زميل أول غير مقيم

جوناثان فولتون: أستاذ مساعد في العلوم السياسية بجامعة زايد في أبو ظبي وزميل أول غير مقيم.