حضرتُ اجتماعًا لغرفة دعم المجتمع المدني بجنيف، في كانون الثاني/ يناير 2020، شكا فيه ممثل الإخوة “الأيزيديين” من عدم اعتراف الدولة السورية بالمكوّن الأيزيدي، كديانة مستقلة، وأنها تعاملهم -من الناحية القانونية- بطريقة تميزية كمسلمين، وتُجبرهم على اللجوء إلى المحاكم الشرعية في أحوالهم الشخصية، بدلًا من المحاكم المدنية، في حين أنهم يتبعون دينًا مستقلًا لا يمتُّ إلى الإسلام بِصلة، ودعا إلى ضمان حقوق الأيزيديين في أيّ دستور جديد لسورية!! من جهتي، أبديتُ تحفظًا على تضمين الإشارة بشيء من الخصوصية لطائفة أو دين بذاته في متن الدستور، خشية أن يتسم الدستور بالطابع الطائفي، وسألتُه: هل اتخذتم إجراءات قانونية للاعتراف بكم كأتباع دين مستقل؟ فأجاب بالنفي.

في الواقع، بات الاعتراف بأتباع هذا الدين في الدستور السوري المقبل، وتجنيبهم مراجعة المحاكم الشرعية في أحوالهم الشخصية والخضوع لقانون الأحوال الشخصية، مطلبًا رئيسيًا للأيزيديين، وهو أحد الأهداف الرئيسية لـ “مجلس أيزيديي سوريا”[1].

وحول حقوق الأيزيديين، كأتباع دين مستقل، لهم أحوال شخصية خاصة، نُبدي المقاربة التالية من وجهة نظر حقوقية:

أولًا: الاعتراف بالطوائف الدينية القائمة:

مسألة الاعتراف بالطوائف الدينية وتنظيمها وعلاقتها بالدولة وببعضها البعض نظّمها قانون “نظام الطوائف الدينية” الذي أصدره المندوب السامي “دي مارتيل”، في 13 آذار/ مارس عام 1936، بالقرار رقم (60 ل. ر) النافذ حتى الآن في سورية ولبنان[2].

اعترف “نظام الطوائف الدينية” بالطوائف التاريخية ذات النظام الشخصي التي نظّم محاكمها وشرائعها صك تشريعي، قبل صدوره، أو الطوائف المعترف بها سابقًا بموجب إرادة سنية عثمانية أو قرار رسمي، سواء من المندوب السامي الفرنسي، أو من حكومات دول سورية ولبنان، كما اعترف بالطوائف التي تمارس تقاليد وطقوسًا ترجع لأكثر من قرن قبل صدور النظام، ثم جمَعَ كل الطوائف التي تنتمي إلى الديانات الثلاث (المسيحية واليهودية والإسلامية) ووضعها بجدول ملحق بالنظام، كطوائف معترف بها في سورية ولبنان[3]، واعتبر هذا الاعتراف له قوّة القانون بالنسبة إلى نظام الطائفة. ومنحَ الطوائف المعترف بها الشخصية الاعتبارية (المعنوية) المستقلة المختصة بالتعليم أو بالأعمال الخيرية، والتي يعترف لها نظام الطائفة بأهلية الحصول على الحقوق والواجبات، كما اعترف بالرهبنات، وسمح لها أن تتملك وتشتري الأموال المنقولة وغير المنقولة ضمن ضوابط قانونية، على أن يمثل الطائفة في علاقتها مع الغير والسلطات الحكومية، الرئيس الأعلى لها.

ثانيًا: قواعد الاعتراف بالطوائف الدينية:

لم يُغلق نظام الطوائف الدينية البابَ بوجه الاعتراف لاحقًا بأي طائفة دينية غير تلك المذكورة بالجدول الملحق بنظام الطوائف، ولكنه وضع في المادة الرابعة منه شروطًا للحصول على الاعتراف الرسمي بالطائفة، تتمثل بوجوب التقدّم إلى السلطات بنظام لإدارة شؤون الطائفة يتضمن:

  1. تسلسل درجات الرؤساء الروحيين، والموظفين الدينيين، وطريقة تعيينهم، وصلاحياتهم.
  2. تشكيل المجامع والمحاكم والمجالس واللجان.. إلخ، وصلاحية كل هيئة منها.
  3. الصلاحية المختصة بالمحاكم الدينية وأصول المحاكمة فيها.
  4. التشريع المختص بالأحوال الشخصية في جميع ما يتعلق بشرائع الطائفة الدينية.
  5. طريقة إدارة ممتلكات الطائفة.
  6. تعاليم الطائفة الدينية والواجبات الأدبية المفروضة على المنتمين إليها.
  7. ألا تتضمن هذه الأنظمة نصوصًا تخالف النظام العام أو الآداب أو الدستور.

فإذا ما أرادت الطائفة الأيزيدية السعي للحصول على الاعتراف بها، كطائفة دينية مستقلة، فإن عليها اتباع الطريق القانوني الذي رسمه نظام الطوائف النافذ في سورية، وأن يتقدم ممثلوها إلى سلطات الدولة المعنية (مجلس الوزراء) بنصوص واضحة، تبيّن نظامها وتسلسل مسؤوليها الدينيين ومؤسساتها وتعاليمها الدينية والواجبات الدينية للمنتمين إليها وقواعد أحوالها الشخصية وطريقة إدارة ممتلكاتها، كما ورد بالقانون المشار إليها أعلاه، بدلًا من السعي للاعتراف بها في الدستور فقط.

ثالثًا: تشريعات الأحوال الشخصية النافذة في سورية:

يسري على السوريين عامة والمسلمين منهم خاصة قانونُ الأحوال الشخصية العام الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 59 تاريخ 7 أيلول/ سبتمبر 1953، ولكن هذا القانون أفرد حيّزًا في المادة 307 منه للطائفة الدرزية بأحكام خاصة تسري على أبنائها، تتعلق بالزواج والطلاق والوصية، بحيث تطبّق المحاكم الشرعية في الدولة هذه الأحكام، إذا عُرض عليها نزاع بين أبناء هذا الطائفة، مع العلم أن قانون السلطة القضائية أحدث لأبناء هذه الطائفة محكمتين مذهبيتين للنظر بقضايا الأحوال الشخصية: الأولى في السويداء، والثانية في ريف دمشق (صحنايا) برئاسة قاض من أبناء الطائفة.

واستثنى قانون الأحوال الشخصية في المادة 308 الطوائف المسيحية واليهودية من تطبيق أحكامه في مسائل: [الخطبة، وشروط الزواج وعقده، والمتابعة، والنفقة الزوجية، ونفقة الصغير، وبطلان الزواج وحله وانفكاك رباطه، وفي البائنة (الدوطة)، والحضانة، والإرث، والوصية]، ومنح الحق لكل طائفة بأن تطبق على الأفراد المنتمين إليها ما لديها من أحكام تشريعية في المسائل المذكورة، بواسطة محاكم روحية مشكلة من رجال دين تعينهم الكنيسة التابعة للطائفة.

وبذلك يكون لدينا عدد من قوانين الأحوال الشخصية النافذة في سورية، تعود لمختلف الطوائف تطبّقها المحاكم الروحية الخاصة بكل طائفة، فهناك قانون أحوال شخصية للطائفة الموسوية، وقانون نظير للطوائف الكاثوليكية المختلفة (الروم الكاثوليك، السريان الكاثوليك، الأرمن الكاثوليك، الموارنة، الكلدان، اللاتين)، وقوانين أخرى لكل من طوائف الروم الأرثوذكس، والسريان الأرثوذكس والأرمن الأرثوذكس، والطائفة الإنجيلية. وهنالك أيضًا قوانين أخرى خاصة بمسائل الإرث والوصية، لكل الطوائف المسيحية المذكورة آنفًا، صدرت بين عامي 2006 و2012، وكانت أحكام الإرث والوصية المطبقة على المسلمين تسري على هذه الطوائف قبل ذلك.

رابعًا: الأحوال الشخصية للأيزيديين:

يشكو الأيزيديون من معاملتهم في مسائل أحوالهم الشخصية (الزواج والطلاق) كمسلمين، وتطبيق قانون الأحوال الشخصية العام عليهم بالرغم من أنهم غير مسلمين، وهذه الشكوى تحتاج إلى النظر في الواقع.

في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 1917، استغلّت السلطات العثمانية ظروف الحرب العالمية الأولى وخصومتها مع الدول التي كانت تساند الأقليات في السلطنة، والتي فرضت عليها بعض القيود بموجب معاهدات دولية عدة، فأصدرت قانونًا موحدًا للأحوال الشخصية طبّقته على كل المواطنين في السلطنة، مهما كانت ديانتهم سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهود، دعته “قانون حقوق العائلة” تضمّن أحكامًا للزواج والطلاق خاصة بكل طائفة، وقد راعى ذلك القانون إلى حدّ ما خصوصيات أبناء الديانتين المسيحية واليهودية في هذه المسائل، ولكنه انتزع أي سلطة لرجال الدين فيها، وأبقى لهم سلطة رمزية نوعًا ما.

بعد انتهاء الحقبة العثمانية ودخول الحكم العربي البلاد؛ أصدر الملك فيصل، في التاسع من كانون الثاني/ يناير 1919، “قانون التشكيلات العدلية المؤقت”، واعترف فيه مجددًا بالقضاء الكنسي والموسوي الذي كان سائدًا قبل صدور قانون حقوق العائلة المذكور، فقضى بموجب المادة 18 منه بأن المحاكم التي كانت موجودة عند الطوائف غير المسلمة تبقى وظائفها وحقوقها كما كانت قبلًا، وبذلك ألغيت الأحكام التي كانت تخص المسيحيين واليهود من قانون حقوق العائلة العثماني الذي بقي نافذًا على بقية السوريين المسلمين حتى عام 1953. وعادت لرجال الدين المسيحي واليهودي ولمحاكم الأحوال الشخصية التابعة لهم سلطتهم السابقة في مسائل الأحوال الشخصية التي اعترف بها لاحقًا نظام الطوائف عام 1936، والذي قضى في المادة العاشرة منه بإخضاع المنتمين إلى طائفة ذات نظام شخصي معترف بها في أحوالهم الشخصية لأحكام نظام طائفتهم الشرعي.

وفي أوّل تعديل أجراه المندوب السامي الفرنسي لنظام الطوائف الدينية، في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1938 بالقرار (146 ل. ر)، أُضيفَ نص للمادة العاشرة منه يفيد بخضوع المواطنين الذين لا ينتمون لطائفة ما للقانون المدني في الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية، ولم يكن بإمكان “الأيزيديين” في سورية الاستفادة من هذا التعديل والخضوع لأحكام القانون المدني في أحوالهم الشخصية، بسبب عدم وجود قانون مدني نافذ في سورية آنذاك، حيث كانت تطبق في العلاقات بين الناس “مجلة الأحكام العدلية” المستمدة من الفقه الإسلامي، والتي بقيت أحكامها نافذة حتى صدور القانون المدني السوري في 18 أيار/ مايو 1949، وربما استفاد من هذا التعديل اللبنانيون، بسبب وجود قانون مدني لديهم صادر في 9 آذار/ مارس 1932 باسم (قانون الموجبات والعقود). أما بعدما صدر القانون المدني السوري عام 1949، فكان بإمكان الأيزيديين السعي للخضوع لأحكامه، واستثنائهم من تطبيق قانون حقوق العائلة النافذ آنذاك قبل إصدار قانون الأحوال الشخصية النافذ حاليًا.

خامسًا: المركز القانوني للأيزيديين:

بالرغم من أن قانون الأحوال الشخصية العام النافذ والصادر عام 1953 قضى في المادة 306 منه بسريانه على السوريين كافة، باستثناء بعض الأحكام التي حددها بدقة ووضوح، بالنسبة إلى المسيحيين واليهود والدروز، فإنه لا يتعامل مع الأيزيديين كمسلمين، كما يقولون، وإنما من حيث المبدأ يحق لأي دولة في العالم أن يكون لها قانون عام يطبق على كل مواطنيها (بغض النظر عن مصدر هذا القانون من الفقه الإسلامي)، حتى إن الدولة السورية تقرُّ بأن للأيزيديين دينًا مستقلًا غير الأديان الإبراهيمية الثلاثة المعروفة، بدليل أنها تعاملت مع الإيزيديين العراقيين الذين لجؤوا إلى سورية، إبان الغزو الأميركي للعراق، في أحوالهم الشخصية، كأتباع دين مختلف، وطبقت عليهم القانون المدني، ونظرت بقضاياهم تلك محاكم البداية المدنية وليس المحاكم الشرعية كباقي العراقيين من المسلمين! وهذا ما أكده تعميم وزير العدل الأخير رقم 7 تاريخ 14 شباط/ فبراير 2022 الخاص بالطائفة الأيزيدية، والذي نبدي حوله المطالعة التالية:

سادسًا: حول تعميم وزير العدل رقم /7/ تاريخ 14 شباط 2022 الخاص بالطائفة الأيزيدية:

يُستشَفُّ من مطلع هذا التعميم أنه صدر ردًا على كتاب موجّه من ممثلي الطائفة الأيزيدية إلى قيادة حزب البعث يشكون فيه من عدم وجود قانون خاص بهم يُنظم أحوالهم الشخصية، وأنهم طلبوا العمل على إصدار قانون لهم، وبرأينا إنّ تجاهل كلّ من ممثلي الطائفة الأيزيدية ووزارة العدل لنظام الطوائف رقم 60 لعام 1936 المذكور أعلاه، سواء في الطلب أو الجواب، ليس له ما يبرره، ويورث خللًا قانونيًا في العلاقة بين الطائفة الأيزيديّة والدولة، إذ كان يفترض بممثلي الأيزيديين -بدلًا من أن يطلبوا سنَّ قانون أحوال شخصية خاص بهم- أن يتقدّموا بطلب الاعتراف بهم كطائفة مستقلة، مع مجموعة النصوص المحددة في قانون نظام الطوائف، ومن بينها مسودة قانون خاص للأحوال الشخصية، كما ذكرنا أعلاه، كي يُنظر في موافقتها النظامَ العام أو الآداب أو الدستور، أو أن يطلبوا إخضاعهم لأحكام القانون والقضاء المدني في أحوالهم الشخصية، عملًا بنصّ المادة العاشرة من قانون نظام الطوائف، وبعد ذلك ترى جواب الدولة على طلبها وتبني على الشيء مقتضاه.

أما وزارة العدل التي تولّت -نيابةً عن الدولة- الجوابَ على طلب سنّ قانون أحوال شخصية خاص بالطائفة المذكورة، ورفضت الطلب ضمنًا استنادًا إلى أحكام قانونَي السلطة القضائية والأحوال الشخصية النافذ، فقد فاتها أيضًا الاتكاءُ على نظام الطوائف الدينية، والتنبيه إلى وجوب مراعاة أحكامه عند التقدم بطلبات كهذه، وهذا قصور قانوني واضح في معالجة قضية حساسة كهذه!


[1] http://ezidenrat.de/?page_id=196

[2] جرى تعديل هذا القانون عدة مرات بالقرار 146 ل. ر تاريخ 18 تشرين الثاني 1938، وبالقرار 53 ل. ر تاريخ 30 آذار 1939، وبالقانون 411 تاريخ 3 حزيران 1957.

[3] تمَّ إخراج الطوائف الإسلامية من هذا النظام فيما بعد بالقرار 53 لعام 1939، نتيجة بعض الاضطرابات واحتجاج رجال الدين الإسلامي على هذا النظام.